إسلام ويب

كتاب الجنائز [10]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يتبع جنازته بعد موته، لما في ذلك من إكرام لهذا الميت عند القيام بحمله والسير به إلى المقابر، ومن ثم دفنه وتسوية التراب عليه. والسير مع الجنازة له آداب وقواعد ينبغي للمسلم الإحاطة بها، ومن هذه الآداب السير أمام الجنازة للراجل والسير خلفها للراكب، كما أن من الآداب اللازمة على أهل الطريق القيام عند مرور الجنازة من أمامهم، وغير ذلك من الآداب التي تحفظ كرامة المسلم الميت كما تحفظها للمسلم في حياته

    1.   

    المشي مع الجنازة

    وعن سالم عن أبيه رضي الله عنهما: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة) رواه الخمسة وصححه ابن حبان، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال.

    هذه مسألة المشي مع الجنازة؛ فهل الأفضل أن يمشي المشيع أمامها، أو يمشي خلفها، أو على الجانبين، ومن حمل الجنازة فهل الأفضل أن يحملها من الأمام أو من الخلف؟

    مكان سير مشيع الجنازة في حال الركوب أو المشي

    أما تشييع الجنازة والمشي معها: فالمشيع إما راكب وإما ماشٍ، وكان الناس قديماً كانوا يركبون على الرواحل وعلى الدواب عند طول المسافة أو بُعدها، أو عند العجز عن المشي، فقال العلماء: إن كان سيتبعها راكباً لظروفه فليكن من ورائها؛ لأن مجيء الجنازة خلف الراكب نوع من التقصير في حقها، أما أن يكون من ورائها فلا مانع، فإن كان راكباً فليمش وراءها.

    وإن كان ماشياً: فإن شاء من أمامها وإن شاء من ورائها، وأمامها أفضل.

    أما حمله إياها فالبعض يقول: الأفضل أن يعاقِب، بمعنى: يبدأ بالأمام بالجهة اليمنى للجنازة، أو بجهته اليمنى، فيحملها على كتفه الأيمن ثم يمشي قليلاً حاملاً، ثم يأتي إلى الجانب الثاني من الجنازة ويحمل على الكتف الآخر، ثم يتأخر عن الجهة التي كان فيها فيحمل من الخلف على الكتف الذي كان حاملاً عليه، ثم ينتقل إلى الجهة الأخرى من الخلف؛ فيكون شيَّع وحمل من أطراف الجنازة الأربعة.

    عدد من يحملون الجنازة وكيفية ذلك

    إذا لم يكن هناك عدد كافٍ، وكان من يحملانها اثنين فقط؛ فإن الذي في الأمام يدخل بين العودين ويحمل من بينهما، والذي في الخلف يدخل بين العودين ويحمل كذلك.

    وإذا حملها أربعة، فلا ينبغي لإنسان أن يدخل بين الشخصين الأماميين ولا بين الشخصين الخلفيين، بل يترك ما بينهما، فمن أراد أن يساعد، فليحمل من جوانب الجنازة دون أن يزاحم الذين يحملون.

    والأولى أن يراعى أيضاً التعادل في الطول؛ لأنه إذا كان أحدهما طويلاً والثاني قصيراً، كانت الجنازة غير مستريحة، فيراعى في ذلك ما فيه راحة الميت.

    وقوله في الحديث: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشيان أمامها) فهذه السنة والأفضل لمن كان ماشياً، وأما إن كان راكباً فليكن خلفها، والماشي أيضاً إن مشى خلفها فلا بأس، وإن مشى في الجانبين فلا بأس.

    والذي يريد أن يشارك في الحمل إما أن يقتصر على أحد الجانبين: من الإمام أو الخلف، وإما أن يناوب بين الجهات الأربع؛ لكن يكون ذلك براحة وبهدوء وسكينة، دون مزاحمة أو إيذاء، والله تعالى أعلم.

