إسلام ويب

كتاب الجنائز [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من إكرام الميت أن يغسل بعد موته، فلا يدخل قبره إلا طيباً، وهذا التغسيل واجب على الأحياء بالقدر الذي يطهر به بدن الميت، ويكون على الصفة الواردة في السنة في الرجل أو المرأة.

    1.   

    غسل الميت المحرم

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي سقط عن راحلته فمات (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه) متفق عليه.

    حكم الغسل والتطيب وتخمير الرأس لمن مات محرماً

    يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب -كتاب الجنائز- أن رجلاً سقط عن راحلته فوقصته فمات، فقال صلى الله عليه وسلم (غسلوه وكفنوه ولا تخمروه ولا تحنطوه وكفنوه في ثوبين) والرواية الأخرى: (في ثوبيه) .

    هذا الحديث يسوقه المؤلف رحمه الله تعالى من قصة مشهورة، ذلك أن هذا الرجل كان محرماً وواقفاً بـعرفات ، فسقط عن راحلته، فوقصته راحلته -أي: رمحته- فمات وهو محرم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعامل معاملة الموتى بأن يغسل ويكفن، ثم نهى عن إلحاق هذا المحرم بعامة الموتى، وألا يقرب بما لا يجوز للمحرم من جانب الطيب وتخمير الرأس، واستدلوا على أن الوجه من الرأس؛ لأن بعضهم يذكر: (ولا تخمروا رأسه ووجهه) والخلاف في ذلك عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نام وهو محرم خمر وجهه، والجمهور على أنه لا يخمر الرأس ولا الوجه، فقد جاء في الحديث: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وهذه التتمة تبين العلة في سبب النهي عن تغطية الرأس، وكذلك النهي عن الطِيب كما ينبغي التنبيه في الوقت الحاضر على ما يقع من حوادث السيارات -عافانا الله وإياكم- لبعض الحجاج، أو المعتمرين، وينتج عن ذلك الوفاة، فنجد البعض يجهز هذا الميت المحرم، ثم يكفنه ويغطي الرأس ويحنطه كما يحنط الموتى، وهذا لا ينبغي؛ لأن من مات قبل أن يقضي نسكه فإنه يعامل معاملة المحرم الحي، من حيث اجتناب الطيب، وعدم تغطية الرأس.

    وقال بعض العلماء: إن هذه إكرامية للمحرم، مثلما أن الشهيد لا يغسل ولا يذهب عنه الدم؛ لأنه يكون شهادةً له عند الله؛ كما جاء في الحديث: (يبعث يوم القيامة، اللون لون الدم والريح ريح المسك) فقالوا كذلك من مات متلبساً بعبادة فإنه يبعث يوم القيامة عليه أثر تلك العبادة، والله تعالى أعلم.

    إذاً من مات وهو محرم يغسل ويكفن.

    صفة الكفن لمن مات محرماً

    قال في الحديث: (وكفنوه في ثوبيه) بالإضافة إليه، والمحرم ثوباه الإزار والرداء، فبدأ المؤلف أيضاً ليبين بأنه يمكن الاكتفاء في الكفن بثوبين، وكلمة (ثوب) هنا مجاز، ولكن قالوا: هذا لباس المحرم، ويكفن فيهما ما دام يمكن ستره في ذلك من قدمه إلى رقبته.

    وجاء في رواية أخرى: (في ثوبين) وروايتان: (في ثوبين)، (وفي ثوبيه) لا مغايرة بينهما، ولكن (ثوبيه) إشعار بأنه يكفن في هذا اللباس الذي خالط جزءاً من تلك العبادة، فهو أولى من ثوب جديد لم يشارك في تلك العبادة بشيء، كما في وصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن يكفن في ثوبه، ويؤتى بثوبين آخرين ويكفن فيها، فقالوا: ربما أوصى بذلك لخصوصيةٍ في هذا الثوب، إما أن يكون قد شهد العبادات معه، وإما أنه كان قد أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون تبركاً، أو غير ذلك على ما سيأتي الكلام عنده.

