إسلام ويب

كتاب الجنائز [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب الشرعية الواجبة على الأحياء للميت تكفينه في أثواب تستره، على تفصيل فيما يكون للرجل وما يكون للمرأة، مع استحباب أن تكون بيضاء واسعة بدون مغالاة ولا مباهاة.

    1.   

    كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض

    صفة كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الفرق بين الثوب والقميص

    هذا شروع من المؤلف في بيان كيفية الكفن للميت، وبدأ ببيان كفن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بحديث أعرف الناس بذلك، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت (كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة)

    ثلاثة أثواب ثم بعد ذلك تقول: (ليس فيها قميص) مما يدل على أن المراد بالثوب هو اللفافة التي يلف فيها الميت، والقميص هو ما كان مخيط الطرفين، أي: لو جئت بطرفٍ من القماش على ما هو معروف الآن، القماش الأبيض عرضه -كما يقال: ياردة (تسعون سنتيمتراً)، أو عرضه متر، وأخذت منه بقدر طول الإنسان مرتين، أي: أخذت ثلاثة أمتار وثنيت طرفيها معاً ثم جئت في الوسط حيث ثنيت وفتحت فتحة تُدخل الرأس، فأدخلت رأسك -وأنت إنسان على قيد الحياة- وصار النصف أمامك والنصف وراءك، إذا خطت الطرفين من اليمين والطرفين من اليسار، وتركت موضع اليدين سمي قميصاً، فإذا لم يكن مخيطاً لا يسمى قميصاً، فالقميص هو ما كان مخيط الطرفين.

    والأثواب: يمكن أن يقال في كل قطعة من لباس المحرم، -الإزار والرداء- أنه ثوب، كما تقدم لنا في الحديث في الرجل الذي سقط عن راحلته فوقصته فقال صلى الله عليه وسلم: (كفنوه في ثوبيه) وثوباه وهو محرم هما عبارة عن الإزار والرداء، أما ما يطلق الآن على الثوب الذي يلبسه عموم الناس فهذا اصطلاح آخر.

    قميص طويل، وعند بعض الناس قميص قصير.. قميص نصف كم.. قميص كم كامل، فالقميص لغة هو ما كان مخيط الطرفين، وأصبح محيطاً بالجسم بالخياطة.

    كيفية تكفين الميت

    وهنا الثلاثة الأثواب التي تقول عنها أم المؤمنين رضي الله عنها ليس فيها مخيط، لا قميص ولا سروال ولا شيء من ذلك، كيف تكون الثلاثة الأثواب.

    يقول ابن قدامة في المغني : يؤتى بالثلاثة الأثواب بعد أن ينتهى من تغسيل الميت، ومما ينبغي التنبيه عليه أن يغسل الميت على شيء مرتفع، لا على الأرض مباشرة، فإذا ما غسل جفف أو نشف، وكذلك يحسن ألا يغسل تحت السماء في الكشف مباشرة، بل يكون تحت سقف في غرفة أو في صالة، وإذا لم يكن ففي خيمة، وإذا لم يكن ظلل بغطاء يحجب بينه وبين السماء، فلا يكون مكشوفاً إلى السماء مباشرة، فإذا ما غُسِّل -على طريقة الغسل التي لها تفصيلات عديدة لم نذكرها، وهي مدونة في كتب الفقه- وانتهوا من تغسيله، نشفوه، فإذا ما انتهوا من تنشيفه، وكان المكان الذي هو عليه مبللاً بسبب الغسل، فإنه يوضع في مكان آخر أو يفرش له فراش في الأرض، ويؤتى بالثلاثة الأثواب، فإن كانت متفاضلة -أي: بعضها أفضل من بعض في الجودة- يجعل الأفضل منها أولاً، ثم يؤتى بالثاني فوقه، ثم يؤتى بالثالث فوقه، فتكون الأثواب الثلاثة قد رصَّت على المكان الذي ينقل إليه، أو على فراش على الأرض، وكل واحد من الثلاثة يسمى ثوباً.

