إسلام ويب

كتاب الجنائز [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة على الأموات فرض كفاية، على خلاف في الصلاة على بعض أصناف المسلمين، فإذا دفنوا فيجعل كل ميت على حدة، إلا في بعض الحالات التي يجمع فيها أكثر من ميت في قبر واحد.

    1.   

    تقديم حفظة القرآن في اللحد

    وعنه قال (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) رواه البخاري .

    كيفية ترتيب الموتى في القبور الجماعية

    جميع ما تقدم في طريقة تغسيل الميت وتكفينه هي في الحالات العادية، لكن هناك حالات تطرأ في المجتمع يكثر فيها الموتى، سواء كان في حالات الحروب والكوارث، أو في حالات الأمراض السارية -كما يسمونها- كالطاعون، أو الكوليرا وأنواعها، فقد يبلغ عدد الموتى في القرية في اليوم الواحد عشرة أو خمسة عشر، وكذلك في المعارك والكوارث الأخرى، ماذا يفعلون مع كثرة الموتى في حفر القبور؟

    أعتقد أن بعض الإخوة يذكر ما حصل في حدث الطائرة، والتي كان فيها عدد كبير من الناس، فعندما سقطت ماذا فعلوا؟ لم يحفروا لكل واحد قبراً.

    الذي يهمنا هنا أن في حالات كثرة الموتى، ومشقة حفر قبرٍ لكل فرد يجمع الاثنين والثلاثة والأكثر والأقل في القبر الواحد.

    والآن البقيع موجود فيه غرفتان تسمى في عرف الناس: الفسقية أو الفساقي، وهي غرفة تحت الأرض بعمق القبر، وهي تسع عشرة أشخاص أو خمسة عشر شخصاً متراصين متجاورين، وهذه توجد في بعض البلاد في الأرياف للعوائل الكبيرة، ويكون لكل عائلة فسقيتين: واحدة للرجال وأخرى للنساء، ولهم مدة معينة تفتح الفسقية فيها لا تفتح قبل ذلك، وهم لم يجعلوها للموت الجماعي، وإنما يجعلونها لجمع موتاهم في مكانٍ واحد، ولا مانع في ذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى على عثمان بن مظعون ودفنه، ووضع الحجر عنده، قال (لأعرفه، لأجمع إليه من أهله) فلا مانع أن يكون للجماعة أو للأسرة مكانٌ يجمع فيه موتاهم، حتى إذا أتوا للزيارة والسلام يكونون في مكان مجموعين فيه.

    ففي هذه الحالة لو أتي بعدد من الموتى ووضعوا في تلك الفسقية أو الغرفة تحت الأرض لا مانع. فإذا لم تكن هذه موجودة وليست معدة من قبل كما هو الحال في غزوة أحد ، إذ لا يمكن أن يحفروا سبعين قبراً في وقت وهم على حالتهم -مصابون وجرحى... إلخ- فكانوا يجمعون الاثنين والثلاثة والأكثر في قبرٍ واحد.

    ففي مثل هذه الحالة كيف يكون ترتيب الدفن؟

    أولاً: اتفقوا على أنه يجمع الرجال مع الرجال، والنساء مع النساء، والصبية الصغار دون السابعة حيثما دفنوا، وبعد السابعة يأخذ حكم الجنس ذكراً أو أنثى، وبعضهم يقول: لو اقتضت الضرورة وكانت الكارثة كبيرة وفيها رجال ونساء، ولم يمكن أن نميز النساء معاً والرجال معاً..! لا بأس أن نجمع الرجال والنساء بحيث تكون النساء وراء الرجال، ويوضع بين النساء والرجال حاجز.

    ولكن الجمهور على المنع، ونحن قدمنا بأن حالة الضرورة لها حكمها، ولا يقاس عليها غيرها، فإذا جاء الأمر واضطر الناس على أن يجمعوا العدد من الموتى في قبر واحد للعجز، أو للمشقة، أو لعدم الإمكان بأن يجعل لكل ميت قبر مستقل، فلا مانع.

    وعند الوضع في القبر يسأل صلى الله عليه وسلم (أيهم كان أكثر أخذاً للقرآن؟) لم يقل: أيهم أغنى مالاً، أو أيهم أعلى جاهاً، أو أعظم وأفخم نسباً وحسباً؛ كل هذا قد التغى بالموت، انتهى الأمر، وأصبح الشخص بنفسه، فمن يكون أكثر أخذاً للقرآن قُدم إلى جهة القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه ..وهكذا. وهذا يكون في حالة الضرورة ومشقة أن يحفر قبر لكل إنسان فإنه لا مانع أن يجمع العدد منهم في القبر الواحد.

    لا ينقل الشهيد في المعركة من قبره حيث مات إلا لمصلحة

    وقد جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن أباه كان من شهداء أحد ، فدفن مع رجل آخر، ثم بعد مدة يقول جابر : (والله عزت علي نفسي أن يكون أبي مع غيره في قبر، فذهبت لأفرده في قبرٍ، قال: فذهبت، فوجدت كأنه مات بالأمس)، ونقله وأفرده في قبر مستقل، ومعلوم أن الشهداء الذين سقطوا في المعركة وماتوا فيها يدفنون في مكانهم، ولا ينقلون إلى جهة أخرى، اللهم إلا في حالة الضرورة ولمصلحتهم ينقلون إلى أقرب مكان كما وقع لسيد الشهداء حمزة رضي الله تعالى عنه، ومن كان معه دفنوا حيثما أصيبوا وكان في مجرى الوادي.

    فلما أجرى معاوية رضي الله تعالى عنه قناته، جاء السيل واحتفر القبور وظهرت الأقدام فضج الناس -وذلك بعد أربعين سنة من وقعة أحد - فذهبوا إليهم فوجدوهم كأنهم دفنوا بالأمس! فما كان إلا أن رفعوهم إلى المكان المرتفع على عدوة الوادي الذي هم فيه الآن، وكان هناك بقايا القبة التي كانت من قديم، وتسمى (المصرع) يعني المكان الذي صرع فيه حمزة رضي الله تعالى عنه ودفن فيه، ثم نقل بعد ذلك إلى المكان المرتفع، فنقله كان لمصلحته؛ لأن السيل قد جرف القبر وظهر، والسيل لا يؤمن في أي وقت يأتي، فرفع إلى مكان بعيد عن السيل.

