إسلام ويب

كتاب الجنائز [9]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حق أخوة الإسلام بين المسلمين قائم في حياتهم، وبعد مماتهم، ومن حقوقهم بعد الموت شهود جنائزهم، والصلاة عليهم والدعاء لهم، وفيما يلي بيان لهذه المسألة، وما يجده القائم بحقوق إخوانه من الأجر في ذلك

    1.   

    باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (إخلاص الدعاء للميت)

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود وصححه ابن حبان .

    هذا حق الميت على من يصلي عليه، أن يخلص له الدعاء ولو كان خصماً له؛ لأنه قد أفضى إلى ما قدم، وأنت وقفت مع المصلين، فيجب أن يكون باطنك مطابقاً لظاهرك، وقفت تصلي مع المصلين فيجب أن تخلص الدعاء له، فتؤجر على إخلاصك الدعاء له، وإذا كان بينك وبينه شيء آخر، فهناك في القيامة تتحاسبون. (من صلى على ميت فليخلص الدعاء له) لأنه تقدم لنا فيمن صلوا عليه من المؤمنين أو من أهل الخير، أو.. إلخ فشفعوا فيه شفعهم الله، فلا يشفعون إلا إذا أخلصوا الدعاء، والصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة يجب فيها الإخلاص، ومن ضمن الإخلاص أن تخلص في الدعاء للميت.

    فمن الذي تسول له نفسه أن يرى أخاه مسجى أمامه، ويعلم بأنه سيلحقه على هذا الطريق، ووارد ذلك الحوض، ثم هو يصلي عليه غير مخلص، بأي ميزان؟ هذا لا يعقل أبداً إلا إذا كان خارجاً عن تصورات العقل.

    1.   

    باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (اللهم اغفر لحينا وميتنا)

    .

    مشروعية الدعاء لعامة المسلمين في صلاة الجنازة

    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا... الحديث)

    يلاحظ أن الدعاء الأول مخصص بمطالب معينة، و(له) قد يكون ضميراً لشخص معين يعرفه المصلي، ونحن عشرات المرات ومئات المرات نقول: الصلاة على الرجل.. الصلاة على المرأة، ولا نعرف من هو الرجل ولا من هي المرأة، فإذا كان معروفاً تسميه وبضميرٍ راجع إليه، وإذا لم يكن معروفاً لديك فهذا هو الدعاء، أي يكفي أن تقول: اللهم اغفر لحينا ومتينا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا..إلخ.

    ومعنى شاهدنا: الحاضر، وغائبنا: الذي مات وهو غائب عنا، وفي بعض الروايات: (حاضرنا وغائبنا { وصغيرنا وكبيرنا) صغيرنا: الطفل الذي يصلى عليه، وكبيرنا: إلى آخر ما يكون من العمر. (وذكرنا وأنثانا) إذا صليت على الجنازة ولا تعرف هل هو رجل أم امرأة فهذا الدعاء يجزئ، وبالجملة ليس هناك توقيت في لفظ معين في الدعاء عند الصلاة على الجنازة، فإن حفظت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله..) إلخ فالحمد لله هذا مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أشمل وأبرك.

    فإذا لم تكن تحفظ هذا، فأي دعاءٍ تدعو به فإنه يصح، إذا كان يتضمن طلب المغفرة والرحمة بإخلاص، كما تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم (شفعوا فيه إلا شفعهم الله) فإن كنت تعلم الشخص الميت، وتنويه بالضمير (له.. لها) فبها ونعمت، وإلا فتأتي بالعموم: (حينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا)، وبالمجموع: (ذكرنا أو أنثانا) ويكون على سبيل الإجمال فلا مانع. (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) لاحظ هذين اللفظين: (من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) هل هما متغايران أم شيء واحد؟

    يقول علماء العقائد: الإسلام والإيمان إن افترقا اتحدا، وإن اتحدا افترقا، فهنا ذكرا معاً، فتكون للمغايرة، يدعو للحي أن يحيا على الإسلام؛ لأن الإسلام عملي ظاهري، وأركان الإسلام كلها ظاهرة، وإذا قام بأركان الإسلام كان مسلماً وأدى واجبه أمام المسلمين.