    فينقل الميت من موضع غسله، إلى هذه الأثواب الثلاثة، فتؤخذ اللفافة الأولى -أي: الثوب الأول الذي هو ثالث الأثواب من جهة الأخذ- فيثنى عليه الطرفان، فما كان في جهة اليمين، يؤتى به إلى اليسار، وما كان في اليسار يؤتى به إلى اليمين، ويصبح ملفوفاً في الثوب الأول، ثم يجعل فوق هذا الثوب الأول حنوط وطيب وكافور، ثم يؤخذ الثوب الثاني أي الوسط فيفعل به كذلك أيضاً، القسم الذي إلى اليمين يجعل إلى اليسار، والقسم الذي على اليسار يجعل إلى اليمين، وتكون تلك الأثواب الثلاثة زائدة عن طول الميت تتجاوز القدمين وتتجاوز الرأس، ويكون الجزء المتجاوز للرأس أطول من الجزء المتجاوز للقدمين، فلو جعلنا زيادة على القدمين عشرين سنتيمتراً، نجعل أربعين سنتيمتراً من جهة الرأس، ونأتي أيضاً بالحنوط ونجعله على اللفافة الثانية الذي هو الثوب الوسط، ثم يؤتى باللفافة الثالثة وهي الأخيرة وتكون أفضلها وأحسنها أي موضع تجملٍ للكفن، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم (من كفن أخاه فليحسن تكفينه) وجاء في هذا (من كفن مسلماً كان كمن كساه إلى يوم القيامة) وعلى هذا يؤخذ الثوب الثالث الذي هو الأخير، ويفعل به كذلك ويلف على الميت الطرف الأيمن يرفع ويجعل إلى اليسار، والطرف الأيسر يرفع ويجعل إلى جهة اليمين.

    إلى الآن أصبح الميت مندرجاً في ثلاثة أثواب، يؤتى بعد ذلك إلى جهة القدمين فتجمع تلك الزوائد بعضها فوق بعض، وقيل: تربط، وقيل: تلف، ثم توضع تحت القدمين، وكذلك من جهة الرأس، تجمع تلك الزوائد بعضها فوق بعض، وتلف من عند الرأس، وتثنى تحت رأسه، أو تربط حتى لا تنفك، حينما يحمل وحينما ينزل في القبر، وحينما يوضع على شقه الأيمن في اللحد، هذه كيفية تكفين الميت في الأثواب الثلاثة.

    تفصيل الروايات في كفن الرسول صلى الله عليه وسلم

    وهذا هو أصح الروايات في تكفينه صلى الله عليه وسلم، وهو أعدل الأقوال وأفضلها عند الجمهور، وقد اتفقوا على أنه عند الحاجة إذا اقتصر على لفافةٍ واحدة على هذا الوضع وسترته من رأسه إلى ظُفر قدمه أجزأت، يعني: أقل المجزء في الكفن ما يستره، والثلاثة هي أقل الكمال، وبعضهم قال هي نهاية الكمال، أي الأفضل.

    وكما يقول العلماء، لا ينبغي لأحد أن يزيد في الكفن على كفن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك روايات جاءت في كفنه صلى الله عليه وسلم سوى ذلك ولم تسلم من مقالات.

    ستجدون في كتب الحديث وفي حديث عائشة هنا (... ثلاثة أثواب سحولية من كرسف) الكرسف: القطن، سحولية: نسبة إلى قرية، وهي ثياب بيض، وهذا صفة الكفن أو أثواب الكفن وأنها من القطن.

    قولها هنا: (ليس فيها قميص ولا عمامة) يقولون ليس فيها: يعني في العدد، فهي ثلاثة فقط من غير أن نحسب القميص والعمامة، فيكون القميص والعمامة موجودين لكن ما عدتهم، أو ليس فيها: في جنسها، ولم يتجاوز الكفن الثلاثة الأثواب، والجمهور على أن ظاهر اللفظ ليس فيها -أي في الأثواب الثلاثة- قميص ولا عمامة، يعني ليس قميص وعمامة يكملان العدد، لا. بل القميص والعمامة منفية الوجود بالفعل.

    وسيأتي في بعض الروايات: (كُفِّن في قميصه الذي مات فيه) وفي روايات أخرى: (كفن في حلة حبرة) وفي بعض الروايات: (كفن في حلة لـعبد الرحمن بن أبي بكر ) ولكن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبين لنا تلك الروايات.

