إسلام ويب

كتاب الحج - باب المواقيتللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لحج بيت الله الحرام مواقيت زمانية لا يصح الإتيان بالنسك إلا فيها وهي: شوال وذو القعدة وأول ذي الحجة، كما أن له مواقيت مكانية محيطة من كل الجهات ببيت الله الحرام، لا يجوز للحاج أن يتجاوزها إلا بإحرام، ومنها: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، ولها أحكام متعلقة بها ذكرها أهل العلم في المطولات.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في مواقيت الحج

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) متفق عليه.].

    المؤلف رحمه الله بعد أن بيّن لنا فضل الحج: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ثم بيّن من يجب عليه الحج بالأصالة أو النيابة، ثم بيّن لنا شروط النيابة، ثم بيّن لنا أنه واجب في العمر مرة، فلكأننا رغبنا في الحج، ولكأننا اكتملت لنا الاستطاعة، ولكأننا عزمنا على الحج، ونريد البداية، فجاءنا بباب المواقيت؛ لأن المواقيت هي أول أبواب الدخول في الحج، ووقفنا على الأبواب فبين لنا مكان الميقات.

    أحكام الحرم وحدوده

    المواقيت على وزن: مفاعيل من الوقت، أصلها موقت، نأتي ونُبعد الدائرة قليلاً، ونجد أن هذه المواقيت لمن أراد القدوم على البيت في نُسك، ونجد هناك دائرة أضيق وهي: حدود الحرم، فإن المولى سبحانه جعل للبيت حدوداً وهي داخل مكة للمقيم وللقادم، في نسك وفي غير نسك، تلك الحدود لها أحكام الحرم: عموم الأمن: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران:97] بلوغ الهدي: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196].. (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] والكعبة لا أحد ينحر فيها الهدي، لكن المراد به إطلاق الحرم داخل مكة، تحريم الصيد وقطع الشجر، وتأمين الخائف: يأمن فيه الطير، والوحش، والإنسان، والصيد، فهذه دائرة محدودة داخل مكة، للمحرم ولغير المحرم، ثم نجد الدائرة الأوسع لمن أراد أن يقدم على البيت بنسك، ونجد هذه المسافات مختلفة، وكذلك المسافات في حدود الحرم، نجد حداً من حدود الحرم: سبعة كيلومترات، وهو: مسجد التنعيم، ونجد حداً من حدود الحرم عشرين كيلومتراً، وهو: ما بين المزدلفة وعرفات، ونجد أيضاً هناك الجعرانة.

    إذاً: اختلفت حدود الحرم، واختلفت مواقيت المحرم، أما اختلاف حدود الحرم فالعلماء الذين كتبوا في تاريخ الكعبة، وفي هذا الموضوع، يذكرون أسباباً عديدة، نلم بالقليل منها، فمنهم من يقول: بأن الخليل عليه السلام لما أتمَّ بناء البيت، جاءه جبريل حينما قال: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128] فعلمه المناسك، ثم بيّن له حدود الحرم على ما هي عليه الآن.

    وبعضهم قال: لما نزل الحجر الأسود من الجنة كانت له إضاءة، وكان مشعاً مضيئاً، ولكن إضاءة الحجر لم تأخذ دائرة الضوء المعروفة، بل كانت متفاوتة الأطراف، وحيث ما انتهى الضوء من الجهات الأربع كان حد الحرم منها، فكان اختلاف حدود الحرم باختلاف وصول الضوء من الحجر، والله تعالى أعلم.

