إسلام ويب

كتاب الجنائز [12]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القيام بحوائج المسلمين والسعي في مصالحهم مما أكد الإسلام على وجوبه وحث عليه، وما من أهل بيت من المسلمين إلا ويصابون في واحد منهم بمصيبة الموت، فيكون لهم بذلك شغل عما سواه، لذلك فقد شُرع في حقهم القيام على مصالحهم في تلك الأثناء من إصلاح الطعام لهم وغير ذلك من الأمور التي تعينهم على الصبر على مصابهم، ويأتي في هذا الباب عدم الإثقال عليهم بالزيارة وطول الإقامة مما يسبب لهم الحرج في ذلك. كما أن الشارع الحكيم دعا إلى الموالاة في زيارة المقابر والدعاء لموتى المسلمين بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم

    1.   

    صنع الطعام لأهل الميت

    مواساة أهل الميت ومعاونتهم

    وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (لما جاء نعي جعفر حين قتل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم)

    فتح راء جعفر لأنه ممنوع من الصفر يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة.

    من سيرة جعفر رضي الله عنه

    وهذا الحديث يعيدنا إلى السيرة النبوية، الحديث يقول: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنهم قد أتاهم ما يشغلهم)

    وذلك حينما جاء نعي جعفر، نعي أي: الإعلام بموته، وذلك أن جعفر ، وهو: جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد الأمراء الثلاثة في غزوة مؤتة.

    لقد نعي الكثير إلى رسول الله، واستشهد العديد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء في أحد أو في بدر أو في غيرها، ولم نسمع مثل هذا القول (اصنعوا لآل فلان طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم)، وجاء هذا في جعفر خصوصاً، ولم أجد جواباً على هذا الخصوص، ولكن على كل مسلم أن يرجع إلى حياة جعفر، ومن هو جعفر؟ وما هي أعماله؟ لعل في سيرته ما يكون شبه الجواب، أو ما يسكن النفس إلى هذا الأمر.

    من هو جعفر؟

    أولاً: قوله: (اصنعوا لآل جعفر) الآل والأهل بمعنى، وهم عشيرة الإنسان، لكن يقال: الآل للشخص ذي المنزلة الرفيعة في الدنيا، ويقال: الأهل لكل إنسان من أي طبقات المجتمع.

    إذاً: الآل تطلق في أعالي طبقات المجتمع، ولا تكون للطبقات النازلة، وهنا جعفر هو ابن أبي طالب، وأخو علي رضي الله تعالى عنهما، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد هاجر الهجرتين، وأسلم سابع سبعة، ونذكر من سيرته من ما رواه علي رضي الله تعالى عنه يقول: (كنت أنا ورسول الله نصلي -أي خفية-، فطلع علينا أبو طالب ، ويتبعه جعفر؛ فرآنا نصلي، فإذا أبو طالب يقول لـجعفر: انزل فصلِّ بجناح ابن عمك -أي بجانبه- فلما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، التفت إلى جعفر وقال: (وصلك الله بجناحين في الجنة بما وصلت ابن عمك)، وقال لعمه: انزل صلِّ معنا، فأجابه بالجواب الذي مات عليه)

    فكان جعفر رضي الله تعالى عنه من أول حياته -كما كان علي رضي الله تعالى عنه- مع رسول الله، وهناك يقول أبو طالب : والله! إني لأعلم يا بن أخي أنك على الحق، ولكني كذا وكذا.

    فمن بادئ الأمر اشتد الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، وكان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في منعة عمه من أن يصيبه الناس، فلما توفي عمه، وكذلك خديجة، واشتد الأمر على أصحابه وعليه صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: (إن في الحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، يمكن أن تكونوا بجواره؛ حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً)

    فهاجر جعفر إلى الحبشة، وكان لـجعفر رضي الله تعالى عنه موقف مشهود في بلاط الملك، حينما نزلوا بأرض الحبشة، ووقعت وقعة بدر، وأصيب من المشركين ما أصيب، قالوا: نأخذ ثأرنا ممن هم في الحبشة، وأرسلوا عمرو بن العاص ، وعبد الله بن ربيعة بهدايا للنجاشي ، وأخذوا معهم هدايا لبطارقته أي بطارقة الملك في بلاطه، وأعطوا كل بطريق هديته، وقالوا: نحن جئنا الملك نطلبه أولئك الفتية الذين خرجوا من دين قومهم، ولم يدخلوا في دين ملككم، فإذا كلمناه فصدقونا، ومروه بأن يردهم على أهلهم.

    قالوا: نفعل.