    أما (توفه على الإيمان) فهو العقيدة: (من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) لأن الخلاص من الشرك ليس إسلاماً بل إيماناً، أعني أنه من عمل القلب ويتعلق بالعقيدة، وليس من عمل الجوارح، فالإيمان يقين، والعمل تابع للإيمان، وهو يزيد وينقص بالعمل.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم فرق ودعا للحي أن يحيا على الإسلام، سامعاً مطيعاً مستسلماً لأوامر لله، ودعا للميت أن يميته الله على الإيمان. (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده) رواه مسلم والأربعة.

    هذا هو الدعاء للمصلي بعد التكبيرة الأخيرة، أي: اللهم لا تحرمنا أجره في صلاتنا ودعائنا له، ولا تفتنا بعده، فهو قد خرج من الدنيا معافى، فلا تفتنا بفتنة تفتننا عن ديننا بعده، هذا هو مجمل الأدعية التي تكون في صلاة الجنازة:

    في التكبيرة الأولى: الفاتحة.

    في الثانية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    في الثالثة: الدعاء للميت بما تيسر لك.

    وفي الرابعة: لنفسك. ثم يكون السلام.

    1.   

    باب الإسراع بالجنائز

    .

    مشروعية الإسراع بالجنازة

    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق عليه.

    والإسراع هنا يحتمل أمرين: سرعة التجهيز، فإذا كان هناك كفن عادي، فلا حاجة إلى أن نؤخره، إلى أن نحضر كفناً فاخراً، وإذا وجد من المسلمين من يؤدي الصلاة فلا حاجة إلى أن نؤخر إلى كثرة العدد، إلا أن يكون للميت من ذوي أقاربه -كأبنائه، وإخوانه، ووالديه- من يريد أن يقدم وكان غائباً ليراه ويشيعه، فلا مانع ما لم يتضرر الميت بالتأخير، أي: يشرع الانتظار بالجنازة لحين قدوم الغائب من ذويه وذوي رحمه ما لم يكن الوقت صيفاً كما هو الحال في الجزيرة ، أو يتوقع حصول ضرر على الجنازة، بأن تكون قد توفيت من أول الليل مثلاً، فإنه ينتظر به إلى الصباح، على ما سيأتي في باب النهي عن الدفن ليلاً، لما قد يقع فيه من تقصير.

    وهنا مسألة التقسيم الذي يقوله الأصوليون، يقول صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة) كلمة (أسرعوا) تحتمل كما أسلفنا: سرعة تجهيزه، ويحتمل الإسراع في المشي به عند حمله، ولكن المعنى الثاني أرجح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تقدمونها إليه) هذه مشتركة، وقوله (شرٌ تضعونه عن رقابكم) والشر الذي نضعه عن الرقاب هو ساعة الحمل حينما نحمله.

    إذاً: السنة في تشييع الجنائز الإسراع بها، وكما يقولون: إكرام الميت دفنه وستره، كما أنهم يقولون أيضاً: إذا مات نهاراً لا ينبغي أن يبيتوه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيت الميت وسط أهله؛ لأنهم يستوحشونه، أو كان ميتهم أخاهم أو أباهم أو ولدهم فإنهم يستأنسون بحضوره ويؤانسهم، ولكن بعد الموت ترى طفله الصغير يخاف أن يدخل عنده، ترى الشخص الكبير قد يخاف أن يدخل عليه، فما ينبغي أن يبيت الميت إلا لحاجة أو لضرورة.

    ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم حال الميت، إما أن يكون صالحاً، فإنه يحب أن يتقدم للصالح، وإما أن يكون عكس ذلك، فلا ينبغي أن نحمل على رقابنا غير الصالح، فلنضعه لنستريح منه.