    ويستدل أيضاً بقوله: (بثوبيه) أنه كفن في ثوبين ليس فيها قميص، ولا عمامة، كما جاء عن أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة، وسيأتي الكلام عليه، (ليس فيها) أي: ليس في العدد ثلاث وتكون العمامة والقميص زيادة عن الثلاث، ولكن ليست معدودة فيها، أو ليست فيها بالكلية، فلم يعمم ولم يلبس قميصاً، بل في ثلاثة أثواب. وسيأتي بيان الكفن في ثلاثة أثواب أو في أكثر من ذلك عند النصوص الأخرى إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.

    المحرم الميت يبعث ملبياً يوم القيامة

    في الحديث أن هذا الميت قد مات وهو متلبس بهذه العبادة، فإذا بعث يوم القيامة بُعث ملبياً، وفي ذلك إشعار بأنه إظهار لعمله يكون ذلك كرامةً له، وامتداداً لعمله في الدنيا، ويكون في ذلك إمتاعاً له بأنه يلبي كما كان يلبي في الدنيا.

    وقد يقول قائل: التلبية عبادة، والعبادة تكليف، والآخرة ليست فيها عبادة ولا تكليف، فكيف يلبي؟

    ويجاب عن ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى أهل الجنة في الجنة ما تشتهيه الأنفس، فلو أن إنساناً في الجنة اشتهى أن يصلي ركعتين فإن الله يعطيه الصلاة؛ لأنه من توابع إرضائه وإكرامه لعبده، ولو أن إنساناً تمنى أو اشتهى أن يقرأ القرآن فإن الله يعطيه أيضاً قراءة القرآن، وقد يؤيد ذلك ما جاء في الحديث: (يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق) (اقرأ) (ارق) هذا تكليف، لكن الغرض منه ليس القراءة، ولكن إلى حيث ينتهي في قراءته ينتهي رقيه في درجاته في الجنة.

    إذاً قد تكون هناك قراءة قرآن أو صلاة في الجنة، لا على التكليف بالثواب والعقاب في الامتناع، ولكن تتمةً أو إرضاءً أو إكراماً أو تحقيقاً لما تشتهيه الأنفس، حتى قال بعض العلماء: لو اشتهى الفلاحون أن يزرعوا لمكَّنهم الله من أن يزرعوا ويحصدوا ... إلى غير ذلك من الأقوال.

    إذاً المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً إكراماً له وإتماماً لعمله وقد يكون إرضاءً له فيما تشتهيه نفسه أن يكمل نسكه، وإن كانت بقية المناسك قد انتهت، وليس هناك مكانٌ لها. والله تعالى أعلم.

    1.   

    تغسيل رسول الله بعدما قبض

    اختلاف الصحابة في تجريده من ثيابه أثناء غسله عليه السلام

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا أم لا؟.... الحديث) رواه أحمد وأبو داود .

    يأتي بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بأنهم لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي بعدما قُبض صلى الله عليه وسلم- وأخبرتنا رضي الله تعالى عنها بأنه خُير فقال: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى) فالصحابة عندما أرادوا أن يغسلِّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترددوا فيما بينهم، فهم يعلمون من حالة الموتى أن يجردوا من الثياب ويغسلوا، وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم سجي ببرد حبرة -والتسجية: التغطية من الرأس إلى الظفر- والتسجية عادةً تكون بعد تجريد الميت من ثيابه العادية، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجردوه في تلك الحالة، بل سجي مع ثيابه.

    والصحابة يعلمون أن من حالات الموتى عموماً أن يجردوا ويغسلوا، ومع التجريد يجعل على العورة ما يسترها، وكان الحاضرون من ذوي القرابة المعروفون بالأمانة، … إلخ، فتهيبوا أن يجردوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هل سنة نبينا كسنة بقية الموتى في التجريد والتغسيل، فنغسله كما نغسل الموتى؟ إن كان الغسل للنظافة فهو أنظف الناس، وإن كان للطهارة فهو أطهر الخلق، وإن .... إلخ، أم ماذا؟ هل له خصوصية؟ فترددوا؛ لأنه ليس عندهم سنة في ذلك ولم يسبق لها نظائر، ولم يسبق لهم من سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً يخبرهم به.