    فلما دخل عمرو بن العاص ورفيقه، وقال: ما جاء بك يا عمرو ؟! وكان صديقه من قبل، قال: جئتك بالهدايا، ثم قال: إن فتية سفهاء خرجوا من دين آبائهم، وقد أرسلني قومهم إليك لتردهم إليهم؛ لأنهم خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دينك.

    فقال البطريق: نعم أيها الملك رُدَّهم، فإن قومهم أعلم بأمرهم؛ فغضب الملك، وقال: لا. والله لا أردهم؛ حتى أستحضرهم وأسألهم ما الذي هم عليه، فدعاهم.

    يقولون: ما اشتد علينا أمرٌ كذلك اليوم؛ لأنا سمعنا بمجيء عمرو بن العاص وهو من الدهاة، فحضروا عند الملك، فسألهم ما هذا الدين الجديد الذي دخلتموه وتركتم دين آبائكم، ولم تدخلوا في غيره من اليهودية ولا النصرانية.

    كان جعفر رضي الله تعالى عنه لما اجتمعوا عند طلب الملك، قد قال لأصحابه: أنا خطيبكم اليوم عند الملك، فقام جعفر وقال: [أيها الملك! إنا كنا في جاهلية جهلاء، يأكل قوينا ضعيفنا، لا نحل حلالاً ولا نحرم حراماً، ونفعل كذا، ونأتي كذا، ونشرب كذا -وأخذ يذكر مساوئ الجاهلية كلها- حتى أكرمنا الله وبعث فينا رجلاً منا نعرف نشأته، ومولده، وصدقه وأمانته، فأمرنا أن نعبد الله وحده -أي بدل الأصنام- وأمرنا بالصدق، وبصلة الأرحام، وبكذا، وكذا، وكذا ..]، فلما سمع الملك ذلك أعجب بهذا، ثم قال: أنتم السيوح، أي: سيحوا في الأرض لا يسبكم أحد إلا عوقب.

    ثم قال: أيها القوم! لا حاجة لي في هداياكم، أو أنه انصرف إلى عمرو وقال: يا عمرو ! ويحك هذا أمر صفته كذا وكذا، فخرج عمرو وصاحبه من عند الملك بخفي حنين -كما قيل- فـعمرو قال: والله لأستأصلن شأفتهم، فرجع من الغد إلى الملك، وقال: أيها الملك! أتدري أنهم يقولون في عيسى أنه عبدٌ، عيسى معبود الملك، أو ثالث ثلاثة، أو ابن الله، فدعاهم مرة أخرى فاجتمعوا وقالوا: لماذا دعانا مرة أخرى؟ ماذا تقولون له إن سألكم عن عيسى ؟

    قال: والله ما نقول إلا ما قاله الله، وليكن ما يكون بعد ذلك، فجاءوا، وسأل أيضاً وتكلم جعفر رضي الله تعالى عنه.

    فقال الملك: هل عندكم شيء مما جاء به هذا النبي؟

    قال: نعم، وقرأ عليه كهيعص [مريم:1] إلخ.

    ثم قال: ما تقول في عيسى ؟ ما يقول نبيكم في عيسى ؟

    قال: كما قال الله: عبد الله، ورسوله، وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول العذراء وروح منه.

    فألقى النجاشي إلى الأرض ورفع عوداً صغيراً بين أنامله -وكان البطارقة موجودين ناشرين صحفهم أي: الأناجيل - قال: والله ما زاد عيسى ولا نقص على ما قال صاحبكم، ولا مثل هذا العود.

    فخار البطارقة، فقال: سواء عليكم تخورون أو لا تخورون، هذا هو الحق.

    ثم قال لجلسائه: ردوا عليهم هداياهم، والله ما أخذ الله عليَّ الرشوة حين رد عليَّ الملك، ولا أطاع الناس فيَّ، فلن آخذ الرشوة في هؤلاء، ولن أطيع الناس فيهم.

    وقوله: ما أخذ الله الرشوة عليَّ في رد ملكي، يقولون في تاريخه: كان أبوه ملكاً على الحبشة، وكان له أخ، وأبو النجاشي ليس له ولد إلا هذا، وأخوه له عشرة أولاد، فقال أهل الحبشة: إن هذا الملك ليس له إلا ولدٌ واحد، فإذا مات وتولى ولده ومات ولده انفلّ أمر الحبشة وضاعت، فلنقتل هذا الملك، وننصب أخاه؛ حتى إذا كان ملكا توارث الملك من أبنائه عشرة أبناء ينتظم أمر الحبشة، ويظل مدة طويلة، ففعلوا، ونصبوا أخاه.

