إسلام ويب

كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم النحر يوم عظيم، فهو اليوم الذي لا يماثله يوم في كثرة الدماء التي تراق فيه تقرباً إلى الله عز وجل، سواءً دماء الأضاحي أو دماء الهدي، وهو اليوم الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم خطبته البليغة التي تعد دستوراً للأمة، لما اشتملت عليه من أحكام عظيمة، وهو اليوم الذي يبدأ فيه التحلل من الإحرام.

    1.   

    الأعمال التي يعملها الحاج يوم النحر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين. أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [(ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، كل حصاة مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر) ].

    وصل بنا الحديث في الكلام على حديث جابر رضي الله تعالى عنه في بيان صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المزدلفة، إلى أن صلى المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين، ولم يسبح بينهما، قال: (اضطجع حتى الفجر) فلما طلع الفجر صلى الصبح بأذان وإقامة، وفي غير حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ وتبسم، فقيل له: (تبسمت يا رسول الله! في موطن لم تكن تتبسم فيه؟ قال: كنت سألت ربي أن يغفر لأمتي ويرحمها، فأعطاني ذلك إلا التبعات، فألححت على ربي -أي: في موقف عرفات- فلم يعطني، وقد أعطانيها الليلة) ، وفي بعض الروايات أنه قال له: (أما ما كان من ذنوب أمتك فيما بيني وبينهم فقد غفرتها، ولكن التبعات) والتعبات: هي تبعة كل إنسان على الآخر، أي: حقوق العباد فيما بينهم، كأن يكون لإنسان مظلمة عند أخيه في مال، أو في دم، أو في عرض، أو في أي شيء، فهذه تسمى حقوق العباد فيما بينهم، وأما ما كان بين العبد وبين الله ولا تعلق لحق عبد فيه فهذه هي حقوق الله سبحانه وتعالى، ويقولون: حق الله مبني على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحّة.

    وهنا ذكر صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى استجاب له، وجاء في بعض الروايات أنه قيل له: (إلا التبعات، فقال: يا رب! إنك قادر أن ترضي صاحب الحاجة، أو صاحب المظلمة عن حاجته أو عن مظلمته، وتغفر لصاحبه، فلم يعطه) ، وفي تلك الليلة استيقظ متبسماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى استجاب له وغفر لأمته حتى التبعات.

    وهذه التبعات تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان عشية يوم عرفة ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف ملائكة السماء، يقول: عبادي جاءوا شعثاً غبراً ماذا يريدون؟ فتقول الملائكة: يا رب! أنت أعلم بما جاءوا إليه، جاءوا يرجون رحمتك ويخشون عذابك، فيقول سبحانه: أشهدكم يا ملائكتي! أني قد غفرت لهم، أفيضوا مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه) والعشية في اللغة من بعد العصر إلى غروب الشمس.

    وفي قوله: (فقد غفرت لكم) اختلف العلماء هل يغفر كل شيء أو تستثنى التبعات؟

    أكثر العلماء يقولون: كل شيء؛ لأنه لم يستثن شيئاً في هذا الحديث.

    وبعض العلماء يقول: إلا التبعات، أي: التي لم يعطها صلى الله عليه وسلم، وقد أعطيها صلى الله عليه وسلم في ليلة المزدلفة.

    وبالمناسبة ذكر العلماء سبب هذه المباهاة فقالوا: لما أخبر الله الملائكة أنه سيخلق بشراً جديداً كما في قوله تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72] فتساءل الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:30-31]، فقالوا: إن الملائكة تساءلوا لما سمعوا من المولى سبحانه قوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة:30]؛ لأنه كان في الأرض أجناس من الخلق قبل آدم، عمروها، ففسدوا فيها وأفسدوا، وسفكوا الدماء، وكان إبليس ممن يقود الجيوش في سبيل الله، ورفع إلى مكانة عليا، وكان مع ملائكة السماء الدنيا؛ لكثرة جهاده وعبادته.