    توقيت المواقيت علم من أعلام النبوة

    أما المواقيت فإننا بالتأمل نجد هذه المواقيت وفيها مباحث عديدة من جانب المعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن باب بيان علاقة الحرمين معاً، ومن باب الآداب التي يجب التزامها عند الدخول على البيت، أما تلك المواقيت فوجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم حج سنة عشر، وبيّن المواقيت، وانتقل إلى الرفيق الأعلى سنة عشر والإسلام لم يخرج من جزيرة العرب، إنما وصل إلى اليمن، وكان حده إلى تبوك ولم يتعد النهرين، ولم يعبر البحر الأحمر، ولكنا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع الحد في المواقيت لأهل الشام، وأهل العراق، ولم يكن هناك شام مسلم، ولا عراق مسلم، ولا مصر مسلم، فيكون ذلك من باب المعجزة أن الله تعالى أعلمه بذلك، وهو مستفاد أيضاً من منطوق: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33] .. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28] وأن الدين سينتشر، وكما قال في غزوة الأحزاب، لما استعصت عليهم الكدية، وضربها بالمعول ثلاث ضربات، فأبرقت عند كل ضربة، وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تكبيرات، وقال في الأولى: (الله أكبر! فتحت مدائن كسرى) وكان بعض المنافقين يقول: نحن خائفون على أنفسنا، وهو يقول لنا: فتحت مدائن كسرى! ولكن المؤمنين صدقوا ذلك، وكان أبو هريرة يقول: (اغزوا ما شئتم، واغنموا ما شئتم، فقد أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل).

    إذاً: هذه المواقيت التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقتها لأهلها قبل أن يأتي الإسلام إليهم فيه توطيد وتشريع مسبق للشمول.

    المواقيت توقيفية لا يزاد عليها ولا ينقص منها

    حين ننظر في هذه المواقيت، فسنجد أن أهل المدينة يهلون من: ذي الحليفة. وقوله: (وقّت رسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني: المواقيت توقيفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يملك أحدٌ أن يغير أو يبدل فيها، ولا نقول: المسافة طالت على أهل المدينة، دعونا نقدمها قليلاً، ولا نقول: المسافة قريبة على أهل اليمن، دعونا نبعدها قليلاً، فما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتها فتبقى على توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فكرنا أو تخيلنا قليلاً بحثاً عن العلة فقد يقال: إن معزة المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلته يربطها بحرم مكة، فيخرج من حدود حرم المدينة إلى حدود الإحرام بالحج؛ لأن حرم المدينة من: ثور، وهو: الشمال الغربي من أحد إلى عير، وهو المحاذي لذي الحليفة، فإذا كان حد الحرم ينتهي إلى عير عند ذي الحليفة، والمحرم من المدينة يحرم من ذي الحليفة، يعني: لا يخرج من حرم المدينة إلا بإحرام إلى حرم مكة، فيكون على ارتباط واتصال، وأما الشام ومصر، وأهل حوض البحر الأبيض المتوسط -والبحر الأبيض المتوسط كالبحيرة، وهو كالحوض الكبير جداً- فيشمل كل من يأتي من الشمال من إيطاليا وما حولها، إلى تركيا، وإلى سوريا، وإلى لبنان، وإلى .. وإلى .. ويدخل على البحر الأحمر، ومن ذلك مصر، ومن يأتي أيضاً من المغرب إن جاء عن طريق البحر الأبيض، فكل من جاء عن طريق البحر الأبيض إلى البحر الأحمر فإن ميقاته الجحفة، والجحفة قرية كانت في محاذاة رابغ على ساحل البحر، لكن البحر مع المد والجزر جحفها؛ فسميت الجحفة، وأصبح الميقات الآن في محاذاتها، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، ووقّت لأهل اليمن: يلملم، وهو موضع معروف لأهلها على بعد مرحلتين، والجحفة على بعد خمس مراحل، وذو الحليفة على بعد تسع مراحل، وقرن المنازل وهو لأهل نجد على بعد مرحلتين، ووقّت لأهل العراق ذات عرق، وقيل: الذي وقت هذا الميقات هو عمر.

    ويهمنا قوله رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ،ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل).

