إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [10]

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [10]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت عن السلف الصالح أنه كان يقع بينهم خلاف في بعض المسائل الشرعية، مثل خلافهم في حكم الرجل يصبح جنباً ثم يصوم، وكان خلافهم بأدب وسعة صدر ورجوع إلى الحق إن اتضح، وهكذا ينبغي أن يكون طلاب العلم؛ ولذا فمن الضروري معرفة آداب الخلاف، فبالتأدب بها يحصل الائتلاف.

    1.   

    شرح حديث: (كان يصبح جنباً ثم يغتسل ويصوم)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع، ثم يغتسل ويصوم) متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة : (ولا يقضي) ].

    هذا الحديث تتمة لمبحث من واقع في نهار رمضان، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيغتسل ويصوم ولا يقضي، وذلك في رمضان.

    خلاف الصحابة في هذه المسألة

    حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هذا، ومثله عن عائشة رضي الله تعالى عنهما، وقعت فيه قضية في هذا المسجد النبوي الشريف، وذلك كما يروي مالك في الموطأ أن العلماء في مجلس مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة آنذاك- تذاكروا ما يكون منه الصوم والفطر، فقال قائل: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: من أصبح جنباً فلا صوم له. يعني: من باشر أهله ليلاً، ونام حتى طلع الفجر قبل أن يغتسل، فلا صوم له في ذلك اليوم.

    والاغتسال من الجنابة يجوز في أول الليل أو أوسطه أو آخره كما جاء في سنن البيهقي رحمه الله: (أن رجلاً سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وقال: يا أماه! أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل معكِ وأنت حائض؟ قالت: نعم، كنت آخذ العظم فآكل ما عليه من اللحم، وأناوله رسول الله فيعرشه من بعدي، وأشرب القدح وأناوله رسول الله فيضع فاه في موضع فمي ويشرب. قال: قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: يا أماه! أكان صلى الله عليه وسلم يوتر من أول الليل أو من آخره؟ قالت: من كل الليل أوتر رسول الله -من أوله، من أوسطه، من آخره- قال: قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: يا أماه! أكان صلى الله عليه وسلم يغتسل من الجنابة قبل أن ينام أو ينام ثم يغتسل؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، أحياناً يغتسل ثم ينام، وأحياناً ينام ثم يغتسل. فقال: قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) .

    وهنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه نقل عنه في هذا المجلس: أن من أخّر غسل الجنابة، وطلع عليه الفجر وهو جنب، فلا يصح صومه من الغد، فلما سمع مروان هذا الكلام، واختلف العلماء الذين عنده، قال لرجل عنده اذهب إلى أم المؤمنين أم سلمة فسلها عن ذلك، فذهب وسلّم وسألها، فقالت: (كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع لا احتلام، فيغتسل ويصوم ولا يقضي، وسلوا عائشة)، فذهب أيضاً إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت للسائل: أترغب عن سنة أبي القاسم يا فلان؟! قال: لا والله! ولكن تذاكرنا وأخبرنا إنسان عن أبي هريرة أنه قال: كذا وكذا. قالت: لا، ليس الأمر كما قال أبو هريرة (كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع لا احتلام، فيغتسل ويصوم ولا يقضي)، فرجع وأخبر مراون ومن عنده بما أفادت به أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما.

    وإلى هنا يكون قد تبين الأمر، ولكن نظراً لوجود رأي مخالف، نجد منهجاً عظيماً نرجع إليه بعد نهاية هذه القضية، فقال مروان : يا عبد الرحمن ! أقسمت عليك لتركبن دابتي وهي بالباب، وتذهب إلى أبي هريرة في بستانه بوادي العقيق -وبستانه هناك على طريق الهجرة -كما يقولون- وراء أرض السراني، أي: قريباً من ذي الحليفة- وتخبره بما حصل، قال: فذهب عبد الرحمن فسلم عليه، ثم تحدث معه قليلاً، ثم قال: يا أبا هريرة ! لقد كنا في مجلس مروان ، وتذاكرنا ما منه الصوم والفطر، فقال قائل: إنك تقول كذا، فأرسلني إلى أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة ، فسألتهما، فأخبرتا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع لا احتلام فيغتسل ويصوم، فقال أبو هريرة : أو قالتا ذلك؟ قال: نعم، وسمعته منهما وبلغته للقوم، فقال: أما أنا فلا أدري، فقد أخبرني مخبر، وبعض الروايات تسمي هذا المخبر، وبعضها يسكت عنه، وحيث سكت أبو هريرة فنسكت عنه، والذي يهمنا أن عبد الرحمن رجع إلى مروان ومن عنده، وأخبره بما قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.