    ولما كان الملائكة قد رأوا السلوك الذي كان من عمّار الأرض تساءلوا: (أتجعل فيها) يعني: مرة أخرى، فأعلمهم سبحانه وتعالى وقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، ثم بين فضل آدم بتعليمه الأسماء، وعرضهم على الملائكة، فاعتذروا وقالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32]، ثم أنبأهم آدم بها، ولما ظهر فضله أمرهم الله أن يسجدوا له سجود تعظيم وتكريم، فإذا جاء يوم عرفة، واجتمع الخلائق من كل فج عميق يباهي الله بأهل الموقف الملائكة، كأنه يقول لهم: كنتم تقولون: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ وهؤلاء هل هم مفسدون؟ ولم جاءوا؟ وماذا يريدون؟ فيقولون: (جاءوا شعثاً غبراً يريدون رحمتك، ويخشون عذابك)، فهذه هي -كما يقولون- مناسبة أن الله سبحانه يباهي بأهل الموقف ملائكة السماء. وقوله سبحانه: (أفيضوا مغفوراً لكم) يقولون: هل غفر لهم كل شيء بدون استثناء، أو غفر لهم كل شيء إلا التبعات؟ قد تقدم الكلام على هذا، وسواء كان هذا أو ذاك فإن الله سبحانه قد تكرم على عباده، ومنحهم غفران التبعات أيضاً. فهو سبحانه وتعالى يغفرها لمن ارتكبها، ويرضي أصحابها عنها.

    وجاء في حديث آخر: (إن الله سبحانه وتعالى إذا كان يوم القيامة والناس في الموقف يرفع غرفاً يراها أهل الموقف كما يرى أهل الأرض النجوم في السماء، فيقولون: يا رب! لمن هذه الغرف؟ فيقول: لمن عفا عن مظلمة لأخيه، فكل من كانت له مظلمة عند أخيه يقول: يا رب! عفوت عنها) أي: لينال من تلك الغرف.

    وفي الجملة: فإن الله سبحانه وتعالى تكرم على هذه الأمة بهذه المنح العامة، وتكرم عليها بأن جعلها شاهدة على الأمم، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، إلى آخر خصائص هذه الأمة على غيرها.

    مشروعية التغليس في صلاة الفجر يوم النحر

    وهنا استيقظ صلى الله عليه وسلم متبسماً، ثم صلى الصبح في أول وقت يمكن أن تصلى فيه، حتى قال بعض الناس: لقد صلى الصبح قبل وقتها أي: قبل الوقت المعتاد في كل يوم، أي: أنه كان بعد أن يطلع الفجر، ويستبين النهار، يؤذن المؤذن، ثم يقيم على مهل، أما هنا فأول ما تبين الفجر وتبين النهار من الليل أذن المؤذن وأقام وصلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أنه بادر بصلاة الصبح في ذلك اليوم دون بقية أيام السنة.

    الانتقال من المزدلفة إلى المشعر الحرام والدعاء عند المشعر

    وقوله: (صلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام).

    يبين بقوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام) أن نزوله كان في غير المشعر الحرام؛ لأنه لما استيقظ وصلى لم تكن صلاته في المشعر الحرام، وإنما ركب وأتى إلى المشعر الحرام بعد الصلاة.

    إذاً: المزدلفة كلها موقف، والمشعر الحرام جزء منه في طرف منها، وهو كان عبارة عن جبيل صغير وبني بجانبه مسجد، ثم وسع المسجد وهو المعروف الآن بمسجد المزدلفة.

    قوله: (فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله).

    يقولون هنا: إنه صلى الله عليه وسلم وقف عند المشعر الحرام ودعا الله طويلاً، ويقول بعض العلماء: إن في بعض الروايات: أنه كان رافعاً يديه وضاماً لها إلى صدره في صورة المسكين الذي يطلب إحساناً، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم لربه في سؤاله وحاجته، وهل كان يسأل لنفسه أو كان يجتهد في سؤاله للأمة، كما كان في عرفات يجتهد ويسأل الله تعالى للأمة أن يغفر لها، وأن لا يجعل بأسها بينها، وأن لا يهلكها بكذا؟ الجواب: أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يكون للأمة ولنفسه معهم.

    وبعض الناس ربما يأتي إلى المزدلفة ويذهب عنها وهو لا يعلم أين المشعر الحرام ولم يذهب إليه، فما حكم حجه هذا؟

    الجواب: وقع الإجماع على أنه لا شيء عليه، فإن تيسر له الذهاب إليه وعلم مكانه فأتاه ودعا عنده فهذا أفضل؛ لأن الله سبحانه يقول: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]، وهذا مكان -كما يقولون- تستجاب فيه الدعوة، والرسول اجتهد بدعاء ربه فيه، وإن لم يتيسر للإنسان الذهاب إليه، أو كان هناك زحام شديد لم يستطع بسببه المكث فيه، فمر عليه ووقف بإزائه ودعا فلا مانع، وإذا بقي في مكان نزوله بعيداً عن المشعر الحرام كما نزل رسول الله، وصلى مكانه أو مع الإمام أو مع جماعة من جماعته فليرفع يديه وليدع الله بقدر ما يتيسر له ويستطيع.

