إسلام ويب

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحكمة من فرض الصيام هي التقوى، فعلى الصائم أن يحرص على تحقيق التقوى حال صومه، ومن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

    1.   

    شرح حديث: (من لم يدع قول الزور...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ].

    ما مناسبة مجيء قول: (من لم يدع قول الزور) بعد النهي عن الوصال؟ لماذا ما أتى به في الأول حتى نحتاط لصيامنا؟ ولماذا جعله في الأخير؟ لماذا أتى به بعد حديث النهي عن الوصال؟ ما السر في هذا؟ أم هو مجرد رص؟

    في الحديث السابق، قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحدكم، لكنهم ما اكتفوا بهذا، وطمعوا ورغبوا أن يحصلوا الفضل، وما دام أنهم لا يستطيعون أن يواصلوا وهو يواصل فقالوا: دعنا نواصل، فأرشدهم ألا يواصلوا، ولا يكلفوا على أنفسهم، قالوا: لا، قال: (أنتم لستم مثلي) أي: أنا عندي استطاعة ليست لديكم. قالوا: لا. فواصل بهم يوماً، واليوم إذا أطلق يشمل الليل والنهار، ثم يوماً، فصارت ثمانية وأربعين ساعة، فرءوا الهلال، يعني: ربنا رحمهم، لما رءوا هلال شوال انتهى الصيام، ولم يعد هناك وصال، فقال لهم: (لو لم نر الهلال لواصلت بكم يوماً آخر) ، كان يقول لهم: لا تواصلوا، والآن يقول: أريد أن أواصل بكم، هذا الأسلوب ماذا نسميه؟ هذا تشديد أو تخفيف؟ تشديد، والتشديد من ورائه التنكيل، الراوي يقول: ينكل، أي: يشدد عليهم ويعزرهم حتى لا يعيدوا الكرة مرة أخرى، كما أنك تنهى إنساناً عن شيء مصلحةً له، ولكنه يتطلع ولا ينتهي، تقول له: تعال، -مثلاً-: تقول له: أنا ذاهب إلى قباء ماشياً. فقال: أمشي معك. قلت له: أنت لا تستطيع، أنا أقوى على المشي أما أنت لا تقوى. قال: لا، بل أقوى. فقلت له: هيا نمشي، وفي نصف الطريق قعد وأخذ يفرك رجليه. ماذا بك؟ قال: يكفي. قال: لا، لابد أن تواصل، لابد أن تمشي. قال: أنت قلت من قبل: لا تمشِ أنت لست تقوى، والآن تقول: لا، لابد أن تمشي!! لماذا؟ حتى لا يعود إلى هذا الإلحاح، كالمنكل بهم، والتنكيل: التعذيب، كأنه يحمل عليهم نتيجة لتشددهم وعدم قبولهم الرخصة في أول الأمر، ولم يقبلوا اللين.. فكأنه قال: تعالوا، تحملوا.

    ومن هذه الجزئية قال الشافعي : لو كان الوصال حراماً ما واصل بهم اليوم واليومين؛ لأنه لا يجوز التنكيل بمحرم. وإلى هنا عرفنا أنه مكروه، وأنه جائز لمن يستطيع.

    إذاً: لا ينبغي لإنسان أن تأتيه الرخصة في الإسلام ويرفضها، وهو في حاجة إليها، زيادة ورغبة في الخير، قبولك الرخصة رغبة في الخير، إلا إذا لم يكن هناك أية مشقة، وكان أمراً عادياً، وكان اتباعاً للأصل على ما سيأتي في الصوم والفطر في السفر إن شاء الله.