    ويذكر ابن عبد البر في الاستذكار أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه نزع عن هذا القول بعد أن بلغه خبر عائشة رضي الله تعالى عنها، وانتهت القضية برفع الخلاف، وانعقد الإجماع على صحة صوم من أصبح جنباً، وأنه يغتسل بعد الفجر ويكمل صومه.

    يقول علماء الأصول: إن صحة صوم من أصبح جنباً تؤخذ من باب الإيماء والتنبيه من كتاب الله، وقد نص على ذلك ابن عبد البر وقال: إن الله سبحانه أباح للصائم المباشرة ليلاً في قوله سبحانه: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فإذا أباح الله ليلاً للصائم المباشرة والأكل والشرب حتى يتبين الفجر، لم يبق وقت لإيقاع الاغتسال إلا بعد الفجر، وهذا من دقة استنتاج العلماء رحمهم الله.

    إذاً: فقه الحديث، وصحة صوم من أصبح جنباً انتهينا منها، ويلحق بذلك أيضاً الحائض التي تطهر وترى القصة البيضاء قبل الفجر، ولكنها تتأخر في غسلها حتى يطلع عليها الفجر وهي طاهر لم تغتسل، فحكمها حكم الجنب الذي وقع منه سبب الجنابة ليلاً، وأدركه الفجر وهو بجنابته، فكذلك الحائضة أو النفساء إذا طهرت قبل الفجر، فإنها تغتسل بعد الفجر وتصوم ذلك اليوم.

    هذه المسألة أو هذه القضية قد انتهينا من موضعها الفقهي، وهو: صحة صوم من أصبح جنباً، ويزيدون في الاستدلال أيضاً ويقولون: الجنابة لا تمنع الصوم، لو أن صائماً في منتصف النهار نام فاحتلم، فهل الاحتلام في نهار رمضان يبطل صومه؟ لا يبطل صومه، ولا يلحقه في ذلك كفارة ولا قضاء ولا شيء، يغتسل لجنابة الاحتلام، وهو كغيره في باب الصوم سواء.

    كيفية معرفة الراجح من الأقوال

    في هذه الآونة نجد المسائل الخلافية لربما تناولها بعض الإخوة بشيء من الجدل، وبشيء من الشدة فيما بينهم، وكنت سابقاً قبل الاشتغال بالموطأ، والوقوف على هذه القضية، أدرس بداية المجتهد، وهو الكتاب الوحيد في بابه الذي يورد أسباب الخلاف، وعند كتاب زكاة الحلي وما فيها من خلاف وضعت منهجاً وقلت: لا يمكن لإنسان يريد أن يفهم مسألة خلافية إلا إذا تتبع خطوات أربع:

    الخطوة الأولى: معرفة الخلاف على ما هو عليه، فلان قال، فلان قال، فلان قال، احصِ الأقوال المختلفة.

    الخطوة الثانية: قف على دليل كل صاحب قول، هذا القول ما دليله؟ دون مناقشة.

    الخطوة الثالثة: إذا أحصيت الأقوال، ثم عرفت أدلتها عند أصحابها تساءلت مع الجميع عن دليل كل شخص آخر: لم لم يأخذ به؟ وبم يرد عليه؟

    وهذه الخطوات الثلاث تشبه عند المناطقة التصور.

    ثم تأتي الخطوة الرابعة النهائية، وهي: الترجيح والحكم، وهي ما تعادل عند المناطقة بالتصديق.

    فلما وقفت على قضية مروان هذه وجدتها طبق الأصل لما ذكرته من منهج تحقيق المسائل الخلافية، وبيان ذلك:

    مجلس منعقد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسألة فقهية أثيرت: هل الصائم الذي يصبح جنباً، يصح صومه أو لا يصح صومه؟

    وجدنا الخلاف من طرفين: طرف يقول: لا يصح. وطرف يقول: يصح.