    ثم إن النجاشي هذا كان فطناً ذكيا، استسلم للأمر، ولكنه تداخل مع عمه في سياسة الملك، حتى غلب على أمر عمه بالسياسة، فلا يصدر شيئاً ولا يفعل شيئاً إلا بالرجوع إلى هذا النجاشي ، فنظر أهل الحبشة وقالوا: والله لقد تحكم أو سيطر على الملك، نخشى فيما بعد أن الملك ينصبه علينا ملكاً، وقد علم أنا قتلنا أباه فينتقم منا، فنأتي إلى الملك. فأتوه وقالوا: إما أن تقتله حتى لا ينتقم منا فيما بعد، وإما إن تخرجه عنا.

    فقال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم، لا، أنا أبعده عنكم، فأخرجوه إلى السوق، وجاء تاجر وباعوه -كما تقول القصة- بستمائة درهم.

    ثم خرج عم النجاشي -الذي هو الملك الحالي- في يوم مطير شديد وفيه عواصف، ففي خروجه نزلت صاعقة وأحرقته، ثم نصب أحد أبنائه، وتولى الملك، فليس فيهم من يصلح لإدارة الملك، فرجعوا واجتمعوا وقالوا: والله لن ينتظم أمر الحبشة إلا على ذاك الذي بعتموه، فأدركوه.

    وكان التاجر الذي اشتراه قد ألقاه في سفينة من أجل أن يرحله، فأسرعوا وأدركوا التاجر بسفينته، وفيه هذا الغلام، ثم رجعوا به فنصبوه ملكاً عليهم، وجاء التاجر الذي كان اشتراه، وقال: أعطوني حقي؟ قالوا: ليس لك شيء، قال: والله لتعطوني حقي، أو لأرفع أمري إلى الملك، فأتى إلى الملك، وقال: أيها الملك! تاجر اشترى غلاماً، والذين باعوه استلموا الثمن، ثم إذا بهم أخذوا الغلام من المشتري، ولم يدفعوا إليه القيمة.

    قال: والله! إما أن يدفعوا لك القيمة، ويسلموا العبد يداً بيد للمشتري يذهب به، فهناك قالوا: ندفع القيمة.

    وهذا معنى قوله: ما أخذ الله عليَّ الرشوة حين رد علي ملكي؛ لأن ملكه لما قتل أبوه كان هو أحق بالملك، ولا أطاع الناس فيَّ فآخذ الرشوة فيكم، أو أطيع الناس فيكم، اذهبوا فأنتم السيوح.

    وهكذا كانت قضية جعفر في بلاط النجاشي؛ أعلن عن الإسلام، وصرح للملك بما قال الله في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبقي المسلمون هناك إلى فتح خيبر .

    ووفد جعفر رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، واستقبله صلى الله عليه وسلم، وقبله بين عينيه، وقال (والله! لا أدري بأيهما أشد فرحاً بمقدمك أم بفتح خيبر ؟)

    وذكروا مناقب كثيرة بأنه صلى الله عليه وسلم قال فيه: (أنت أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً) ، وكانوا يقولون: ما ركب النعل، ولا احتذى النعال، من يشبه رسول الله بعد جعفر .

    كان أكرم بني هاشم، وكان أشجعهم، ثم كان موقفه الذي استشهد فيه، وجاء فيه النعي، وجاء فيه هذا الخبر، ألا وهو إمرته ثالث ثلاثة في غزوة مؤتة.

    استشهاد جعفر رضي الله عنه

    (بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن ملوك الغساسنة على حدود الشام يجمعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب الناس، فاجتمع له ثلاثة آلاف مقاتل، فأمَّر عليهم ثلاثة زيد بن حارثة حب رسول الله، وجعفر ابن عمه، وعبد الله بن رواحة ، وقال: إن أصيب زيد فالأمير جعفر، وإن أصيب جعفر فالأمير ابن رواحة ، وإن أصيب ابن رواحة ؛ فليختر المسلمون رجلاً منهم)

    وخرجوا في يوم الجمعة، ومضوا إلى الشام، فلما وصلوا إلى معان هناك جاءهم خبر من العيون التي أرسلوها بأن ملوك الغساسنة جمعوا مائة ألف ليردوهم، واستنجدوا بالروم بمائة ألف أيضاً، فاجتمع مائتا ألفٍ من الروم ومن العرب المتنصرة ومن تبعهم.

