إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [1]

كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة حجة واحدة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وهي التي سميت بـ(حجة الوداع) لأنه ودع فيها الناس، وفي هذه الحجة بين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة مناسك الحج الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فبين في حجته تلك أنواع الحج، وأركانه، وشروطه، وواجباته، وسننه، وكذلك بين فيها مفسدات الحج، ومحظوراته، ومكروهاته، وبهذا التبيين كمل دين الإسلام، وتمت نعمة الله على العباد.

    1.   

    شرح حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس ، فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ].

    (صفة الحج ودخول مكة) يعنون العلماء في كتب الحديث لهذا الحديث بقولهم: حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث جابر الذي صدّر به المؤلف الباب هنا هو أوسع وأشمل رواية لحج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يرويها من بداية خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى نهاية الحج والعودة إلى المدينة.

    وقد عني كثير من العلماء بهذا الحديث، بل وكتب فيه بعض السلف رسائل مستقلة، وقد ذكر النووي رحمه الله عن بعض السلف أنه استخرج منه ما يفوق المائة والخمسين قاعدة فقهية فيما يتعلق بالحج وبغيره، وجابر رضي الله تعالى عنه حدّث بذلك في الكوفة، حينما أتاه جماعة من التابعين وسألوه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فعقد تسعاً) والعقد هو: نوع من الحساب بالأصابع، وهو هنا أن يضم أصابعه العشر وينصب إبهام إحدى الكفين، أي: عشراً إلا واحدة، قال: (مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسعاً) أي: تسع سنوات، وفي العاشرة أعلم الناس أنه حاج، فاجتمع إلى المدينة خلق كثير، كلٌ يريد أن يأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية أعمال الحج، وسميت هذه صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، أي: في الإسلام، وما حج صلى الله عليه وسلم بعد البعثة إلا تلك الحجة.

    تسميات حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأسبابها

    وتسمى حجة الإسلام.. وحجة الوداع.. وحجة البلاغ.

    فسميت حجة الإسلام؛ لأنها هي الوحيدة التي أدى بها الفرض، وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودع الناس فيها وقال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه بلغ الناس في خطبه التي كانت في الحج وهي ثلاث أو أربع، بلغهم أصول الدين كله، وحقوق الإنسان مع أخيه، وحق الله سبحانه، وحق المرأة، وحق الملوك، وأشياء عديدة أوصاهم بها في تلك الخطبة.

    بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل البعثة

    وقد حج صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكان في حجه ذلك مغايراً لما كان عليه أهل الجاهلية، وذلك أن أهل مكة كانوا يقولون: نحن الحمس، والحمس هم: خدَّام البيت، أو جيران البيت، أو سدنة البيت، فكانوا يقولون: نحن لا نخرج عن الحرم، وكانوا في يوم عرفة يقفون في المزدلفة ويقولون: لا نخرج عن حدود الحرم، ويقفون عند المشعر الحرام، وكان بقية العرب يذهبون إلى عرفات، فلما حج صلى الله عليه وسلم قبل البعثة اجتاز المزدلفة ومضى ووقف مع الناس في عرفات، حتى قالوا: ما بال هذا الرجل وهو من الحمس؟ أي: كيف نقف مع عامة الناس؟ فلم يقف صلى الله عليه وسلم مع قريش، وإنما ذهب ووقف مع عامة الناس واستمرت قريش على هذا إلى أن جاء الإسلام ونزل قوله سبحانه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، فتركت قريش موقفها بالمزدلفة وصارت تقف في عرفات حيث يقف الناس، ويفيضون من حيث يفيض الناس.

    عدد الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم

    وفي هذه الحجة التي يصفها جابر رضي الله تعالى عنه اجتمع فيها خلق كثير كما قال جابر : (كنت أنظر أمامي فلا يقطعهم البصر، وخلفي فلا يقطعهم البصر، وعن يميني وعن شمالي كذلك) قدر بعضهم ذلك بعشرة آلاف، وبعضهم بأربعين ألفاً وبعضهم أكثر، وبعضهم بأقل، ولكن جابراً قدر ذلك بمدى النظر، قال: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ينزل عليه الوحي، وهو أعلم به، ويفعل ما يوحى إليه، ونحن نأخذ عنه).