    ما مستند كلا القولين؟

    مستند من يقول: لا يصح، ما جاء عن أبي هريرة ، ومستند من يقول: يصح، ما يأتيه من أخبار أخرى، ولم يسمع بقول أبي هريرة ، ومروان لم يعرف الدليل الثاني إلا بعد ذلك، فقبل أن يأخذ برأي أبي هريرة أو يرفضه احترمه ووقف عنده، ولكنه رد الأمر إلى أهله؛ لأن زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بحاله الداخلي من غيره، ولما سأل جاءه الجواب، فتبين عند المجتمعين وجود القولين ووجود الدليلين، بقي حينئذ أن نسأل أبا هريرة عن قول عائشة : ماذا يجيب عليه؟ ولم لم يأخذ به؟ وبم يرد عليه؟ فأرسل إليه بتلطف، ولم يستدعه إليهم، ولكن أرسل إليه في مكانه وسأله، فتبين أن ما قاله أبو هريرة لا يرفعه إلى رسول الله، بل يقول: أخبرني مخبر. فحينئذ يبقى الترجيح، وكيف نعادل بين دليل يقول: أخبرني مخبر. ودليل يقول: كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويصبح صائماً؟ أعتقد أن الحق اتضح، والطريقة واضحة.

    أدب الخلاف

    ينبغي على طلبة العلم حينما يصادفون مسألة خلافية، أن يتأدبوا بأدب الخلاف، ولا يجوز لأصحاب الأقوال المختلفة أن يعنف أحدهم الآخر، ولا أن يسفه رأيه، ولا أن يطرح قوله، بل يعتبره إلى أن يصفي القضية، أنت قلت كذا، وأنا بلغني كذا، وهذا بلغه كذا، على ما تستندون؟ فإذا بحث كل منهم عن الحق، وكان الغرض من ذلك البحث الوصول إلى الحق، وليست نصرة الرأي، وليست شهوة الانتصار والغلبة، بل الغرض هو إصابة الحق، فالجميع يتعاونون ليصلوا معاً إلى معرفة الحق.

    ونظير ذلك أيضاً في هذا المسجد النبوي الشريف: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جلس مع بعض أصحابه، فتذاكروا الغسل من الجنابة، فقال قائل: إذا أولج ولم ينزل فلا غسل. وقال آخر: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل أنزل أو لم ينزل. فوقع الخلاف، هناك من يقول: لا غسل إلا إذا أنزل، والثاني يقول: مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وليس بشرط أن يُنزل. إذاً: الخلاف من شقين، وكل من الحاضرين يبدي ما عنده، فدخل عليهم علي رضي الله تعالى عنه، فسأله عمر : القوم اختلفوا، ماذا عندك؟ فقال علي رضي الله تعالى عنه لـعمر : ولم تسألني وتسأل غيري من هؤلاء وبجوارك أمهات المؤمنين وهن أعلم بذلك؟! أرسل إليهن وسلهن. فقال: أحسنت، وأرسل إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: (كان صلى الله عليه وسلم يفعله ويغتسل -يعني: يولج ولم ينزل ويغتسل- وقالت: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل -وهذا متفق عليه، ويزيد مسلم في روايته:- أنزل أو لم ينزل)، وقد تقدم معنا هذا الحديث في نفس هذا الكتاب المبارك بلوغ المرام في باب الغسل.

    فـعمر رضي الله تعالى عنه لما سمع قول عائشة أن هذا فعل رسول الله، ثم يسمع بعد ذلك ما يخالف هذا قال: والله! لن أوتى بأحد يقول: لا غسل إلا من إنزال، إلا جعلته مثلة لغيره -أدبت به غيره- فقال أبي بن كعب : على رسلك يا أمير المؤمنين! أنا أخبرك -أي: لماذا كان هذا الخلاف، وهذه هي نتيجة رجوع طالب العلم للسلف وعلماء الأمة؛ لأنهم جمعوا شتات المسائل- أنا أخبرك لماذا اختلفوا وما هو السبب- كنا في بادئ الأمر لا غسل إلا من إنزال، ثم بعد ذلك عُزم علينا، وأصبح إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، فكنا في بادئ الأمر: (إنما الماء من الماء)، فإذا ما جامع ولم ينزل المني فلا ماء للغسل (الماء من الماء) الماء الذي هو ماء الغسل من الماء الذي هو ماء المني، ثم عزم علينا أن نغتسل.