    أما موضوع القميص فقالوا: إنه جرد عنه، أي بعد ما غسل وسجي، وبعضهم يقول: موجود، والبعض الآخر يقول: أما الحلة فإن عائشة رضي الله عنها قالت (لقد جيء بالحلة فردوها) إذاً: عند الكفن جيء بالحلة لتجعل في كفنه، ولكن الذين قاموا بتكفينه صلى الله عليه وسلم ردوها، ولم يجعلوها في الكفن، وفي بعض الروايات: (فنشفوه بها، ثم ردوها) إذاً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبين قضية الحلة فيما يتعلق بالكفن وأنها فعلاً جيء بها، ولكن لم تكن في الكفن؛ لأنهم ردوها ولم يكفنوه فيها.

    وهناك من يقول أن النبي كفن في سبعة أثواب: الثلاثة الأثواب التي في حديث عائشة ، والقميص الذي مات فيه، والعمامة والحلة، والحلة من قطعتين، إذاً: مع هذه الروايات ومع توضيح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في خبر الحلة نعلم بأنه ما كان الكفن إلا ثلاثة أثواب.

    والذين يقولون بالقميص، يقولون: تجعل اللفافات اثنتين، ويؤتى بدل الثالثة التي هي الأولى أي التي تكون في الأعلى، والتي تكون كما وصفنا من القماش طول الإنسان مرتين، ويجعل فتحة في وسطه عند الثنية، ويدخل فيها الرأس ويثنى عليه طرفاها، كما يثنى الثوب على التفصيل المتقدم.

    ومن يضيف السروال، يقول: يؤتى أيضاً بقطعتين من القماش، ولكن يفتح كما تلك الفتحة ويدخل من الرجلين إلى الحقو، ويكون طرفا القماش واحدة تلف على الساق اليمني والأخرى تلف على الساق اليسرى دون أن تجعل مثل الكم للرجل، أي: لا يوجد خياطة، فعلى هذا الجمهور يقولون: (لا ينبغي التعمق ولا التزيد في الكفن ولا المغالاة) وكما ثبت في أصح الروايات في كفن النبي صلى الله عليه وسلم، الثلاثة الأثواب السحولية البيض التي ذكرتها أم المؤمنين رضي الله عنها.

    كفن المرأة والصغير

    بقي فيما يتعلق بالصغير والمرأة:

    قالوا: الصغير أي لفافة يلف فيها تجزئه، والمرأة يزاد فيها القميص والمقنعة، والخمار وثالث يلف على وسطها ويربط، فتكون في خمسة: الثلاثة الأثواب المذكورة، والخمار على رأسها وشعرها ووجهها، والثالث في وسطها يشد ويلف عليها، حفظاً لها وصيانة، هذا ما يتعلق بموضوع الكفن.

    حكم المغالاة في الكفن

    واتفقوا على أنه لا يجوز المغالاة في نوعية القماش، فلا نذهب إلى القماش الفاخر الغالي الذي صفته كذا، ونقول إكراماً للميت واعزازاً، لا. فكل ميت ليس أكرم من رسول الله على الله، ويكفي أنه كفن في هذه الثلاثة الأثواب البيض السحولية كما قالت أم المؤمنين عائشة .

    هناك اجتهادات للفقهاء رحمهم الله، في نوعية الثياب، على ما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر كفن أبي بكر رضي الله عنه.

    التبرك بثياب العبادة واتخاذها كفناً

    قالوا: لو أن إنساناً، تخير ثوباً يكون لكفنه من الثياب المعتادة، سواء أكان إزاراً ورداء أو قميصاً يلبسه، ثم لبسه ليصلي فيه عدة صلوات، ثم خلعه وركنه ليكون كفنه، وتكون صلاته فيه من باب التبرك ويشهد له، سئل أحمد رحمه الله عن ذلك قال: (لا بأس) وكذلك ما سيأتي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أعطى قميصه لـعبد الله بن عبد الله بن أبي من أجل أن يكفن فيه والده، هذا من سبيل التبرك أو على ما سيأتي العلة مع ابن أبي بأنه كان قد كسى العباس قميصاً حينما جيء به أسيراً من بدر ، سيأتي الكلام عليه في محله.