    سبب عناية العلماء بحديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم

    وهكذا عني العلماء بهذا الحديث؛ لما فيه من التفصيل للجزئيات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشرت سابقاً أن ابن كثير رحمه الله في كتابه التاريخ في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في أحداث السنة العاشرة من الهجرة اعتمد حديث جابر ، ثم أتى بجزئيات من الأحاديث الأخرى، والروايات المتنوعة في أماكن أخرى تتمم وتبين ما أجمل في حديث جابر ؛ لأنه هو الأصل عنده، ويعتبر ما أورده جابر منسكاً كاملاً وافياً، ولهذا فنحن سنمشي مع المصنف في حديث جابر ، وإن كان قد اختصره في بعض المواطن، واكتفى بما يلزم من الضروري منه، وأشمل سياق لحديث جابر هو ما ورد في صحيح مسلم، حيث جاء بكل جزئياته وبما لم يأت به المصنف هنا.

    وقوله: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فخرجنا معه).

    يقول جابر رضي الله تعالى عنه: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم حج فخرجنا معه) هذا موجز لما تقدم من أنه أعلن للناس أنه حاج، بل أرسل إلى القبائل قبل الحج: (إني حاج هذه السنة، فمن أراد أن يحج معي فليوافني)، فوافاه أناس بالمدينة، ووافاه أناس بالطريق، ووافاه أناس بمكة، كلٌ بما تيسر له بالنسبة لمقامه ومحل سكناه، فهو أعلمهم وبين لهم وواعدهم وهم توافدوا إليه.

    الأولى للحاج الذي طريقه قريب من المدينة أن يبدأ بالمدينة

    وقول جابر : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً فخرجنا معه) هذه الصحبة الكريمة التي يقتفون فيها آثار النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كثير من العلماء يقول: إذا كان للإنسان في حجه نية في الذهاب إلى المدينة وكان الطريق إلى المدينة أقرب فليبدأ بالمدينة؛ ليكون إهلاله وطريق حجه من حيث أهلّ وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان طريقه أقرب إلى مكة فليقدم الواجب الذي هو الركن وهو الحج، ثم بعد ذلك إن شاء ذهب إلى المدينة.

    حكم تلبيد الشعر للمحرم

    في حديث جابر وفي غيره: (خرج رسول الله)، (حج رسول الله) يبين الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج تجرد من ثيابه، واغتسل، وادهن، ولبد شعره، ولبس إزاره ورداءه، يقول بعضهم: لبد شعره ببعض الزيت، ويقول بعضهم: لبد شعره بالعسل، أي: ليجتمع الشعر ولا يتشعث مع الهواء، فيكون موضع الغبار والقذى ونحو ذلك، ثم خرج صلى الله عليه وسلم ولم ينو ولم يلب.

    قصر الصلاة للمسافر يبدأ بعد خروجه من أطراف بلده

    بعد ذلك صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر في المسجد النبوي الشريف أربعاً، أي: أنه لم يشرع في قصر الصلاة من مكانه وإن كان على سفر طويل؛ لأن السنة في قصر الصلاة للمسافر أن شروعه في القصر يبدأ بعد أن يغادر أطراف القرية التي خرج منها، ويستدلون لذلك بكون علي رضي الله تعالى عنه حينما كان خارجاً من الكوفة في سفر صلى الظهر أو العصر أربعاً، فقيل له: ألسنا مسافرين، ألا نقصر الصلاة؟! قال: (لولا هذا الخصيِّص لقصرت الصلاة).

    والخصيِّص تصغير الخص، وهو: عبارة عن عشة أو غرفة من الأعشاب والجريد وأغصان الشجر، فجعله علي رضي الله تعالى عنه تابعاً للقرية، ولا يقصر الإنسان الصلاة إلا بعد أن يغادر معالم القرية وتوابعها، وهكذا فعل هنا صلى الله عليه وسلم.

    وبهذه المناسبة يرى بعض الناس أن المسافر بالطائرة إذا وصل إلى مطار المدينة النبوية مثلاً، فإنه يقصر، ويرى أنه خارج عن حدود المدينة، والواقع أن المطار اليوم يعتبر جزءاً وضاحية من المدينة النبوية؛ لاتصال البنيان أكثر المسافة، ولوجود الخدمات التي تمتد إليه من المدينة، من ماء وكهرباء وطرق وغير ذلك، فالأولى أن لا يقصر الإنسان في هذا المطار في أول سفره، والله تعالى أعلم.

    خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تجرد واغتسل وادهن، ولبس الإزار والرداء، وصلى الظهر بالمسجد النبوي أربعاً، فلما أتى ذا الحليفة جاء وقت العصر فصلاها ركعتين، وذا الحليفة هي التي تسمى عند العامة: آبار علي، والمسافة بينها وبين المدينة معروفة، وليس هناك اتصال عمراني متشابك من المدينة إليها.

    وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر ركعتين، وبات كذلك بذي الحليفة، وكان معه نساؤه التسع، فطاف عليهن واغتسل عند كل واحدة منهن، ثم في ضحوة النهار اغتسل لإحرامه.

    متى يبدأ الإهلال والتلبية؟

    ثم بعد ذلك صلى الظهر وأحرم ولبى قيل من مجلسه الذي صلى فيه، وقيل: بعد أن انبعثت به راحلته، وقيل: حينما استوى على البيداء، كما في حديث جابر هنا: (أتى إلى ذي الحليفة، فلما أتى البيداء أهلّ).

    والإهلال هو: رفع الصوت بالتلبية، وهو مأخوذ من الهلال، وهو القمر في أول ظهوره، لأنهم كانوا إذا أهل الشهر وطلع الهلال ورأوه رفعوا أصواتهم إعلاماً بوجود الهلال وبدخول الشهر الجديد، فصار الإهلال مأخوذاً من رفع الصوت بالتلبية، ثم صار يطلق على كل من رفع صوته، يقال: هلل أي: رفع صوته بما يتكلم به، فأهل بمعنى رفع صوته بالتلبية.

    وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي في صفة الإحرام قالت: (منا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة معاً) وفي بعض روايات حديث جابر هنا: يقول صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت البارحة -يعني: في الليل- وقال: صل بهذا الوادي المبارك) ولذا يقال له: الوادي العتيق، والوادي المبارك، وقد نزله كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى وبات فيه كما تقدم، ثم أهل ووبيص المسك يظهر في مفرق رأسه، كما جاء عن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، قيل: بم كنت تطيبينه؟ قالت: بأطيب الطيب)، وتقول: (وكنت أرى وبيص المسك في مفرق رأسه صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام)، أي: بعد ثلاثة أيام من إحرامه.

    وقت خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ووصوله إلى مكة

    يتفق العلماء على أن خروجه كان لخمس بقين من ذي القعدة، يعني: يوم خمسة وعشرين من ذي القعدة، وماذا يوافق من أيام الأسبوع؟ يقول بعضهم: يوافق يوم الجمعة وهذا هو قول ابن حزم وقد ردوا عليه، ومنهم من يقول: يوافق يوم الخميس، وأكثرهم يقول: إنه كان يوم السبت، وأياً كان من الأيام، فالذي يهمنا من الناحية الزمنية أنه خرج من المدينة في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، ووصل مكة لأربع خلون، ويعبرون ببقين أو خلون، وبقين يعني: في آخره، وخلون يعني: من أوله، ووصل مكة لأربع خلون -يعني: مضين- من ذي الحجة، فكانت الفترة الزمنية التي قطع فيها المسافة من المدينة إلى مكة تسعة أيام، خمسة أيام من ذي القعدة، وأربعة أيام من ذي الحجة.

    جواز الإهلال بأحد الأنساك الثلاثة

    وفي قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا الحج، فمنا من أهل ...)، وبينت أنواع الأنساك الثلاثة.. فمن أراد أن يهل بالعمرة متمتعاً أهل، ومن أراد أن يهل بالحج مفرداً أهل، ومن أراد أن يهل بهما معاً أهل، ولم يعب بعضهم على بعض، وتركهم صلى الله عليه وسلم إلى أن أتى مكة وطاف وسعى، وهناك كان أمر جديد.

    ما يشرع للمرأة إذا حاضت أو نفست قبل أن تحرم وبعد أن تحرم

    يقول جابر رضي الله تعالى عنه:(حتى إذا أتينا ذا الحليفة، ولدت أسماء بنت عميس) وهي زوج أبي بكر رضي الله تعالى عنه ولدت له محمداً ، وهي في تلك الحالة مقبلة على الإحرام، فتساءلت: ماذا تفعل؟ لأن المحرم يذكر الله ويصلي ويطوف، والحائض ممنوعة من ذلك، والنفساء مثل الحائض، فماذا تفعل؟ وهل يصح منها الإحرام وهي نفساء أو لا يصح منها؟ فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية في الموطأ: (فسأل أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائلاً: إن أسماء نفست، فماذا تفعل؟ فقال: مرها فلتغتسل ولتستثفر بثوب ولتهل) وفي القاعدة الأصولية: (الآمر للآمر آمر للمأمور) فهل يا ترى! تنطبق هذه القاعدة في قوله صلى الله عليه وسلم: (مرها فلتغتسل) وهل يكون الأمر لـأبي بكر أو لـأسماء ؟!