    الميقات لمن أتى عليه ولو لم يكن من أهله

    ولما سمى تلك المواقيت لتلك البلاد قال: (هن لهن -يعني: لأهلهن- ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) يعني: لو أن إنساناً تركياً أو شامياً أو هندياً أو باكستانياً جاء إلى المدينة ولم يأت عن طريق البحر الأحمر، ولا عن طريق حوض البحر الأبيض، فما دام وصل إلى المدينة لا يكون ميقاته الجحفة بل ميقاته ميقات أهل المدينة لقوله: (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) وكل الحجاج الذين يجتمعون في المدينة من جميع الأقطار، ويريدون الخروج إلى مكة للحج، فميقاتهم ميقات أهل المدينة، وهكذا أهل المدينة إن جاءوا من الشام على الجحفة، أو جاءوا من اليمن على يلملم، أو جاءوا من نجد على قرن المنازل، لا يقولون: ميقاتنا المدينة ولابد من الرجوع إليه، فما دام أنه سيدخل من ذلك الميقات إلى مكة مباشرة فيحرم من هناك، وهذا هو الشمول والعموم، فلا تخصيص ولا عنصرية -كما يقال اليوم-، فالتوقيت عام لجميع الأجناس، والغرض أن من أراد النسك -حجاً أو عمرة- فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي في طريقه إلا وهو محرم، سواءً كان من أهل هذا الميقات أو كان وافداً وماراً عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك) أي: داخل الدائرة، كالناس الذين بين الجحفة ومكة، والذين بين يلملم ومكة، والذين بين قرن المنازل ومكة ... إلخ، هل يرجعون إلى الميقات ليحرموا منه؟

    قال: لا، ومن كان محله دون ذلك نحو مكة، فمن حيث أنشأ، فلو كان في منتصف الطريق بين يلملم ومكة، أي: على بعد مرحلة، فيحرم من مكانه ولا يرجع إلى الميقات.

    وهكذا كل من كان دون الميقات إلى مكة، فموقع إحرامه وميقاته: مكانه الذي هو فيه، حتى قالوا: لو أراد أهل عرفات العمرة أحرموا من عرفات، وجاءوا إلى البيت، ولو أرادوا الحج أحرموا من عرفات، ووقفوا الموقف، وأتموا حجهم. وأهل مكة إذا أرادوا الحج فمن مكة، وإن أرادوا العمرة فلابد من خروجهم إلى أدنى الحل ثم يدخلون الحرم محرمين، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمرها من التنعيم) لأن العمرة زيارة، والنسك لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم، فما وراء التنعيم حل، فيحرم من الحل، ويدخل الحرم محرماً، أما القادم من خارج الحدود فهو بطبيعة الحال يجمع بين الحل والحرم، أما أهل مكة في الحج فإنهم بخروجهم إلى عرفات يكونون قد خرجوا من حدود الحرم، فبعد وقوفهم يرجعون إلى البيت محرمين، وهكذا، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث عائشة في ميقات أهل العراق

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقّت لأهل العراق ذات عرق)رواه أبو داود والنسائي ، وأصله عند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، إلا أن راويه شك في رفعه. وفي صحيح البخاري: أن عمر هو الذي وقّت ذات عرق. وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقّت لأهل المشرق العقيق) ].

    تحقيق الخلاف في توقيت ذات عرق

    تقدم في الحديث الأول: (وقّت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة) وتقدمت المواقيت أن لأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، وهنا يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقّت لأهل العراق ذات عرق) وكلٌ من: يلملم، وقرن المنازل، وذات عرق، تبعد عن مكة مرحلتين.

    ثم ساق المؤلف رواية أخرى: (أن عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق) وهذا عند العلماء يسمى باختلاف الحديث؛ لأن الرواية الأولى تقول: الذي وقّت لأهل العراق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرواية الثانية تقول: الذي وقّت لأهل العراق هو عمر رضي الله تعالى عنه.

    ويجمع بعض العلماء بين الروايتين وأن كلتيهما صحيحة، قالوا: وقّت النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً، ولكن الخبر لم يبلغ عمر ، ولما كان في خلافته رضي الله تعالى عنه، ودخلت العراق في الإسلام، فسألوا عمر أن يوقِّت لهم فوقت لهم ذات عرق، وغاية ما هناك أن يكون توقيت عمر وافق توقيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بعيداً على عمر رضي الله تعالى عنه، فقد وافق القرآن الكريم في ستة مواضع، فلا غرابة من أن يوافق السنة في هذا الموضع، وبعضهم يقول بالترجيح؛ لأن خبر عائشة فيه راوٍ ضعيف، وخبر عمر أصح سنداً، وعلى كل فقد انعقد الإجماع على أن ميقات أهل العراق هو ذات عرق.

