إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [6]

كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفق باليتيم والإحسان إليه حتى في ماله، بأن يتاجر له فيه حتى لا تأكل ماله الزكاة، وللعلماء خلاف في مسألة إخراج الزكاة من ماله قبل البلوغ. كما جاء الخلاف في صحة إخراج الزكاة قبل حلول الحول فيها، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس.

    1.   

    وجوب الزكاة في مال اليتيم وما يتعلق بذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ولي يتيماً له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) ].

    هذه القضية وقع الخلاف فيها بين الإمام أبي حنيفة رحمه الله وبين الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.

    فإذا كان المال لإنسان كبير بالغ رشيد مكلف فإن من أركان الإسلام أن يؤدي زكاة ماله، أما إذا كان المال ليتيم، أي: لصبي قاصر عن سن الحُلُم، واليتيم: هو من توفي أبوه قبل بلوغه، واليتيم في الحيوانات: من توفيت أمه، واليتيم في الطيور: من توفي أبوه وأمه.

    وإذا كان الطفل يتيماً فلا بد أن يقام عليه ولي يرعى شئونه، ويدبر حاله من تعليمه، والحرص على ماله إن كان له مال، وتنميته ومراعاته حتى لا يضيع.

    فيتيم ورث عن أبيه مالاً، هذا المال فيه زكاة، والمال الزكوي على قسمين:

    مال خفي: وهو ما يتعلق بالنقد من الذهب والفضة، والأوراق النقدية في الوقت الحاضر.

    ومال ظاهر: وهو بهيمة الأنعام والزروع.

    فالمال الخفي يقول الجمهور: فيه زكاة.

    والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: لا زكاة عليه حال يتمه، ولكنه إذا بلغ ورشد واستلم ماله من الوصي زكاه.

    استحباب الاتجار بمال اليتيم

    وقوله في الحديث: (من ولي يتيماً) أي: صار ولياً عليه، سواء كان أمه أو عمه أو أخاه الأكبر أو شخصاً أجنبياً يقيمه الحاكم؛ فالذي يلي مال اليتيم، وكان لهذا اليتيم مال فلا يجعله في الصندوق، بل يتجر فيه؛ لينمو ويربح، حتى إذا حال عليه الحول وأخرج الزكاة لم ينقص رأس المال الأساسي، وهكذا يحول الحول الثاني ويخرج الزكاة، فيكون نماء المال وربحه ضماناً لرأس المال.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (فليتجر به) أي: برأس مال اليتيم؛ لأنه باتجاره فيه ينمو، فإذا ما أخرجنا الزكاة منه حافظ على مستواه، فلا ينقص، بل يزيد، أما إذا لم نتجر فيه وتركناه في الصندوق، وحال عليه الحول، وأخذنا منه (2.5%)، والسنة الثانية أخذنا منه (2.5%) وهكذا إلى السنة العاشرة؛ فعشر سنوات في اثنين ونصف في المائة ماذا يبقى؟ كأنا تركنا مال اليتيم للزكاة تأكله.

    إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) دليل للجمهور على أن مال اليتيم يزكى، لأنه لو لم يزك لم تأكله الصدقة.

    الدليل على عدم وجوب الاتجار بمال اليتيم

    جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أن آل أبي أوفى كانوا أيتاماً، ولهم عنده مال وديعة، وبعد أن بلغوا سن الرشد دفع إليهم مالهم، فحسبوه فوجدوه ناقصاً، قالوا: المال ناقص يا علي . قال: هل حسبتم زكاته؟ قالوا: لا. قال: احسبوها. فحسبوا زكاة تلك السنوات فوجدوه تاماً بزكاته، فقال: أترون أن يكون عندي مال ولا أخرج زكاته؟

    وهنا أصبحنا في إشكال، فهذا علي لم يتجر بالمال، وتركه حتى أكلت الزكاة منه واستنقصه أصحابه؟ وهنا قال: (فليتجر له) فهل يجب على الولي أن يتجر في مال اليتيم أم أن هذا من باب النصح والرشد؟

    نقول: الولي ما تولى لليتيم إلا للعمل على صلاحية حاله، واتفق الأصوليون على معنى قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء:10] فقالوا: كل من أتلف على يتيم مالاً، سواء أكله بفيه أو أحرقه بنار أو أغرقه في ماء، أو سلط عليه بهيمة، فهو داخل في عموم الوعيد: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10].