    وقد جاء في غزوة أحد أن بعض القتلى جاء أهلهم وحملوهم إلى المدينة ، فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (لا. ردوهم وادفنوهم حيث أصيبوا) وهكذا شهيد المعركة.

    أما من صُوب في المعركة ولكنه لم يقتل وذهب به إلى بيته أو إلى مكان آخر، وعاش حتى أكل وشرب فإنه يعامل معاملة جميع الموتى من أن يغسل ويكفن بلا خلاف ويصلى عليه بلا خلاف، ويعامل كما يعامل جميع موتى المسلمين.

    وعلى هذا عند الضرورة سواءً كان في حال معركة، أو كان في كارثة، مثل مواضع الزلزال -عافانا الله وإياكم- يكون هناك موتى كثيرون، ومتى يستطيعون أن يحفروا لهؤلاء في وقتٍ واحد؟ فيتخذ لهم هذه الطريقة.. والله تعالى أعلم.

    معنى قوله: (يجمع بين الرجلين في ثوب واحد)

    قوله رضي الله تعالى عنه (يجمع بين الرجلين في ثوب واحد)

    يقول بعض العلماء: هل يبقى الثوب على ما هو عليه، ويلف الرجلان بهذا الثوب معاً كأنهما شخص واحد؟ أو أن الثوب الواحد يقسم قسمين ويعطى لكل واحد منهما قسم؟ وهذا يدل على قلة وجود ما يكفن به القتلى عند العدد الكثير، والذين قالوا: إنما يشق الثوب قسمين، قالوا: لئلا يجمع بين رجلين بجسد متلاصق في ثوب واحد، ولكن هذا غير وارد؛ لأن الشهداء لا يغسلون ولا يجردون من ثيابهم، بل يلفون في ثيابهم التي كانت عليهم، ولكن يبعد عنهم ما كان فيه من الجلود أو الحديد، فإذا كان محتزماً بمنطقة جلد، أو ترس فيه جلد، أو درقة فيها جلد، أو قميص فيه شيء من الجلود فهذا يبعد عنه، وكذلك إذا كان هناك شيء من الحديد كالدرع مثلاً أو الخوذة على رأسه أو شيءٌ في يده، فهذه تنزع عنه ويلف في أثوابه التي هي عليه، فيكون الكفن زيادة على ثيابه التي هي عليه.

    وتكون مهمة هذا الثوب هو تغطية أطراف الميت أو الشهيد من رأسه إلى قدميه، حتى قالوا: لو أن الثوب الموجود لشخصٍ واحد، وكل واحدٍ له ثوب لكنه قصير لا يبلغ ما بين الرأس إلى القدم، قالوا: يقدم جانب الرأس فيغطى، وبقية الجسم من جهة القدمين يوضع عليه من نبات الإذخر أو نحوه ويغطى في قبره، ولا تترك الجثة مكشوفة.

    فقول جابر رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين الرجلين في الثوب الواحد) هذا الحديث يسوقه المؤلف ليبين بأن أقل الكفن هو ثوب واحد، وإن تعذر الثوب فبعض الثوب، وهذا عند الضرورة، وكما تقدم أن الضرورة لا يقاس عليها، كما لو أن إنساناً كان عليه غسل جنابة وعنده ماء لا يكفيه للغسل فعليه أن يتوضأ به، ثم يتيمم بالباقي، وكذلك إذا كان لا يملك ثياباً تستره من السرة إلى الركبة يغطي به السوءة، وكذلك الكفن يكون بقدر المستطاع.

    إذاً: يجمع بين الرجلين في ثوبٍ واحد، إما على معنى: يجمعهما في لفافة واحدة، ولا محظور في ذلك؛ لأن ثياب كل منهما تحول بينه وبين ملاصقة جسم الآخر، وإما أن يشق هذا الثوب الموجود ويعطى لكل واحد منهما ما يجزئ عنده، إن كان يكفي طول الجسم فالحمد الله، وإن كان لم يكف عني بجانب الرأس وستر بقية الجسم بالنبات أو بنحوه..

    الصلاة على الشهداء

    أما القسم الثالث من الحديث: (ولم يصل) هذا مبحث طويل، هل الشهداء يصلى عليهم أم لا؟.

    أولاً: تقدم تقسيم الشهداء إلى قسمين: شهداء المعركة، وشهداء غير المعركة.

    قال عمر رضي الله تعالى عنه: (اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك ودفناً في مدينة رسولك)، قالوا: ماذا بك يا عمر ! تريد تأتي بالقتل إلى المدينة ؟! قال: الله كريم. فقتل وهو في الصلاة وكتبت له الشهادة، ولكن ليست شهادة المعركة، فهذا يعامل معاملة عامة الموتى.

    أما الذي في أرض المعركة فيختلف الفقهاء في كونه يصلى عليه أم لا.

    أولاً: وقبل كل شيء: أجمع العلماء على أن شهداء المعركة لا يغسلون، ويقولون: يبقى بدمه ليبعث يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم: (اللون لون الدم والريح ريح المسك) ويقولون: هنا قسمان: مداد العلماء، ودماء الشهداء، تأتي يوم القيامة اللون لون الحبر، والريح ريح المسك، فالشهداء لا يغسلون بإجماع المسلمين دون أي خلاف، ولو وجد خلاف لا عبرة له؛ لأن شهداء المعركة لا يغسلون.

    أما الصلاة عليه.. فيقول جابر : (ولم يصل عليهم) إذا جئنا إلى هذه المسألة بعنوان مستقل: (الصلاة على الشهداء) هل يصلى على الشهداء أم لا؟ نجد الآثار الواردة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد، وجابر يقول (ولم نصل عليهم) ونجد الآثار متعددة، ولا يسلم واحد منها من مطعن ومقال، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عمه حمزة رضي الله عنه فكبر سبعاً -سبع تكبيرات- ومنها: أنه صلى عليه وبقي في مكانه وكان يؤتى بالشهداء الآخرين فيوضعون بجواره ويصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: على الشهيد الثاني وحمزة موجود فيشهد حمزة صلاة على غيره معه- ثم يؤتى بآخر إلى سبعين صلاة بعدد الشهداء في أحد .