    هناك توقف الأمراء الثلاثة؛ لفرق ما بين العددين: ثلاثة آلاف مقابل مائتي ألف، وإذا نظرنا إلى العدد الشرعي في أول الأمر، وإلى ما جاءت الرخصة بعده، نجد النسبة بعيدةً جداً؛ لأن الشرع أو النص القرآني الكريم يقول: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65] يعني: الواحد بكم؟ بعشرة، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً [الأنفال:65] وبعد ذلك: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ [الأنفال:66]... وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال:66] أو مائة يغلبوا مائتين.

    لو جئنا في هذا الموقف لوجدنا النسبة بين ثلاثة آلاف ومائتي ألف تزيد على واحد إلى ستين رجلاً، مع وفرة العدد والعدة عند العدو، ومع طول المسافة وثقل المشقة، ومع قرب ديار العدو؛ هناك تشاور الأمراء الثلاثة، ولهذا في نظري أن مؤتة تشبه بدراً، وقد سميها بدر الشام؛ لأن فيها من المواقف ما يشابه بدراً من جوانب شتى.

    تشاور الأمراء فيما بينهم، فبعضهم قال: نبقى في معان، ونخبر رسول الله بالموقف والعدد، إما أن يمدنا بمدد من عنده، وإما أن يأمرنا بما يراه.

    فقام عبد الله بن رواحة وتكلم بما يشجع القوم: والله! ما قاتلنا في بدر بعدد ولا بعدة، وإنما قاتلنا بهذا الدين الذي نقاتل عنه، وذكر أشياء عن الشهادة ورغب فيها، فسمع ذلك زيد وهو الأمير الأول، فوافق على أن يقابلوا العدو.

    ومشوا إلى مؤتة، والتقى الفريقان: ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف، واستمر القتال ستة أيام، وهم يصابرون مائتي ألف مقاتل على تلك الحالة، وفي اليوم السابع بعد الجهد وبعد المشقة استشهد زيد .

    ثم أخذ الراية جعفر، فحينما أخذ الراية قطعت يمينه فأخذها بيساره، فلما قطعت يساره ضمها بعضديه، فقطع العضدان وسقط اللواء، فقتل جعفر، وقد كان على فرسه، فنزل عنها وترجل وعقرها، وقيل: أول من عقر في الإسلام هو جعفر؛ لأن الخيل تكاثفت عليه لم يعد لفرسه مجال أن يجول في أرض المعركة، فنزل يقاتل مترجلاً، وقد وجد في جسده قرابة سبعين طعنة، ما بين ضربة سيف، وطعنة رمح ورمية سهم، وقيل: جاء رجلٌ وشقه نصفين، وسقط اللواء في الأرض، فأخذه عبد الله بن رواحة فأصيب، فأخذها خالد .

    وجاء النبي صلى الله عليه وسلم في يومها، وصعد المنبر، وخطب الناس وقال (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة وسكت، فاستاء الأنصار وقالوا: لعله وقع من ابن رواحة ما يؤذيهم، فأعاد الكلام أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله يفتح الله على يديه، وكان الذي أخذها خالد بن الوليد ) .

    وهنا يرى بعض المؤرخين أن خالداً انحاز بالمسلمين وانسحب، والبعض الآخر يقول كما يرجح ابن كثير : لقد انتصر المسلمون على الكفار؛ لأن خالداً لما أخذ الراية جاء في الليل، وأرسل سرية من الجيش إلى خارج المعسكر، وأمرهم إذا طلعت الشمس، وبدأ الالتحام أن يقدموا وينزلوا إلى المعركة مباشرة، وجعل الميمنة ميسرة، والمقدمة مؤخرة، وغير في تشكيل الجيش، فلما بدأت المعركة رأى الروم ما لم يروه من قبل، وجاء هؤلاء، فظن الروم أن المسلمين قد أتاهم مدد، وقد كانوا قبل ذلك عاجزين عنهم وهم قلة، فكيف بهم إذا جاءهم المدد؛ فبدءوا يتلفتون، ونصر الله المسلمين عليهم.

    هنا لما أصيب جعفر ، وذكر صلى الله عليه وسلم أنه لما قطعت يداه، وعضداه، قال (لقد أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة، يرتع في الجنة حيث يشاء) .

    وذكروا أخباراً عديدة: منها ما يذكر ابن عساكر من أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً فرفع رأسه وقال: وعليكم السلام، وقال: هذا جبريل ومعهم جعفر ذهبوا يبشرون أهل بيشة بالأمطار. وبيشة بلدة في اليمن.. إلى غير ذلك من الأخبار عن جعفر ، ولذا لقب بـجعفر الطيار ؛ لأن له جناحين يطير بهما حيث شاء.