    قوله: (فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً).

    لم يزل واقفاً عند المشعر الحرام يسأل ربه حتى أسفر، والإسفار هو: من السفر وهو النور، ولذا سمي السفر سفراً؛ لأنه ينير ويكشف عن حقيقة الصاحب في السفر، فأنت إذا كان لك صاحب في الحضر وفي الرخاء تجد منه العسل؛ لأنه ليس هناك مشقة، وليس هناك إيثار على النفس، وليس هناك حاجة إلى أن يمده إليك، وأما عند الأسفار فهناك التعب، وهناك الظنة بما في اليدين، وهناك الشح بما يملك الإنسان، وهناك الكسل وعدم المبادرة إلى المساعدة، فتظهر حقائق الرجال في السفر، ولهذا كان عمر رضي الله تعالى عنه إذا جاء إنسان ليزكي إنساناً عنده، وتزكية الشهود لم تحصل إلا في زمن عمر ، وقبلها كان الشهود يُقبلون بدون تزكية. فجاء رجل إلى عمر ، وقال: يا أمير المؤمنين! أدرك الناس، فإن شهادة الزور قد تفشت في العراق، فأمر أن لا تقبل شهادة مجهول إلا بشاهدين يزكيان هذا الشاهد أنه صدوق وعدل، فكان عمر إذا جاءه إنسان ليزكي إنساناً يقول له: هل تعرفه؟ فيقول: نعم، فيقول له: هل بينك وبينه رحم؟ فيقول: لا، فيقول له: هل بينك وبينه معاملة في الدرهم والدينار؟ فيقول: لا، فيقول: هل سافرت معه؟ فيقول: لا، فيقول له: اذهب فأنت لا تعرفه. لأن هذه هي الحالات التي تكون فيها المخالطة عن قرب، وتكون فيها مشاحة النفس؛ لأن الحياة بين الأرحام يحصل فيها شدة ويحصل فيها ضيق، ويحصل فيها غضب، ويحصل فيها رضا، كما هي شئون حياة البشر، فتعرف حقيقة الإنسان عندها، ويعرف إن كان شحيح النفس أو واسع الصدر.

    وكذلك المعاملة بالدهم والدينار، يعرف عندها الإنسان هل هو يحرص على تحصيله من أي سبيل أو أنه يتعفف ويتورع عن الذي فيه شبهة؟! وكذلك السفر يعرف عنده الإنسان هل هو يحافظ على الصلاة في السفر؟ وهل يؤدي الأمانة في السفر؟ وهل يساعد رفيقه في مشاق السفر؟ وهل وهل... إلخ.

    قوله: (حتى أسفر) يعني: ظهر ضوء النهار من الليل جداً، يعني: قبيل طلوع الشمس، وربما بدأت إشعاعاتها البعيدة تحت الأفق في جهة الشرق.

    مشروعية الدفع من المشعر الحرام والإسراع في بطن وادي محسر

    قوله: (فدفع قبل أن تطلع الشمس).

    دفع قبل أن تطلع الشمس، يعني: قبيل طلوعها؛ لأننا إذا صلينا الفجر عند الأذان فقد صلينا قبل طلوع الشمس، وإذا صلينا بعد طلوع الفجر بنصف ساعة فقد صلينا قبل طلوع الشمس، وإذا صلينا قبل طلوع الشمس بعشر دقائق فقد صلينا قبل طلوع الشمس، ولكن إذا قيل: قبل طلوع الشمس فمعناه: قرب طلوعها.

    قوله: (حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً).

    دفع من المشعر الحرام حينما أسفر جداً، وقبل أن تطلع الشمس، وذلك مغايرة لما كان قبل الإسلام، فقد كانوا يقولون: (أشرق ثبير كيما نغير) ولم يكونوا يفيضون من المزدلفة حتى تشرق الشمس على رأس جبل ثبير، فخالف النبي صلى الله عليه وسلم أعمال الجاهلية ونزل من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، ثم دفع حتى أتى بطن وادي محسر بين مزدلفة ومنى، فحرك راحلته قليلاً، وهنا من أعظم الدروس التي يأخذها الحجاج في حجهم في بطن هذا الوادي موجب هذا الإسراع، وموجبه أن هذا الوادي أنزل الله سبحانه فيه العذاب على قوم فأهلكهم، وجميع الأماكن التي هي مواطن المسخ أو مواطن العذاب، لا ينبغي لإنسان أن يقيم فيها ولا أن يمر بها، ولا أن يدخلها إلا للحاجة، ووادي محسر لابد للحاج أن يقطعه؛ لأنه بين المزدلفة وبين منى، وليس هناك طريق غيره، فإذا دخله فعليه أن يسرع الخطى حتى يخرج منه، وقالوا: إن الإنسان يسرع في هذا الوادي مقدار رمية الحجر، بقدر المستطاع؛ لأن الأمور تقديرية، فإن كان راكباً حرك الدابة، وإن كان ماشياً على قدميه أسرع خطاه، بقدر ما يتيسر له دون إرهاق.