    فهذا مجلس بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في مسألة تعم بها البلوى في كل البيوت، فالمباشرة أمر طبيعي، ويختلفون في حكم من جامع ولم ينزل: أيغتسل أو لا يغتسل؟ إذاً: كانت هناك مسائل ربما تخفى على بعض الناس، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه طرفاً في هذه المسألة.

    إذاً: لا غرو أن تخفى بعض المسائل على كبار أصحاب رسول الله، أو على صغار أصحاب رسول الله، أو على كبار التابعين، ثم بعد ذلك مع البحث والتنقيب يطلع على الراجح، ومن هنا كان السلف من التابعين ومن يأتي بعدهم أجمع لجزئيات المسائل، وانتهى الخلاف فيما يتعلق بهذه القضية، وأصبحت مطردة (إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل).

    أمر يتعلق بالإخوة طلبة العلم في الدراسات العليا، وهو بعيد عن أحكام الصيام، ولكن له صلة بالأصل العلمي الفقهي، وهو ما نراه في الآونة الأخيرة أو المتقدمة قليلاً، حيث يقوم طالب علم مجتهد فيختار لموضوع رسالته (فقه فلان)، مثل كتاب فقه سعيد بن المسيب في حوالى سبعة أو ثمانية مجلدات، فقه إبراهيم النخعي ، فقه مجاهد ، فقه ابن المبارك ، وينفرد الطالب ببحث مسائل فقهية وردت عن صحابي أو تابعي.

    وأقول: أيها الإخوة! هل هذا الصحابي أو هذا التابعي قد جمع جميع مسائل الفقه الاختلافية والاتفاقية؟ لا يمكن أن يدعي ذلك أحد، فإذا ما اقتصرنا على مسائله التي وردت عنه فأين بقية مسائل الفقه؟ وإذا اقتصرنا عليها هل نأخذ بها ونترك غيرها؟ وهل نتمذهب بمذهبه فتصبح عندنا عشرات المذاهب، والناس يضيقون ذرعاً بالأربعة؟ الحقيقة إنه ترف علمي، أما عملياً بالنسبة لخدمة الفقه الإسلامي فلا أعتقد ذلك، بخلاف الموسوعات العلمية، فمثلاً البخاري في صحيحه ما اقتصر على صحابي، ولا على تابعي، وإنما جمع ما صح عنده، وليس كل ما صح عنده جمعه، إنما أودع لنا في صحيحه من الصحيح فقط دون الضعيف، ولكن لا يقتصر في الباب على ذكر صحابي، بل يأتي ما حضره من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، فيقف طالب العلم على آراء جملة من الصحابة في الباب الواحد، وحينئذ يكون أدعى إلى استيعاب النصوص في هذه المسألة أو في هذا الباب، وتنظر -مثلاً- في فتح الباري، فتجد أنه يطوف في آفاق أوسع من البخاري عشرات المرات، ويأتينا بالنصوص عن أصحاب السنن جميعاً، وعن أصحاب رسول الله جميعاً، فيجمع لك المسألة بأطرافها، وكما قيل: لا هجرة بعد الفتح، تستغني به عن غيره، ولا تستغني بغيره عنه؛ لأنه جمع ما لم يجمعه غيره.

    سعة الصدر في مسائل الاجتهاد

    المنهج العلمي في بحث المسائل الخلافية، يكون بالرفق وحسن القصد، وينبغي أن تكون الغاية عند الباحثين إنما هي الوصول إلى الحق.

    ونجد جزئية هي كلية بالنسبة إلينا: فـأبو هريرة رضي الله تعالى عنه صحابي جليل، سمع أن عائشة رضي الله تعالى عنها روت خلاف ما سمع هو، فهل تعصب لما سمع؟ هل بقي على ما كان عليه؟ بل إنه حالاً نزع عما كان عليه، ورجع إلى الحق، وهذه هي سمة طلاب العلم، والرجوع إلى الحق أحق.