    إذاً: واصل بهم اليوم واليومين على غير ما كان يريد، كان لا يريد أن يواصل بهم، لكن فعل ذلك تأديباً، كما يقال:

    قسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقسُ أحياناً على من يرحم

    لم جاء المؤلف بحديث: (من لم يدع) بعد حديث النهي عن الوصال، وجعلهما مقترنين؟ فما العلاقة بينهما؟

    التأليف فن وحكمة، وأشرنا إلى ما قال ابن عبد البر في إيراد مالك لنصوص رؤية الهلال، حيث قدم حديث ابن عمر : (فاقدروا له)، ثم جاء بحديث ابن عباس : (فاقدروا له ثلاثين) ، وقال: حديث ابن عمر مجمل، وحديث ابن عباس يفسره، فأخر المفسر ليكون بياناً للمطلوب، يعني: أن العلماء حينما يوردون الأدلة في الأبواب يكون إيرادهم إياها عن حكمة وعن دلالة خاصة، وليست مجرد رصف أحاديث ونصوص، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    كنا تساءلنا ما هي العلاقة بين مجيء هذا الحديث وبين النهي عن الوصال؟ وكما قال الأخ: لما نهاهم عن الوصال وهم يرغبون في الوصال زيادة في الخير، فكأنه يقول لهم: إذا كنتم تريدون الخير بزيادة فليس في نوعية زيادة العمل، ولكن في إحسانه وفي جودته، وهو أن تحافظوا على صوم النهار من الفجر إلى الليل، وأن تصوموا عما لا يليق بالصائم.

    معنى الزور

    قال في الحديث: (من لم يدع) يدع: فعل مضارع، وأمره دع كحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) بمعنى: الترك، من لم يترك قول الزور.

    والزور -كما يقول علماء اللغة-: هو ملتقى نهاية الفم بأول البلعوم، ففيه زاوية، هذه الزاوية هي الزَور، والعلماء يطلقون عليها الزُور، زَور الإنسان، زَور الحيوان، وسمي الزور زوراً لأنه جاء جانبياً؛ لأن فتحة الفم كان مقتضاها الاعتدال إلى الرقبة، لكن انحنت ونزلت إلى الحلقوم وإلى المعدة.

    فالزور: هو ما انحنى عن طريق الاستقامة، ومنه الزائر يأتيك من جانب البيت، لا يأتيك عامداً بطول، مثلاً: يأتي في الشارع، وإذا وصل إلى بيتك انحنى وانعطف على باب مزوره.

    وقول الزور: هو القول الذي ينعطف عن الطريق المستقيم، فكل قول انحرف عن الصراط السوي فهو زور، أكبر ما يكون في ذلك شهادة الزور -أي: الكذب- يليها بعد ذلك الكذب في القول، يليها أيضاً النميمة، الغيبة، التنابز بالألقاب... كل هذه قول الزور؛ لأن التنابز بالألقاب يسيء إلى صاحب اللقب، فكان هذا من قول الزور؛ لأنه مغاير للطريق الذي يحبه أو يرضاه صاحب اللقب.

    فقول الزور: هو كل قول جانب الحق، وكما أشرنا: أعلاه شهادة الزور؛ لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم (أنه كان متكئاً بين أصحابه، وحذر من الكبائر، ثم اعتدل وقال: ألا وشهادة الزور، وأخذ يكررها حتى قلنا: ليته سكت) .

    ونحن نعلم -يا إخوان- أن شهادة الزور وقول الزور يكفي في تقبيحها أنها تغير الحقائق، وتقلب الأمور، وتبطل الحق، وتحق الباطل، وتضلل العدالة، وأشياء كثيرة جداً، ومن هنا اهتم لها صلى الله عليه وسلم، وكذلك الكذب، ففرق بين الكذب والصدق كما بين الظلام والنور، وما بين الحق والباطل، وما بين الليل والنهار؛ لأنه أيضاً يغير الوقائع، ويحق الباطل، ويبطل الحق.

    ما الفرق بين شهادة الزور والكذب؟

    شهادة الزور تتعلق بحق لثالث، والكذب يكون مطلق إخبار، مثلاً: جاء زيد؟ لم يجئ، وهو قد جاء ورآه، فهذا كذب.