    بقي لنا هذا: هو لم يأكله، ولكن ترك تنميته، فالأصوليون أيضاً يقولون: الترك فعل، كما يذكر والدنا الشيخ الأمين في مراقي السعود: (والترك فعل في صحيح المذهب)، وكما قال الصحابة: (لئن قعدنا والنبي يعمل -أي: في بناء هذا المسجد النبوي الشريف- لذاك منا العمل المضلل)، فهم بالقعود ما عملوا شيئاً لكن قعدوا عن العمل، فترك العمل والقعود بدون عمل فعل، كما قال صاحب مراقي السعود:

    فالترك فعل، بمعنى: لو أن إنساناً على شاطئ نهر، وجاء كفيف ولا يعلم بحافة النهر، وهو يراه متجهاً إلى الماء، فإنه سيغرق، فلو تركه فلم ينبهه حتى سقط في الماء فغرق، هل هو عمل شيئاً في غرقه؟ ما عمل، ولكنه مسئول؛ لأنه ترك إرشاده، وهكذا من ترك شيئاً قادراً على أن يفعله وترتب على تركه مفسدة، فهو مسئول عنها.

    وهنا علي رضي الله تعالى عنه ترك العمل في مال الأيتام عنده، فيقال في العمل في مال اليتيم: إن كان العامل من أرباب الخبرة، ولديه المتسع، ويمكن أن يعمل في مال اليتيم وينميه، فعليه أن يعمل، أو يضعه في يد أمين يعمل، أما إذا كان لا يضمن الربح، أو يخشى إن وضعه في يد آخر أن ينكره أو يهمله، فبقاؤه في محله أولى.

    دليل أبي حنيفة على عدم وجوب الزكاة في مال اليتيم والجواب عليه

    والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: الزكاة عبادة وتحتاج إلى النية، والصغير غير المكلف لا نية له، فكيف يؤدي عبادة بدون نية.

    قال: فالزكاة كالصلاة، ولا تجب عليه الصلاة إلا إذا عقل وأدرك وصحت منه النية، وكذلك الصوم.

    قال الجمهور: إنما ذلك في العبادة البدنية، أما العبادة المالية فلا تتوقف على النية، ووليه هو المكلف، فهو يقوم بذلك نيابة عنه، أرأيت لو أن هذا اليتيم لحقه دين، وجاء الولي واستولى على هذا المال بولايته ووصايته على هذا الصغير، أترونه يسد الدين عنه أم لا؟

    وعلى هذا لو أن اليتيم لحقه حق في المال، وطولب به الولي، فإن الولي يدفع هذا الحق من مال الصبي وفاءً بدينه، ولا يتوقف على كونه صغيراً لا نية له، فقالوا: الزكاة حق في المال، وله تعلق بالذمة -أي: بذمة المالك- ليبرئ ذمته بقصد إخراجه طاعة لله.

    وكذلك الحديث الماضي: (أخذناها وشطر ماله) هل كان له نية في هذه أم أخذت بالقوة؟ أخذت بالقوة، قالوا: فتجزئ عنه ولو لم ينو إخراجها، لكن ثوابها على أنها أداء ركن في الإسلام ليس له؛ لأنه لم يدفعها طواعية.

    تفصيل مذهب أبي حنيفة في زكاة مال اليتيم

    إلى هنا الأئمة الثلاثة يقولون: في مال اليتيم زكاة أياً كان نوعها، والولي يقوم مقامه في إخراجها والنية عنه، والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: الزكاة عبادة، والعبادة لا تتأتى إلا من البالغ المكلف، فيترك المال بزكاته حتى يبلغ ويرشد الصبي، فيدفع إليه ماله ويقال له: الزكاة في مالك من سنة كذا، ويتولى هو إخراج زكاة ماله بنفسه. هذا عند الإمام أبي حنيفة ، وخالفه بعض أصحابه في ذلك.