    فالإنصاف من سمات علماء المسلمين حقاً، وفي هذا المسجد النبوي الشريف كان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في درسه في رمضان بعد العصر كهذا الوقت، وكان يتكلم على الأشهر الحرم، ثم قال: وليعلم الإخوة أننا كنا تكلمنا عنها سابقاً، وظننا أنها قد نسخت بآيات القتال، ثم الآن تبين لنا أنها لم تنسخ، وأنها محكمة، وأن حرمتها باقية؛ ولهذا وجب التنبيه على ذلك! مسألة تكلم فيها، ومضى عليها زمن طويل، وسمع بها من سمع، ولم يسأله أحد، ولن يطالبه أحد بالتدقيق في ذلك، ولم يناقشه أحد فيما قال، ولكنها أمانة العلم، ولكنه الوفاء للحق، ولكنه الرجوع إلى الله وإلى الحق، يعلنها في المكان الذي أعلن فيه الرأي الأول!

    أيها الإخوة! إن أجمل ما يتحلى به طالب العلم هو سرعة الرجوع إلى الحق حينما يتبين له، ومن هنا نعلم حقيقة أن غرضه وقصده وغايته من طلب العلم إنما هو الحق، ولا شيء سوى الحق.

    والله أسأل أن يوفقنا جميعاً -أيها الإخوة- إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    التشاور قبل الاجتهاد في معرفة الراجح من الأقوال

    ينبغي لطالب العلم أو المسئول أو العالم إذا واجهته قضية ليس عنده فيها نص، وليس عنده فيها ما يعتمد عليه؛ أن يتوقف ويستشير، ويبحث ما استطاع ليصل إلى الحقيقة، فإن وجد من القواعد والنصوص والأصول ما يبني عليه قوله فالحمد لله، وإلا اجتهد طاقته والتوفيق من عند الله.

    فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سافر إلى الشام، وفي قرية بينه وبين الشام نزل، وجاءه القواد بالشام ليستقبلوه، ثم أخبر بأن الطاعون قد نزل بالشام، فماذا يفعل؟ أيقدم بالقوم على الطاعون فيهلكهم أم يرجع عن مسيره الذي خرج إليه؟

    ما استبد برأيه، مع أن عمر يسمى الملهم، إذا سار في طريق شرد الشيطان منه، وقد نزل الوحي موافقاً لرأيه في عدة مواطن، ماذا فعل؟

    دعا مشيخة المهاجرين، فجيء بمشيخة المهاجرين فسألهم فاختلفوا عليه، منهم من قال: امضِ إلى ما خرجت إليه، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء، قال: قوموا عني. ثم دعا مشيخة الأنصار فسألهم، فاختلفوا عليه، منهم من قال: امض إلى ما خرجت إليه متوكلاً على الله، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء. قال: قوموا عني. ثم طلب مشيخة قريش، فاجتمعوا عنده وسألهم، فما اختلف عليه واحد فيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجع بمن معه، فلما كان الليل قال: إني مصبح على ظهر -يعني: راكب راجع- فجاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً من قبل، وسمع بالذي حدث، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم -إذاً: ظهر النور- قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها)، فحمد الله عمر وكبر، وشرح الله صدره، وفرح بأن اجتهاده بأنه مصبح على ظهر راجعاً موافق لما جاءه من هذا العلم النبوي الشريف، وهو أننا إذا سمعنا به في أرض فلا ندخلها.

    أيها الإخوة! ليس هناك من يدعي علم عمر ، ولا خيال علم عمر ، وليس عندنا من يدعي ورع عمر ، إذاً: مع فضله وجلالة قدره، وهو الخليفة، وله الحق في أن يشرع ما لم يكن فيه نص (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)؛ ومع ذلك يستشير، ويبذل الجهد حتى يفرغ ما في وسعه، ثم يجتهد ويستقر رأيه على جهة، ثم يأتيه العلم مطابقاً لرأيه الذي استقر عليه.

    وقد سمعت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في مسألة: والله! لقد مكثت عشر سنوات وأنا أبحث عنها حتى وجدتها في كتاب الله!

    إذاً: طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة أو واجهته مشكلة أو قضية لا يبادر، ولا يسارع، سواء كانت فتوى، أو كانت علماً، أو كان غير ذلك، بل يستشير ويبذل الوسع، ويراجع، ونحن في الوقت الحاضر أمامنا -ولله الحمد- مصادر التشريع من كتب التفسير ومن كتب الحديث.