    ولا يجوز المشي تحت الجنازة، ولا حملها بالرأس من تحت، ما دام يوجد أشخاص يحملونها من أطرافها.

    1.   

    حكم اتباع النساء للجنائز واتباعها بنار

    وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) متفق عليه.

    نهي النساء عن ابتاع الجنائز

    حديث أم عطية رضي الله عنها يذكره المؤلف رحمه الله بعد ذكر تشييع الرجال للجنازة، فذكر أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النسوة أن يتبعن الجنائز، تقول: [ولم يعزم علينا] فكأنه نهي للكراهية، ولكن الجمهور يقولون: هو نهي تحريم، ولا ينبغي للنسوة أن يتبعن الجنازة.

    هذا النهي ليس ممنوعاً في ذاته، ولكنه ممنوع لما هو متوقع من النسوة، خاصة قريباته، حيث لا تملك المرأة نفسها بأن تتكلم.. بأن تندب.. بأن يحصل شيء.. فإنهم إذا دنو من القبر ورأتهم يدلونه في القبر فإنها تصيح وتبكي، إذاً: فمنعها أولى.

    حكم اتباع الجنائز بالنار

    وقد جاء النهي أيضاً أن تتبع الجنائز بالنار، بأن يفعلوا ذلك تفاخراً، أما لغرض الإضاءة كما إذا كانوا في الصحراء، أو في مكان ليس فيه سرج، حيث -يحتاجون للاستضاءة بنار- فلا مانع أن يشعلوا سعفة من أجل أن يروا كيفية الدفن؛ لكن أن تتبع الجنازة من باب المفاخرة والمكابرة؛ فإن هذا محرم، ومثل هذا حديث أم عطية رضي الله عنها في أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن عن ابتاع الجنائز.

    أما قولها: (ولم يعزم علينا) يقول بعض العلماء: لو كانت هناك حاجة للنسوة، مثل أن يكون في الجنازة فراش ونحوه، فيوجد من النسوة من تأخذه فترجع به إلى بيت أهله فلا بأس، ولكن الأولى ما عليه الجماهير؛ بأنه لا تتبع المرأة جنازة، ويذكرون أشياء عن فاطمة رضي الله عنها حين سألها صلى الله عليه وسلم قال (من أين. قالت: أشيع كذا. قال: وصلت المقابر؟ قالت: لا. قال: لو كنت وصلتيها لكان...)

    إذاً: لا حاجة إلى اتباع النسوة الجنازة، فهن لن يحملن -كما يقول أبو سعيد الخدري - الميت، ولن تدفن في القبر ولن تبني عليه؛ بل تحدث ازدحاماً في الطريق، وهذا ليس داع.

    1.   

    باب القيام للجنازة

    .

    شرح حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا)

    وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) متفق عليه.

    هذا الحديث موضع بحث، من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)؛ فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا مرت جنازة قام، فقام ذات مرة فقيل: يا رسول الله! إنها يهودية! قال: أليست نفساً منفوسة)

    وهذا القيام كان إعظاماً لأمر الموت والحياة، وإن كان الميت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فإنه لا فرق بينه وبين المسلم في الخِلقة، أما الإسلام والكفر فعقيدة في القلب، أما هذا الهيكل بكامله فهم فيه سواء، لا فرق بينهم.

    فكونها نفساً منفوسة خلقها الله، فيها القدرة الإلهية، وفيها آية التكوين، وقد قبضت، وتغيرت حالتها، فالذي يقوم؛ فإنما يقوم إعظاماً وإجلالاً لله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه النفس المنفوسة ثم سلبها الروح.