    لكن قالوا: لو أن الإنسان اختار ثوباً لكفنه وعمل فيه من القربات، ثم كفن فيه لذلك فلا مانع.

    وقد كان كثير من الحجاج قديماً يأتي بكفنه معه من بلده، وذلك لشدة الخوف وعدم الأمان فإذا مات في الطريق كان كفنه معه، وبعضهم كان إذا كتب الله له السلامة يغسله بماء زمزم، ويأخذه معه ويبقيه ليكفن فيه بعد أن غسل بماء زمزم، يفعلون ذلك للتبرك، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الحالات، من ذلك ما ذكر عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه في يوم بارد شديد البرد، أهديت إليه شملة، مثل الرداء على كتفيه، فقال رجل من الحاضرين (اكسنيها يا رسول الله! فأخذها وأعطاها إياه، فقالوا له بعد ما ذهب النبي: تطلبها من رسول الله وأنت تعلم أنه في حاجتها وتعلم أنه لا يرد سائلاً؟ قال: والله ما طلبتها إلا لتكون كفني) أي ليكفن فيها، وعلى هذا لا مانع أن يتخذ الإنسان الثوب في العبادة.

    ونعلم أيضاً ما كان في معتقد الجاهلية بقياس العكس، قبل الإسلام كانوا إذا أراد الإنسان أن يطوف وهو محرم، يعتقدون بأن الثياب التي عليهم ، شاركت وحضرت ما ارتكبوا من الآثام من سفك الدماء وأكل الحرام و.. و.. إلخ، فيعتقدون بأن من أراد أن يخرج من ذنوبه، يجب أن يفارق هذا الثوب عند الطواف؛ لأن الثوب قد دُنس بتلك الذنوب، فكانوا يطوفون عراة، إلا من كان عنده سعة، فيشتري ثوباً جديداً لم يلبس ولم يدنس بمعصية، فيطوف به، فإذا انتهى من طوافه، خلعه وجعله عند الكعبة، وكان لسدنة البيت، أو يأتي إلى شخص من سدنة البيت ويستعير منه ثوباً يطوف فيه، بناءً على أن سدنة البيت لا يرتكبون الذنوب فثيابهم طاهرة، إذاً كانوا يعتقدون بأن ملابسة الشر في الثوب تؤثر عليه، وكانوا يعتقدون بأن الثوب الذي لم يشارك في معصية، يكون أولى بطوافه، فما بالك إذا كان يشارك في الطاعة، نحن نذكر ذلك من تأثير المعتقدات في أثر الثياب الذي يشهد الخير والذي يشهد الشر.

    وعلى هذا ما ذكر عن أحمد رحمه الله تعالى حينما سئل عن الرجل يلبس الثياب ليصلي فيه ثم يجعله كفناً له، قال: لا بأس، لكن لا يطيل اللبس حتى يدنسه، أي يوسخه. لا؛ لأن السنة أن يكفن الإنسان في ثوبين أبيضين جديدين أو نظيفين غسيلين، كما يتعلق بالإحرام، فما ينبغي أن يبدأ إحرامه في ثياب مدنسة، إما أن تكون جديدة نقية، وإما أن يحتفظ به ويغسله ويحرم فيه كل سنة، فلا مانع في ذلك، هذا ما يتعلق بنوعية الكفن، والسنة فيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    هذا .. والله أعلم.

    1.   

    باب تكفين الميت بغير قميصه

    .

    حكم تكفين الميت في قميص غيره

    تعريف موجز بعبد الله بن أبي بن سلول ومواقفه

    قصة هذا القميص وعبد الله بن أبي بن سلول طويلة، ولكن أقول بإيجاز: عبد الله بن أبي بن سلول هو رئيس المنافقين، وكان أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين لنا خبره سعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة (ركب النبي صلى الله عليه وسلم ومر على مجلس فيه عبد الله بن سلول ، وفيه جماعة من المسلمين، وجماعة من المشركين، وجماعة من جماعة ابن أبي ، فلما مر من هناك عرض عليهم القرآن، فقال ابن أبي : يا هذا! والله إنه لكلام حسن لو كان حقاً، الزم رحلك، ومن أتاك فاقرأه عليه، فقال ابن رواحة : لا يا رسول الله! بل اغشنا به في مجالسنا وائتنا واقرأه علينا، فإنا والله نحبه، فتلاحى ابن رواحة ومن معه من المسلمين، وابن أبي وجماعته والمشركون وغيرهم، حتى أخذ صلى الله عليه وسلم يسكت في القوم ويهدئهم خشية الفتنة.