    وفي الحديث: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق) ، الرفث: من الزور أيضاً، وهو الحديث عن النساء بحضرة النساء، (ولا يفسق): الفسوق الخروج عن الطاعة، كما يقول العرب: فسقت النواة عن الرطبة، أي: خرجت عنها، وفسقت الحبة عن الرحا، أي: نقزت من تحتها ولم تطحن، ومنه الفويسقة، وهي الفأرة تخرج بالخفاء ليلاً وتفسد أو تضرم على الناس بيوتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أوكئوا السقاء، وخمروا الإناء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج، فإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم) وقوله: (تضرم على الناس بيوتهم) لأنهم كانوا يستصبحون بالسرج، والسراج: عبارة عن إناء صغير يوضع فيه الزيت، وفتيل يأتي إلى الزيت، وعلى حافة هذا الإناء مثل الكأس، يشعل الفتيل فيظل يضيء ويستمد من الزيت إلى أن يفرغ الزيت وينطفئ، فتأتي الفأرة تريد أن تلحس هذا الزيت، ولكن إشعال طرف السراج بالنار يضايقها، فتدخل ذنبها تحت الفتيل هذا وتخرجه عن إناء الزيت، والحال أنه مشتعل، فينزل هذا الفتيل بما فيه من الشعلة على الفراش فتضرم النار في بيوتهم، فسميت فويسقة بخروجها للإفساد.

    إذاً: الفسق يكون بالقول بما يغاير الحق، ويكون بالعين بالنظر إلى ما لا يحل له، ويكون بالسمع حينما يتسمع إلى قول خطأ، اثنان يتكلمان على شخص ثالث بالغيبة أو بالنقيصة، واستمع إليهما، هو لم يتكلم ولكن مجرد سماع، فكما قيل:

    وسامع الذم شريك لقائله ومطعم المأكول شريك الآكل

    فإذا تسمع إنسان لاثنين أو جماعة يتكلمون على شخص في عرضه، بنميمة أو بذم أو بكذا، ولم يشارك في الحديث، ولكنه يستمتع بالسماع أو يصغي إليه دون أن ينكر عليهم، فهو مشارك معهم.

    والفسق باليد يكون بالبطش وامتدادها واكتسابها ما لا يجوز شرعاً، وكذلك بالقدم حينما يسعى إلى أمر منهي عنه محرم، فكل هذا من أنواع الفسق بالجوارح التي يكون عن طريقها.

    معنى العمل بالزور

    قوله: (من لم يدع قول الزور، والعمل به) العمل بالزُور يشمل كل عمل منهي عنه؛ لأن الزور باطل، وكل عمل منهي عنه فهو باطل، يبدأ الإنسان في معاملاته أولاً في بيته مع أهله، إذا لم يفِ بالوعد، أو كانت معاشرته فيها نوع من التعالي، أو نوع من الامتنان، أو نوع من التقصير... فكل ذلك عمل بالزور، أو إذا خرج إلى السوق يتعامل بالمعاملات المنهي عنها، وأعلاها: الربا، ثم التدليس، الغش، فالصانع في صنعته، والأجير في عمله، إذا لم ينصح ولم يؤدِ الواجب الذي عليه فهو عامل بالزور؛ لأنه يأخذ أجراً على غير ما عمل، مثلاً: كان مؤاجراً على يوم كامل، واليوم عمله ثمان ساعات أو عشر ساعات حسب العرف، وهو أخذ يراوغ حتى لم يعطِ من العمل إلا نصف الوقت، أو استئجر على بناية جدار أو صناعة شيء فدلس في البناء ولم ينصح، فمثلاً ربط اللبن بعضه ببعض، ولم يحسن العمل، أي نوع من الغش في الصنعة فهو عمل بالزور.

    إذاً: الحديث يحث الصائم على أن يكون صومه -كما قال بعض السلف- عفيفاً كريماً، كما قال جابر : لا يصوم الإنسان حتى تصوم جوارحه.

    وصوم الجوارح -كما أسلفنا - هي أن تصوم العين عن التطلع إلى المحرم، وإذا صادف أمامه شيئاً فجأة غض البصر، ولم يتبع النظرة النظرة، وكذلك إذا سمع قوماً يخوضون في حديث لا يرضي الله أعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإذا رأى جماعة يشتركون في عمل فيه فساد، سواء كان لفرد أو للجماعة أو للأمة من إتلاف المرافق العامة أو نحو ذلك فإنه إن سكت عن ذلك فهو أيضاً داخل في هذا الباب.