    ابن تيمية رحمه الله الذي عاش ومات وحياته كلها في العلم، ويمكن أن تقول: قد عجن بماء العلم؛ يقول: كنت أقرأ للآية مائة تفسير، وأقول: اللهم! يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، لم يقتصر على تفسيرين أو على عشرة أو عشرين، يقرأ مائة تفسير في الآية الواحدة؛ ليطلع على آراء العلماء؛ ليستوعب الأقوال فيها، والشيء بالشيء يذكر، اليوم نكون في جولة في هذا الموضوع.

    1.   

    سبب اقتصار الشنقيطي على تدريس التفسير والأصول

    سألت والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في هذا المسجد، في رمضان، بعدما انتهى من الدرس، وقد ذهب الناس، تقدمت إليه وقلت له: يا شيخ! أنا لي سؤال من زمان يتردد على لساني ولم أستطع أن أقوله. قال: وما هو؟ وكان -رحمة الله تعالى علينا وعليه- يعطيني شيئاً من السعة قليلاً، قلت له: منذ أن جئتَ إلى هذه البلاد وأنت مقتصر على تدريس التفسير وأصول الفقه، ما غيرت، مع أنك بحر في علوم العربية: نحو، صرف، بلاغة، أدب، وكل ما يتعلق بها، والفقه ما أظن مسألة في مذهب مالك في تخوم وبطون الكتب إلا وهي في دماغك، والحديث ما أعتقد أنه يعجزك معرفة رواة الحديث ومعاني متون الحديث، والتوحيد نسمع منك فيه الشيء الكثير.. وهكذا.

    فقال لي: ما الذي حملك على هذا السؤال؟!

    قلت: الذي حملني عليه أن هذا السؤال ورد على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فقرأت عنه أنه قيل له: يا أبا حنيفة ! أنت في زمن تدوين الحديث، وما رأيناك تشتغل بالرواية! وأنت في زمن اشتهر فيه علم الكلام، وما رأيناك تتكلم في علم الكلام -يعني: التوحيد والعقائد، ومعلوم أنه في ذاك الوقت كانت العلوم متوافرة من فقه وحديث وفقه وتوحيد وتفسير- ورأيناك تشتغل بالفقه فقط!

    قال: نعم، أما رواية الحديث فإن هناك رجالاً يتتبعون الرواة، وهم علماء الرجال، فيتتبعون أحوال كل راوٍ من مولده إلى موته، فإن وجدوا عليه هفوة تركوه، وصارت سبة فيه إلى الأبد، وأنا لست في حاجة إلى هذا.

    أما علم الكلام فلو أن شخصاً سمع منك هفوة بدون قصد في التوحيد رماك بالزندقة، وأنا في غنىً عن هذا.

    وأما التفسير فالقرآن ميسر، وعلماء التفسير كثيرون.

    أما الفقه فإني نظرت فإذا العامة والخاصة والغني والفقير والرجال والنساء في أمس الحاجة إليه؛ فاشتغلت به.

    فقال رحمه الله: والله! معه الحق في هذا.

    قلت: وأنت؟

    قال: أقول لك: أما علم العربية الذي ذكرت فهو وسيلة وليس بغاية. وفعلاً علوم العربية بأجمعها ليست غاية، فلا ينبغي لإنسان أن يضيع عمره كله في أن المبتدأ مرفوع، والخبر مرفوع، والجملة الفعلية والجملة الاسمية، ولكن تكون دراسة علم اللغة لمعاني كلمات القرآن، وللبلاغة، فهي وسيلة وليست بغاية.

    قال: وأما علم الكلام فليس علماً يثار على الحاضرين على اختلاف طبقات عقولهم وأفهامهم؛ لأن فيه من الشبهات وفيه من المزالق ما تزل فيه أقدام الفحول، فكيف يثار على عوام الناس! فليس عملياً.

    وأما علم الحديث فهو تتبع الرواة وعدالتهم وقبولهم وتصحيحهم، وتتبع المتن في فقهه ومعارضته، ومطلقه ومقيده، وعامه وخاصه، وناسخه ومنسوخه... إلخ.