    الصحيح عند الأصوليين أن الأمر لـأسماء وإنما جاء من طريق أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ومثل هذا ما جاء في قضية عبد الله بن عمر لما طلق زوجته وهي حائض، فأخبر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: (مره فليراجعها) فراجعها عبد الله بن عمر إلى آخر الحديث.

    ومن هنا نعلم أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من أن تهل بالحج أو بالعمرة، أي: من أن تهل بنسك، ولها -كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها- أن تصنع كل ما يصنعه الحاج، غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر، فتلبي مع الناس، وتذكر الله مع الناس، وتحمد وتسبح وتهلل وتفعل كل ما يفعله الحاج، إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وكذلك إذا وصلت إلى مكة لا تسعى حتى تطهر؛ لأن السعي لا يكون إلا بعد طواف مشروع، والطواف المشروع لا يكون في حالة الحيض أو النفاس، إذاً: لا تسعى؛ لأن السعي مرتب على الطواف، والطواف مرتب على الطهر.

    وقوله: (مرها فلتغتسل ولتستثفر) الثفر في الأصل هو: الحبل الذي يوضع تحت ذنب البعير ليمسك الرحل من أن يتزحزح إلى الأمام، وكذلك صورة ما تفعله المرأة فهي تشد على نفسها مثل الحزام، ثم تأخذ خرقة، فترم بها بين فخذيها وتربطها من الخلف ومن الأمام، ليكون ذلك مانعاً من تساقط الدم عليها أو على الأرض، خاصة في المسجد، وليبقى الدم في محله ولا تتلوث به أو ينجس ثيابها أو بدنها، فأرشدها صلى الله عليه وسلم إلى ما تعمله تحفظاً من دم النفاس. ودم النفاس كما يقول العلماء: لا حد لأقله، وأما أكثره فيختلفون فيه ما بين الأربعين يوماً وبين الخمسين يوماً، إذاً: المسافة طويلة، ولكن متى ارتفع الدم عنها ولو بعد ساعة أو يوم أو أسبوع فعليها أن تغتسل؛ لأنها قد أصبحت طاهرة، ولها كل ما هو للطاهر التي لا حدث عليها، وهنا مضت أسماء مع الحجاج.

    وهكذا فقد أخذت قضية الحيض والنفاس حيزاً في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبحان الله! من حكمة الله أن تقع تلك الأحداث في صحبة رسول الله وفي بيته، فهذه أسماء زوج الصديق ، والصديق مع رسول الله دائماً كما نعلم جميعاً، وبيتهما كأنه بيت واحد، وحينما جاءوا إلى سرف في أثناء الطريق حاضت عائشة ، فدخل عليها صلى الله عليه وسلم فوجدها تبكي، فقال لها: (ما يبكيك لعلك نفست؟! -لأن الحيض يسمى نفاساً أيضاً، للتنفيس بخروج الدم- قالت: نعم، قال: لا عليك، هذا أمر كتبه الله على بنات حواء) وفي هذا رد على من يقول: إن الحيض لم يوجد إلا في بني إسرائيل فنقول: لا، هو موجود في بنات حواء عموماً؛ لأن الخلقة للمرأة من حيث هي أنها تحيض، وهذا كما يقال: دورة الرحم الشهرية، وأما دورة الرحم السنوية فهي بالحمل.

    وقوله: (قولي: لبيك اللهم! حجة في عمرة) لأنها كانت قد أهلت من ذي الحليفة بالعمرة، وبكت لأن الوقت قصير، ومن سرف إلى مكة مرحلتان، والوقوف بعرفة قريب، وليس عندها مدة تطهر فيها قبل الصعود إلى عرفات، فلا تتمكن من إتمام عمرتها، فبكت لهذا السبب، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (لا عليك .... قولي: حجة في عمرة) يعني: حتى تصيري قارنة، وهكذا الحيض الذي يطرأ على الإحرام لا ينقضه ولا يتعارض معه، بل تمضي المرأة في إحرامها وإن طرأ عليها حدث الحيض أو النفاس، كما أنه في بداية إحرامها لا يمنعها الحيض ولا النفاس من عقد الإحرام.