    ثم يأتي المؤلف بهذا الخبر الآخر: (وقّت لأهل المشرق العقيق)، وهو: من العقوق وهو أن يشق السيل الأرض، أي: يعقها، والمعروف منه: وادي العقيق بالمدينة، وهو الذي يمر بذي الحليفة وينزل إلى عروة.. إلى سلطانة.. إلى ملتقى الأسيال.. إلى الغابة. ووادي العقيق بالطائف، وكلاهما بهذا الاسم، ويقال: هناك ثالث باليمن، والله تعالى أعلم؛ فقالوا: رواية أهل المشرق هم أهل العراق، والعقيق هو بنفسه يمر أو يقع بذات عرق، فإذا كان ذات عرق بالعقيق؛ فلا منافاة بين التسمية؛ لأن كليهما يصدق على مكان واحد، ويرى بعض العلماء أن هذا التوقيت من عمر قياساً، أي: على تباعد ما سنه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مواقيت اليمن ونجد.

    من لا يمر طريقه بميقات فيحرم عند محاذاة الميقات

    ثم ذكر العلماء مسألة وهي: أن من أتى إلى مكة، ولم يكن طريقه على ميقات من تلك المواقيت ماذا يفعل؟ هل يتعين عليه أن يقصد إليها حتى ينشئ إحرامه منها؟

    قالوا: لا، ولكن إذا حاذى الميقات يميناً أو يساراً فهناك ميقاته ويحرم من تلك المحاذاة، ثم جاء بعد ذلك أيضاً -كما يقولون الجهات الست- الوراء، والأمام، واليمين، واليسار، والفوق، والتحت، هذه تسمى الجهات وهي نسبية، فقالوا: كل من مر بمحاذاة ميقات، في البر.. في الجو.. في البحر.. فإن ميقاته محاذاته، واليوم تأتي السفن وتمر بالبحر فتحاذي الجحفة، فيكون ميقات من في البحر وهو في السفينة أن يُحرم من محاذاة الميقات، وكذلك في الطائرات فمن جاء في طائرة، ومر بميقات بلده، عليه أن يتأهب قبل أن تصل الطائرة إلى الميقات، ويحرم قبل مجاوزة الطائرة محاذاة ميقاته؛ لأن الطائرة ليست كالسفينة فهي تقطع المسافة بسرعة، وتخرجه عن حدود الميقات بسرعة، فعليه أن يبادر ولا يتأخر، فمثلاً: ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة، والذي يسافر على السيارة سيمر بها، فإذا كان طريقه كما هو الحال الآن بما يسمى بخط الهجرة، فلا يمر بالمسجد ولا بالقرية إنما يجانب عنها إلى جهة الجنوب الشرقي، فلا مانع أن يحرم في الطريق من محاذاة الميقات، ولا يأتي إلى المسجد.

    كيفية الإحرام لمن أراد السفر بالطائرة

    ومن لم يمر على الميقات له أن يحرم من أول حدود (الميقات) وكذلك له أن يحرم من طرف الميقات، المهم أنه لا يتجاوز حدود الميقات إلا وقد أحرم، فإذا كان سفره بالطائرة والطائرة تأخذ طريقها جنوباً، فتمر بمحاذاة ذي الحليفة وقد تمر فوقها عمداً كما هو في خطوط الطيران، فإذا خرج الحاج من المدينة، لا نقول: عليك أن تذهب بالسيارة إلى ذي الحليفة فتحرم، ثم تأتي وتطلع إلى المطار وتسافر على الطائرة، لا، ولكن تجهز في بيتك، والبس الإزار والرداء، واذهب إلى المطار، وعندما تأتي الرحلة فلا تُلب، ولا تنو عقد الإحرام حتى تضمن الرحلة، فإذا ما صعدت الطائرة، وشُدَّ الحزام، وأقفل الباب، وتحركت محركاتها، واتجهت في طريقها في مدرج المطار، فعندما ترتفع عن مستوى الأرض هناك تُحرم؛ لأنك إذا انتظرت حتى ترى ذا الحليفة تكون قد اجتزتها، وخرجت قبل أن تحرم، وهكذا إذا جاء إنسان على الطائرة من نجد أو من اليمن ومر في الجو بمحاذاة الميقات فإنه يحرم من محاذاة ميقاته، سواءً كان في البر أو كان في البحر أو كان في الجو، فهذه هي المواقيت وهذا ترتيبها لمن أراد إنشاء الإحرام منها.