    فإذا كان الأمر كذلك وهذا هو جعفر الذي عقر فرسه في أرض المعركة، وترجل وقاتل، واحتمل فوق السبعين طعنة، ثم شق نصفين، وهو لم يتأخر ولم يتردد، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه رأى الأمراء الثلاثة على أسرة من ذهب في الجنة.

    يقول: ورأى في سرير عبد الله بن رواحة وفي سرير زيد إزوراراً في صدورهما إلا جعفر ليس في سريره إزورار، فسئل عن ذلك قال: لما تقدموا باللواء كان عندهم غضاضة من الموت إلا جعفر، أقبل عليه بكل شجاعة وجرأة، وعلى هذا لما عاد المسلمون من مؤتة خرج صلى الله عليه وسلم يتلقاهم، كان أبناء جعفر مع من خرجوا مع المسلمين، فوجدهم رسول الله فأخذهم إليه، وتذكر زوجة جعفر.. في أخبار أخرى بأن الرسول أتاها في البيت، وكانت تجهز طعاماً، فأستوصاها بأبناء جعفر خيراً.

    فقالت: هل سمعت عن جعفر شيئاً يا رسول الله؟!

    فأخبرها أنه قد أصيب.

    صنع الطعام لأهل الميت هو المطلوب لا العكس

    فهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم) وأقول أيضاً: نفس السؤال: لقد أصيب واستشهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم العديد من الشهداء، والكثير من القتلى، وما أوصى بهم كما أوصى بـجعفر وآل جعفر . والله تعالى أعلم.

    والحديث سيق هنا لما يتعلق بصنع أهل الميت طعاماً للمعزين، فيقال: لا، وإنما الذي ينبغي العكس، فعلى ذويهم وجيرانهم ومن يعرفهم أن يصنع طعاماً في بيته ويقدمه لأهل الميت؛ لأن أهل الميت أتاهم ما يشغلهم.

    1.   

    السلام على أهل القبور عند زيارتها والدعاء لهم

    وعن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم .

    قوله: (كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) هذا الحديث يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم؛ لأن زيارة المقابر والسلام على الموتى عبادة وقربة، والعبادات توقيفية، ومن هنا كان يعلمهم صلى الله عليه وسلم ما يقولون.

    سماع الموتى السلام والدعاء

    قوله للموتى: (السلام عليكم أهل الديار) لو مررت على الجدار فلا تقول: السلام عليك يا جدار؟ لأن الجدار لا يسمع، فحينما تقول لمن أمامك: السلام عليك. لا تقولها إلا إذا كنت تعلم أنه أهل للسلام وأنه يسمع منك السلام، ومن هنا يستدل العلماء على أن من سلَّم على ميت؛ فإن كان يعرفه باسمه ذكره، وقد جاء الحديث: (من مر بقبر أخيه المسلم وهو يعرفه باسمه وسلم عليه، رد الله عليه روحه فرد عليه السلام)

    فإذا كان بصفة عامة لا يعرف الأسماء سلم عليهم بصفة الإسلام.

    إذاً الموتى يسمعون، ومن أراد كثرة الأخبار في هذا الباب فليرجع إلى كتاب الروح لـابن القيم فإنه يجد فيه متعاً وأخباراً وأشياء كثيرة جداً.

    وذكر العلماء أن الموتى لا تخفى عليهم حالة من يمر بهم، وأنهم يتزاورون، أو إذا مر عليهم مار فسلم عليهم فدعا لهم وزعت لهم الجوائز ومنحت عليهم المنح، فيقال: من أين هذا؟ فيقال: فلان مر فسلم، فلان مر فدعا... إلى غير ذلك، فقالوا: هذا من أقوى الأدلة على أن الموتى يسمعون السلام والدعاء ممن يُسلم عليهم ويدعو لهم، وإلا كان السلام سيذهب ضياعاً، فهذا يقتضي بدلالة الالتزام أن الميت يسمع السلام.

    قوله: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) أهل الديار.. كلمة (الديار والدار) تطلق على الأرض مسكونةً كانت أو غير مسكونة، تقول: ديار ثمود، ديار بني تميم، وقد تكون خالية منها، فتطلق على العامر والدامر.

    قوله: (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين) الجمع بين الصفتين يعلم الله تعالى ما الحكمة منه، ولكن غالباً ما يكون ذلك لتفاوت درجات أهل المقابر، فليسوا كلهم على درجةٍ واحدة، فمثلاً لو قال: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) يمكن أن يقال: هذا لا يصل من هم أقل منهم درجة، فأتى الحديث بسلام يشمل الجميع من المسلمين والمؤمنين.

    قوله: (وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون).