    ونجد بعض الروايات تقول: كان يؤتى بهم عشرة عشرة، ويصلي على العشرة مرةً واحدة، وتكون صلاته على السبعين سبع مرات يصلي عليهم عشرة عشرة وحمزة موجود، فقال بعض العلماء: صلى على حمزة سبعين مرة، أي: بتكرار الصلاة على الأفراد، سبع مرات.. أي: بتكرار السبعين وتقسيمهم عشرة عشرة، كبر سبع تكبيرات.. أي: على صلاته وحده. والآخرون يقولون: لا، لا نصلي على أحد.

    وإذا جئنا إلى مجموع هذه النصوص نجد: أن كل نص جاء بأنه صلى عليهم لا يسلم من مقال أو أنه موقوف على صاحبه كـأبي أمامة وابن عباس وغيرهم، وإذا جئنا إلى: (لم يصل عليهم) وجدنا الأحاديث الصحاح بأنه لم يصل عليهم.

    ولنعلم أن الغزوات التي وقعت من بدر إلى الخندق إلى حنين إلى فتح مكة إلى خيبر لا شك وقع فيها شهداء، يقول الشوكاني : لم يرد نص واحد أنه صلى، ولم يرد نصٌ واحد أنه لم يصل، وإنما النصوص المختلف فيها إنما هي في غزوة أحد فقط، وعلى هذا نجد الأئمة رحمهم الله اختلفوا في كون الشهيد يصلى عليه أم لا، فنجد مالكاً والشافعي والمقدم في مذهب أحمد أنه لا يصلى على شهيد، كما أنه لا يغسل فكذلك لا يصلى عليه. ونجد الإمام أبا حنيفة رحمه الله يقول: يصلى عليه.

    إن جئنا للأحاديث فهي متعارضة: صلى كذا مرة، لم يصل عليهم، وأحاديث الإثبات -كما يقولون- (الإثبات مقدم على النفي) لكنها أسانيد ضعيفة، ونجد للمالكية قول عن مالك: عدم الصلاة على الشهداء.. لماذا؟ قالوا: لأنهم أحياء عند ربهم والحي لا يصلى عليه، فما داموا أحياء عند ربهم والصلاة شفاعة ودعاء للميت، وصلاة على الميت المفارق للحياة، فقالوا: هؤلاء أحياء ولا يحتاجون إلى شفاعة الناس، شهادتهم تكفيهم.

    هذا تعليل قد يكون مناسباً أو الوصف المناسب لحالة الشهداء، فإذا كان الأمر مع تاريخ الجهاد في سبيل الله وجاء بعد ذلك الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين، ونعلم كم من المواقع وكم من الغزوات وكم من الجهاد، ولم ينقل بأنهم كانوا يصلون على شهداء المعارك في ذلك التاريخ.

    إذاً الجمهور على عدم الصلاة، والأحناف على أنهم يصلون، فإن وجدنا من يصلي لا ننكر عليه، وإن وجدنا من لم يصل لا ننكر عليه، كما قال بعض العلماء: الصلاة فيها الخير.

    ونسأل الله أن يأتي بعهد الشهداء، وأن يرفع راية الجهاد ويعلي كلمة المسلمين ويكون هناك شهداء، أما مسألة أن يصلى أو لا يصلى، عليهم فهم في غنىً عن ذلك.

    يهمنا تتمة البحث في هذا الحديث، ولم نكن أكملنا الكلام عليه.

    إذاً في ثوب واحد، إما أنه يلفان معاً، وإما إنهم يشق لهما -وهذا بعيد- والثاني: أيهما يقدم في اللحد؟ يجمعهم في ثوب واحد في الكفن، ويجمع أكثر من واحد واثنين في قبر واحد للظروف الطارئة.

    قوله (ولم يصل عليهم) تقدم الإيراد فيما هو عند الجمهور من الصلاة على الشهداء وعدم الصلاة عليهم.

    ونؤكد مرةً أخرى بأن ينبغي علينا أن نفرق بين الصلاة على شهيد المعركة وغير شهيد المعركة، والخلاف في شهيد المعركة، وبعض العلماء يقدم في هذا الباب الصلاة على الجنائز، الميت في الحالة العادية والشهيد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    قالوا: لما قُبض صلى الله عليه وسلم، وتم التجهيز ماذا فعلوا؟ قالوا: كانوا يدخلون عليه صلى الله عليه وسلم يصلون لأنفسهم بدون إمام، لم يتعين إمام بعده صلى الله عليه وسلم، ولم تتم البيعة بعد لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، والبعض يروي بعض الآثار لكنها ضعيفة بأن أبا بكر هو الذي صلى بالناس، ولكن الجمهور على أنهم يدخلون، قيل أفراداً وقيل: جماعات، وقدموا الرجال، فلما انتهى الرجال أدخلوا النساء، فلما انتهى النسوة أدخلوا الصبية المميزين الذين يحسنون الصلاة.

    ويمكن أن يقال: كثيراً ما يتساءل بعض الناس: هل المرأة تصلي على الجنازة أم لا؟ سيأتي لنا حديث عائشة في سعد وأبي بياضة أنه صلى عليه في المسجد، وكذلك النسوة في محضر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، يدخلن أفراداً أو جماعات ويصلين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بعض الناس كان يقول: أولئك الذين يدخلون، لا يصلون صلاة الجنازة المعروفة، ولكن كان مجرد دعاء. ولكن كلمة (صلاة) تحمل على معناها الشرعي ولا تحمل على معناها المجازي أو اللغوي إلا لضرورة أو لقرينة، وليس هنا ضرورة ولا قرينة فصلوا عليه صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    باب كراهة المغالاة في الكفن

    وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سريعاً) رواه أبو داود .

    تقدم الكلام على هذا الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغلو في الكفن؛ لأنه يسلب سريعاً، فلا حاجة إلى المغالاة فيه.

    والمغالاة هنا إما بزيادة عدد اللفائف والأثواب بدل ثلاثة سبعة أو تسعة، وإما في نوعية الأثواب. الرسول صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب من الكرسف سحولية، فإذا كفن الميت في لفائف من الخز -الحرير- أو الصوف أو الأقمشة الثمينة النفيسة في الثمن فهذا من المغالاة!!