    وفي نهاية الحج بعد النزول من عرفات، وحينما أراد صلى الله عليه وسلم العودة إلى المدينة كانت نوبة صفية في ذلك اليوم، فسأل عنها، فقالت عائشة : إنها حائض، فقال: (عقرى حلقى، أحابستنا هي)يعني: أننا سننتظر حتى تطهر لتطوف بالبيت طواف الإفاضة، فقالوا له صلى الله عليه وسلم: إنها قد طافت، يعني: طافت قبل أن تحيض، قال: (فانفروا إذاً) فبين صلى الله عليه وسلم حكم حيض المرأة في بداية الإحرام عند الميقات، وفي أثناء الطريق بين الميقات ومكة، وفي نهاية الحج قبل الطواف بالبيت طواف الإفاضة، وبهذا اكتملت دورة معالم حيضة المرأة بالنسبة لإحرامها.

    حكم التلبية ورفع الصوت بها وصفتها ووقتها

    ولما صعد على البيداء أهل ولبى، وفي بعض الروايات: (أهل بالتوحيد) لأن التلبية في الحج هي بمثابة الأذان في الصلاة، وكل منهما يرفع فيه الصوت إلا المرأة لا ترفع صوتها، وقد جاء الحديث في رفع الصوت قال صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية).

    وصيغة التلبية هي: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) هذا لفظ حديث جابر في بيان تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويذكر بعض العلماء زيادة عن عبد الله بن عمر : (لبيك وسعديك والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل)، ويذكر بعض العلماء أن الإنسان بعد التلبية يسأل الله المغفرة، ويسأله الجنة، ويستعيذ به من النار.. إلى غير ذلك من المسائل التي يحرص عليها المسلم عقب كل قربة إلى الله سبحانه.

    وأما حكم هذه التلبية فيقول بعضهم: هي ركن في الحج ولو مرة، وبعضهم يقول: هي واجبة، ولا خلاف في ذلك، فمن قال: إنها ركن نظر إلى النية؛ لأنه في التلبية قد أهلّ بحج، يعني: نوى الحج، فإذا اعتبرنا أن التلبية في أول الأمر نية للنسك فهي ركن ولا شك في هذا، وإن اعتبرنا أن النية محلها القلب وإنما التلبية إظهار وبيان لنوع النسك الذي اختاره الملبي، فتكون واجبة، ويقولون: للإنسان أن يلبي أو يسبح أو يكبر إلى أن يأتي البيت ويرى الكعبة، فإذا رآها قطع التلبية؛ وذلك لأن معنى التلبية السمع والطاعة والإقامة على طاعة الله، كما يقال: لبى بالمكان بمعنى أقام فيه، وتكون جواباً للنداء، فإذا ناديت وقلت: يا زيد! فإنه يقول: لبيك، أي سمعت وأطعت وأنا مقيم ومستديم على طاعتك، فإذا كانت (لبيك) إجابة للداعي، والحاج إنما خرج مجيباً للداعي الذي دعاه وهو في عالم الذر، والداعي هو إبراهيم كما قال تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج:27] فنادى إبراهيم عليه السلام على جبل أبي قبيس: (أيها الناس! إن الله قد ابتنى لكم بيتاً فحجوه) وقد سأل إبراهيم ربه فقال: (يا رب! أنا إذا ناديت أين يبلغ صوتي؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ)، وأبلغ الله سبحانه نداء إبراهيم إلى كل من أراد الله له الحج إلى يوم القيامة، فأجابوا وهم في عالم الذر في أصلاب الآباء، ومن لبى النداء مرة حج مرة، ومن لبى أكثر حج بعدد ما لبى نداء إبراهيم عليه السلام، فحينما تقول: (لبيك) فأنت تجيب الداعي، والداعي هنا هو قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] فأنت الآن تجيب حينما جئت إلى عالم الوجود، وكلفت وأردت أن تؤدي ما عليك من فريضة الحج.

    وقوله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك) هذا هو التوحيد وهو بمعنى: لا إله إلا الله، وقد كان العرب في الجاهلية يقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فإذا كان هو لله، والله يملكه وهو لا يملك شيئاً، فلماذا تعبدونه؟ اتركوه وأخلصوا التلبية لله وحده، لكن هكذا كانوا يقولون، وهكذا نقل إلينا.