    والواقع -يا إخوان- أنه وقع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ذلك اليوم اختلافٌ وترددٌ في ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: عندما اختلف الصحابة في تجريد الرسول من ملابسه فجاءهم الحل كما يقول الحديث: (فألقى الله على الحاضرين جميعاً النعاس، ولم يبق أحد منهم إلا وذقنه في حجره -ناموا جميعاً، سبحان الله!- ثم سمعوا من يخاطبهم من جانب البيت ولا يعلمون من هو) هل نستطيع أن نفسر هذا أم لا نستطيع؟

    لا شك أنه ملكٌ أرسله الله سبحانه وتعالى يخبرهم، فسمعوا من يقول لهم ولم يعلموا من هو: (غسلوا رسول الله ولا تجردوه) كان من الممكن أن يعفى من التغسيل كما يعفى الشهداء؛ لأن الشهيد لا يغسل، وهو سيدهم وإمامهم، ولكن لما التبس الأمر جاء بالأمرين: الغسل، وعدم التجريد: (غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجردوه)

    فغسل صلى الله عليه وسلم من فوق القميص، والمغسل يحرك يده فوق القميص، وغسله علي ، والفضل بن العباس ، وأسامة بن زيد ، وكان العباس حاضراً ولم يشارك، وهؤلاء خاصته وآل بيته، فغسل صلوات الله وسلامه عليه من فوق القميص دون أن يجردوه، هذه واحدة.

    اختلاف الصحابة في موضع دفنه عليه السلام

    الحالة الثانية: لما أرادوا مكان القبر قالوا: أين ندفن رسول الله؟ هل نرده إلى مسقط رأسه مكة عند إسماعيل، أو نرده إلى الشام عند أبيه إبراهيم، أو نرفعه إلى مقبرة موتى المسلمين في البقيع ، أم ماذا نفعل؟ حتى قال الصديق رضي الله عنه: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض الله روح نبي إلا في المكان الذي يدفن فيه) يعني: إذا أريد دفنه لا ينقل من مكان موته إلى مكان آخر؛ لأن الله سبحانه وتعالى اختار له المكان الذي يدفن فيه ويقبض روحه فيه، فعزموا على أن يدفن في مكانه الذي قبض فيه وهو حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.

    اختلاف الصحابة في نوع دفنه عليه السلام

    الحالة الثالثة: عرفنا كيفية الغسل، وتعين مكان الدفن، بقي نوع الدفن، وكان في المدينة طريقتان: طريقة الشق، وطريقة اللحد.

    والشق هو: أن يحفر وينزل بعمق في الأرض إلى مستوى -كما يقولون- صدر الرجل العادي، فيوضع الميت في هذا الشق، ويبنى عليه باللبن على هيئة العقود? ثم يهال التراب فوق تلك اللبنات.

    أما اللحد: فبعد أن ينزلوا بالحفر إلى المستوى المطلوب يأتون إلى أحد الجانبين في القبر -وغالباً يوضع الميت على شقه الأيمن ما بين الغرب والشرق في المدينة والقبلة أمامه- فيحفرون من جانب القبر الشمالي بقدر ما يسع جسم الميت، ويدخلونه تحت هذا اللحد المائل، وإذا ما أدخلوه في هذا اللحد وصار مسامتاً لحافة القبر في الشق، سدوا هذا اللحد باللبن، وأصبح الشق خالياً والميت تحت الأرض من جهة ما ألحدوا له، ثم أهالوا التراب في الحفرة على ما كان.