    وكونه صالحاً (خير تقدمونها إليه) مثل أن يوجد إنسان يريد أن يتزوج، وفي ليلة زفافه نقول له: هيا نذهب معك فسحة، أو نقول له: تفضل أنت ضيفنا الليلة، فالعريس عنده ما هو أهم من هذا كله، وكذلك الميت الصالح: (فخير تقدمونها إليه)؛ لأنه أحب ما يكون إليه أن خرج من ضيق الدنيا ونكدها وأثقالها، إلى فسيح الجنة ونعيمها.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن العباس كان يعرف حالة بني هاشم عند الوفاة، فلما ثقل المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع من بني هاشم العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما، ودخل العباس على رسول الله فوجده في الصحوة التي صحاها يوم أن توفي، فإنه صحا بعد صلاة الصبح فقال أبو بكر قال: (أراك اليوم بريئاً يا رسول الله! ائذن لي إلى بيت زيد بن فلان) وذهب إلى العالية، فدخل عليه العباس وعلي فخرجوا، فقال العباس لـعلي: يا علي! ارجع فسله فيمن يكون هذا الأمر بعدك، والله إن لم تؤته لتساقن سوق العبد بالعصا، قال: والله لن أسأله؛ لأنه إن منعنا إياها لن نعطاها أبداً، ثم قال العباس : إني أعرف الموت في وجوه بني هاشم فجلسوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهم: (ائتوني بقسط وكتاب أكتب لكم، ثم تلاحوا، فقال: قوموا عني فإن ما أنا فيه خيرٌ منكم) وهذا محل الشاهد، وفي آخر الأمر كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح ما له حاجة فيهم، ثم أوصاهم: (أوصيكم بكتاب الله وبالصلاة) أوصاهم شفوياً، ولم يكتب لهم شيئاً.

    الذي يهمنا قوله: (قوموا عني، فإن ما أنا فيه خيرٌ لي منكم) وهكذا الميت إذا كان في اللحظات الأخيرة، وأمسك اللسان عن النطق، فإنه يرى مصيره، فإن رأى خيراً تجد على وجهه البشاشة والطلاقة، وصباحة الوجه، كأنه إنسان نائم يحتلم في فرح شديد جداً، فيظهر على قسمات وجهه، وكذلك الميت عند الاحتضار، حينما يمسك اللسان يكشف عن مستقبله، وعن حقيقة أمره، فيظهر عليه آثار ما يرى بعينه، إن كان خيراً ظهر عليه فرح وسرور وطلاقة وجه، وإن كان عكس ذلك -عياذاً بالله- ترى وجهاً عبوساً واكفهراراً في الوجه..إلى آخره على ما في الحديث: (من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه..)

    وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: الميت بين أحد أمرين لا ثالث لهما: فإن يكن صالحاً فخير تقدمونه إليه، فلا تؤخروه، وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.

    وليس معنى الإسراع أن نجري به، فقد جاء عن بعض السلف: أنهم مروا بجنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنها شنة، أي وعاء فيه ماء قليل، أو القربة اليابسة الصغيرة فيها قليل من الماء يتراكض له صوت، فكأن الجنازة بإسراعهم شنة فيها قليل من الماء، فقال صلى الله عليه وسلم (ارفقوا بالميت)

    إذاً: ليس بالإسراع الذي يؤذي الميت لو كان حياً على هذه الخشبة، وأمرنا أن ننقله إلى مكانه بسرعة، فكيفية الإسراع: ألا نسرع كالجري، ولا نتباطأ ونتكاسل ونتمهل في المشي، وعلى هذا يكون الإسراع بينَ بين، ليس هو بالتواني البطيء، وليس هو بالهرولة، ولا بشدة الركض، إنما يكون متوسطاً.

    الشيء الثاني: لو أن الذين يحملون الجنازة أقوياء وأسرعوا، فذلك يشق على المشيعين؛ لأن فيهم الكبير، وفيهم المريض، وفيهم العاجز، وفيهم..، فيريد أن يتابع الجنازة في تشييعها.

    إذاً: (أسرعوا بالجنازة) الإسراع هنا في حدود المعقول، ليس هو بالإسراع المخل بالمروءة، والذي يؤذي الميت، وليس هو بالبطيء المتواني المتكاسل، والله تعالى أعلم.