    إلا أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يستثني من عموم المال ما تخرجه الأرض، فيقول: إذا كان الصبي يمتلك مزرعة، والمزرعة جاءت بما تجب فيه الزكاة، فإن على الولي أن يخرج زكاة ما تخرجه الأرض من ملك اليتيم، ولا ينتظر به إلى أن يبلغ.. قال: لأن الله سبحانه وتعالى علق زكاة ما تخرجه الأرض بعينه، قال تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] فأمر المولى بإخراج زكاة ما تخرج الأرض يوم الحصاد، واليتيم لا دخل له في ذلك.

    وسيأتي ما هي الأنواع التي تزكى مما تخرجه الأرض أو لا يزكى.

    ومال اليتيم: إما نقد وإما بهيمة الأنعام وإما زروع، أما النقد وبهيمة الأنعام فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: لا يزكى مال اليتيم في النقدين وبهيمة الأنعام، وتترك حتى يبلغ ويستلم ماله، ثم هو الذي يتولى إخراج زكاته، أما الزكوي مما تخرجه الأرض فإن وليه يخرجه يوم حصاده، هذا ما يتعلق بمال اليتيم، والقاصر كالمجنون والمعتوه ونحو ذلك.

    والله تعالى أعلم.

    ترجيح القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم

    وهذه القضية من القضايا التي تعم بها البلوى، لأنه لا تخلو قرية من يتيم، ولا يخلو يتيم في الغالب من مال، فإذا كانت المسألة على هذه الحال، فربما نجد فيما تقدم لنا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ما يشهد للأئمة الثلاثة، وهو: أن معاذاً لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (فأعلمهم بأن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم).

    ونحن نسأل في كلمة (أغنيائهم): اليتيم إذا كان عنده ألف رأس من الإبل أو من الغنم، وإذا كان عنده ألف دينار أو ألفا درهم من الفضة، فهو غني أم فقير؟

    الجواب: هو غني، فيدخل في عموم الأغنياء، فتؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الأغنياء الكبار.

    وإذا جئنا في تقسيم الزكاة: (تعطى إلى فقرائهم)، هل نعطيها لليتيم الفقير أم نقول: هذا اليتيم ليس مكلفاً، ولا يصح أن يقبض الزكاة؟

    الجواب: أنه أحق من غيره، فإذا كان مع اليتم يأخذ من الزكاة، إذاً: مع اليتم يعطي الزكاة، فهذا في عموم (أغنيائهم) وهذا في عموم (فقرائهم).

    1.   

    الصلاة على مخرجي الزكاة والدعاء لهم

    قال المؤلف: [ وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم) متفق عليه ].

    هذه القضية، وهي الصلاة على غير الأنبياء، جاء في النص القرآني الكريم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وهنا أنه صلى الله عليه وسلم كان عندما يأتيه قوم بزكاتهم، سواء كانوا من أهل المدينة أو من خارجها يصلي عليهم؛ لأننا عرفنا القاعدة: أن بهيمة الأنعام تؤخذ زكاتها على مياههم هناك، فإذا كانت زكاة مال أو زكاة حبوب وجاءوا بها إلى رسول الله، ودفعها إلى المسئول لتوزيعها أخذها منهم وصلى عليهم، اللهم صل على آل فلان، أو اللهم صل على فلان، أو يقول: صلى الله عليك.

    وكونه صلى الله عليه وسلم يصلي على من أتى بزكاته إليه هو امتثال منه لأمر الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] فهذا أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليهم عندما يأخذ منهم الزكاة.

    وهنا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    معنى الصلاة

    الصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال القائل:

    وقابلها الريح في دنها فصلى على دنها وارتسم

    أي: دعا على دنها، وكما جاء في حديث الوليمة: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يأتها فقد عصى أبا القاسم، ومن كان صائماً فليصل)، فبعض العلماء قال: (فليصل) أي: يرجع ويسجد، وبعض العلماء قال: (فليصل) أي: فليدع؛ لأن أصل الصلاة الدعاء، وانتقل اسمها إلى الصلوات الخمس ونوافلها؛ لأن الدعاء موجود فيها من أول لفظ: الله أكبر ثم دعاء الاستفتاح، إلى أن يسلم.