    وهنا قالوا: ماذا نفعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشق له شقاً، أم نلحد له لحداً؟ لأن الحالتين كانتا موجودتين في المدينة ، بعد أن فكروا في هذا -وليس عندهم أيضاً خبر يقفون عليه ليعملوا بمقتضاه- قالوا: أرسلوا رسولاً للذي يشق ويدفن في الشق، وأرسلوا رسولاً للذي يلحد ويدفن في اللحد، أيهما جاء أولاً يبدأ في الحفر، فجاء صاحب اللحد، فلحدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تعيين مكان قبره عليه السلام

    وإلى هنا -أيها الإخوة- يكاد يكون إجماع الإجماع -يعني فوق الإجماع بإجماعٍ آخر- تعيين مكان قبره صلى الله عليه وسلم، ولذا يقال: لا يُعلم على سبيل الجزم على وجه الأرض قبرٌ معين بذاته سوى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الأنبياء وجميع الرسل لا يُعلم بالتحديد، قد يقال: هذا قبر الخليل، وهذا قبر يوسف، وهذا قبر فلان، وهذا قبر كذا، لكن على سبيل التعيين لا على سبيل اليقين، بخلاف قبره صلى الله عليه وسلم فهو على التحديد يقيناً في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.

    ثم جاء الصديق رضي الله تعالى عنه، وجاء الفاروق رضي الله تعالى عنه وعُينت أيضاً مواقع القبرين الشريفين من قبره صلى الله عليه وسلم، من أن قبر أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وينزل إلى جهة الشرق بحيث يكون رأس أبي بكر عند كتف النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عمر وراء أبي بكر ووضع رأس عمر تحت كتف أبي بكر بقليل.

    وضعوا بهذا الترتيب حتى لا يكونوا على قدم المساواة، وبهذا تتعين هذه القبور الثلاثة يقيناً جزماً بدون أي ريبٍ ولا شك.

    حكم تغسيل الميت

    يهمنا في موضوع الباب: أنهم عندما سمعوا من يقول لهم (غسلوه ولا تجردوه) فأصبح الغسل هنا واجباً، وهو فرض كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقد نجد من يورد بأن الغسل سنة وليس بواجب، ولكن كما قال بعض العلماء: إذا لم يكن واجباً فلماذا هو سنة؟ قالوا: للتطهير والتنظيف -على ما سيأتي (وجعلنا فيه سدراً وكافوراً) ولكن يقول بعضهم: إذا كان سيد الطاهرين، وسيد الطيبين قد غسل ما قيمة الكلام والخلاف في ذلك؟

    إذاً: غسل الميت واجبٌ وهو فرضٌ كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.

    أولى الناس بتغسيل الميت

    من أولى الناس بتغسيل الميت:

    نجد هناك من يقول: إن كان قد أوصى بأن يغسله شخصٌ بعينه لا مانع، والفكرة العامة أن يكون أولى الناس به آمنهم وأتقاهم؛ لأن الميت بين يديه أمانة، وقد يوجد من الميت ما لا يحب الميت لو كان حياً أن يرى منه، فينبغي على من يغسل الميت أن يكون أميناً لا يفشي سر الميت، وهذا لا يكون إلا ممن كان أولى الناس به.

    ومن الناحية التكليفية، أو ناحية الجواز قالوا: أولى الناس بتغسيل الميت الزوجان أحدهما للآخر، الزوج يغسل زوجته، والزوجة تغسل زوجها، على خلاف عند الأحناف، وأما الحنابلة فقالوا: هو يغسلها وهي لا تغسله؛ لأنها لو قدر بأنها في الحياة وفارقها فإنها في العدة، وفي العدة تكون تابعة للزوجية، والآخرون قالوا: العكس، والأحناف قالوا: إنه بالموت انقطعت الصلة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة نقلية وعقلية.

    أما انقطاع الصلة فليس بصحيح؛ لأن الميراث عقب الوفاة بصلة الزوجية، ولأنه جاء عنه صلى الله عليه وسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رجع النبي صلى الله عليه وسلم من جنازة بـالبقيع فمر عليَّ فقلت: وارأساه، قال: بل أنا يا عائشة وارأساه، وماذا عليكِ لو مت قبلي فقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ ودفنتكِ) فهذا نصٌ صحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم يغسل زوجه، وجاء عنها رضي الله تعالى عنها قالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا نساؤه).