    فائدة أخرى: الحديث يعطي إشارة إلى معنى، وهو أنه منذ أن يوضع في القبر سيجد خيراً أو شراً، ويمكن لإنسان أن يضيف هذا الحديث إلى أدلة إثبات نعيم القبر وعذابه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول (إن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) إذاً: الشر موجود والخير موجود، وهذا الحديث يشير بدلالة الإيماء والتنبيه على وجود نعيم القبر وعذابه.

    1.   

    باب فضل اتباع الجنازة

    وعنه رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) متفق عليه، ولـمسلم : (حتى توضع في اللحد) .

    مراحل تجهيز الجنازة ثلاث:

    الأولى: تجهيزها في مكانها بالغسل والحنوط والكفن.

    المرحلة الثانية: الصلاة عليها، وتكون الصلاة إما في بيته في محله، أو ينقل إلى المسجد أو إلى المقبرة؛ فيصلى عليه إما في بيته أو في المسجد أو في المقبرة، والصلاة في المسجد قد تقدم الكلام عليها، والصلاة في المقبرة يشترط لها ألا يكون أمام المصلين قبور، حتى لا يستقبلون القبور بالصلاة، وبعض العلماء قال: لا مانع حتى لو كانت القبور أمامهم.

    المواطن التي نهى النبي عن الصلاة فيها

    نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المزبلة، والمقبرة، والمجزرة، وفوق ظهر الحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل.

    هذه سبعة مواطن نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، وليست كلها للنجاسة كما يظن البعض، بل كل واحدة لها علتها، والنهي عنها في المقابر ليس للنجاسة كما يذكر ذلك بعض المؤلفين في فقه المذاهب كالحنابلة، يقولون: لأن التربة تنبش فتختلط بالنجاسة التي هي بقايا الجسم، لكن يقال: لقد حصلت الاستحالة، والاستحالة تُذهِب النجاسة، والتحقيق أن في النهي عن الصلاة في المقبرة حفاظاً على العقيدة.

    وقال بعض الناس: لا يصلى على الجنازة في المقبرة للنهي عن ذلك عموماً، وقال البعض: تجوز الصلاة على الجنازة في المقبرة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المرأة، قالوا: ولأن صلاة الجنازة ليس فيها سجود، بخلاف ما إذا صلينا الصلوات المعهودة، فإننا نحتاج أن نركع فيها ونسجد عند جدار القبر، فكأن المصلي يعبد القبر، قالوا: فصلاة الجنائز ولو صليت عند المقابر ليس محظور؛ لأنها ليس فيها سجود، لكن الأولى الحفاظ على عموم النهي، وسلامة العقائد؛ فيكون موضع الصلاة على الجنائز أمام المقبرة بحيث تكون المقبرة خلف المصلين، أو عن يمينهم، أو عن يسارهم، وإذا لم يوجد مكان للصلاة على الجنائز عند المقابر إلا أن تكون المقابر أمامهم، فيرفع جدار صغير بين المصلى والقبور.

    مراتب أجر اتباع الجنازة

    فالرسول صلى الله عليه وسلم جعل الأجر على مرتبتين؛ لأن تجهيزه يقوم به أهله، ثم يبقى تشييعه وحمله ودفنه، فمن حضر الجنازة حتى يصلى عليها، سواءٌ في المسجد أو عند المقبرة، فهذه مرحلة أولى.

    والمرتبة الثانية: أن ينتظر عند القبر حتى يفرغ من دفنها، وإذا استطاع أن يشارك في الدفن ولو بحفنة تراب فهو أفضل، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه حضر جنازة، وانتظر حتى انتهوا من الدفن، وجمع التراب عليه، فأخذ قبضة من التراب ووضعها على القبر، كأنه شارك في الدفن.

    ومكان القبر قد لا يسع كل المشيعين ليشاركوا، وكثير من الناس يحبون المشاركة، فينبغي الرفق.

    والمرتبة الثالثة: أن ينتظر المرء إلى الفراغ من الدفن.

    إذاً: المرحلة الأولى خاصة بأهله، والمرحلتان الباقيتان في تشييعه حتى الصلاة، وفي تشييعه حتى الدفن، فمن حضر المرحلة الثانية، وهي تشييعه إلى أن يصلى عليه، ثم يتركه بعد ذلك ؛ سواءً تركه لعجزٍ فيه، أو لاشتغال بأمر أهم، أو نحو ذلك، فله قيراط من الأجر، فإذا واصل حتى دفنت فله قيراطان.