    والسبب في ذلك كما هو معلوم للجميع ما كان من قصة جيش أبرهة حينما جاء ومعه الفيل قاصداً هدم الكعبة، فلما وصل إلى الطائف رأى صنماً كبيراً فظنه الكعبة، فقالوا له: لا، إن مطلبك أمامك، فقال لهم: أعطوني رجلاً يدلني على الطريق، فأعطوه رجلاً، فمشى معه إلى أن نزلوا ببطن الوادي، وقد أصبحت مكة قريبة منهم، فجاء هذا الرجل إلى الفيل وهمس في أذنه وقال: أتدري يا محمود! إلى أين تذهب، وماذا يراد منك؟ وكان محمود اسماً للفيل، والناس قد يسمون بعض الحيوانات، فيسمون بعض الغنم سعدية وسعدة ونحو ذلك، فبقي الفيل جالساً، فلما أرادوا أن ينهضوا به حينما أرادوا الرحيل لم يقم، فضربوه وآذوه بمحاجم فلم يتحرك، فحولوه إلى حيث أتى فقام يهرول راجعاً، فحولوه إلى جهة الكعبة فبرك مكانه.

    ودائماً ننبه في مثل هذه الحالات على أن الإنسان إذا كان طاغياً، وفكرة الطغيان مسيطرة عليه فإنه تغلق عليه الأبواب وتظلم بصيرته، ولا يرى الرشد، ونظير هذا ما وقع لفرعون عند أن جاء ووجد البحر مفلوقاً لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كل فرق كالطود العظيم، فأنت يا فرعون! لو كان عندك عقل، وأنت ترى البحر الذي تعرفه قد أصبح الآن طرقاً، والماء الرجراج قد أصبح مثل الجبل، فستعلم أن هذا شيء ليس بعادي، وستعلم أن هذا وقع لنبي كان يدعوك من قبل، وقد أراك تسع آيات، وأراك العصا والحية، ودعاك إلى الله وتعب معك في الدعوة، وأنت الآن أمام أمر يفوق قضية العصا والحية أو يعادلها، وقد مشى فيه موسى، فلماذا لم تقف وتتذكر وتعتبر بأن الذي فعل هذا لموسى ليس بقدرة موسى، وإنما هو بقدرة رب موسى الذي كان يدعوك إليه؟ ولماذا لم تأخذ العبرة والموعظة ما دام أن ربه قد عمل له هذا؟ إذاً: هو على الحق، فكان المنطق السليم أن يرجع فرعون أمام هذه الآية، ولكن طغيانه أنساه، وأظلم بصيرته، فلج ودخل في تلك الطرق وسط الأمواج، فأطبق الله عليه البحر وأغرقه هو وجنوده.

    وكذلك نقول هنا لـأبرهة : أنت قد رأيت الفيل وهو كما يقولون: أغلظ الحيوانات طبعاً، ولكنه ذكي، ويذكرون عن الفيل في تعليمه أنه من أذكى الحيوانات، ويفاضلون بينه وبين الفرس في الذكاء؛ لأن الفرس ذكي جداً، فها أنت يا أبرهة! قد رأيت أن الفيل ليس قادراً على أن يُقبل على ما أنت مقبل عليه، وقد جعل يرجع ويهرول إلى الموضع الذي أتى منه، أفلا ترجع؟! كان عليك أن تتأسى بالفيل، وأن تحجم عن الذي جئت من أجله، وأن ترجع كما رجع الفيل عنه، ولكنه أصر على المضي، فكان كما قال الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ [الفيل:1-3] الإبيل والأبابيل جمع: تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل:4] سبحان الله!