    الإحرام في الميقات إنما هو لمن أراد النسك

    بقي ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن ممن كان يريد الحج والعمرة) مفهوم المخالفة: من أتى عليهن ولم يكن يريد الحج ولا العمرة هل نلزمه بالإحرام؟ لا نلزمه بالإحرام؛ لأن التوقيت لمن أراد النسك، ومن أراد أن يدخل مكة لتجارة.. لزيارة.. لاعتكاف.. لشيء آخر من غير العمرة أو الحج فله أن يجتاز المواقيت من غير إحرام، ولكن وجدنا الفقهاء رحمهم الله قالوا: من أراد الدخول إلى مكة وكان قد مضى عليه من إتيان مكة زمن طويل لا ينبغي أن يدخل مكة غير محرم بعمرة توقيراً وتعظيماً للبيت، وبعضهم حدد بعض الأشهر، وبعضهم قال: لا يزيد عن أربعين يوماً، واستثنوا من ذلك صاحب التردد: كالحطاب، وصاحب البريد، والآن بعض الناس يعمل في جدة وهو ساكن في مكة، ويومياً يسافر إلى جدة، والعكس رجل يعمل في مكة وهو ساكن في جدة، فهؤلاء لا يدخلون في هذا الحكم، ولكن إن تيسر له فالحمد لله، وإن لم يتيسر له فليس بواجب عليه، وقد أخذ الفقهاء هذا الحكم من فعله صلى الله عليه وسلم في عام فتح مكة، حيث دخل مكة وقد مر بذي الحليفة ولم يحرم، ودخل مكة وعلى رأسه المغفر، والمحرم يكشف رأسه، وما أتى عنه أنه صلى الله عليه وسلم أول ما جاء مكة أنه طاف؛ لأنه كان مشغولاً بأمر وبشئون فتح مكة، فاستدل العلماء بذلك على أن من دخل مكة لغير نسك، بتجارة أو زيارة أو أي شيء آخر فليس عليه أن يُحرم، وإنما يدخل دخولاً عادياً، هذا ما يتعلق بالمواقيت.

    حكم من جاوز الميقات من غير إحرام ناسياً أو جاهلاً

    ترد هنا مسألة فقهية: لو أن إنساناً جهل الميقات، مثال ذلك: إنسان أتى من نجد، أو أتى من الشام، أو خرج من المدينة، ولا يعلم منطقة ذي الحليفة أين هي، ويظنها أمامه، فجاوز الميقات، ولما وصل إلى المركز هناك أخبروه، وقالوا له: كيف تذهب إلى الحج ولم تحرم؟! قال: سأحرم من ذي الحليفة، قالوا له: ذو الحليفة وراءك! فكان جاهلاً بها، أو كان يعرفها ولكنه نسي، وجاوز الميقات، ولم يحرم، فماذا يفعل؟ يقول الجمهور: النسيان لا يعفيه من الفدية، ولكن هل يُحرم من مكانه؟ أو يرجع إلى ميقاته، لأنه مر عليه جاهلاً ناسياً؟ وإذا رجع إلى الميقات هل يسقط عنه دم التجاوز للميقات، أو لا يسقط عنه؟ فالبعض يقول: لا يسقط عنه؛ لأن المجاوزة حصلت، والبعض يقول: إن رجع، وكان قد تجاوزه ناسياً أو جاهلاً سقط عنه الدم، أما إذا تعمد وهو يعلم فجاوزه ولم يحرم فلا يسقط عنه الدم ولو رجع، هذا ما يتعلق بقضية الميقات المكاني.