    قال الفقهاء: ثم ترك صلى الله عليه وسلم القيام بعد ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يجلس، وعليه: من شاء قام ومن شاء جلس، فإن قام فله حق أن يجلس بعد ذلك لظروفه الخاصة، إما إذا كان يريد أن يشيعها؛ فإذا قام فلا يجلس، بل يتبعها حتى يتم تشييعها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    باب إدخال الميت القبر من قبل رجليه

    وعن أبي إسحاق : (أن عبد الله بن يزيد أدخل الميت من قبل رجليه القبر، وقال: هذا من السنة) أخرجه أبو داود .

    يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في كتاب الجنائز، ليبين كيفية إدخال الرجل الميت في القبر، وكذلك المرأة، وهو أنه يدخل من قبل رجليه، أي: من الجهة التي تكون فيها رجلا الميت، وبصفة عامة يستقبل بالميت القبلة، فيضجع على شقه الأيمن في القبر.

    والقبلة هنا في المدينة جهة الجنوب -فيما يقابل الشمال- فتكون رجلا الميت إلى الشرق، ورأسه إلى الغرب، وذكر هذا الأثر أنه يدخل من جهة الرجلين، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: يسل من قبل رجليه.

    وتقدمت الإشارة إلى ذلك بإيجاز، والحامل أن الجهات التي يدخل فيها الميت إلى القبر ثلاث:

    إما من جهة الرجلين، فيكون الرأس هو الذي يدخل إلى القبر أولاً، وإما من جهة الرأس فتكون الرجلان هما اللتان تدخلان إلى القبر أولاً، وإما عرضاً أي بعرض القبر، بأن يمدد الميت على حافة القبر من الجهة القبلية؛ لأن اللحد يلحد من الجهة القبلية، ويدخل الميت في اللحد مستقبلاً بوجهه القبلة، ويقف الذي يتناول الميت في القبر مستقبلاً بوجهه القبلة، ويتناول الميت من الحاضرين فوق حافة القبر من القبلة، وينزله حتى يضعه في اللحد.

    هذه صورٌ ثلاث، أما هذه الصورة التي فيها أنه يدخل من قبل الرِجلين، ففيها هذا الأثر وغيره، وجاءت رواية أخرى تدل للصورة الثانية، وهو أنه يدخل من جهة رأسه، وتكون القدمان هما اللتان تدخلان في القبر أولاً.

    وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه يدخل عرضاً بعرض القبر كما وصفنا؛ ولكن النووي رحمه الله نقل في المجموع عن الإمام الشافعي رحمه الله إبطال ما ذهب إليه أبو حنيفة ، من أنه يؤخذ الميت عرضاً، قال: فإما أن يسل من جهة الرجلين، وهذا النص عندنا، وإما أن يسل من جهة الرأس، وهذا وارد أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم؛ فقد رأى أناس شعلة في البقيع، فذهبوا، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم في القبر يمد يديه ويقول: (ناولوني ميتكم، وسله من جهة الرأس) فالحاصل أن في كيفية إدخال الميت في القبر هذه الحالات الثلاث:

    الحالة الأولى المشهورة: من جهة الرجلين.

    والحالة الأخرى أضعف منها: من جهة الرأس.

    والحالة الثالثة: ينزل إلى القبر عرضاً.

    ولكن يمكن أن يقال: تكون صفة الإدخال بحسب ظروف المكان، فقد يكون المكان ضيقاً، ويكون التراب مركوماً إلى جهة، فيتعذر إنزاله من تلك الجهة، ويتيسر من جهة أخرى. وتلك الحالات التي ذكرنا إنما هي في الأفضلية، والله تعالى أعلم.

    وقبل أن ننتقل إلى مباحث أخرى، ننبه إلى أن بعض العلماء يذكر بعض الآداب فيما يتعلق بقبر الميت، منها: إذا أُدخل ميت في القبر، فعند الإدخال يؤتى بثوب كالخيمة يغطى به القبر، ويمسك من أطرافه، ليستر الميت عند إنزاله القبر عن عيون الناس.