    ثم مضى صلى الله عليه وسلم حتى جاء إلى سعد بن عبادة ، فقال: ألا ترى ما فعل أبو الحباب ؟! -كناه- قال: ماذا فعل؟ فأخبره بما قال، وقال: يا رسول الله! اعذره؛ -وتأمل معي هذا الكلام!- فإنك جئت بما أعطاك الله من الحق، وكانوا قد اجتمعوا على أن يتوجوه عليهم ملكاً، ففات عليه ما كان يريد بالحق الذي جئت به)

    انظروا -يا إخواني- كيف تكون مراعاة النواحي النفسية، فبعد أن أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين، نجد هذا الصحابي الأنصاري الجليل يعتذر عنه.

    كان قبل أيام على وشك أن يُنصَّبُ ملكاً، فَسُلِبَ ملكه، فهو بهذا لا يحتمل شيئاً بل هو قد فاته الملك بمجيء هذا الدين.

    إذن: كان موقفه موقفاً حرجاً في ذاته وفي شخصه.

    ثم أسلم إسلام النفاق وهو باقٍ على دينه، يكيد للإسلام والمسلمين.

    وهو صاحب المقالة الشنيعة التي قيلت في عودتهم من غزوة بني المصطلق، حينما نزل المسلمون عند ماء، وتلاحى غلام لـعمر رضي الله تعالى عنه وغلام للأنصار على الماء، فغلب غلام عمر غلام الأنصار، فقال غلام الأنصار: يا للأنصار! وقال الآخر: يا للمهاجرين! فبلغت المقالة ابن أبي فقال: أوفعلوها؟!! والله! ما نحن وإياهم إلا كمثل القائل: سمِّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، غلام الأنصار سمع هذه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) فشغل الناس بأنفسهم، وحان وقت القيلولة -الوقت الذي ينامون ويرتاحون فيه- وواصل السير إلى الليل وإلى الغد، فقالوا: هذه حالة من رسول الله غير عادية، ما الذي حمله على ذلك؟ فعلموا ما قاله ابن أبي ، فذهبوا يعنفونه، فعلم أن الخبر وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء يعتذر: يا رسول الله! سمعت أنه بلغك أني قلت كذا وكذا والله ما قلت، هذا كلام كذب، ما قلت، الغلام يكذب عليَّ، يقول الغلام: والله كدت أن تنشق بي الأرض أن أكذَّب، فنزل القرآن بذلك: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا ... [المنافقون:8] إلى آخره. وهنا يقول الأصوليون: قضية القول بالموجب وهي قاعدة أصولية يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] لم يقولوا من هو الأعز ولم يقولوا من هو الأذل، لكن يزعمون العزة لمن؟ لأنفسهم، بصفتهم أصحاب الأرض وأصحاب المال، فنزل القرآن: (يقولون) ثم جاء القرآن وقلب عليهم القضية، وميز من هو الأعز ومن هو الأذل حقيقة: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] يبقى من هو الذي سيخرج الثاني؟ بمقتضى مقالتهم جاء الحكم عليهم، فجاء الوحي وصدق الخبر.

    مواقف عبد الله بن عبد الله بن أبي المشرفة

    عبد الله بن عبد الله صحابي جليل، وكان من أبر الأبناء بآبائهم -على نفاق أبيه- وكان براً بأبويه، لما حصلت هذه المقالة -وهي ليست بهينة- حينما وصلوا إلى المدينة جاء عبد الله ابن رئيس المنافقين ووقف على باب المدينة ، واستلَّ السيف حتى وصل أبوه، فمسك بزمام راحلته وقال: [والله لا تدخلنَّها حتى يأذن لك رسول الله، وتعلم أنك أنت الأذل وأن العزة لله ولرسوله] من الذي وقف لهذا المنافق؟ ولده.