    الغلو يصدق بنوعية الثوب أو بعدد الأثواب، وهذا كله منهي عنه كما تقدم، وعلينا الاكتفاء -بالاقتداء- بما كفن به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسبنا ما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام.

    والله أعلم...

    والمغالاة في الكفن ليست من السنة، وقد بين صلى الله عليه وسلم سبب ذلك بقوله: (فإنه يسلب سريعاً) أي: تأكله الأرض ويذهب، وجاء عن الصديق رضي الله عنه أنه قال في مرضه الأخير، وكان عليه ثوب فيه زعفران: (اغسلوه وكفنوني فيه مع ثوبين آخرين) فقالوا: كيف نكفنك في هذا وهو قديم وكذا، وجاءوا بجديد؟ فقال: (الحي أولى بهذا، إنما هو للمهلة) أي: هذا جديد تعطوني إياه لماذا؟ أنا ذاهب، وكلمة: (المهلة) قالوا: من الإمهال، يعني: مهلة بسيطة، أي: ليس هناك حاجة أن يكون الكفن جديداً ويضيع عليكم، أو (المهلة) أي: ما يسيل من جسم الإنسان، ويتلف الثوب الجديد ويبليه، ولكن نحن نعلم جميعاً بأن أبا بكر رضي الله عنه وأمثاله لن تأكل الأرض أجسادهم.

    فهذا من الصديق رضي الله عنه، ويكفينا قوله: (الحي أولى بهذا) وكونه قال: اغسلوا هذا الثوب وكفنوني فيه فهو على ما تقدم من أنه كان يشهد الخير فيه: كالصلاة، وذكر الله، ومن جانب آخر عدم المغالاة في الكفن، والله تعالى أعلم.

    1.   

    باب جواز غسل الرجل امرأته (أوصت فاطمة أن يغسلها علي)

    .

    جواز غسل الزوج زوجته

    وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها: (أن فاطمة رضي الله عنها أوصت أن يغسلها علي رضي الله تعالى عنه) رواه الدارقطني .

    يأتي المؤلف أيضاً بعد حديث عائشة لقول رسول الله (لو مت قبلي لغسلتك) دل هنا على أنه يجوز للرجل أن يغسّل زوجته، وأن هذا الأمر مستفيض معروف عند الجميع، فهذه فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توصي إن هي ماتت أن يغسلها زوجها علي .

    مسألة غسل الميت قبل موته وحكم ذلك

    وجاء في ترجمتها في كتب السير والتراجم: أنها يوم أن توفيت بعد صلاة الظهر أحضرت ثيابها، وأحضرت الماء، وتغسلت وغيَّرت ثيابها، وتوجهت على فراشها إلى القبلة، وأخبرت جاريتها وقالت: (أخبريهم إن مت أني قد اغتسلت) ولكن يُجمع العلماء بأن الغسل قبل الموت لا يجزئ عن غسل الميت بعده.

    الذي يهمنا في هذا الحديث أن فاطمة أوصت، ومن المعلوم أن عندها رضي الله عنها وأرضاها علماً، والذي تحمَّل الوصية عنده علم، والموصى إليه -وهو علي رضي الله عنه- عنده علم، إذاً تغسيل الزوج للزوجة مستفيض مشهور. والله تعالى أعلم.

    هناك من يقول يا إخوان: إن كان أحد الزوجين يغسل صاحبه فيجب أن يستر العورة، بأن يضع شيئاً ساتراً على العورة، وإذا احتاج موضع العورة لغسل، فمن تحت خرقة أو حجاب عازل عن العورة، ولا يلامس العورة، أما بقية الجسم فله ذلك.

    1.   

    باب جواز غسل الرجل امرأته (تغسيل الرجل لزوجته)

    وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها (لو مِت قبلي لغسلتك) الحديث.

    مت: بالضم والكسر والكسر أفصح.

    عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حديثها الذي أشرنا إليه سابقاً (بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رجع من جنازة بـالبقيع ، فمر عليها عاصبة رأسها تقول: وا رأساه! فقال: بل أنا يا عائشة ! وا رأساه، ثم قال لها: وما يضرك إن أنتِ مِت قبلي، فقمتُ عليكِ، وغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك؟ قالت: ما إخالك إلا أن تُعرِّس على فراشي من ليلتها)

    والمؤلف يسوق هذا من حديث عائشة : (لو مِت قبلي غسلتك) وهذا فيه دليل على أن الزوج يغسل زوجته.

    إذاً: لم يبق حاجة إلى وجود الخلاف في أن الموت هل ينقضي به العقد الزوجي، أو أنه يرفع المحرمية فيما بين الزوجين؟ فالرسول يقول لـعائشة : (لو مِت قبلي غسلتك)

    إذاً أثر الزوجية باقٍ، والذين يقولون هي تغسله وهو لا يغسلها، أو هو يغسلها وهي لا تغسله، كل هذا استنباط بعيد عن هذا النص الموجود، وقدَّمنا بأن عائشة قالت (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل رسول الله إلا أزواجه) إذن من الطرفين.

    وأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر (لما توفي الصديق رضي الله تعالى عنه غسلته، ثم خرجت على الناس وهم ينتظرون، قالت: ما تَبِعُون عليَّ -اليوم شديد البرد- وقد غسَّلت أبا بكر فهل ترون عليَّ من غسل؟) وذلك لحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) فحمل الجمهور معنى: (من غسَّل ميتاً فليغتسل) على عموم الموتى، لأن الميت عادة ربما يكون عليه أو على ثيابه أشياء إذا جاءها الماء انتشر الرذاذ فيصل إلى الإنسان المغسِّل، فينبغي أن يغتسل من هذا السبب.

    وإذا حمل ميتاً فليتوضأ؛ لأنهم كانوا يحملون الموتى من بيوتهم إلى مصلى الجنائز؛ فإذا أراد الحامل له الصلاة عليه فلابد أن يكون متوضئاً من أجل أن يصلي مع الناس، قالوا: وليس حمل الميت من نواقض الوضوء، وليس تغسيل الميت موجباً للغسل، ولكن أعتقد والله تعالى أعلم أن الغسل والوضوء قبل أن يباشر تغسيل الميت؛ لأن ذلك أفضل؛ لأنهم قالوا: لا ينبغي لحائض ولا لجنب أن يغسل ميته.