    قالوا: لأنه قد تحصل حالة من حالات الموتى التي تطرأ بعد الغسل، أو عند الحمل، أو غير ذلك، أو كان الكفن شحيحاً، فيكون هذا الغطاء ساتراً للميت عن أعين الناس.

    وبعضهم يقول: يفعل هذا بالمرأة فقط، ولا يفعل بالرجل، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك في الرجل فلا مانع، أما بالنسبة للمرأة فهو أمر معقول المعنى.

    كما ينص بعض العلماء أنه يستحب أن يكون للمرأة نعشاً، بخلاف الرجل، والنعش هو القفص الذي يجعل على خشبة الجنازة، وقيل: إن أول من فعل ذلك هو علي رضي الله تعالى عنه، وضعه لـفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية أن ترى أعضاء جسمها تحت الغطاء على خشبة الجنازة.

    فعندما يتخذ هذا القفص يكون المرئي جرم القفص، وليس أعضاء المرأة، وإلى الآن صارت متبعة بأن المرأة يجعل لها نعش، أي: هذا القفص المجوف، ويكون حاملاً للغطاء؛ فلا تُرى أعضاء المرأة وهي على الجنازة، بخلاف الرجل.

    هذا ما يتعلق بإدخال الميت وتغطيته.

    1.   

    ما يقال إذا وضع الميت في القبر

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: باسم الله، وعلى ملة رسول الله) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان ، وأعله الدارقطني بالوقف.

    يبين لنا صلى الله عليه وسلم ماذا يقول الذين يضعون الميت في قبره، أي: الذين يقفون في القبر ليتلقوا الميت، فحينما يتلقونه من الذين على حافة القبر، فإنهم يقولون: (باسم الله، وعلى ملة رسول الله)، وفي بعض ألفاظ الحديث: (وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)

    وهذا الذي ينبغي على المسلم دائماً في كل أعماله، وهو أن يبدأ بذكر اسم الله، وأن يكون الأمر وفق كتاب الله.

    والملة هي الدين، والسنة هي الطريقة، وبينهما تلازم فملة الإسلام هي طريقة المسلمين، وطريقة المسلمين هي ملة الإسلام؛ لكن هذا كأنه دعاء للميت، ومعناه: أودعناه مكانه باسم الله، وأودعناه على ملة رسول الله.

    وكأن ذلك يشعر بالشهادة له أنه من أهل هذه الملة، فتكون نوعاً من الدعاء ونوعاً من الشفاعة.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    تحريم إيذاء الميت بكسر عظمه أو ما شابه ذلك

    وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم ، وزاد ابن ماجة من حديث أم سلمة رضي الله عنها (في الإثم)

    الحكم المترتب على كسر عظم الحي

    هذا الحديث أصل عظيم في حسن معاملة الميت، كسر عظم الميت ككسره حياً، والكاف جاءت على سبيل التشبيه والتمثيل، وماذا يترتب على كسر عظم الحي؟

    كسر عظم الحي إن كان عمداً ومن مفصل ففيه القصاص.

    وإن كان من غير مفصل؛ ففيه دية ذلك العضو، سواء كان عمداً أو خطأً؛ لأن القصاص إنما يكون في حالة يمكن فيها المماثلة، فإذا كسر يد إنسان من المرفق، قطعت يده من المرفق قصاصاً؛ لأنه يمكن أن يفصل الذراع من العضد عند المفصل في المرفق، دون زيادة ولا نقص.

    أما إذا كسر الساعد من الوسط ما بين المرفق والكف، فهنا لا يمكن أن تتحقق المماثلة في الاقتصاص، لأن العظام ستنشعب، -أي: تنشرخ وتنصدع- فيعدل فيه عن القصاص إلى الدية، فإن كان عمداً فدية مغلظة، إن كان خطأً فدية الخطأ.