    وجاء عن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر رضي الله تعالى عنهما لما توفي وغسلته هي وخرجت على الناس في يومٍ شديد البرد فقالت: (ماذا ترون، هل عليَّ من غسلٍ وقد غسلت أبا بكر ؟ قالوا: لا. ليس بواجبٍ عليكِ) وقد جاء في ذلك حديث متكلم فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) فـأسماء أخبرت بأنها غسلت زوجها، وهذه أم المؤمنين تقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا زوجاته) وهو صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة (وماذا عليكِ لو متِ قبلي وقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ) فهذا منه صلى الله عليه وسلم لزوجه.

    إذاً: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى غسله خواص آل بيته. ابنا عمه علي رضي الله تعالى عنه، والفضل ، وأسامة حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، والعباس عمه كان حاضراً، ولهذا قالوا: يغسل الميت أولى الناس به، وإذا لم يكن من أهل الميت من يحسن تغسيل الميت؛ لأنه في بعض البلاد لا تجد في القرية بكاملها من يحسن تغسيل الميت إلا شخصاً واحداً أو شخصين، والبقية لو مات عندهم ميت لا يعرفون كيف يغسلونه، وهذه من المشاكل.

    إذاً: يتعين على كل مسلم ما دام أنه واجب كفائي أن يتعلم تغسيل الميت؛ لأنه قد يصادف أنك تجد ميتاً فيكون متعين عليك أنت غسله، أو كان هناك ميت ولا أحد يحسن التغسيل، فكن أنت متعلماً عارفاً، وعلى هذا سيأتي بيان كيفية تغسيل الميت في تغسيل ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    باب كيفية غسل الميت

    .

    عدد غسلات الميت

    وعن أم عطية رضي الله عنها قالت (دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور)

    يأتي المؤلف رحمه الله -بعدما قدم لنا ما يتعلق بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم في غسله وعدم تجريده- بما يتعلق بغسل عامة المسلمين، ويأتي بحديث أم عطية رضي الله تعالى عنها، قالت: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته). فهل معنى قولها: (دخل علينا) أي: عندها، ينظر إليها وهي تغسل؟! لا، بل معنى (دخل علينا) يعني البيت الذي نحن فيه، فقال لهن:

    (اغسلنها -كم؟- ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً إن رأيتن ذلك) وهي بعض الروايات أو أكثرها، وهي دليل بعض العلماء حيث يقول: السنة في تغسيل الميت هو تغسيله ثلاثاً، وهذه السنة في الطهارة للحي، وسنة الوضوء التثليث، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه توضأ فغسل مرةً مرة -غسل كفيه مرة، وتمضمض مرة، واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، ويده اليمنى مرة… وهكذا- وقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل الله صلاةً بدونه. -فلا يصح الوضوء بأقل من مرة- ثم توضأ فغسل مرتين مرتين، ثم قال: هذا وضوء الأنبياء قبلي، ثم توضأ وغسل ثلاثة، فقال: هذه سنتي)

    فتثليث الغسل في الوضوء وغسل الجنابة بأن يفرغ الماء عليه ثلاث مرات -على ما جاء في تفسير الغسل فيبدأ بما ينبغي إزالته، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر… إلخ ثلاث مرات.

    وهنا قال لـأم عطية ومن معها: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً) . يقول بعض العلماء: خمسة أو سبعة تكريم أو أفضلية أو موجب، قالوا: لقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن رأيتن) ، كأن الزيادة عن الثلاث مرهونة برأي من يتولى التغسيل، على ما يطرأ له حتى يزيد، المهم أن يكون الغسل وتراً: ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً، قالوا: إذا غسلوا الميت ثلاثاً ثم كان في حالة ربما خرج منه شيء يحتاج إلى غسل؛ فيعيدون الغسل ويزيدون رابعاً وخامساً؛ فإذا انتهوا ثم رأوا شيئاً آخر، ورأوا أن يزيدوا في الغسل إكراماً للميت وأداءً للواجب، زادوا غسله وتراً بحيث تصير سبعاً… وهكذا، لقوله: (إن رأيتن ذلك).