    بيان معنى القيراط

    الواقع أن القيراط اصطلاح وزن، واصطلاح نسبة، تقول مثلاً: هذا البيت أربعة وعشرون قيراطاً، الزوجة لها الثمن أي لها ثلاثة قراريط، فهي نسبة حسابية.

    والأربعة والعشرون قيراطاً تأتي في الذهب، وتأتي في الفضة، وفي غيرها؛ لأن الأربعة والعشرين عددٌ يمكن أن تؤخذ منه جميع الكسور الموجودة في فروض الميراث (نصف، ربع، ثلثين، ثلث، ثمن، سدس)، ولهذا اصطلحوا عليها، وكذلك الذهب، عند كونه خالصاً يكون أربعة وعشرين قيراطاً، وعند كونه مضافاً إليه من النحاس أو معدن آخر يقال: فيه قيراط أو قيراطان من النحاس، فإذا قيل: ذهب عيار أربعة وعشرين، فمعناه أنه: خالص، مع أنه ليس هناك ذهب خالص أبداً؛ لأن الذهب وحده لا يصلح للتصنيع إلا قدر اثنين وعشرين قيراطاً، ولابد أن يكون فيه شيء من النحاس حتى يشده؛ لأنه لين. فإذا قيل: عيار واحد وعشرين، فيبقى فيه ثلاثة قراريط، أي أن: الثمن من معدن آخر، وإذا قيل: عيار عشرين فمعناه أن فيه السدس من معدن آخر ... وهكذا.

    وجاء القيراط في الأجور، ففي الحديث (من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا حراسة، نقص من أجره كل يوم قيراط) فلا ندري ما القيراط هنا، لكن لو جعلناه من مجموع عمله، فمعناه أنه إذا كان في اليوم ألف حسنة فإنه يسقط منها واحد من أربعة وعشرين، والله تعالى أعلم.

    في هذا الحديث بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم وزن هذا القيراط، فليس هو بالجرام، لكن قالوا: (وما القيراطان؟ قال: كالجبلين العظيمين) والجبال تختلف: فهل هي جبال الألب أم جبال الحبشة أم جبال الجزيرة، فإنها تختلف، فعين ذلك صلى الله عليه وسلم بأنه كجبل أحد، ويمكننا أن نشاهده، وهذا من فضيلة الدراسة في المدينة المنورة: أن ترى الشيء بعينك، ولا تحتاج أن يصفه لك جغرافي أو جيولوجي، بل تذهب وتشاهده بعينك.

    وكذلك في بئر بضاعة، كان يتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها بكذا وكذا، أبو داود عندما جاء إلى المدينة قال: قد ذرعته سبعة أذرع، أما نحن فلا نحتاج أن تذرعه لنا سبعة ولا ثمانية، فبئر بضاعة قريب منا، يمكن أن نشاهده بأعيننا ونعرف ما هو، وكان موجوداً إلى عهد قريب في مكانه وكان الماء فيه إلى أن وضع عليه البستان...

    إذاً: هذا من فضائل دراسة السنة النبوية في المدينة، وعلى سبيل المثال أذكر أنا كنا ندرس الحديث على الشيخ عبد الرحمن لفيق غفر الله له، وحصل لي ظرف سفر ورجعت، فسبقوني ببعض الأحاديث؛ فجئت إليه في بيته أتلقاها عنه، وكان بيته يطل على بئر بضاعة، فعندما نقرأ عن بئر بضاعة أنها بئر بجانب المدينة، قال: أغلق الكتاب، وانظر إلى البئر من النافذة.

    فدراسة الحديث في المدينة المنورة لها ميزتها، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم (من راح إلى مسجدي لعلمٍ يُعلِّمه أو يتعلمه، كان كمن غزا في سبيل الله)

    بل زيادة على ذلك حصول البركة التي يلمسها طالب العلم، فيحصِّل الكثير في الزمن القليل، ويكون أثبت عنده مما لو درسه في غيره.