    عظم ارتكاب الصائم للذنب

    هذا الحديث يحمل الصائم على أن يكون مسلماً مثالياً؛ ولهذا يقول العلماء: هل النهي عن قول الزور به خاص برمضان فقط؟ يعني: هل بعد رمضان يكون كيفما شاء، ويعمل كيفما شاء؟ لا، هو محرم قبل أن يأتي رمضان، ومحرم في رمضان وفي غير رمضان، ولكن حرمته في رمضان أشد.

    ويقول ابن عبد البر في "الاستذكار": قال العلماء: الكبر محرم في كل وقت، والزنا محرم في كل وقت، لكن جاءت شدة تحريم في أوصاف مناسبة كحديث: (إن الله سبحانه وتعالى يبغض الفقير المتكبر) ، وفي الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي) ، فأي إنسان فقير أو غني لا يجوز له أن يتكبر، لكن يكون فقيراً ومتكبراً! لو تكبر إنسان غني معافى فإن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، فالجبلة والغريزة حملته على ذلك، لكن الفقير الذي لا يجد شيئاً ما الدافع له على الكبر إلا خبث النفس. ومثل ذلك: (وشيبة زان) ، فالشاب إذا زنى فلديه دوافع، وغره الشيطان، مع أنه لا عذر في محرم، لكن عجوز شائب بالكاد يمشي على عصاتين ويذهب يزني أيضاً! هذا منه أكثر قبحاً. فكذلك قول الزور والعمل بالزور طيلة العام محرم، لكن إذا دخل رمضان فيجب أن يكون أطهر منه في غير رمضان، فإذا كان مرتكباً للزور في غير رمضان فيجب أن يستحي في رمضان ويتركه، وإذا لم يكن مرتكباً له في غير رمضان فمن باب أولى أن يحافظ على صومه، وأن يبتعد كل البعد عن قول الزور والعمل به.

    وإذا أخذنا في الجملة بهذا، صار المجتمع الإسلامي في رمضان مجتمع حق، ومجتمع صدق، لا زور فيه، أفراده كلهم على الصدق، أفراده كلهم صادقون، وأفراده كلهم عفيفون، وأفراده كلهم كرام بررة، بعيدون عن الهزل، بعيدون عن المزاح، بعيدون عن الزور، كيف نتصور هذا المجتمع؟!

    أعتقد أنه يكون مجتمعاً مثالياً وفوق المثالية؛ لأنه تخلق بأخلاق الإسلام.

    ويمكن أن نقول أيضاً: من معطيات الصوم تربية النفس على مكارم الأخلاق، وكل ركن في الإسلام نجد له معطيات أخلاقية، ففي الصوم في أول تشريعه في كتاب الله قال سبحانه: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، وهنا: ترك الزور قولاً وفعلاً. إذاً: سيصبح الصائم -كما قلنا- النموذج المثالي.

    وإذا جئنا إلى الصلاة نجد لها أيضاً عطاء وأثراً إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وإذا جئنا إلى الزكاة نجد لها عطاءً مزدوجاً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وإذا جئنا إلى الحج فكذلك الحال، وعلى كل فعطاء الصيام في الناحية النفسية وفي سلوك الإنسان أخلاقياً؛ عطاءً عظيماً.

    معنى الجهل

    قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة...) الجهل له مدلولان: جهل ضد العلم، وجهل ضد الحلم، فالجهل ضد العلم هو جهل الإنسان بما لا يعلم ويعلمه غيره، فنحن مثلاً نجهل علوم الفلك، ونجهل علوم الذرة، هذا جهل ضد العلم، وليس كل جهل مذمة، إذا كان في حدود الطاقة، وفي حدود العامة، هذا أمر عادي؛ لأن الناس كلهم لن يكونوا سواء في العلم، وهذا ليس مطلوباً؛ لأن العلم موجود في الأمة في أفرادها، وفي بعض الجماعات، ولكن الجهل أمر نسبي، ولا ينبغي للمسلم أن يكون جاهلاً جهلاً ضد العلم فيما يلزمه من ضروريات الدين، لا يحق لإنسان أن يدعي الجهل بأحكام الصلاة؛ لأنها ضرورية وفرض عين، كذلك لا يصح لإنسان أن يدعي الجهل أو يكون فعلاً جاهلاً بأحكام الصيام أو جاهلاً بأحكام الزكاة، ومعرفة الأنصباء إذا كان من أهلها، وكذلك من أراد أن يحج لا ينبغي له أن يكون جاهلاً بأحكام الحج، هذا من الناحية الدينية، ووجوب طلب العلم لما يلزمه عمله.