    ومعلوم عند الفقهاء أن كل عضوين متماثلين، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً الدية كاملة، ففي اليدين معاً دية كاملة، وفي إحدى اليدين نصف الدية، وكذلك في الرجلين، وفي كل أصبع من أصابع اليد نسبته من الدية، اليد فيها خمسة أصابع، ودية اليد نصف الدية خمسون بعيراً، فيكون الأصبع فيه عشرة من الإبل، وهكذا...

    حكم كسر عظم الميت

    أما في الميت: فتحمل الرواية على أنه في الإثم، أي: لو أن إنساناً كسر عظم ميت، فلا نقول فيه القصاص، سواء كان من مفصل يتأتى فيه القصاص بالمماثلة، أو كان في غيره، لأن الميت لا يتساوى مع الحي.

    لكن يأثم الجاني بالاعتداء عليه، كما يأثم في الحي؛ لأن من تعدى على أخيه المسلم الحي الحاضر بكسر يده أو أصبعه؛ فهو آثم مع تحمل الدية: الدية حق لصاحبها، والإثم حق لله في الاعتداء على عباد الله.

    فهل الميت يحس بهذا الكسر ويتألم كما يتألم الحي؟

    وجوب الإحسان في معاملة الميت

    وعلى افتراض أن الميت يتألم، فإنه تجب معاملته من أول نزع ثيابه للتغسيل إلى تدليته في اللحد، كمعاملة الأحياء، في الإرفاق به، والتلطف، وحسن المعاملة، فلا ينزع الثوب انتزاعاً يشق عليه، ولو استدعى الأمر أن نقص الثوب قصصناه لئلا نشق عليه.

    وإذا وضعناه للغسل أضجعناه برفق.

    أما الماء: فإن كان الوقت شتاء أدفأناه، كما لو كان يريد أن يغتسل في الحياة، فيكون الماء مناسباً له، وإذا كان في الصيف أخذنا الماء المعتدل الذي يتناسب معه، كما لو كان يريد أن يغتسل في وقت الصيف وهو حي.

    ثم الذي يغسله يجب عليه أن يدلكه برفق، ويقلبه برفق، وإذا أراد أن يرجل شعره فيمشطه برفق، وكذلك تقليم ظفره إلى غير ذلك، أي: أنه يعامل كما يعامل الحي سواء بسواء.

    وكل ما يؤذي الحي فإنه يحرم أن يفعل بالميت، وعلى هذا كل ما يتعلق بكرامة الحي، والمحافظة على حقه، وحسن معاملته، يجب أن يكون كذلك مع الميت، إلى أن يلحد في قبره.

    إذاً كسر عظم الميت ككسره حياً.

    حكم الانتفاع بأعضاء الميت

    إذا انتهينا من موضوع الجنائز والتغسيل والتجهيز والدفن، في هذه الآونة الحاضرة، رجعوا إلى هذا الحديث في مباحث عصرية حديثة، وهي:

    إذا مات الميت، وعلى حسب الوضع الحاضر يمكن الانتفاع ببعض أعضائه بالنسبة لحي موجود، فهل نفعل ذلك؟ أعني أنه إذا مات الميت، واحتجنا إلى أخذ الكلية، أو إلى أخذ القلب، أو إلى أخذ القرنية من العين أو.. أو.. إلخ، هل نفعل ذلك، أو أن كسر عظمه ككسره حياً.

    وهل يرضى حي أن يشق بطنه وتؤخذ الكلية، أو تفقأ عينه وتؤخذ القرنية، أو يشق صدره ويؤخذ القلب؟

    الجواب: لا؛ لأن كسر عظمه ميتاً ككسر عظمه حياً، وهكذا جميع الاعتداءات عليه، إذاً: لا يحق لأحد أن يفعل بالميت شيئاً من هذا.

    هناك مبحث مفيد في مجلة البحوث العلمية، من هيئة كبار العلماء، أو من إدارة الإفتاء، في هذا الموضوع، إذا توقفت حياة إنسان على هذا العضو، وجاء الخبر اليقين من المختصين بأن حياته متوقفة على ذلك، وتحقيق حياته يحتاج إلى مراحل طويلة، لعدم وجود بديل، وعدم إمكان علاج العضو التالي الذي عند الحي.