    إذاً: حالة غسل الميت قربة ودعاء يقدم بين يدي الله، فينبغي للشخص الذي يتقدم لهذا أن يكون على حالة طيبة.

    وكذلك حمله، إذا حمله وهو متوضئ، ودعا الله له، واستغفر له ولنفسه، فإنه يكون على حالة من حالات التهيؤ للعبادة، فيكون الغُسْلُ ليس بعد الغسْلِ، ولكن كما قيل: ما قارب الشيء يعطى حكمه، مثل (كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) لا يقول ذلك حينما يدخل، بل إذا أراد الدخول وذلك قبل أن يدخل. ومثله فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98] أي: إذا أراد القراءة. فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الندب للغسل لمن سيغسل الميت من باب كمال الحالة من ناحية عبادية أو ناحية روحية تكون مصلحة للمغسل.

    ويشهد لهذا ما سيأتي في موت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أرادوا إنزالها في القبر، قال صلى الله عليه وسلم (من لم يقارف الليلة فلينزل) من لم يقارف، معلوم بهذه الكناية أنه يراد بها: من لم يأت زوجته تلك الليلة فلينزل، والذي أتى زوجته يبعد، سبحان الله! لأن الذي قارف زوجته حديث عهد بأمر دنيوي وشخصي، والذي لم يقارف كأنه بعيد عن هذا، مع أن بعض العلماء يقول: الذي قارف زوجته حينما يلحد امرأة يكون أبعد من أي شيء، بخلاف الذي له مدة لم يقارف، وقيل: هذه الحالة خاصة.

    فنزل عثمان بن مظعون ، وبعضهم قال: الذي نزل كانت مهمته لحد الموتى، وعثمان زوجها كان موجوداً، وبعضهم يقول: إنما أراد الرسول شيئاً آخر بالنسبة لـعثمان .

    الذي يهمنا هنا هو أن الإنسان الذي يغسل الميت يجب أن يكون على حالة تكون أقرب إلى الكمال للإنسان المسلم من غيرها.

    وفيه أن الزوج يغسل الزوجة، والزوجة تغسل الزوج، وقد تقدم الكلام على تغسيل النسوة الأجانب للرجل الأجنبي، وعدم التغسيل، وقلنا بأنهم يتفقون بأنه إذا ماتت امرأة في جمع من الرجال، ولا توجد امرأة تغسلها ولو حتى كتابية -فإذا وجدت امرأة كتابيه فإنها تغسليها- وبعضهم يقول: الكافر لا يغسل مسلماً أبداً؛ لأن تغسيل الميت عبادة يحتاج إلى نية، والكافر لا تصح نيته، فنحن ننوي ونغسلها أفضل من أن ندفنها بدون تغسيل، وقال بعض العلماء: الرجال ييممون المرأة، والنسوة ييممن الرجل.

    أما الأطفال الذين ليست لهم عورة، وهم من دون السبع سنوات، فمن حضره من رجال أو نسوة فلا مانع من غسله، وإن كان أحمد رحمه الله يكره للرجل أن يغسل الفتاة في سن السابعة فما بعدها. والله تعالى أعلم.

    1.   

    الصلاة على المقتول حداً

    .

    أصناف الموتى بالنسبة للصلاة عليهم

    وعن بريدة رضي الله عنه في قصة الغامدية التي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجمها في الزنا، قال (ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت) رواه مسلم .

    هذا مبحث في الصلاة على عامة الناس في حالات مختلفة، عامة الناس يصلي عليهم -كما تقدم لنا- أولى الناس بهم إن لم يكن الميت قد أوصى، فإن لم يكن أوصى ولم يوجد أولى الناس به فالإمام الراتب، وفي هذا الحديث امرأة أقيم عليها حد، فهل يصلي الإمام الراتب على من أقيم عليه الحد أم لا؟

    لنعلم أولاً أن الإمام الراتب لا يصلي على فاجر أو مشهور بالفجور والفسق، أو أنه رُجم حداً بغير توبة، أما إذا تاب وقدم نفسه كـالغامدية وكـماعز وغيرهم، فسيأتي الكلام عليه.

    الغالّ الذي أخذ من الغنائم ومات لا يصلي عليه الإمام الراتب؛ لأن في صلاته عليه تشجيعاً على ذلك الفعل، ولكن لا يترك بدون صلاة، إنما يصلي عليه عامة الناس.

    إذاً فالموتى على أقسام:

    عامة المسلمين يصلي عليهم أولى الناس بهم، أو الإمام الراتب، أو من أوصى بأن يصلي عليه.

    الشهداء لا صلاة عليهم عند الجمهور.

    الذي مات بسبب أو بحادث إن كان فيه خطيئة، كالذي غلّ من الغنيمة، والذي قتل نفسه عمداً -لا أن يكون تسبب في قتل نفسه دون قصد- لأنه وقع في خيبر أن رجلاً قاتل قتالاً شديداً، ثم رجع سلاحه عليه فقتله، فتكلم الناس وقالوا: قتل نفسه بسلاحه. يعني: شكّوا في شهادته، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (له أجره مرتين) يعني: له أجر شهيدين.

    إذاً: الذي يقتل نفسه عمداً لأمر من أمور الدنيا، فهذا لا يصلي عليه الإمام الراتب، وإنما يصلي عليه أهله، كما تقدم.

    المدين الذي ليس عنده وفاء لدينه، ما كان يصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأمر أهله أو يترك غيره يصلي عليه.