    (إنا) ضمير المتكلم ومعه غيره؛ لأن معه من يسمع صلى الله عليه وسلم وهو يعلمهم، أو للمتكلم ومعه غيره إذا خرجوا إلى المقابر فهذا جمع خرج للمقابر من الرجال، (وإنا) يعني معشر الحاضرين المتكلمين.

    بحث في المشيئة من الحديث

    (إن شاء الله بكم لاحقون) التعليق على المشيئة هنا هل هو لأمرٍ ممكن، أو غير ممكن ليمكن؟ تقول: إذا جاء زيدٌ إن شاء الله أعطيه كذا. (أعطيه) ممكن أن تعطيه ويمكن أن لا تعطيه؛ لأنك قلت: إن شاء الله أعطيه، فيكون العطاء محتملاً للوقوع وعدم الوقوع.

    وهنا: اللحوق بهم مقطوع به إذاً: لماذا ذكر المشيئة هنا؟

    فبعضهم يقول: لأحد أمرين: للتعليق على سبيل عدم الجزم، وإما لعدم تعليق شيء، وإنما تقال تبركاً على حد قوله سبحانه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].

    والآخرون قالوا: لا، ليس للإنسان في اللحاق بهم فعل، ولا يملك شيئاً، والمشيئة هنا متعلقة باللحاق بهم في تلك الديار التي مر عليها وسلم على أهلها، يعني: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في هذه المقبرة -أي: بالبقيع بالمدينة-.

    ويكون ذلك من باب التمني، أو من باب الترجي، أو الطلب، أو الطمع بأن يلحق بأهل هذه المقبرة فيها، وهذا من الترغيب في الوفاة بـالمدينة ، وأن يدفن بالبقيع، نسأل الله أن يكرمنا وكل راغب بذلك.

    فضل الموت في المدينة والدفن فيها

    وقد جاء في الموطأ حديثٌ غريب، وهو من أقوى أدلة تفضيل سُكنى المدينة والموت فيها على مكة -والناس يغفلون عن ذلك- جاء عنه صلى الله عليه وسلم (أنه كان جالساً في البقيع وهم يحفرون قبراً لميت، فجاء رجل ونظر في القبر وقال: بئس مضجع الرجل! فقال صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت يا هذا! قال: يا رسول الله! إنما عنيت الجهاد في سبيل الله! -يعني: أريد أن يقتل في سبيل الله، فتلك هي نعم الميتة- قال: لا، ما من بلدٍ أحب إليَّ أن يكون قبري فيها منها) (منها) أي: المدينة.

    فيكون قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) تحقيقاً لهذه المحبة وهذه الرغبة، وقد تحققت، فقد جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه قُبض صلى الله عليه وسلم في حجرتها، وجاء الصديق رضي الله تعالى عنه: ما قبض الله روح نبي إلا في المكان الذي يدفن فيه؛ فدفنوه في حجرة عائشة .

    ولما ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها موت الصالحين من الأمم، ذكرت أنه كان إذا مات الرجل الصالح فيهم بنوا على قبره واتخذوه مسجداً؛ قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره مع الموتى؛ لكن لم يبرز قبره مع عامة الناس حراسة للعقيدة وحمايةً للتوحيد، وقد قبر في حجرة عائشة.

    ومن هنا يتكلم العلماء عن فضل البقيع بالذات -بقيع الغرقد-؛ لأنه جاء النص بالاستغفار لهم وزيارتهم خاصة، فقد جاء عن أبي بن كعب قال: إنا لنجدها -أي البقيع- في التوراة تسمى كفتة؛ لأنها تؤخذ فتكفت بما فيها في الجنة. وجاء في الحديث (إن أول من تنشق عنهم الأرض يوم القيامة القبور الثلاثة المشرفة، ثم يليهم أهل البقيع، ثم يليهم أهل المعلاة في مكة، ثم عامة الناس)

    ثم جاء الحديث (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فمن مات بها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) قالوا: قوله: (أو) ليس للتخيير ولكن للتنويع، أي: شهيداً لمن حضرته، شفيعاً لمن كان من بعدي.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا بكرامة عباده الصالحين، وأن يختار لي ولمن يرغب البقيع إن شاء الله.

    سؤال العافية للأحياء والأموات

    من السلام الذي كان يعلمهم إياه (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ثم يدعو ويقول: (نسأل الله لنا ولكم العافية) .