    وبعد توافق المأخوذ منه والمعطى في أوجه المطابقة المطلوبة؛ لأنه في حالة عدم التوافق يرفض الجسم المعطى ما كان غريباً بالنسبة له، كما في نقل الدم، فإنه إذا لم تتفق الفصيلة بين الطرفين، فلا يمكن أن يعطى ذلك الدم، وقد يكون فيه وفاة المعطى.

    إذاً: على فرض وتقدير أن في التبرع بالأعضاء إحياء نفسٍ، وهو أهون وأقرب من تعريض حي للتلف، فيكون في هذه الحالة من باب ارتكاب أخف الضررين، نعم. إن الاعتداء على جسم الميت جريمة، ولكن المحافظة على حياة الحي وتجنيبه التلف من باب قوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، فيكون هذا من باب آخر، مع الاعتراف والإبقاء على القاعدة: (كسر عظم الميت ككسره حياً).

    والله تعالى أعلم...

    1.   

    باب كيفية اللحد والدفن وما يتبعه

    وعن سعد بن أبي وقاص قال: (ألحدوا لي لحداً وأنصبوا عليَّ اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم .

    الفرق بين اللحد والشق والتفضيل بينهما

    هذا سعد رضي الله تعالى عنه، يوصي لما عرف دنو الأجل، فأوصى أهله عند دفنه، قال: ألحدوا لي لحداً.

    إذاً كان هناك الشق، وكان هناك اللحد، ولو كان هناك شيء واحد فقط لما احتاج إلى توصية، ويكون سبيله سبيل الآخرين، لكن وجد الأمران، وتقدم لنا في صفة دفنه صلى الله عليه وسلم، أنهم اختلفوا في اللحد والشق وكان في المدينة رجلان: أحدهما يشق، والآخر يلحد، فقالوا: أبعثوا إليهما، فأيهما جاء أولاً، عملنا عمله، فجاء الذي يلحد، وهو أبو طلحة رضي الله تعالى عنه، فلحدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا سعد يقول: ألحدوا لي لحداً، ثم يبين لهم فيقول: كما فعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، مع تساوي الأمرين من حيث إنه كان يمكن أن يأتي هذا ويمكن أن يأتي ذاك، وهما متساويان، فلما اختار الله لنبيه أحد المتساويين من وجه؛ كان ذلك أرجح وأفضل من الآخر.

    ثم قال سعد: وانصبوا عليّ اللبن.

    وذلك لسد الفراغ بعد إدخاله اللحد، وإذا وجدت فُرج ما بين اللبنة واللبنة، وضعت فيها الحصيات الصغيرة، وقيل يجعل فيها شيء من كسر اللبنات، وقيل يجعل فيها من الطين ما يمنع التراب أن ينهال عليه.

    فإذا وضع في اللحد نصبت عليه اللَّبِن، كما قال سعد : واللبن: مفرده لبنة، وهو الطوب الذي لم يحرق كالفخار، وكانوا يكرهون وجود الطوب المحروق في القبر، فهذا سعد رضي الله تعالى عنه، يوصي أن يجعل له ما جعل مثله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كيفية الدفن

    وبهذه المناسبة كان بعض الإخوة يسأل عن حديث (اللحد لنا والشق لغيرنا) هذا الحديث أورده صاحب المهذب، ولكن ذكر النووي في المجموع أنه ضعيف.

    ومعنى: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، أن أهل الكتاب يدفنون في الشق، والمسلمين يدفنون في اللحد، ولكن لضعف هذا الأثر؛ فالكل جائز.