    وأما الفقه فيحتاج إلى اجتهاد كثير، ولا يمكن أن تبحث مسألة؟ بجميع أطرافها هنا في المدينة، وكنا في بلادنا نقتصر على فقه مالك ، وهنا في المدينة يأتيها أناس من كل المذاهب، ولا يتأتى لإنسان أن يتعرض لمسألة فقهية خلافية إلا إذا استوعب أقوال الأئمة الأربعة فيها؛ من أجل أن الحاضرين من أهل المذاهب الأربعة، وإذا جمعت أقوال مسألة وغبت عنها مدة، ثم رجعت إليها احتجت إلى تجديد البحث فيها مرة أخرى، فهو متعب.

    أما التفسير -وهذا محل الشاهد عندي- فما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها!

    ابن تيمية يقول: كنت أقرأ مائة تفسير، والشيخ الأمين يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي في حافظتي وفي ذاكرتي جميع ما قيل فيها من علماء التفسير جميعاً!

    قلت: إذا كان الأمر كذلك فلك الحق في اقتصارك على تدريس التفسير، والأصول ما هو السبب في تدريسه؟

    قال: نعم، أما الأصول فهو ضروري لطالب العلم؛ لأن العلماء يقولون: جهلة الأصول عوام العلماء، وقال: ثم اعلم أن التفسير يأتي فيه اللغة متناً وإعراباً وصرفاً وبلاغةً، ويأتي فيه التوحيد، فآيات التوحيد في كتاب الله كثيرة، ويأتي فيه الأحكام الفقهية، فالفقه أكثره يؤخذ من كتاب الله، ويأتي... ويأتي... وعدد كل العلوم التي تصب في كتاب الله.

    والذي يهمني من هذا أن طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة وأشكلت عليه، فلا يستنكف عن المشاورة والسؤال، بل يبحث ويجتهد، لعل الله أن يفتح عليه، فهو يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها، يعني: لو راجعنا جميع كتب التفاسير الموجودة، والخلافات عن أئمة التفسير لوجدناه محصلاً إياها!!

    وهكذا أقول: ينبغي لطالب العلم إذا تعرض لمسألة أن يجمع أكثر ما قيل فيها، ليكون على بينة من أمره.

    ولكن لو عمل الجميع بهذا لما وجدنا من يستطيع أن يجلس يدرس الناس، فإذا وجدنا عُشر ذلك ففيه البركة والخير.

    والله أسال أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.

    1.   

    بركة طلب العلم في المسجد النبوي

    أقول: يا إخوان! ما وجدنا أيسر تحصيلاً وأكثر بركة في طلب العلم من هذا المسجد النبوي الشريف، جئت إلى شيخنا الأمين مرة وقلت: يا شيخ! يطرأ لي أن أبحث عن مسألة في البيت، وأتطلبها في مظانها جميعاً، فيتعذر علي الوقوف عليها، فأصر على أني أتجاوزها، فيصادف بعض الأحيان حينما آتي إلى المسجد النبوي وأضع إحدى قدماي في المسجد، وقبل أن أدخل الثانية، إذا به يخطر على بالي حكم المسألة! فإذا به يقول: لست وحدك! قلت له: كيف لست وحدي؟! قال: وأنا يحصل هذا عندي، أستشكل الأمر، ويطول إشكاله عندي، فإذا ألقيت الدرس في المسجد النبوي ألهمني الله الجواب!

    ولهذا -أيها الإخوة- حث النبي صلى الله عليه وسلم على طلب العلم في هذا المسجد، فقال: (من راح أو غدا إلى مسجدي هذا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) .

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، والله! الحديث ذو شجون!

    وبالمناسبة أيها الإخوة: أحمل طلبة العلم بالمدينة ما حملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روي عنه أنه قال: (يا معشر أهل المدينة! إن الناس لكم تبع، وستفتح الأمصار، ويأتي رجال يطلبون العلم -أي: هنا- فآووهم وعلموهم)، وكان سعيد بن المسيب إذا جاء واحد من خارج المدينة لطلب العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله. وهذا هو الواجب على من أكرمه الله سبحانه بطلب العلم في المسجد النبوي، فإذا جاء طالب جديد فينبغي أن يشرح له صدره، وأن يوسع له باله، وأن ييسر له طريقه، وأن يبذل ما في وسعه لمساعدته لطلب العلم.

    والله الموفق.