    والجهل الثاني ضد الحلم، وهو -كما يقولون-: التعدي، الحماقة، إساءة الأدب، انتهاك الحرمات، وقد قال الشاعر الجاهلي:

    ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

    الجهل هنا ضد الحلم، ومراده: لا يأتي إنسان يغضب علينا، فإذا غضب علينا إنسان غضبنا عليه أكثر من غضبه، فتكون:المقابلة بالمثل وزيادة، وهذا الجهل هو المراد هنا: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل) أي: ضد الحلم، ومنه تسمية ما قبل البعثة بالجاهلية، فكلمة (الجاهلية) ليست جهلاً عن كل علم، فالعرب كانت عندهم علوم الطب، وعلوم النجوم، وعلوم السير... فهذه أشياء كانوا يعلمونها، ما وصفوا بالجهالة التي ضد العلم، ولكن وصفوا بالجهالة التي ضد الحلم، على أتفه الأسباب تقوم الحروب بينهم، حرب داحس والغبراء كانت على فرسين، وحرب يوم ذي قار، وغير ذلك، كانت العرب في الجاهلية قد تقوم الحرب بينهم على أتفه الأسباب، وهذا من الجهل الذي هو ضد الحلم.

    إذاً: فليدع الصائم العمل بالجهل، ولذا في الحديث: (إذا سبه أحد أو شاتمه أحد فليقل: إني صائم) ؛ لأنه إذا رد عليه خرج عن كونه حلم عنه إن جهل عليه، فيكون الجهل مسايرة من يشاتمه، ومن يسبه، ومن يعتدي عليه، لكن إذا انصرف عنه وقال: إني صائم. ترك الجهل.

    أيها الإخوة! هذه الصفات: قول الزور، والعمل به في جميع الشئون، والعمل بالجهالة التي هي ضد الحلم، يجب أن يكون الصائم بعيداً منها، وأن يكون على سعة بال وسعة صدر، وحسن أخلاق؛ ليكون ذلك أدعى لكمال صومه، والله تعالى أعلم.

    معنى قوله: (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)

    من لم يدع هذه الأشياء فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، إذا لم يتركها فليس لله حاجة في أن يصوم؛ لأنه صام عن جزئية من الصوم، والصوم صوم عن كل شيء نهى الله عنه، فمن لم يدع هذه الأشياء فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

    سؤال: إذا تركها الإنسان، وأصبح المسلمون على أعلى مثالية في الآداب والأخلاق، فهل لله حاجة في ذلك؟ يقول الفقهاء: هل مفهوم المخالفة مراد في قوله: ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه؟ أي: فهل لله حاجة فيمن لم يرتكب ذلك؟

    الجواب: لا، فالله سبحانه وتعالى غني عن عبادة العباد، وغني عن عمل العباد، وإنما مردود العمل راجع إليهم (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها) والله غني عن ذلك، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين.

    إذاً: (فليس لله حاجة في أن يدع...) لا مفهوم لذلك؛ لأنه ليست له حاجة فيما لو ترك الصائم هذه الخصال الذميمة، ولكن المراد بهذا: أنت تركت الطعام والشراب، وهذا أنت مأمور به، ولكنك تذهب وترتكب قول الزور والعمل به والجهالة، وأنت منهي عنه، فهل إذا لم تأكل ولم تشرب وعملت بالزور، وفرت في خزائن الله زيادة؟ لا، لم يكن تركك الطعام والشراب لحاجة عند الله أو قلة في العطاء، أو لأنه يزيد في خزائنه، كل ذلك لا أصل له، إنما ليس هناك داع أو ليس هناك موجب لأن تبقى على ترك الطعام والشراب وأنت أفطرت بغيره، كما جاء في حديث المرأتين اللتين صامتا في يوم حار، وسألتا رسول الله أن يسمح لهما بالفطر فأبى، وسمح لغيرهما ولم يسمح لهما، ثم استدعاهما وأحضر قدحاً وأعطاه للأولى وقال: قيئي في هذا. فتقيأت، وما تقيأت طعاماً: دماً ولحماً عبيطاً -أي: طرياً- حتى تناصف القدح، ثم أعطاه للثانية ففعلت كذلك، ثم قال: (تصومان عن الحلال -أي: الطعام والشراب- وتفطران على الحرام) ، أي: على غيبة الناس، كانتا تأكلان لحوم الناس، فهذا الدم العبيط واللحم العبيط الذي قاءتاه من الغيبة: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12] ، فهما صامتا عن الطعام والشراب، وأكلتا لحوم المسلمين.