    يقولون: كان الطير يحمل ثلاثة أحجار: حجرين في مخلبيه وحجراً في منقاره، وكان الحجر الذي يرميه على الفارس يخترق الفارس والفرس حتى يسقط إلى الأرض، وقد ذكرت لكم سابقاً أن بعض الناس يتساءلون ويقولون: إذا كان في الحجر قوة الاختراق هذه، وتخترق إنساناً من رأسه إلى الفرس إلى الأرض فكيف استطاع الطير أن يمسكها بمخالبه، وأن يمسكها بمنقاره؟

    الجواب: قد ذكرت لكم أن هذا ممكن في الموجودات الأخرى، فقد وجد مثل هذا في حجر اليود، وهو يستخرج من ماء البحار المالحة، إذا وضعته على الحديد صهره، وإذا وضعته على الخشب أشعل فيه النار حالاً، وإذا وضعته على الزجاج لا يؤثر فيه شيئاً ولا يرفع الحرارة فيه حتى درجة واحدة، فالذي خصص الزجاج عن الحديد وعن الخشب هو الذي جعل الطير تأخذ هذه الحجارة ولا تؤثر فيها شيئاً، ويهمنا أن الله سبحانه أهلك ذاك الجيش بفيله في هذا الوادي، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5].

    فما كان موطن عذاب، فإن السنة فيه أن يسرع الإنسان ولا يقيم، ويقول كثير من المؤرخين: إن الله سبحانه وتعالى فعل ذلك في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا من الإرهاصات لمجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا أسرع النبي صلى الله عليه وسلم الخطى، وكما قال في مدائن صالح: (لا تدخلوها عليهم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا) أي: ولو من باب الشكليات؛ لتظهروا الأسف، وهنا نقول: أبرهة قد انتهى هو وجيشه وفيله، والذي نأخذه نحن في هذا الموطن من الموعظة والعبر أننا ننظر إلى منهجية الفريقين: الفريق الأول: هو هذا الجيش الباغي المعتدي، ودينه النصرانية، وهو على دين سماوي، حرف أو لم يحرف، والفريق الثاني: هم القوم الذين ذهب إليهم أبرهة ليهدم البيت الذي يعظمونه وهم وثنيون، ولا شك عند الجميع أن الكتابيين خير من الوثنيين، ومهما غير الكتابيون في دينهم إلا أن عندهم مبدأ وأصل، ولهذا جاز للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولا يجوز له أن يتزوج المشركة الوثنية، وإنما يستمتع بها بملك اليمين، وأما بعقد نكاح فلا، وكذلك يترك أهل الكتاب على دينهم، ويُقبل منهم أن يدفعوا الجزية؛ لأنهم سيتركون على بقايا كتاب عندهم، أما الوثنيون فلا يقبل منهم أن يدفعوا الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإيمان أو السيف؛ لأننا إذا أخذنا منهم الجزية وتركناهم فسنتركهم على عبادة الأصنام، وهذا لا يقبل منهم، فهناك فرق بين الفريقين، ومع ذلك فإن الله أهلك من هم خير في العقائد وهم أهل الكتاب من أجل أولئك الوثنين الذين يعبدون الأصنام، مع أن الأولى والأحق بالنصرة هو الكتابي؛ لأنه على عقيدة، لها أصل وإن كانت محرفة، فلماذا؟

    الجواب: إن الفارق الذي غلَّب جانب هلكة الكتابي هو الظلم؛ لأنه جاء ظالماً باغياً طاغياً يريد أن يهدم الكعبة، وماذا عملت به الكعبة؟ وإن أراد أن يؤذي قريشاً فماذا صنعت به قريش؟ هو بنى كنيسة وزخرفها وأراد أن يحج الناس إليها بدل الكعبة، فجاء رجل من عامة أهل البادية وتغوط داخلها، فغضب وأراد أن ينتقم، فيقال له: انظر أين الرجل الذي تغوط وانتقم منه هو، أما أن تأتي لتنتقم من جميع أهل مكة فهذا ليس فيه عقل ولا عدالة.

    إذاً: أيها الحاج الكريم! إذا مررت بهذا الوادي وأسرعت فعليك أن تتساءل: لماذا أسرع هنا دون جميع الأماكن في الحج؟ سيقال لك: لأن هذا المكان حصل فيه كذا وكذا، إذاً: فاحذر أن تطغى، واحذر أن تظلم، واحذر أن تبغي على أحد، وتجنب الظلم، واذكر قوله سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) وقوله سبحانه في الحديث الآخر: (إني لأنصر المظلوم ولو كان كافراً)؛ لأن الكافر إذا ظُلم، وطلب من يرفع الظلم عنه فلم يجد، فتوجه إلى الله، فهو عندما يتوجه إلى الله موقناً بأنه وحده القادر على أن يأخذ حقه، فهو في هذه اللحظة مؤمن بوجود الله، ومؤمن بقدرة الله، ومؤمن بعلم الله بظلمه وأنه سينصره، وهذا القدر يكفي في إجابة دعوته، وكما قالوا في قصة فرعون مع موسى: إن فرعون لما جاءه الغرق بدأ ينادي: يا موسى! يا موسى! عدة مرات، وموسى لم يلتفت إليه حتى لا يجيبه، فلما انتهى أمر فرعون عاتب الله موسى، فقال: يا موسى! فرعون يناديك عدة مرات، ولا تلتفت إليه.. لو دعاني مرة واحدة لأجبته؛ لأنه حينما يدعوه في تلك اللحظة فهو قد آمن، وهو يعلم أنه قادر على أن يعطيه دعوته.