    قالوا: والصلاة من الله على رسوله أو من الله على عباده كما في الحديث: (من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً) فقالوا: الصلاة من الله رحمة، فإذا قال صلى الله عليه وسلم: اللهم صل على آل فلان؛ فمعناه: اللهم ارحم آل فلان.

    والصلاة من العباد دعاء، فإذا قلت: اللهم صل على محمد، فكأنك تدعو الله بأن يعلي شأن محمد صلى الله عليه وسلم، فتدعو له ولآله بالرفعة والثواب الجزيل.

    حكم الصلاة على غير الأنبياء

    فهنا: هل تجوز الصلاة من الإنسان للإنسان فتقول: اللهم صل على آل فلان؟ فكوننا نقول: اللهم صل على محمد، قد أمرنا بذلك صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا [الأحزاب:56] فهذا أمر من الله أن نصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، فهل نفعل ذلك للخلق فيتساوى أفراد الأمة مع رسولها؟

    بعض العلماء قال: لا نصلي عليهم، ولكن ندعو لهم بالخير! بغير صيغة الصلاة، وإنما نقول: اللهم أكرمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم، ونمِّ أموالهم، واحفظها، ونحو ذلك.

    ومن هنا لما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى جوار مولاه قال بعض الناس: أنا لا أعطي الزكاة لـابن أبي قحافة . قال: كنت أعطيها لرسول الله لأنه كان يصلي علينا، وليست صلاة ابن أبي قحافة علينا كصلاة رسول الله، فأنا أؤديها بنفسي. ولكن كما نعلم أنه لم يقبل منهم ذلك.

    ومن الطريف أنه يذكر في ترجمة سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه إلى بيته، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فرد سعد : وعليكم السلام. بصوت خفيف لم يسمعه رسول الله، فأعاد: السلام عليكم. فرد: وعليكم السلام. وأعاد مرة ثالثة: السلام عليكم. فرد: وعليكم السلام. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سلم ولم يسمع جواباً ولم يؤذن له، فقيل لـسعد :ألم تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما سلم؟ قال: أريد أن يكرر، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم لحقه سعد ، فقال: والله يا رسول الله! لقد سمعت سلامك من أول مرة، ورددت بصوت خفي لا تسمعه لتكرر (السلام عليكم) ويتكرر لنا سلاماً منك علينا، فرجع معه النبي صلى الله عليه وسلم وأكرمه.

    يهمنا أن هذا الصحابي، الذي كان سيد قومه، حضر بيعة العقبة وكان نقيباً فيها، فيسلم عليه الرسول ولا يقول له: تفضل. ويريد أن يكرر السلام، ألا تأذن لرسول الله؟ قال: دعه يسلم علينا أيضاً.

    إذاً: كان أولئك القوم يريدون دفع الزكاة لرسول الله لأنه يصلي عليهم، وصلاة الرسول دعاء، ودعاؤه مستجاب، ولهذا قالوا: لا نعطي أبا بكر ؛ لأن دعاءه ليس كدعاء رسول الله.

    إذاً: ما دام أنه جاء النص فلا محل للاجتهاد، ولكن هل هذا عام في كل من يأخذ الصدقة من أهلها؟ البعض يقول: نعم؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض يقول: هذا خاص برسول الله.

    لماذا خصصتموه؟

    قالوا: لقد كتب أبو بكر أنصباء الزكاة وبينها للعمال، وبعث رسول الله عمالاً يجمعون الزكاة، وبعث أبو بكر عمالاً يجمعون الزكاة، ولم يرد عن مبعوث واحد وعامل في الزكاة أنه أوصي بأنه: إذا أخذت من أحد فصل عليه. فما داموا عمال الزكاة لم يعملوا بها في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الخلفاء من بعده، فقد كانت خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم تقديم الزكاة قبل حلول الحول

    قال المؤلف: [ وعن علي : (أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك) رواه الترمذي والحاكم ].

    هذه المسألة: أن العباس رضي الله تعالى عنه قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة العام الحالي ومعها زكاة العام الذي لم يأت، فيكون قد قدم زكاة عام قبل حلول وقتها.