    إذاً: هذا تناقض؛ ولهذا جاء الحديث بالعموم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ؛ لأنه لا فائدة له.

    وبعض العلماء يقول: الغرض من هذا هو إبطال هذا الصوم وإن أسقط الفرض عنه، ولا نقول: عليه القضاء. والعجب أن بعض الطوائف -وهم موجودون الآن- يقولون: من كذب على الله أو على رسوله في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة، ومن كذب على أحد من عامة الناس في نهار رمضان فعليه القضاء! ويدينون بذلك نظراً لهذا الحديث: (فليس لله حاجة في أن يدع) ويقولون: أي: ليس له حاجة في صومك، فصومك مردود، ويقولون: الكذب يبطل الصوم، فإن كذب على الخلق فعليه القضاء، وإن كذب على الله أو على رسوله فمع القضاء كفارة.

    والله أسأل أن يحفظ لنا صيامنا.

    تهذيب غريزة الغضب

    يا إخوان! هل العالم كله معصوم من قول الزور أو العمل به أو الجهل؟ قد يأتي إنسان يمتحن الإنسان -كما يقولون- ويغضب عليه ويصيح، هذه جهالة، ولكن هل أحد يسلم من هذه؟ الرسول لما قال للرجل: (لا تغضب) هل معنى ذلك: أن تخلص من غريزة الغضب؟ لا يمكن، من تخلص من غريزة الغضب فلا خير فيه؛ لأن غريزة الغضب تحمي الإسلام؛ لأن من لا غضب عنده ولا غيرة يرى المنكر أمامه ولا يحس به ولا يتغير له، فإذا كانت الغيرة والغضب والحمية موجودة فإنه لحميته ولغضبه ولغريزته تلك يتحرك، حمزة رضي الله تعالى عنه أول إسلامه حمية لرسول الله، قالت له المرأة: انظر ماذا فعل فلان مع ابن أخيك! قالت: رأيت أبا جهل يسب ابن أخيك، وكان آت من القنص بأداة الصيد، فذهب إلى الكعبة ووجد أبا جهل في نادي القوم، فضربه بالقوس على رأسه فشجه، وقال: أتسب محمداً وأنا على دينه؟ منذ متى كنت على دينه؟ الآن فقط، فهذه حمية وغيرة حركته إلى الخير.

    وهكذا من فقد الغيرة وفقد غريزة الغضب فلا خير فيه، فهو ميت، لكن لا ينبغي التجاوز في ذلك؛ لأن التجاوز يأتي بضد النتيجة، يغضب لأقل شيء، يثور لأقل شيء، تأتيه الحمية لأبسط الأشياء.. لا، يجب أن يكون مع الاعتدال والوسطية، وكذلك المرأة إذا تسلطت عليها الغيرة من ضرتها أفسدت حياتها وحياة زوجها، لكن إذا كانت بقدر، وكانت بأمر في حدود الجبلة، فلا بأس، الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءته قصعة الطعام من عند حفصة في بيت عائشة ، وعائشة تعرف بأن حفصة كانت تحسن الطهي، فلما جاء الجارية بالقصعة ضربتها بيدها فسقطت القصعة فانكسرت، وتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: (غارت أمكم) . فهذه غيرة، لكن ما تجاوزت حدها، صبت غضبها على القصعة، وما لمست حفصة بشيء، ولا لمست جانباً آخر بشيء، ولكن موضوع الغيرة هو القصعة، فجمع الطعام وأخذ قصعة من بيت عائشة وقال: (قصعة بقصعة) . وتدارك المسألة.