    إذاً: حينما يمر بذلك الحاج الموضع يتذكر ذلك التاريخ، وكما قلنا مثل ذلك في الرمل الذي كان في عمرة القضية عند أن تآمر المشركون على المسلمين لما بلغهم من ضعفهم، وفي موضوع السعي بين الصفا والمروة، في قصة طلب هاجر للماء، وكيف استطلعت من حولها فلم تجد أحداً، فاتجهت إلى الصفا ثم إلى المروة، كل هذه خطوات يجب على الحاج أن يستفيد منها بإحياء ذكراها، والتأسي بما تعطيه من مدلول.

    1.   

    الأعمال التي يعملها الحاج في يوم النحر إذا وصل إلى منى

    وهنا أسرع صلى الله عليه وسلم في هذا الوادي، فلما انتهى منه وجاء إلى العدوة الثانية صار في حيز منى، ولما جاء إلى منى، أول ما فعله أنه أتى إلى الجمرة حالاً، ولم يذهب إلى منزله، ولهذا يقولون: إن تحية منى: هو المبادرة إلى رمي جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات من بطن الوادي.

    وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس في المزدلفة: (التقط لي سبع حصيات) فأخذ معه سبع حصيات من المزدلفة، وهذا يدل على أن الحاج لابد أن يكون متأهباً للعمل الذي أمامه وهو رمي جمرة العقبة، حتى إذا وصلها شرع في رميها، ولا يذهب ينادي ويقول: ابحثوا لي عن حصى، بل عليه أن يكون متأهباً. وهنا فكرة طرأت على ذهني في هذا الموقف وهي أن الله سبحانه وتعالى لما امتن على المسلمين بالوقوف بعرفة، وغفر لهم وحط عنهم أثقالهم، وفك عنهم قيودهم التي كبلهم بها الشيطان؛ لأن الشيطان قال: لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62] فالشيطان قد توعد الأمة بين يدي الله أنه سيأتي بحبل ويضعه في حنكهم ويسحبهم كما يسحب الإنسان الدابة، وفعلاً كثير من الناس ينقاد له كذلك، فكان الإنسان يقترف في حياته خطيئة مع أخرى حتى صارت كالجبال فوق ظهره، وصار مثقلاً ومقيداً يقاد بمقود كالبعير، ولما كان يوم عرفات غفر سبحانه وتعالى له خطاياه وأزال عنه قيوده، فكيف سيكون حاله بعد هذا؟

    سيكون على أمرين: الأول: الخفة، والثاني: استشعار النصرة من الله على عدوه، ولهذا ما رؤي الشيطان أصغر ولا أذل ولا أحقر منه من يوم عرفة؛ لما يرى من تنزل الرحمات، ولما يرى من أن الله قد غفر للجميع فينادي بالويل والثبور؛ لأنه طول عمره وهو يسعى وراء هؤلاء لإضلالهم، فإذا به في لحظة واحدة قد بطل مسعاه، وضاع كل جهده مع هذه الملايين التي جاءت ووقفت في الموقف، فيتأسف على ذلك، فإذا ما جاء الحاج إلى المزدلفة أخذ قسطاً من الراحة، والاستحمام، ثم ذهب ليصفي حسابه مع الشيطان -كما يقولون- لأن الشيطان كان معلناً عليه الحرب، وكان مستأسره، وكان مستضعفه، وقد فعل به ما شاء، فهو الآن جاء ليصفي حسابه مع الشيطان، وكأنه سيدخل معركة مع الشيطان، فيتزود من المزدلفة بالسلاح الذي سيعلن به الحرب على الشيطان، والذي يذهب إلى المعركة لابد أن يتزود بالذخيرة قبل أن يأتيها، ولهذا حين أن يأتي ليرمي الجمرة، يقول: (باسم الله، الله أكبر إرغاماً للشيطان وإرضاءً للرحمان)؛ لأنه بعد أن كان أسيراً للشيطان قد أطلق من أسره، وأصبح في موقف القوة، يعلن الحرب على عدوه، وهاهو يرمز -ورمي الجمرات ما هو إلا رمز، لا كما يظن الجهال أن الشيطان أمامه- إلى أنه قد انتهى من عدوه وبدأ معه طوراً جديداً، ومن أعلن الحرب على عدوه فلا يغفل عنه أو ينام، بل يكون أشد حرصاً من ذي قبل.