    وقوله: (إن الحمد والنعمة) الحمد هو: الثناء على المحمود لكمال ذاته، لا بشيء يصدر منه إلى الحامد، واللغة فيها الحمد، وفيها الثناء، وفيها الشكر، وكلها ثناء على المحمود والمثنى عليه والمشكور، إلا أن الحمد ثناء على المحمود لكمال ذاته ولو لم يصلك منه شيء، وكمال الذات ليس إلا لله سبحانه وحده، وليس في الكون ولا في المخلوقات من هو كامل لذاته، بل هو مكمَّل من غيره، ولابد أن فيه جانب نقص، حتى الرسل أقل ما يقال فيهم: أنهم ماتوا، والموت نقص، والمولى سبحانه وتعالى حياته دائمة باقية.

    والحمد هو: الثناء على الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقولون: (أل) في قولك: الحمد لله للاستغراق، أي: تستغرق جميع المحامد التي يمكن أن يحمد الله تعالى بها وتكون لله وحده، والثناء يكون على حسن فعال المثنى عليه، كأن يصنع شيئاً ويبرز فيه، مثلاً: رأيت عمارة جيدة، وأعجبك التصميم والتنسيق الذي فيها فأثنيت على المخطط لها أو المنفذ لها لحسن فعاله لا لكماله في شخصه، ولكن لحسن فعله ولو لم يأتك منه شيء، ومثله لو اخترع إنسان دواءً نافعاً، أو جهازاً صالحاً للناس، أو خدمة للناس، فتثني عليه لحسن فعاله ولو لم يأتك منه شيء.

    وأما الشكر فهو يكون في مقابل ما يصل إليك ممن تشكره، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فتشكر الله على نعمة العافية ونعمة الرزق ونعمة العلم ونعمة التوفيق، وعلى كل ما جاءك من الله من النعم، وكذلك تشكر زيداً؛ لأنه خدمك في كذا، أو ساعدك في كذا، فتشكره مقابل ما أسدى إليك من النعم، فتشكر الشخص على ما أتاك منه من خير، وتثني على الشخص على ما يفعله من حسن فعال، ولو لم يكن لك، وتحمد ولا يكون الحمد إلا لكمال الذات، ولا يكون ذلك إلا لله.

    وقوله: (إن الحمد والنعمة) النعمة هي: كل ما فيه نعومة: كالعيش والرخاء والصحة والمال، كل ذلك فيه نعومة الحياة؛ لأن الشخص إذا توفرت له الأموال توفر له الغذاء، واكتملت له الصحة، وكانت حياته ناعمة، بخلاف ما إذا كان في شظف من العيش، أو كان في مرض، أو كان في شدة فحياته تكون خشنة، فالنعمة من النعومة التي يطمئن إليها الإنسان، ويركن إليها ويستريح بها، وكل ما في الوجود من نعمة فهي من الله كما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ [النحل:53] وقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] أي نعمةٍ؛ لأن النكرة إذا أضيفت إلى معرفة دلت على العموم وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ [النحل:53] و(من) هنا جاءت قبل النكرة للتعميم، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فهي تفوق الحد وتفوق الحصر، والإحصاء مأخوذ من الحصر: كالعد من واحد واثنين وثلاثة إلى ما لا نهاية، فإذا جاء الإنسان ونظر في شخصه فقط، وفيما أنعم الله عليه في ذاته وفي تكوينه من بصر وسمع وتذوق وحركة فلن يستطيع أن يحصي هذه الفضائل والنعم التي أنعم الله تعالى بها عليه.

    وهنا قال: (إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) أي: إن كمال الذات لا يساويك يا رب! فيه أحد ولا شريك لك في ذلك، وكذلك في نعمك على خلقك ليس هناك من هو شريك لك في الإنعام، فالحمد والنعمة لك، والملك لك تتصرف فيه كيف شئت لا شريك لك.