    إذاً: الجهالة لا ينبغي أن تتجاوز حدها، ولا ينبغي أيضاً أن تُطفأ وتُخبأ نارها؛ لأن الإنسان إذا فقد الحمية والغضب يكون فاقد الدفاع أو فاقد الإحساس... إلخ.

    1.   

    شرح حديث: (كان النبي يقبل وهو صائم)

    قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه) متفق عليه واللفظ لـمسلم ، وزاد في رواية: (في رمضان) ].

    المناسبة بين هذا الحديث والذي قبله، أنه لما نهى عن قول الزور والعمل به والجهالة ربما يظن بعض الناس بأن ملاطفة، ومداعبة الزوجة من هذا الباب، ويجب أن يترك، فجاء المؤلف بهذا الحديث ليبحث حكم ملاطفة الزوجة بصفة عامة، والملاطفة لا حد لها،ما دامت بعيدة عن علبة اللؤلؤ كما يقولون.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان وهو معتكف يقدم رأسه لـعائشة ، سريره في الروضة ورأسه في البيت، وتمشط شعره وتدهنه، وهذا العمل من أحسن المداعبة أو المؤانسة للزوجة، ويعجبها أن تجد فرصة مع زوجها بهذه الحالة.

    نأتي إلى حكم التقبيل، عن عائشة قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يقبل بعض زوجاته وهو صائم) وضحكت، وما الذي يضحكك؟ كأنه من حلاوة النسبة إليها هي؛ لأن الحدث كان معها هي، وما كان أحد يراه يقبل زوجاته في بيوتهن، إذاً: أخبرت بما وقع معها، وكونه صائماً ويقبلها هذا معناه زيادة معزة ومحبة لها، لكن أم المؤمنين حكيمة، ما قالت: كان يقبل؛ لكي تتأسوا به، وتذهبون تقبلون ثم تزل قدم أحدكم، لا، بل نبهت بقولها: (وأيكم أملك لإربه)، والإرب الحاجة، وهي في هذا المقام معلومة، فكأنها تبين المشروع، وتنبه عن المحظور.

    اختلاف العلماء في حكم القُبلة للصائم

    اختلف العلماء في القبلة للصائم، فهناك من منعها كلية، وقال: من قبل فقد بطل صومه وعليه القضاء مطلقاً، وهناك من قال: القبلة ليست ممنوعة لذاتها، لو أن امرأة قبلت يد زوجها أو رأس زوجها ماذا في هذا؟ ولا شيء، لكن القبلة في محل التقبيل هي محل التماس كما يقولون، ويقولون: القبلة من حيث هي ليست ممنوعة وليست محظورة، وليست مبطلة للصوم، ولكنها منعت من باب سد الذرائع، القبلة ماذا بعدها؟ وقد قال القائل: نظرة فابتسامة فكلام فموعد فلقاء، وأظن هذا من شعر شوقي ، يقول: نظرة فابتسامة فكلام فموعد فلقاء. وما بعد اللقاء؟ الالتقاء.

    فالأمور تأتي بالتدرج، وكما يقولون: بعضها يجر بعضاً، فقالوا: إن النهي عن التقبيل إنما هو من باب سد الذرائع. والآخرون قالوا: لا، نحن ننظر إلى هذا الشخص الذي يريد أن يقبل، إذا كانت حرارته زائدة، وبمجرد التقبيل يقع منه الخطأ، فهذا نقول له: ابتعد بعيداً جداً. ومن كانت حرارته منطفئة، وليس هناك إلا العاطفة، وليس هناك إلا المودة، فنقول: دونك! وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً ومرفوعاً، جاء عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان في مجلس أصحابه، فجاء رجل فسأله عن القبلة، فنهاه، ثم جاء آخر وسأله عن القبلة فرخص له) ، ولهذا مالك بوب في الموطأ: باب الرخصة في القبلة، ثم جاء بعده بباب آخر: باب التشديد في القبلة. الترخيص والتشديد! الترخيص لمن؟ والتشديد على من؟ على هذه الصورة التي ذكرها ابن عباس ، وهي أنه صلى الله عليه وسلم لما منع الأول وأباح للثاني، التفت لأصحابه وقال: (لكأنكم تعجبون أني منعت الأول وأجزت الثاني؟! قالوا: إي والله -يا رسول الله- نتعجب! قال: نظرت إلى الأول فإذا به شاب فخشيت عليه، وإلى الثاني فإذا به شيخ لا يخشى عليه) .