    فهنا صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من المزدلفة، ويقول العلماء: من شاء اكتفى بسبع حصيات من المزدلفة، ثم يأخذ بقية الحصيات لبقية الأيام من منى، بشرط أن لا يلتقطها من مسجد، ولا يلتقطها من المرمى؛ لأنه قد أدى بها الواجب إنسان قبل، فأنت إذا أخذتها بعده فهو بمثابة الماء المستعمل في الوضوء لا يتوضأ به مرة أخرى.

    إذاً: من شاء أخذ الحصى من مزدلفة، ومن شاء أخذ سبعاً من مزدلفة والتقط الباقي من طريقه أو من منى، وقد بين صلى الله عليه وسلم مقدار الحصاة كما جاء هنا: (كحصى الخذف) وحصى الخذف هي: الحصاة التي مثل حبة الفولة تقريباً ويمكن أن تضعها بين أصبعين وتخذف بها، مثل (النبّيلة) فتذهب إلى مسافة بعيدة، ولا ينبغي أن تكون كبيرة مثل الليمونة، ولا أن تكون صغيرة مثل حبة القمح؛ لأن هذه الصغيرة لا يعتبر الرمي بها، والكبيرة إذا أصابت إنساناً عند الحوض فإنها تؤذية، وليست المسألة مسألة إيجاع ولا تحطيم، ولا اعتداء، وإنما هي عبارة عن رمز.

    حكم غسل حصيات الرمي والتوكيل في التقاطها

    يبحث الفقهاء في هذه الحصى: هل يغسلها الحاج أو لا يغسلها؟ والقول بغسلها جاء عن بعض الشافعية، والجمهور يقولون: غسلها بدعة؛ لأن الرسول لم يغسلها، والأصل فيها الطهارة.

    ولك أن تلتقطها بنفسك، ولك أن توكل إنساناً يلتقط لك، كما وكل النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عباس ! التقط لي سبع حصيات) فأتى منى وجاء من بطن الوادي، وجعل منى عن يمينه، ومكة عن يساره، ورمى الجمرة بسبع حصيات وهو على راحلته، ولم يقف عندها، وإنما رمى وانصرف.

    نحر الهدي يوم العاشر من ذي الحجة

    قوله: (ثم انصرف إلى المنحر فنحر).

    المنحر وهو اسم المكان الذي ينحر فيه، كما يقولون: المذبح، إذاً: هناك تعيين، فما كل إنسان يذبح في الطريق أو عند خيمته! ولكن عليه أن يأتي المنحر، وهذا من أوائل تنظيم الأعمال التي بها تكون منى صالحة للسكنى، وقبل مجيء المذابح الآلية الجديدة كنا إذا مشينا في أي مكان نرى الشياه مرمَّية في الشارع، وسبحان الله! الله أمر بتطهير البيت ومكة من هذه المظاهر في قوله سبحانه: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، وأين محله؟ قال: هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] وهل محله عند الكعبة بأن نذبح في مكة حول الكعبة؟ الجواب: لا، فقد جعل الله منى منحراً، إذاً: منى منحر رسمي لمكة.

    وبهذا تكون جيف الذبائح قد أبعدت عن المسجد الحرام؛ لتظل مكة طاهرة طيبة بعيدة عن هذه القاذورات، والفضلات إلى غير ذلك.

    عدد الهدي الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم والفرق بين النحر والذبح

    أتى صلى الله عليه وسلم المنحر وكان معه من الهدي مائة بدنة، بعضها أخذها معه من المدينة، وبعضها أتى بها علي من اليمن، وشركه في هديه، فنحر صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة، ونحر علي الباقي.