    الحد الأدنى للغسل

    إذاً: الحد الأدنى كما يقول بعض العلماء: ما يؤدي الواجب غسله وهو واحدة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال هنا (اغسلنها ثلاثاً) فنقول: ثلاثاً، وجعل الزيادة عن الثلاث لرأي الذين يقومون بعملية الغسل، إذا اقتضى حال الميت أن يزاد في غسله مرة أو مرتين زيادة عن الثلاث إلى خمس أو سبع، ولا يزيدون عن السبع كما يقول البعض، ثم بعد ذلك يتولون ويدبرون أمرهم بما يمكن عمله.

    وللعلماء والفقهاء تفصيلات فمن أراد الاستزادة فليرجع لها في كتب الفقه. واستعمال الطين الحلو، والقطن، والكافور ... إلى غير ذلك في تلك المواطن.

    مادة السدر وحكم قلع شجرها

    ثم قال صلى الله عليه وسلم (واجعلن فيه سدراً) السدر: هو شجر النبق، والمراد بالسدر الورق، وهنا تكلم الفقهاء عن حكم الماء الذي خلط بالسدر، وكيف نعمل بالسدر؟ فبعضهم قال: يفرك باليد حتى يكسر، وبعضهم قال: يدق، وبعضهم قال: يجعل في الماء ويخبط خبطاً شديداً، والسدر من طبيعته أن يخرج رغوة، وهو من أدوات التنظيف، وبعضهم يقول: السدر فيه بركة، وجاء عند ابن ماجة النهي عن قلع شجرة السدر، إلى غير ذلك.

    بعض خصائص السدر

    ذكر ابن القيم رحمه الله في باب فك السحر أن من أخذ عن زوجه أو ظهر به سحرٌ فليأخذ سبع ورقات من سدرٍ ويدقها بين حجرين، ثم يجعلها في ماء ويخبطها ويغتسل به، ثم يكرر ذلك من ثلاث إلى سبع وسوف يفك الله عنه السحر.

    إذاً: للسدر خصائص.

    هل الماء المخلوط بسدر يجزئ في الوضوء؟

    وأما كلام الفقهاء عن جعل السدر في الماء، أي: الماء إذا كان مخالطاً هل يرفع حدثاً؟ أو أنه يصبح متغيراً طاهراً غير طهور؟ ويقولون في الماء الطهور: هو ما بقي على خلقته في لونه وطعمه وريحه، ونحب أن نقول للإخوان بأن أوراق السدر لا يغير صفة من صفات الماء، لا ريح له، ولا طعم فيه، ولا لون.

    قاعدة حول تغير الماء بالمجاورة أو المخالطة

    إذاً فالسدر من المجاور لا المخالط، والفقهاء عندهم قاعدة: إذا تغير الماء بمجاور فلا يسلب الماء حكم الطهورية، وإذا تغير بمخالط سلبه، ومثال هذه المجاورة: لو أن هناك -كما يقولون- غديراً صغيراً وعليه أشجار، فتساقط ورق الشجر فيه، فتعفن، هذا الورق لم يخالط الماء ولم يمتزج بذرات قطرات الماء، ولكنه بجواره فتغير برائحته، قالوا: هذا متغير بمجاور وليس بمخالط فلا يسلبه الطهورية.

    وقالوا كذلك في النفط، لو وقع القاز في الماء فلا يسلبه الطهورية، وكذلك لو وقع الأزفلت، وكذلك الكافور، فإنه لا يذوب في الماء، وجميع الزيوت لا تذوب في الماء، إنما تكون على وجهه، أو في جانب من جوانبه، ولا تمتزج بالماء أبداً، إلا بطريقة معينة يعرفها أهل الاختصاص في الصيدلة لها طريق خاص، فعلى هذا قالوا: الماء المتغير بمجاور لا يسلبه الطهورية.

    إذاً: النقاش في كون السدر في الماء عند غسل الميت يسلبه الطهورية ويجعل الغسل للنظافة لا محل له أبداً, فسيد الخلق صلى الله عليه وسلم أنظف الناس، وقد غسل على تلك الحال.