    ثم كلمة القراريط جاءت في مواطن لا ندري ما معناها، وجاءت هنا مبينة، فهل هذا البيان بجبل أحد هو بيان لجميع القراريط في جميع الأعمال أم خاص بقيراط الجنائز؟ الله تعالى أعلم.

    تشييع الجنازة من حق المسلم على المسلم

    تشييع الجنازة حق للميت على المسلم، فتؤدي الحق الذي عليك وتأخذ قيراطاً مثل أحد! هذا والله فضل عظيم.

    جاء في الحديث الصحيح: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه..) أي: بلفظ: السلام عليكم، ومن آداب السلام: أن يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على الجالس.

    فإذا لم يسلم من عليه الابتداء بالسلام، فمن حق الثاني أن يقول له: أعطني حقي! لأن عدم السلام يدل على أن في النفس شيئاً، وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه مر بـعثمان وهو جالس فسلم عليه، فلم يرد عثمان عليه السلام، فذهب إلى أبي بكر واشتكى، ولما تأيمت حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها، كان عمر قد عرضها على عثمان ، فقال عثمان : ليس عندي نية الزواج الآن، وكان الأفضل أن يقول: جزاك الله خيراً، دعني أفكر في الموضوع، لكن رد ذلك العرض، فكانت هناك سابقة في النفس قليلة.

    ثم عرضها على أبي بكر فلم يرد عليه بخير ولا بشر، فجاء واشتكاهما إلى رسول الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم طيب خاطره وقال (يتزوج حفصة من هو خيرٌ من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خيرٌ من حفصة ) فقدر الله أن تزوجت حفصة خيراً من عثمان وهو رسول الله، وتزوج عثمان خيراً من حفصة، وهي بنت رسول الله الثانية.

    الشاهد أن عمر سلم على عثمان فلم يرد عليه السلام، فذهب واشتكاه إلى أبي بكر ، ولو لم يكن له حق في هذا السلام لما اشتكاه؛ لكنه حق الأخوة.

    وتمام القصة: أنه ما وصل عمر إلى أبي بكر إلا وعثمان وراءه يقول: السلام عليكم، فقال أبو بكر لـعثمان : وماذا وراءك يا عثمان ؟! أخوك عمر يسلم عليك فلم ترد عليه السلام، قال: والله ما سمعته ولا شعرت به!

    فقال أبو بكر : فيم كنت تفكر؟ قال: أمور لو أننا سألنا رسول الله عنها، وذكر غيرها، فقال أبو بكر والله لقد كنت أفكر فيها قبلك.

    نعود إلى الحديث (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم، إذا استنصحك فانصح له، إذا دعاك فأجبه، إذا عطس فحمد الله فشمته، إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)

    فهذه حقوق للمسلم على المسلم من أول ما يلاقيه إلى أن يدفنه، وهي حقوق إسلامية عامة، بخلاف حقوق الجوار، وبر الوالدين، وقضاء الدين الذي عليه، فهذه حقوق خاصة، ليس سببها مجرد أخوة الإسلام.

    فهذه الحقوق التي لمطلق أخوة الإسلام، منها أن المسلم إذا مات، فله حقٌ على إخوانه المسلمين أن يشيعوه، ومع هذا فللمشيع إذا قام بهذا الحق قيراطان. (قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) متفق عليه، ولـمسلم : (حتى توضع في اللحد) فإذا شُقَّ له شقاً، فالحكم كذلك؛ لانتفاء الفارق بين اللحد والشق، لأن المعنى: حتى يوضع في مكانه الأخير.

    وللبخاري أيضاً من حديث أبي هريرة : (من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها؛ فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أحد) .

    هذا الحديث الثاني بيَّن المجمل في الحديث الأول، حيث أطلق القيراطان عن تحديدها؛ فجاء المؤلف -لفقهه- بالحديث الثاني، وبيَّن لنا الإجمال الموجود في الحديث السابق، بأن الجبلين العظيمين كل منهما كجبل أحد، وهذا مثال على بيان المجمل.