    والنحر للإبل والذبح للغنم، وأما البقر فمختلف فيه، والجمهور على أنها تذبح كما تذبح الشاة، والذبح هو: قطع الحلقوم من عند الرأس، والنحر هو: الطعن في اللبة من عند الصدر، والسبب في النحر أنه أسرع لإخراج الدم، فلو ذبح البعير لكانت المسافة بين القلب وبين مكان الذبح طويلة، ولكن لما تنحر الإبل تكون الفتحة التي يخرج منها الدم قريبة من القلب، فيستطيع القلب في فترة ما بين الحياة والموت أن يتخلص من جميع الدم الموجود في جسم الناقة، ولكن لو ذبحت فإنها تحتاج إلى (ماطور) في الصدر حتى يخرج الدم من مسافة رقبة البعير الطويلة، فيحتاج إخراج الدم يحتاج إلى مجهود؛ لأن القلب في مكان منخفض وسيتوقف بالموت قبل أن يخرج جميع الدم، فكان السر في نحر الإبل هو تيسير خروج الدم من جسم الإبل؛ لأن الغرض من النحر أو الذبح هو تخليص اللحم من الدم؛ لأن الدم فيه ثاني أكسيد الكربون، وفيه الأكسجين، فالأكسجين هو مادة الحياة، وثاني أكسيد الكربون هو غاز سام، والدم في خروجه من القلب إلى الجسم يحمل الأكسجين ليغذي به الجسم، وفي عودته من الجسم إلى القلب يحمل ثاني أكسيد الكربون ويمر في عودته بالرئة، فتصفيه من هذا الغاز السام عن طريق (الفلتر) الموجود في الرئة، فمواضع الترشيح التي في الرئة، تستخلص منه الغاز السام وتعطيه الأكسجين ويرجع في دورته إلى الجسم للتغذية مرة ثانية، وهكذا.

    ولهذا يقولون: إن الحركة السريعة التي يأتي بها المذبوح من الطير أو الحيوان كبيراً كان أو صغيراً تساعد على إخراج الدم من الجسم إلى الخارج ليصفو اللحم، ومن هنا كانت الميتة فاسدة وضارة؛ لأنها تحتبس وتختزن القسم الذي فيه السم وهو ثاني أكسيد الكربون فيؤذي، ولهذا إذا وجدت شاة ميتة وذبحت شاة أخرى حية وسلختها وعلقت لحمها بجانب هذه الميتة فإن الفساد يسرع إلى الميتة حالاً، ويظل اللحم الآخر الذي هو مذكى ومذبوح صالحاً بعد ذلك لمدة يوم أو يومين لم يطرأ عليه الفساد؛ لأنه تخلص من عوامل الإفساد التي خرجت مع الدم.

    نحر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة فيه إشارة إلى عمره

    ويهمنا هنا أنه صلى الله عليه وسلم نحر بيده ثلاثاً وستين بدنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم توفي عن ثلاث وستين سنة، فما هي العلاقة بين ثلاث وستين بدنة ينحرها وثلاث وستين سنة يعيشها وهو في آخر سنة من سني حياته؟ الجواب: هذا كأنه رمز وإشعار منه صلى الله عليه وسلم للألباء أصحاب الفطن أن اعلموا أن عدد سنواتي ثلاث وستون، وأن هذه السنة هي النهاية، ففي هذا إشعار بعدد سنوات عمره صلى الله عليه وسلم.

    ثم أمر علياً أن ينحر بقية المائة، ولماذا أكمل المائة ولم يكتف بالثلاث والستين؟

    الجواب: أنه قد سبق لأبيه قبل ذلك، أنه وقع عليه السهم في أن يذبحه أبوه في النذر الذي كان عليه كما تقدم لنا أن عبد المطلب قال: (لئن رزقني الله عشرة أولاد يقفون بجاني يحملون السيف ويدافعون عني لأنحرن واحداً منهم)، فأقرع بينهم، فجاءت القرعة على عبد الله والد رسول الله، ولكن عبد الله كان يحمل أمانة، وما كان الله ليتركه يذهب بها، فجاءت مفاداته وفودي بمائة من الإبل، إذاً: كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: يا رب! معذرة، أبي فودي بمائة من الإبل في الجاهلية، وأنا أقدم مائة من الإبل في الإسلام.

    مشروعية أكل صاحب الهدي من هديه

    ثم أمر علياً بأن يأتي بالجزارين ليسلخوها ويقطعوها، وأمره أن يأخذ من كل بدنة قطعة، وأمر أن تطبخ تلك القطع كلها في قدر واحد، فأكل من اللحم وشرب من المرق، وعلى هذا كانت السنة أن على من أهدى أن يأكل من هديه؛ من أجل أنه إذا علم أنه سيأكل من هذا الذي سيذبحه، فلن يذبح عجفاء عرجاء ويتركها في الشارع، بل سيتخير الشيء الذي تطيب نفسه أن يأكل منه؛ لأن الواجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فإذا علم صاحب الهدي أنه سيأكل منها فإنه سيتخير، وهكذا كانت السنة.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.

    والحمد لله رب العالمين.