    بلغ الخبر رسول الله أن عبد الله منع أباه أن يدخل، قال (مروه فليأذن له فليدخل) فدخل بإذن من رسول الله، وهذه تكفي، ملك الأمس يرده ولده حتى يعلم أنه الأذل وأن العزة لغيره، لمن؟ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].

    بعد فترة -وأنتم تعلمون أن مثل هذا ليس بسهل، ولا يمر بسلام، بل لا بد أن تكون له بقايا- أشيع .. -والشائعات دائماً تزيد المسألة قليلاً- أشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقتل ابن أبي لمقالته، هذه الإشاعة بلغت عبد الله ولده، ماذا يفعل، وهو أبر الناس بأبيه، أبوه يقتل غداً .. أيمنع أمر رسول الله أم ماذا يصنع؟ أمر محرج له جداً!!

    فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (يا رسول الله! بلغني -أو علمت، أو سمعت- أنك قاتل ابن أبي -لم يقل: أبي، حتى لا يقول أنه جاء يستعطف، من هو ابن أبي ؟- إن كنت فاعلاً لا محالة -يعني لست عافياً عنه- مرني أنا آتيك برأسه -قتل أبيه مصيبة، وأن يكون بيده مصيبة أكبر، فماذا فعل رسول الله إزاء هذه الشائعات- قال: لا يا عبد الله! دعه) وتركه ولم يقتله، هذا الولد مع أبيه في موقفه في منعه من دخول المدينة حتى يقر ويعرف، يعني: حطم التاج الموهوم الذي كان يتخيله في ذهنه، وأوقفه على باب المدينة ، ثم بعد ذلك هاهو مستعد بأن ينفذ أمر القتل لو صدر، أي مكافأة تكون لهذا الابن لو فعل ذلك؟ ماذا تقولون أينصب ملكاً بدلاً عن أبيه؟

    لم يعد هناك ملك، الأمر لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي خاطر عبد الله في أبيه، أما أبوه فهو الذي رجع بثلث الجيش في غزوة أحد.

    تكفين رئيس المنافقين في قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك

    إذاً: مواقف الأب لا نقول: إنها ليست مشرفة! لكنها مخزية، ولكن مواقف ولده مشرفة، من هنا لما مات أبوه جاء وقال (يا رسول الله! أعلم أن قميصك لن ينفعه إذ لم يكن مؤمناً، ولن يضرك إذا أعطيته إياه -انظر العقيدة!!- ولكن أعطنيه حتى لا تكون سُبَّةً علينا مدى الدهر) انظروا السياسة!! ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا هذا كان وكان، وهذا رجع بثلث الجيش، وهذا وهذا، هل عدد له مفاسده، أو أخطاءه؟ لا أبداً، بل رحب بذلك الطلب وأعطاه قميصه.

    وقيل: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال (أعطني القميص الذي هو شعارك -ليس الذي فوق بل الذي تحت- فخلعه صلى الله عليه وسلم وأعطاه إياه، وذهب وكفنه فيه) هنا بعض الناس يقول: وهل بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفع المنافق؟ وبعض الناس يقول: ما حابى عبد الله في أبيه المنافق، إنما كان يرد جميلاً، كان ابن أبي حينما جيء بأسارى بدر وفيهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان العباس وضيئاً وجسيماً، وكذلك ابن أبي ، يقولون كان طويلاً وضخماً، يعني: هيئة الملك موجودة فيه، فكسا العباس من ثيابه، فالرسول كافأ ابن أبي على ذلك القميص، يعني: ما كافأه إلا في ذلك الوقت؟! لو كانت مكافأة كانت في وقتها، بعد الغنائم التي جاءت، وكان يرد الجميل في حينه، ولكن نأخذ من هذا الرفق والرحمة، وإذا قلنا بمعنى المجاملة -وإن كان مجالها واسعاً لا نقدر أن نحدده- ولكن مراعاة وكرامة لهذا الابن البار المؤمن، صاحب المواقف الفاضلة الكريمة، الذي وقف تلك المواقف بجانب المسلمين ضد أبيه عدو الإسلام، ولا بأس بذلك، وكما قال عبد الله بنفسه (أعلم أنه لن ينفعه لأنه لم يؤمن، ولن يضرك، وإنما يرفع عنا سُبَّة الدهر) وكان ذلك مصانعة لـعبد الله في أبيه. والله تعالى أعلم.

    يهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز لـابن أبي أن يكفن في قميصه.

    إذاً: لا مانع أن يكون في الكفن قميص، ولكن يمكن يقال: إن ابن أبي لا يقاس عليه بقية المسلمين.

    والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    استحباب الكفن الأبيض

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي .

    هذا توجيه لنوعية ثياب الكفن ولباس الحي، وكما قالوا أيضاً: إن المحرم وهو في حالة الإحرام يكون في أحسن حالاته؛ لأنه متلبس بأفضل العبادات وخامس الأركان، فاستحب له أن يكون في إزار ورداءٍ أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين.

    استحباب الثياب البيض لطالب العلم

    جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: (أحبُ لطالب العلم بياض الثياب) هذه خصوصية لطلبة العلم، وقد يكون الإنسان صاحب مهنة لا ينفع معها لبس البياض، لكن -كما تقدم- تكون ثياب المهنة للمهنة، وثياب المجتمعات والمناسبات خاصة بها، فلا مانع في ذلك.

    ميزة الثياب البيض

    إن البياض قليل الحمل للدنس، فلو جاءت ذبابة ونزلت على الغترة البيضاء وتركت أثراً بسيطاً فإنه يظهر بوضوح عليها، لكن لو كانت الغترة أو الشماغ ملوناً وجاء ذباب الدنيا ونزل وعشش فيها لا يظهر فيها شيء.

    إن بياض الثياب قليل التحمل للأوساخ فأقل شيء يجيء عليه يظهر، فيكون عاملاً مساعداً على نظافته بصفة دائمة، وهنا التوجيه (البسوا من ثيابكم البياض) بصرف النظر عن نوعيتها: (كرسف) أو (كتان) أو أي نوع آخر ما لم يكن حريراً ولا من الممنوع لبسه.

    وقوله: (وكفنوا فيها موتاكم) وعلى هذا يستحب في حالة السعة وحالة التيسير أن يكون الكفن من الثياب البيض، أما في حالة الاضطرار؛ فالضرورات لا حكم لها -كما قيل- ولها ظروفها، ولا يقاس عليها حالات السعة واليسر.

    1.   

    باب تحسين كفن الميت

    وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم .

    إحسان الكفن يكون في طريقة العمل، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بـالبقيع فوجدهم يحفرون لجنازة، فوجد في القبر مَيلاً، فأمر بتعديله، وقال: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه) وجاء الحديث الآخر: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) ونعلم حديث جبريل عليه السلام في الإسلام، والإيمان، والإحسان، فالإحسان هو أعلى المراتب، والمراحل التي تنتاب العمل.

    ومن أجل الإحسان يقول المولى سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:1-2] لم يقل: أكثر أو أقل أو أنقص، بل قال: (أحسن عملاً). فكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن ..).

    والإحسان هنا -في حالة السعة- أن تكون اللفائف واسعة، وأن يُحكم لفها، حينما يأتي بالطرف الأيمن إلى اليسار، والطرف الأيسر إلى اليمين بأن يحكمها على جسم الميت، لا أن يلقيها إلقاءً بدون إحكام، لا، وكذلك إذا وضع الحنوط، وإذا أراد أن يلفها من عند رأسه، ومن عند قدميه فيحسن ذلك، وكما جاء الأثر: (من كفن أخاه كان كمن كساه إلى يوم القيامة).

    إذاً: ينبغي لمن كفن الميت أن يحسن عمل التكفين بإتقان اللفائف عليه، ويحسن الحنوط، كذلك إذا كان هناك ثياب قديمة، رثة، وثياب نظيفة جديدة، فمن الإحسان أن يختار له النظيف الجديد، ولا يبخل عليه.