    وقد تقدم معنا كلام علي رضي الله تعالى عنه: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)، فالعام الأول حال عليه الحول فنأخذها، لكن العام الثاني لم يدخل بعد، ولا حال الحول على المال، فكيف نأخذ زكاة سنتين؟ وهل يجوز تقديم الزكاة قبل كمال حولها، مع أن الحول شرط في وجوبها؟

    فالبعض يمنع مطلقاً، ويقول: تمام وجوب الزكاة بتمام الحول، فتقديم الزكاة قبل الحول كتقديم الصلاة قبل وقتها، والصلاة قبل وقتها لا تصادف محلاً، فكذلك الزكاة قبل حولها لا تصادف محلاً.

    والآخرون قالوا: هذا اجتهاد وقياس، ولا اجتهاد ولا قياس مع النص، فإن هذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختلفوا: هل العباس رضي الله تعالى عنه هو الذي تقدم وجاء لرسول الله بزكاة عامين في وقت واحد، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب من العباس أن يقدم زكاة سنة لم تأت بعد، بأن يدفع زكاة سنتين في سنة حاضرة؟

    الجمهور على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب من العباس ، وجاءت الرواية: (قد احتجنا فطلبنا -أو فاستسلفنا- من العباس زكاة عامين).

    وهنا يقول بعض العلماء: المتوسط في القول أنه إن وجدت حاجة عند الإمام للمال، وزكاة العام لا تكفي، فله أن يستسلف من أرباب الأموال زكاة سنة متأخرة؛ ليسد بها الحاجة الحاضرة، أما في غير وجود حاجة فليس هناك داع لتقديم زكاة لم يأت شرطها بعد.

    وعلى هذا فخبر العباس رضي الله تعالى عنه بأنه قدم زكاة سنة متأخرة، لا شك فيه، ولكن البحث في: هل العباس تقدم به لرسول الله، أو أن رسول الله هو الذي استسلف وطلب من العباس ، لحاجة حاضرة احتاج فيه زيادة مال؟ هذا هو الأولى والأصح.

    بقينا هنا في مسألة يمكن أن يكون للاجتهاد فيها مجال، وهي مسألة واقعة بين الناس: وهي أنه إذا كان هناك شخص عنده زكاة النقدين، واعتبر الحول في رمضان، وكل سنة من رمضان يخرج زكاة ماله، فجاء في شعبان أو في رجب ووجد بعض إخوانه في مسيس الحاجة إلى المال، وهو لا يريد أن يعطي من رأس المال شيئاً، وهو عنده الزكاة، ويعلم بأنه عند مجيء الحول سيخرج عشرة آلاف ريال أو مائة ألف ريال، فقال: هؤلاء الإخوان أو الجيران أو الأرحام في أمس الحاجة إلى الريال، فهل ندعهم يموتون جوعاً حتى يأتي رمضان، أم أنه يقدم من زكاة ماله الذي يجب في رمضان للحاجة الموجودة التي أدركها في هؤلاء الناس؟

    الجواب: يقدم من ماله ويعطيهم.

    المهم أنه صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة سنة مقدمة لحاجة، فماذا يمنعنا أن نقدم جزءاً من زكاة مالنا عن وقته من أجل حاجة حاصلة؟ وهؤلاء في تلك الحالة الاضطرارية لا شك أنهم أشد ما يكونون محتاجين لذلك، وهذا مال ينتظر أوانه، فبدلاً من أن تنتظر أوانه فقد جاءت حاجته، وأنت ما أعددته إلا للفقراء والمساكين تسد به حاجتهم، وهذه حاجة حاضرة، فإذاً: لا بأس في مثل ذلك.

    ويقولون عن مالك : إنه كان يجيز تقديم زكاة المال عن حولها إلى نصف شهر.

    وعندهم في زكاة الفطر أنها تخرج يوم العيد ما بين صلاة الفجر إلى صلاة العيد، وهناك من يقول: تقدم اليوم واليومين والثلاثة.

    والشافعي يقول: إذا انتصف رمضان فلك أن تخرج زكاة الفطر، فأجاز تقديمها على أكثر من أوانها.

    على كل المسألة اجتهادية، وأرى -والله تعالى أعلم- أنه يجوز له تقديمها عن موعد حولها لسد الحاجة الموجودة. والله تعالى أعلم.