    وهنا يقال: إذا أعلنت على ملأ العالم، وسمع وشهد الحجر والشجر والمدر والجن والإنس أنك تقر بأن الحمد والكمال لله سبحانه، وأن كل نعمة على منعم عليه بها فهي لله لا شريك له، فهل يليق بك أن تتوجه بعد ذلك إلى غير الله بتزلف أو ثناء، أو بطلب أو باستعانة، أو برغبة فيما عنده؟! هذا الذي تتوجه إليه هو من مخلوقات الله، وكل ما عند المخلوق نعمة من الله، فلماذا تذهب إلى هذا المخلوق الذي أنعم الله عليه، ولا تذهب إلى المنعم سبحانه؟ ولهذا فإن في التلبية تجديد التوحيد لله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) هكذا ذكر لنا جابر رضي الله تعالى عنه صيغة التلبية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الطويل.

    وقد أشرنا إلى أن ابن عمر كان يزيد: (لبيك وسعديك، والملك كله بيديك، والرغباء إليك والعمل) (الملك كله بيديك) فلماذا تسأل مخلوقاً هو نفسه من ملك الله؟! (والرغباء) أي: الرغبة إليك، لا نرغب إلى غيرك؛ لأنك أنت بيديك الخير وغيرك محتاج إليك، (والعمل) أي: نعمل العمل خالصاً لك وليس لغيرك.

    وبالنسبة للتلبية يقول الفقهاء رحمهم الله: ليستمر الحاج في التلبية، كما نقول: مثل الشريط المسجل: لبيك .. لبيك .. لبيك .. طول الوقت، ويقولون: لا يتركها بالكلية، ولا يشغل جميع أوقاته بها فيشق على نفسه، وقالوا: يحسن به أن يجدد التلبية عند كل تجدد حال له، فكلما تجدد له حال جدد التلبية، فمثلاً: إذا كنت تمشي فأدركت ركباً فهذا حال جديد، فأعلن التلبية، وإذا وجدت أمامك وادياً منحدراً فنزلت هذا الوادي فهذا أمر جديد فعليك أن تجدد التلبية، وإذا صعدت من الوادي إلى مرتفع فهذا حال جديد فعليك أن تجدد التلبية، وإذا نزلت منزلاً للمقيل أو للطعام أو لشيء من ذلك فهذا حال جديد فجدد التلبية، وإذا أردت أن ترحل من هذا المكان فهذا حال جديد فجدد التلبية، وهكذا تكون التلبية عند كل حال متجدد للحاج أو للمعتمر.

    وتستمر التلبية كما أشرنا مع المعتمر إلى أن يرى الكعبة، ثم بعد ذلك حينما يحرم في يوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) عليه أن يجدد التلبية لحجه إلى أن ينزل من عرفات إلى المزدلفة وإلى أن يصل إلى منى، ويصل إلى جمرة العقبة.

    حكم المبيت والاغتسال بذي طوى قبل دخول مكة

    قال المؤلف رحمه الله: [ (حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا) ].

    يقول جابر رضي الله تعالى عنه: (حتى إذا أتينا البيت) وقبل إتيان البيت في حديث جابر وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم في مجيئه من المدينة إلى مكة حينما وصل مكة لم يأت إلى البيت مباشرة، بل بات بذي طوى، وهو المكان المسمى الآن بأبيار الزاهر، وهو معروف إلى الآن بـ(أبواب الزاهر أو بأبوار الزاهر)، وكان مسمى بذي طوى سابقاً، فبات واغتسل لدخول مكة، ولما أصبح دخل إلى مكة نهاراً، وهنا يقول العلماء: من تيسر له المبيت والغسل في هذا المكان فبها ونعمت، وإن لم يتيسر له المبيت وتيسر له الغسل فبها ونعمت، وإن تيسر له المبيت ولم يتيسر له الغسل فبها ونعمت، يعني: أيهما تيسر له من الأمرين إما المبيت وإما الاغتسال فليفعله، والاغتسال يكون تكريماً لمكة، ومن هنا قالوا: إن على المحرم أغسالاًمسنونة وهي: الغسل لإحرامه، والغسل لدخول مكة، والغسل للوقوف بعرفات، فهذه الاغتسالات مسنونة في الإحرام، وهي للإحرام وليست للنظافة أو للرفاهية، ولكن من أجل النسك ومن أجل المكان.

    فإن لم يتيسر للإنسان المبيت بذلك المكان، ولأن الحال الآن قد تغير عن ذي قبل، فإذا لم يتيسر له فليعمد إلى مكة وإلى مقر سكناه، فإذا وصل واستقر في موطن سكناه إن تيسر له أن يغتسل فبها ونعمت، وإن لم يتيسر له فعليه الوضوء حتى يأتي إلى الكعبة للطواف وهو على طهارة.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.