    فإذا وضع في الشق، فإنه يضجع على شقه الأيمن في طرف الشق، ووجهه إلى القبلة، فقبل إنزال الميت يؤتى باللبن، ويجعل عقوداً بقدر ما يرتفع عن جثة الميت (قرابة نصف المتر)، ويكون مجافياً للجثة، فقبل أن ينزل ويسل في القبر، يكون الذي يتولى الدفن قد بنى نصف القبر، أي بنى نصف العقد، بحيث إنه حينما يسل في القبر لا يتحرك البناء، فيتساقط على وجهه أو على جسمه من التراب ومن الطين، ومما يتناثر في حالة رص اللبن، فإذا جهز النصف الذي من جهة الرأس، وسل من جهة الرجلين، ووضع الميت في قبره؛ يكون البناء قد عقد إلى النصف، ويكمل بعد بذلك البناء إلى أن يغطي آخر القدمين.

    ثم بعد ذلك إن بقيت فجوات وضع من بعض كسير اللبن في تلك الفجوات، أو تملأ بالطين، بحيث لا يسقط شيءٌ على الميت بقدر المستطاع، ثم يهال التراب عليه.

    وهنا لا ينبغي أن يزاد في القبر أكثر من التراب الذي أخرج منه؛ فلا نترك شيئاً من تراب الحفرية يضيع في المقبرة، ولا نزيد على التراب الذي أخرجناه من الحفرة.

    حكم تسنيم القبر، وجعل قبور للأقربين متقاربة

    وهل يسوى ويسطح أو يسنم؟

    ورد الأمران، فجاء أنه يسنم قدر شبرٍ. ولا بأس أن يرش عليه الماء لتثبيته حتى لا ينهال، ولا بأس أن توضع شبه العلامة -كحجر عند الرأس- ليعرف، مستطيلاً كان أو مربعاً أو مستديراً، أسود أو أحمر، حتى إذا جاء أهل الميت ورأوا تلك العلامة عرفوه، وذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بـعثمان بن مظعون، وقال (لأدفن إليه من مات من أهلنا) أي: ليكون معروفاً.

    ولا مانع من أن يكون للعائلة أو للجماعة، مكان يجمعون فيه موتاهم متقاربين، وتكون قبورهم متقاربة، حتى إذا جاء زائر من الأقارب يزورهم استطاع أن يشمل الجميع بزيارة واحدة، والله تعالى أعلم.

    وللبيهقي عن جابر رضي الله عنه نحوه وزاد: (ورفع قبره عن الأرض قدر شبر) وصححه ابن حبان .

    يعني: رفع القبر عن الأرض قدر شبر حتى يكون مميزاً، لا أن يسوى بالأرض فيضيع، أو يكون موضع امتهان بالدهس والجلوس عليه، بل يرفع قدر شبر، وهذا هو الواقع حسب العادة، فإن التراب الذي يخرج من القبر، لا يزيد ارتفاعه فوق القبر أكثر من شبرٍ أو قريباً من ذلك.

    ولكن كما يقولون: يحرم أن يسنم فيرفع كثيراً، ويحرم أن يبنى عليه، ويحرم أن يجصص بالجص أو بالأسمنت أو بالطوب الأحمر، أو غير ذلك، أو ينقش أو توجد عليه كتابة، ويقولون: هذا من باب الزخرفة، وهذا من دأب غير المسلمين من أهل الكتاب.

    ولا مانع أن تجعل عليه البطحاء، أي: أن يؤتى بالحصباء، وهي الحجارة الصغيرة حمراء أو سوداء، وتجعل على القبر صيانة له، كما هو الحال في البقيع في عدد من قبور زوجات رسول الله أمهات المؤمنين، وبنات رسول الله وعمات رسول الله؛ هذه القبور يوجد عندها أحجار صغيرة عند الرِجل وعند الرأس، والمسطح عليه من الحصباء من الرمل الأحمر الخشن على مسطح القبور المجموعة، فهي قبور منفصلة، ولكنها متراصة متجاورة، والله تعالى أعلم.