    1.   

    الميقات الزماني للحج والعمرة

    وللحج ميقات زماني، وقد تقدمت الإشارة إلى أن العمرة لا زمن لها (العمرة إلى العمرة) مطلقاً، وإنما تكلم الفقهاء في الأيام التي لا يجوز له أن يأتي بعمرة فيها وهي: الأيام المختصة بالحج، كيوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق، فمنهم من يقول: يومان، ومنهم من يلحق اليوم الثالث بها، ومنهم من يفصل: إن كان قد تعجل في يومين فله أن يأتي بالعمرة في اليوم الثالث، وإن لم يكن تعجل فليس له أن يفعل ذلك، وبعضهم يقول: لا يجوز ولو تعجل؛ لأن اليوم الثالث من أيام الحج؛ ولأن جماعة آخرين تأخروا في منى يرمون الجمرات، إذن: جميع السنة وجميع الأيام وقت زمني للعمرة ما عدا يوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة على الاحتياط.

    أما الميقات الزماني للحج فكما بيّن سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] وأجمعوا على أن الجمع هنا يطلق على الشهرين وبعض الثالث تغليباً، وهي: شوال، وذو القعدة، وبعضٌ من ذي الحجة، فإذا أنشأ الإحرام في الميقات الزماني وقع، وهل يجوز تقديم الإحرام عن الميقات المكاني، وعن الميقات الزماني أو لا يجوز؟ وإذا فعل ما هو الحكم؟ فلو أن إنساناً أحرم بالحج أو بالعمرة من المدينة، أو من المسجد النبوي أو من بيته، فـمالك رحمه الله أتاه شخص وقال: (أريد أن أحرم من هذا المسجد، قال: لا تفعل، قال: لماذا؟ قال: أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة تخشاها؟ قال: أخشى أن يخطر ببالك أنك أحرمت بخطوات أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من مكان أفضل من المكان الذي أحرم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخطر ببالك أنك فعلت خيراً مما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلك) والآخرون يقولون: إن كان من غير المدينة -وهذا الاحتمال ليس وارداً- قالوا: لا بأس، فيجوز أن يُقدم الإحرام عن المواقيت المسماة، واستدلوا بأمرين:

    الأمر الأول: جاء حديث: (من أحرم بعمرة من بيت المقدس كان له من الأجر كذا..) فقالوا: يُحرم من بيت المقدس، وقوم قالوا: هذا خاص ببيت المقدس؛ لأنه من حرم إلى حرم ولا يجوز ذلك من غيره، وقال الآخرون: جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، في قوله سبحانه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] قال رضي الله تعالى عنه: (إتمامهما إحرامك بهما من دويرية أهلك) فيجوز له أن يحرم من بلده من أي قطر من الأقطار، لكن العلماء كرهوا هذا؛ لأنه قد يطول عليه الوقت فيضيق عليه الحال فيكون ذلك مدعاة لأن يرتكب محظوراً من محظورات الإحرام لطول الزمن، فالأولى أن يجعلها من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يقولون: أقل الأدنى هي المواقيت، وما وراءها يصح، هذا في الميقات المكاني.

    إذاًً: حكم الميقات الزماني قالوا: الميقات الزماني ليس كالمكاني، فمن أحرم بالعمرة فلا زمان لها، ومن أحرم بالحج قبل التوقيت فله ذلك، وهناك من يقول: لا إحرام له ولا نسك، والشافعي رحمه الله يقول: (إن أحرم قبل ميقات الحج بحج انعقد إحرامه، وانصرف إلى ما يصح في ذلك الوقت)، فلو أحرم بالحج في رمضان على قول الجمهور: لا حج له، والشافعي يقول: (انعقد الإحرام وانقلب إلى عمرة) لأن العمرة تصح في رمضان، وعليه أن يجدد الإحرام بالحج في زمن الحج، والله تعالى أعلم.