    ونقول: هذا التشريع يكون عاماً؛ لأن أحكام التشريع لا تنظر إلى الأفراد، تنظر إلى العمومات كما قال الشاطبي رحمه الله: تكون شاملة عامة، ولكن يختلف الأفراد في هذا الشمول، قد يكون شائباً ولكنه أنجح من الشباب، فإذا كان شخص في مشيبه، ولكنه في هذا الباب شباب، هل نقول: نرخص للشيوخ ونمنع الشباب على أنه شيخ وشاب أم ننظر إلى مظنة المنع في حالة الشباب؟

    قد يكون شاباً عنيناً لا يصلح للنساء، وقد يكون الشيخ منجباً، ونسمع قصصاً كثيرة عن أشخاص أنجبوا بعد المائة سنة! تزوج بعد المائة وجاء بأولاد!

    إذاً: المسألة شخصية، التشريع عام، والتطبيق خاص، أي: جزئي من هذا العموم، وأنت أعرف بنفسك، فإذا عرف الإنسان من نفسه أنه أملك لإربه فنقول: إنه جائز.

    وأبعد ابن حزم وقال: إنه مستحب؛ لأن الرسول قبل، لكن عائشة قالت: أيكم أملك لإربه؟ فلينظر الإنسان في خاصة نفسه.

    جاء في بعض الروايات أن (الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلمس وجه عائشة وهي صائمة) ، إذاً: فمتى قبلها؟! هو يمكن وهو صائم وهي مفطرة؛ لأن عائشة تأتيها الدورة، وإذا جاءتها الدورة منعتها من الصيام، فيكون هو صائم وهي مفطرة، فلماذا لم يلمس وجهها وهي صائمة؟ هذا ينبغي أن يلاحظ، هي زوجة شابة، ومع المداعبة قد تغلبها نفسها، وكما قال صلى الله عليه وسلم لما سألته المرأة: (إن الله لا يستحيي من الحق يا رسول الله! فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء) إذاً: المرأة عندها ماء، وهو يأتي بالمداعبة أو باللقاء، وإذا خرج منها وهي نائمة فتكون قد احتلمت، وعليها الغسل.

    إذاً: في حالة اليقظة هي شابة، وكان الزوج يملك إربه وهي لا تملك، ويقولون في بعض كتب الأدب: الشهوة مائة جزء، تسع وتسعون للمرأة، وواحد للرجل، ولكن المرأة يمنعها حياؤها، فإذا كانت المرأة لا تستطيع مسايرة الزوج في المداعبة فيجب أن يعرف طاقتها، ويحجب عن ذلك؛ لئلا يفسد عليها صومها.

    إذاً: حكم القبلة للصائم هناك من يمنع مطلقاً، ويقول: من قبل فعليه القضاء، وهناك من يبيح مطلقاً دون أن ينظر إلى شيء، بل قال: إنه مستحب كما قال ابن حزم ، وهناك من يقول: ليس على الإطلاق، إنما ينظر الشخص في حالة نفسه، وكذلك المفتي يجيز للبعض بنظره واجتهاده، فتباح لمن يملك إربه، وتمنع لمن لا يملك إربه.

    والله تعالى أعلم، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وبالمناسبة هذه يذكر الفقهاء أشياءً عميقة -لا أظن أن عندنا نسوة يسمعن هذا-، يذكرون تبعاً للقبلة: أنه من دواعي المؤانسة مع المرأة أن يمتص لسانها، فإذا امتص لسانها هل له أن يبتلع ريقه بعد هذا الامتصاص؟ قالوا: لا؛ لأن هذا إدخال شيء غريب إلى جوفه.

    إذاً: القبلة من الخارج ليس فيها ريق، وليس فيها سائل، وليس فيها شيء، لكن إذا امتص لسانها فيحتاط، ولا يبلع الريق في هذه الحالة.

    والله أعلم.