    النهي عن البناء على القبور أو تجصيصها والقعود عليها

    ولـمسلم عنه رضي الله عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)

    والجص نوع من الحجر، قريب من الجبس، في بعض المناطق أحجار جيرية إذا أحرقت بالنار ثم دقت، ثم عجن هذا المندق، كان مثل الجبس أو مثل الإسمنت مع الرمل، هذا هو الجص.

    فلا تجصص القبور، أي: لا يبنى عليها بنيان، سواء كان كالقبة، أو كان كالغرفة، وسواء كان البناء في ذات القبر، أو كان جرماً عالياً مجسماً بارتفاع قدر متر أو مترين، هذا كله منهي عنه.

    النهي عن القعود على القبور

    قوله: (وأن يقعد عليها) جاء النهي عن القعود على القبر، وعن الاتكاء على القبر، وعن المشي على القبر، وكل ذلك يؤذي الميت في قبره، بل جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى رجلاً لابساً نعلين سبتيتين فقال: يا صاحب السبتيتين قد آذيت) فخلعهما ومشى حافياً.

    وفي الحديث الآخر: (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم) .

    فبعضهم قال: الأولى: إذا دخل المقبرة أن يخلع نعليه، لئلا يطأ على فتات بعض الموتى عند المشي، أو احتراماً للموتى، وذلك أنا نعلم أنه إذا كان مجموعة من الرجال جلوس، وجاء شخصٌ صغير السن، أراد أن يمر ويجتازهم، وكان لابساً نعلين، فإنه يخلعهما ويحملهما في يديه حياءً من الحضور الكبار، واحتراماً لهم، وكما لو مر على جماعة من كبار الناس وهو راكب، فإنه ينزل ويقود مطيته حتى يتجاوزهم، وهذه عادات وآداب أخلاقية ريفية موجودة حتى الآن، فبعضهم يقول: خلع النعلين احتراماً وتوقيراً وتكريماً.

    أما النهي عن القعود فباتفاق أن القعود صريح في معنى الجلوس، بقرينة النهي عن الاتكاء عليه، فكانوا في حالة دفن الميت فجلس إنسان واتكأ على القبر، فنهوه عن ذلك فقالوا: لا تؤذِ الميت باتكائك عليه، وهذه القرينة -قرينة النهي عن الاتكاء- تنفي وتمنع تفسير من فسر النهي عن الجلوس على القبر بالجلوس لقضاء الحاجة.

    فالنهي عن الجلوس على القبر هو القعود للاستراحة، وقد جاء الحديث: (لئن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر)

    إذاً: النهي عن القعود إنما هو للجلوس والاستراحة، وليس المقصود قضاء الحاجة، وصرفه إليها بعيدٌ جداً؛ لأن هنا نهياً عن الجلوس، ونهياً عن الاتكاء، ونهياً عن المشي، ولكن إذا كان هناك مكانٌ للدفن، ولا طريق إليه إلا أن نتعدى على تلك القبور فماذا نفعل؟ فلابد أن نمشي على تلك القبور لنصل إلى موضع الدفن، قالوا: فحينئذ تكون ضرورة، فيجوز.

    فعلى هذا لا ينبغي للإنسان إذا أتى إلى البقيع وشيع جنازة، وانتظر دفنها، أن يطأ قبراً، ولا يتكئ عليه، ولا يجلس عليه.

    تقدم لنا الحديث أنه لا يجلس حتى توضع، أي: توضع عن أكتافهم على حافة القبر، ثم توضع في القبر ويبدءون في الدفن، وبعد ذلك يجلسون، حتى يفرغ الذين يتولون الدفن من عملية الدفن، ثم يتلقى أهل الميت العزاء.

    أكرر فأقول: تلك الفترة وتلك الجلسة، لا يكون جلوسه على قبر، ولا اتكاؤه إلى قبر؛ فهذا هو محل النهي.