    حكم الصلاة على من قتل في حد

    أما الذي قتل في حدٍ بأن أخذ قسراً، أو تقدم بتوبة إلى الله وإلى ولي الأمر وأقام عليه الحد، فهل يصلي عليه الإمام أم لا يصلي عليه؟

    الجمهور أنه يصلي عليه، وهذه الغامدية لما جيء بها أول ما جاءت وهي حامل قال لها صلى الله عليه وآله وسلم (اذهبي حتى تضعي حملك) لأنه إذا رجمها مات الحمل، وما ذنب الحمل يموت في هذه الحال فذهبت، حتى وضعت الحمل ثم جاءت، فقال لها: (اذهبي حتى تفطميه) لأنها إذا أقيم عليها الحد فمن سيتولى هذا الطفل؟ فذهبت حتى فطمته، وجاءت به وفي يده كسرة خبز يأكل منها، قالت: قد فطمته، فأقام عليها الحد، فقال رجل كلمة بمعنى أنه ردها وجاءت وجاءت، فهذه تموت كميتة ...، قال كلمة ما كانت تناسب أن تقال، فقال رسول الله (مه! لقد تابت إلى الله توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وبعض الروايات (لو قسمت على سبعين رجلاً لوسعتهم، أتجد أكثر من أن تجود بنفسها لله؟!) قالوا: وصلى عليها.

    هناك من يقول: لا ينبغي أن يصلى على من مات في حد ولو جاء تائباً؛ لأن في ذلك تشجيعاً على الفعل، والآخرون ينظرون إلى الحالة.. ما كل من قتل في حد يتساوى مع الآخرين، فهذه جادت بنفسها وتركت حتى تضع الحمل ثم حتى ترضعه حولين كاملين، ثم بعد ذلك ما تركت، وكان يقول الراوي: وكنا نرى لو لم تأت لم يطلبها رسول الله..

    إذاً: في مثل هذه الحالة طرفان: من كان آثماً في موته فلا يصلي عليه الإمام، ومن كان تائباً كهذه الغامدية فبعضهم يلحقها بالتائبين، وكأنه لا أثر لذنبها الأول، وبعضهم يقول: هذه قتلت في غير حالة عادية، أو في حد عليها، فيصلي عليها أهلها.. والله تعالى أعلم.

    1.   

    باب لا صلاة على من قتل نفسه

    .

    مسألة: الصلاة على قاتل نفسه حيث أنه مازال مسلماً

    وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال (أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه) رواه مسلم .

    هذا يبين عكس المتقدم (أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص) المشاقص جمع مشقص، وهو نوع من آلة الحديد، وجاءت روايات على أن رجلاً هاجر إلى المدينة فاجتوى هواءها ولم يصح، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أقلني بيعتي يا رسول الله -لأنه كان قد بايع رسول الله على الإسلام- قالها مرتين أو ثلاث فلم يجبه، فذهب ووضع ذبابة السيف في صدره وقتل نفسه، فلم يصل عليه صلى الله عليه وسلم)

    وبعضهم يأتي برواية أخرى: أن رجلاً قاتل ثم قطع إصبعه، فتأذى فأجهد عليه فنزف فمات.

    كل هذه الحالات وكل هذه الروايات تبين أن من قتل نفسه لا يصلي عليه الإمام، ولكن لا يترك بدون صلاة؛ لأن قتل النفس لا يخرجه من عموم الإسلام، هو مسلم بصفة عامة، وحقيقة أمره مردها إلى الله. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أن من قتل نفسه بآلة أو بسبب فهو يعذب بذاك السبب إلى يوم القيامة (من تجرع سماً فمات فهو يتجرعه إلى يوم القيامة من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يُوجأ بها إلى يوم القيامة)

    الانتحار أو قتل النفس سببه ضعف في الإيمان

    فنهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النفس -وكما يسمى: الانتحار- والإسلام ليس فيه انتحار قط، والمسلم الحقيقي لا يجد مأزقاً ينتحر فيه؛ لأن الانتحار إما لضيق معيشة، أو لنزول مصيبة، أو لفرار من عدو.

    وضيق العيش قد نفاه الله سبحانه وتعالى بقوله: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22] فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:23].

    ويذكرون أن أعرابياً كان يمشي فسمع قارئاً يقرأ: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22] فنحر ناقته وقسمها، ثم مضى بقية العام ثم جاء إلى مكة وعندما كان يطوف سمع ذاك القارئ مرة أخرى يقرأ تلك الآية وقرأ بعدها: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:23] فقال: أغضبوه فأقسموه، أغضبوه فأقسموه، وخر ميتاً! عظم عليه أن يسمع القسم من الله على أنه يرزقهم: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات:23] يعني: في السماء رزقكم حقاً فعندما سمع قوله: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الذاريات:23] صعق عندما سمع هذا القسم بعد أن قال: أغضبوه فأحلفوه.

    عدل الحاكم يساعد على تقليل أو إغلاق باب الانتحار

    إذاً: المسلم ليس عنده ضائقة رزقٍ يمكن أن ينتحر بسببها، وقد ضمن بيت مال المسلمين حصة للفقراء والمساكين بما يكفيهم، سواء كان من الزكاة، أو كان من الفيء من الغنائم وغيرها، بل يقول عمر رضي الله تعالى عنه: (لو مات رجل وسط حي من الناس فاقةً وجوعاً، لحملتهم ديته؛ لأنه كان عليهم حقاً أن يطعمونه).

    وعلى هذا ليس هناك انتحار بسبب ضائقة مالية.

    وما جعلت العدالة والخلافة والإمامة والسلطان إلا لتأمين الخائف وكذلك رفع الظلم.

    إذاً: يكون ضيق في النفس فقط، ولهذا إحصائيات العالم في الانتحار تحصى بالدقائق في أوروبا وفي أمريكا وفي غيرها.

    ومن فضل الله ولله الحمد والمنة حالات الانتحار في المسلمين أقل ما يمكن أن تكون نسبة، لماذا؟

    لأن المؤمن من قواعد إيمانه الإيمان بالقضاء والقدر، فيؤمن بأنه من عند الله، إذن هو يؤمن بأن قضاء الله ماضٍ، ويعلم بأن الله أعلم له بمصلحته، وعلى هذا لا يتفق أبداً انتحار مع إسلام، إذن لماذا يقتل نفسه؟

    يكون في غيبة عن الإيمان، كما جاء الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لا يقتل، لا يشرب، لا يسرق وهو مؤمن، كأن الإيمان كما قال ابن رواحة: (الإيمان كالقميص تلبسه فإذا أنت خلعته ...]. وهكذا يكون الإيمان في وجوده مع الإنسان وفي يقظة ضميره مع الله، مستحيل أن يقدم على انتحار، أما إذا غفا هذا الضمير وغاب هذا الإيمان، وضعف هذا الوازع، هناك يفعل ما قدر له. والله تعالى أعلم.