    وقوله: (لنا ولكم) يقول العلماء: ينبغي للداعي أن يقدم نفسه ثم يعطف الآخرين، كما قال نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:28] وقال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد:19]. (ونسأل الله لنا ولكم العافية) العافية -كما يقال في عرف الناس- الصحة، وضدها السقم، والعافية من كل سوء: السلامة منه، والمعافاة كذلك، وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة القدر، واختلف الناس فيها: (التمسوها في العشر الأواخر) قالت: (ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)

    السؤال هو: اعف عني، وما قبله مقدمة ووسيلة، أي: أنت يا ربِّ تحب العفو، أنت يا رب عفو، بصفتك عفو وبكونك تحب العفو اعف عني، فتقديم: (إنك عفو) و(تحب العفو) توسل بصفات الله وأفعاله لما تريد أن تطلب، وهو معنى قوله سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] يعني: تخير لمسألتك من الأسماء الحسنى ما يناسبها، فإذا كنت تطلب العفو سل الله باسمه العفو، وإذا كنت تطلب الرزق؛ فاسأل الله باسمه الرزاق، أو تطلب المغفرة أو غفران الذنوب، فاسأل الله باسمه الغفار... وهكذا.

    فهنا نجد أحب سائل إلى رسول الله وهي عائشة، وهي تسأل عن أعظم شيء محبوب للمسلم، ويأتيها الجواب من أحب خلق الله إليها، أنه: طلب العفو.

    إذاً: طلب العفو أحب ما يكون وأفضل ما يكون في هذا المقام، ويقول بعض العلماء: تأملت هذا على الإيجاز، فوجدت من عافاه الله في الدنيا في بدنه، كان سالماً من مصائب الدنيا، وكان مرتاحاً من العذاب ومن الحساب ومن المناقشة يوم القيامة، وهذا هو الفوز العظيم.

    إذاً: السعادة كل السعادة تأتي تحت عنوان العفو والعافية، فقال: (نسأل الله لنا ولكم العافية) والعافية أي: مما ينال بعض أهل القبور.. العافية مما ينال بعض أهل الموقف.. العافية مما ينال بعض الناس على الصراط، عند الميزان، عند الحوض...إلخ.

    التوجه إلى القبور عند المرور عليها وذكر الدعاء

    وعن ابن عباس قال (مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن الأثر) رواه الترمذي وقال: حسن.

    ذكر في الحديث السابق أنه كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، يعني: إذا أتوا إليها قصداً، فتلك زيارة مقصودة، وهي ليست من شد الرحال؛ لأن البقيع في طرف المدينة، بل أبعد منه قباء، والإتيان إلى قباء ليس شداً للرحال؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى ماء وشراب للطريق، فهو في أطراف البلد.

    فإذا خرج الإنسان وقصد المقابر بذاتها فقد تقدم الكلام، وقد كانوا كثيراً ما يقصدونها يوم الجمعة ويوم العيد، فيسلمون على الموتى ويدعون لهم، والموتى يستأنسون بهم.

    فإذا لم يكن قاصداً، ولكنه مر فرأى في طريقه مر على مقبرة، فهل يمر بها وهو صامت؟ فالمؤلف بين لنا الحالة الأولى وهي: أن يعمد إلى المقابر زائراً.. فماذا يقول؟ يقول كما تقدم (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)

    فإذا مر مروراً عادياً؛ لكنه فوجئ ووجد نفسه يمر على المقبرة، فماذا يفعل؟

    قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه ...) لأن الإقبال بالوجه من أدب المحادثة والمخاطبة، فلا تسلم وأنت تمشي، بل يجب أن تحترم من تسلم عليهم، فتتوجه إليهم حيث يوجهك، سواء للقبلة أو للشمال أو للجنوب؛ لأنك تستقبل من تسلم عليه.

    قال: (فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم)

    في الحديث السابق قال: (دار قوم مؤمنين) وهنا قال: (يا أهل القبور)؛ لأنه مر على قبور، فنحن عندما نمر على القبور، سواء من الطرف أو من الوسط نقول: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر).

    السلف: هو الذي يتقدم، وسلف الأمة: الأجيال المتقدمة، (ونحن بالأثر) الأثر: الطريق الذي سلكه أهل القبور، وأولئك كل من على وجه الأرض سيسلكون على أثرهم، ولن يتخلف أحد يتخلف أبداً، ولا هناك أحد له طريق غير هذا الطريق.

    أنتم سلفنا، أي: تقدمتمونا، ونحن على أثركم نمشي، وسنلحق بكم إن شاء الله.

    والعاقل حينما يأتي إلى المقابر، ويتذكر هذه الدعوات فإنه يتصور مآل الإنسان، كما في الحديث السابق: (ألا فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا)

    1.   

    باب النهي عن سب الأموات

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري .

    وروى الترمذي عن المغيرة رضي الله عنه نحوه، لكن قال: (فتؤذوا الأحياء) .

    الحكمة في النهي عن سب الأموات

    هل من حق الميت بعد دفنه، وبعد أن فارق الدنيا وتركها، أن تلحقوه بدعوة خير وثناء عليه، أم أن تنبشوا دفاتر أعماله، وتفتشوا عن سيئاته؟!

    أليس يكفي أنه ترك الدنيا بما فيها وذهب؟!

    قوله: (لا تسبوا الأموات) أنت في حياتك مع الشخص وهو حي، لا يحق لك أن تذكر مساوئه في غيبته، قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12]، ثم مثل سبحانه غيبة الحي من الحي بقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات:12]؛ فالذي يذكر مساوئه كأنه أكل لحمه ميتاً؛ ووجه الشبه: أن الغائب لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الغيبة، والميت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه من يأكله.

    ومعنى أن الميت قد أفضى إلى ما قدم، يعني: ليس بزائد على ما كان منه من عمل، وليس بناقص عنه شيئاً، وقد صار بين يدي الله.

    وكما يقول الشوكاني: لقد أفضى إلى ربه، وجثا بين يدي مولاه، أفتحاسبه أنت وتناقشه؟ ليس لك حق في ذلك؛ فإنه أفضى إلى ما قدم، وسيلقى جزاء عمله بين يدي ربه، وقد يجد ربه غفوراً رحيماً يغفر له ما تسيء به إليه، ويرحمه فيما تعاتبه فيه، فيكون ربه قد رحمه، وأدركه بلطفه، وأنت هنا تتمسك بمثالبه، فأنت إذاً كالقابض على الريح.

    وقد قال بعض العلماء: ذكر مساوئ الأموات كغيبة الأحياء، ولكن الصحيح أنها أشد؛ لأن الحي ربما تصله غيبته فيدفع عن نفسه؛ ولكن الميت لا يستطيع ذلك.

    قد يقول بعض الناس: لو كان هذا الميت مجاهراً بالمعاصي، فاسداً فاسقاً، فلا مانع من ذكر مساوئه، ونقول: مهما تصورت من سوء فعاله، فهي معه وقد لقي ربه بها، وربه أولى به منك، فلا حاجة إلى أن تتعرض له.

    ولا يدخل في ذلك الجرح والتعديل، كقولهم فلان المدلس، وفلان صفته كذا، لأن هذه فيها فائدة للمسلمين، بأن يحذروا رواياته؛ لأنه يبنى عليها أحكام، وكذلك وصفه بوصف لا يعرف إلا به، كقولهم: فلان الأعرج، أو الأعمش، أو الأعشى، والنهي وارد على السب الذي لا يقصد من ورائه عرض صحيح.

    ثم الرواية الأخرى: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) فالميت قد ذهب، ثم يأتي من يقول لابنه: والدك كانت صفته كذا، فهو يقول: لكن يا أخي! لماذا تسيء إليَّ في أبي، وقد انتقل إلى رحمة الله، وأفضى إلى ما قدم.

    التحذير من الكلام في أعراض العلماء

    وهنا أُوجّه التحذير كل التحذير ممن يتناولون سلف الأمة في أي مجال كان: بذكر المثالب، وبذكر النواقص، مثل: فلان ركن في الكذب، فلان مبتدع، فلان .. فلان ..؛ فإن فلاناً قد أفضى إلى ما قدم، والطعن -كما يقولون- في مذهبه ومعتقده وطريقته، وهذا كله أشر ما يكون على الإنسان، والعلماء يقولون: لحوم العلماء مسمومة، يعني: من تناول العلماء بالسب والتنقيص لشيء عندهم، فإنما ذلك سم يتناوله.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فلا ينبغي طعن في ميت قط، وإذا كان من أهل العلم والفضل فله منهجه، فإذا كان قوله مخالفاً لإجماع المسلمين فتقول: هذه الطريقة فاسدة، هذه الطريقة باطلة، ولا تتناول صاحبها بالسب واللعن والتنقيص، كما إذا وجدت كتاباً لإنسان، ووجدت المكتوب فيه مغايراً لإجماع المسلمين، فليكن نقدك منصباً على المكتوب وليس على الكاتب؛ لأن المنصب على الكاتب لا قيمة له، وإنما التحذير من هذا المكتوب، وإذا نقضت المكتوب فإن ذلك يكفي.

    أرجو الله سبحانه وتعالى أن يطهر ألسنتنا من أعراض الناس أحياءً وأمواتاً، من سلف الأمة وخلفها، وأن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.