    1.   

    باب الصّلاة على الميت بعد دفنه

    .

    حكم الصلاة على الميت في قبره

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماتت، فقال: أفلا كنتم آذنتموني، فكأنهم صغَّروا أمرها، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها) متفق عليه وزاد مسلم (ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) .

    فمن فاتته صلاة على الميت، هل يصلي عليه في قبره، وهل يصلى على الموتى في قبورهم أم لا؟ هذا عنوان المسألة، ولكن جاء المؤلف بهذه القصة، والتي تدل دلالة واضحة على أعلى وأقصى ومنتهى مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ومنتهى رحمته ورأفته بالمؤمنين، في الحديث: امرأة سوداء، تقم المسجد، أي: تكنس المسجد، مرضت فافتقدها صلى الله عليه وسلم، ولذا فبعض الروايات تقول (وكان صلى الله عليه وسلم يحب المساكين ويتفقدهم، ويزورهم إذا مرضوا) فافتقد هذه المرأة التي كانت تقم المسجد، ما هي امرأة تطعم المصلين، ولا تكسو العارين، ولا تفعل ولا تفعل، بل تقم المسجد، وفي الحديث (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة؛ أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وفي حديث (حتى القذاة ترفعها من المسجد) فهذه امرأة تقم المسجد، فمرضت، فافتقدها صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، قالوا: مريضة، قال: (إذا ماتت فآذنوني) أي: أعلموني بموتها، قالوا: فماتت ليلاً، فكرهنا إزعاج رسول الله من أجلها.

    فهنا تعارض العقل مع العاطفة، العقل يقول: امتثلوا الأمر: (آذنوني)، والعاطفة تقول: لا تزعجوا رسول الله، فعدم إزعاجه أمر عاطفي ليس عقلياً، وإعلامه بموتها ولو في منتصف الليل، في الليلة المطيرة الباردة أمر عقلي امتثالاً للأمر، وكما يقال في ذلك: إذا تعارض العقل مع العاطفة حصلت الحيرة الشديدة، فقدموا جانب العاطفة؛ لأنهم لم يؤذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إكراماً واحتراماً وإراحة لرسول الله من عناء الليل، فدفنوها، فلما أصبح ما نسيها، فسأل عنها، قالوا: ماتت، قال: (أفلا كنتم آذنتموني، قالوا: كرهنا أن نوقظك ليلاً) فاعتذروا بالعاطفة.

    وهنا نجد.. أن رسول الله لم يعتب عليهم ولم يعنفهم، ولم يعاقبهم، ولم يجعل عليهم إثماً في عدم امتثال الأمر، بل عذرهم بتقديم العاطفة، ولكن ماذا يفعل علاجاً للواقع؟

    فقد وقع أمر لم يكن يريد وقوعه صلى الله عليه وسلم، قال: (دلوني على قبرها) تداركاً لما فات، فدلوه على قبرها، فذهب إلى البقيع ، ووقف على قبرها، وصلى عليها.

    هنا عنوان مسألة: الصلاة على الميت في قبره، والصلاة على الغائب، وهما مسألتان مقرونتان، أما الصلاة على الغائب فسيأتي للمؤلف صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي ، يوم أن مات فنعاه لأصحابه، وخرج بهم وصلى عليه في يومه وهو في الحبشة ، وأما الصلاة على القبر فبعض العلماء يقول: لا صلاة على القبر، وبعضهم يقول: يصلي مطلقاً بدون حد، وبعضهم يقول: إلى حدود الشهر، إن كان دفن وهو ممن يحب أن يصلي عليه، أو أنه دفن ولم يوجد من يصلي عليه، فدفن بدون صلاة، قالوا: إنه يصلى عليه في القبر، وإذا دفن بدون غسل أو كفن، وكان الوقت قريباً (قبل أن تتبدد الجثة) نبش وغُسِّل وكُفِّن وصلي عليه، وأعيد دفنه، أما إذا غسل وكفن، ولم يوجد من يصلي عليه، ثم دفن، فيصلى على قبره، بعضهم يقول: إلى ثلاثة أيام قبل أن تتغير الجثة، وبعضهم يقول: إلى شهر، ويستدلون بفعله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على القبر.

    ثم زادت رواية مسلم عبارة تبيّن ميزة صلاته صلى الله عليه وسلم على الميت (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أصحابها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) وهذا من فضل دعائه صلوات الله وسلامه عليه للميت المقبور، فالله يستجيب دعاء رسوله، وينور القبر على صاحبه.

    فوائد مستفادة من حديث الصلاة على المرأة التي كانت تقم المسجد

    الحديث من حيث هو يسوقه المؤلف رحمه الله دليلاً لجواز الصلاة على القبر، ثم فيه تكريم أهل الصلاح وفعل الخير، بصرف النظر عن شخصياتهم، ثم فيه عناية النبي صلى الله عليه وسلم بنظافة المساجد، هذه ثلاث نقاط محل البحث في هذا الحديث:

    أولاً: تكريمه صلى الله عليه وسلم لأهل الخير وفعل الخير، فهذه امرأة من عامة المسلمين، يعنى بها صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في خبرها أنه افتقدها (فقالوا: إنها مريضة، فقال: إذا ماتت فآذنوني -أي: أعلموني- فماتت ليلاً، قالوا: فكرهنا أن نشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفناها، فلما أصبح سأل عنها، قلنا: ماتت، قال: هلا آذنتموني؟ -يعني: كما أخبرتكم- فاعتذروا فقالوا: كرهنا أن نشق عليك ليلاً) وفي رواية (كأنهم تقالوا أمرها) يعني: لأنها امرأة من عامة الناس، ما هي من ذوات المناصب، أو الحسب، ولا يوجد من كبار الصحابة من ينتمي إليها فتكرم من أجله، فهي امرأة عادية، فبين أبو هريرة أن فضلها وعناية النبي بها إنما هو لذاك العمل الجليل الذي كانت تقوم به، وهو أنها تقم المسجد، أي: تجمع القمامة من المسجد، أي: تقوم بعمل الكناسين، وتنظف المسجد، ومن هنا كانت عناية النبي صلى الله عليه وسلم بها.

    وفيه خدمة النساء للمساجد، ما لم توجد خلوة مع أحد من المصلين، وليس لها عمل أهم منه، فهي تقم المسجد، والمؤلف رحمه الله ساق الحديث لجواز الصلاة على القبر.

    أما العناية بالمساجد فقد تقدم في هذا الكتاب المبارك في أول باب المساجد (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب وتنظف) تلك هي العناية بالمساجد، بل قال صلى الله عليه وسلم (عرضت علي أعمال أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) وقال (البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) ، (ورأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في جدار القبلة في مسجد من المساجد، فأخذ صلى الله عليه وسلم يحتها بطرف ردائه، وقال لهم لا يؤمنكم إمامكم هذا بعد اليوم) أي أنه عزل الإمام عن الإمامة؛ لأنه لم يراع حرمة المسجد، وبعضهم قال: لأنه تنخم وهو في الصلاة أمامه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم المصلي أن يبصق أمامه في الصلاة، وقال (فإن الله تجاه وجهه، فليبصق تحت قدمه اليسرى) وقالوا: في المنديل أو في نحو ذلك.

    وقبل هذا كله جاء الأمر بذلك في كتاب الله، وذلك في موطنين: منهما قوله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] أن ترفع، أي: حساً ومعنى، لأن رفعة البناء تدل على عظمته وتقديره، والعناية به، وانخفاض البناء يدل على تحقيره وعدم أهميته، وترفع معنوياً أيضاً بالذكر وبالعلم، وبالحفاظ عليها.

    والموطن الثاني في مقارنة بين البناء وبين الصيانة والحفاظ، ففي بيت الله الحرام يقول سبحانه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] يرفع إبراهيم: إسناد رفع القواعد من البيت لإبراهيم وإسماعيل جاء معطوفاً على إبراهيم كالمساعد؛ لأن إسناد رفع القواعد لإبراهيم وحده، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] لكن في العناية وفي النظافة، وفي الرعاية؛ جاء إسناد ذلك لإبراهيم وإسماعيل معاً على المشاركة، وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:125] أي: وعهدنا إليهما معاً: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي [البقرة:125] بألف التثنية، فشرَّك بينهما في العناية بالبيت الحرام في تطهيره من الأرجاس، ومن الأصنام، ومن الأوساخ، إلى آخره.

    ومن هنا يتضح لنا أن العناية أهم من البناية، لأن البناية تقام مرة واحدة، فهذا المسجد النبوي الشريف، وجدنا هذه البناية الفخمة الضخمة العظيمة، انتهى أمرها بتكاليفها وميزانيتها، وبقيت الصيانة والعناية، فالبناية مرة واحدة أياً كان المشروع؛ محطة تصفية -أي تحلية المياه-، محطة توليد الكهرباء، فإذا انتهت إقامتها بقيت العناية والرعاية بها، مدة تشغيلها طول عمرها، إذاً: العناية والرعاية لكل مشروع أهم من إنشائه، فكان هنا وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا [البقرة:125] أي: فهذه رعاية البيت أسندت إليهما معاً.

    ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يعنى بالمساجد، بل كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجل خاص يجمر المسجد، أي: يأتي بالمجمرة وفيها الجمرة، وعليها العود، ليطيب بها المسجد، وكان هذا الأمر معمولاً به إلى عهد قريب حضرناه، ولا يزال حتى الآن يوم الجمعة، وكان يعهد به الأمير في رمضان في صلاة التراويح، ويطيب المسجد بالعود ويجمر.

    إذاً: هذه المرأة لكونها تقوم بهذا العمل، سواء كانت سوداء أو بيضاء أو حمراء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عني بها وكرمها، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] كرمها بحسن عملها، وبعنايتها ورعايتها للمسجد في أنها كانت تقمه، هذا من جانب تكريمها.

    الجانب الثاني: الصلاة على قبرها، من الناحية الفقهية نجد العلماء قد يختلفون: هل يصلى على القبر بصفة عامة أم لا؟

    فأول الأقوال: لا يصلى، والذين قالوا: لا يصلى استدلوا بالزيادة التي زادها مسلم (فإن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) فقالوا: (بصلاتي) هذه خاصة به صلى الله عليه وسلم، وليست صلاة كل إنسان ينور الله بها قبر من صُلِّي على قبره، والمجيزون قالوا: لقد ذهب معه أشخاص وصلوا معه، فهذه صلاة غير رسول الله من أصحابه معه، فقال المانعون: التابع ليس كالأصيل، هم تبع لرسول الله، والمجوزون قالوا: لو أنه لا يجوز أن يصلى على القبر لبيَّن صلى الله عليه وسلم وقال: لا تفعلوا أنتم، كما جاء في بيان الخصوصيات، فالذين قالوا: يصلى قالوا: لفعله صلى الله عليه وسلم ولتقريره هذا، وهو يعلم أنهم يرونه ويشاركونه في الصلاة، ويتأسون بفعله صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم اختلفوا: إلى متى يصلي، فبعضهم يقول: إلى ثلاثة أيام، وجاء أيضاً (أنه صلى الله عليه وسلم مر على قبر رطب فصلى عليه) يعني: مدفون حديثاً، ولا يزال ترابه طرياً، وقوم قالوا: إلى شهر، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم (أن أم سعد توفيت وهو غائب، فلما قدم صلى عليها صلى الله عليه وسلم بعد دفنها) قيل: بشهر.

    إذاً: الحديث جيء به لبيان الأحكام من حيث جواز الصلاة على القبر، فهناك من يمنع ويقول: هذه خصوصية، ولكن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، والمجوزون يختلفون، فمنهم من يقول: إلى ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: إلى شهر، والبعض من يقول: ما لم يترب، أي: ما لم يصر تراباً.

    فالجمهور على جواز الصلاة على القبر، ويختلفون في المدة التي يمكن أن يصلى فيها، والكلمة المجملة أن يقال: ما دام يغلب على الظن أن الميت لم يتفسخ.