    وهناك من يقول: الأمر تعبدي؛ لأننا لا ندري ما الحكمة، وكونه يقول (اجعلن في الأخيرة كافوراً) لماذا خص الكافور بالأخيرة؟ الآن له رائحة؟ ورائحته نفاذة قوية، كما يقولون: عطر طيار يطير في الهواء، لو تركت قطعة دهن الكافور معراة للهواء فإنك بعد فترة لا تحصلها، مثل (النفثالين) الذي يضعونه لحفظ الصوف، لو تركته لتبخر مع الهواء، فيقول بعض العلماء: إنما جعل في الأخيرة بعد أن استوفى الغسل المشروع بغسلات ماء طهور.

    وبعضهم يقول: لأن الكافور له خصوصية تتناسب مع حالة الميت، منها: أنه يلين الجلد، ومنها: أنه يحفظ الجلد من التأثر، ومنها: أن رائحته لا تقوى عليها الحشرات، فلو تأخر دفن الميت وقد جعل في تغسيله كافور فلا تقربه الحشرات، لا نمل ولا ذر ولا شيء يقترب منه؛ لأن رائحة الكافور تطردها.

    إلى غير ذلك من التعليلات التي من أجلها جعل الكافور في غسل الميت وفي الغسلة الأخيرة. والله تعالى أعلم.

    نقض شعر الميت إذا كان له ظفائر

    ثم قالت (ثم ظفرنا شعرها ثلاثة قرون) وفي بعض الروايات (فنقضنا شعرها) أي: أنه كان مظفوراً، وصار شعراً مرسلاً، وبعد أن غسِّل وسرِّح ورجِّل ظفرنه ثلاث ظفائر.

    فهنا يقول العلماء: إذا كان الميت رجلاً أو امرأة وله شعر مظفر -بعض أهل البادية قد يعنى بشعره- وكان له ظفيرتان كظفيرتي المرأة، أو ظفيرة واحدة، فإذا كان للمرأة شعرٌ مسترسل ومظفر نقض، ومن المعلوم أنه في غسل المرأة من الجنابة لا تنقض المظفور، بل تجمعه بين كفيها وتضغطه حتى يتخلل الماء بين الشعر، أما في غسل الحيض فإنها تنقضه.

    وهنا تقول أم عطية رضي الله تعالى عنها: (فنقضنا شعرها).

    إذاً: غسل الميت آكد من غسل الجنابة؛ لأن نقض الشعر لا يكون في غسل الجنابة، ولكن يكون في غسل الحيض.

    تظفير شعر المرأة بعد غسلها

    ثم بعد ذلك ظفرنه، وهذا يذكرونه خلافاً للأحناف الذين يقولون: إنه لا يظفَّر بعد الغسل، ويلقى على وضعه الطبيعي من جوانبها، أو من خلفها، أو من أمامها؛ حتى ولو على وجهها، ويقولون: هذا فعل صحابية ولا نص عليه من رسول الله، ولكن يقال: لم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وكذلك الحاضرات ما أنكرن عليها، وإذا كان الأمر يدور بين اجتهاد شخصٍ عادي، وبين فعل صحابية أو صحابيات، فالأولى الأخذ بقول الصحابية أو الصحابيات، كما هو معلوم عند الأصوليين، أن قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف فهو أصل يتبع. والله تعالى أعلم.

    استحباب البداية في غسل الميت بالميامن ومواضع الوضوء

    وقال في الحديث (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها)

    التيامن مطلوب في كل شيء، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي تعالى عنها (أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في كل شيء) فكان يتيامن في لبس النعلين، ويتيامن في لبس القميص فيدخل يده اليمنى، ويتيامن في أول نومه فينام على شقه الأيمن، ويتيامن في أكله الطعام وتناول الشراب بيده اليمنى، ثم قالت (وفي شأنه كله)

    وهنا قال صلى الله عليه وسلم (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها) وهذه سنة -أيضاً- في غسل الجنابة والحيض، فقد تقدم معنا في باب الغسل أن الإنسان لا يفيض الماء على جسمه مرة واحدة، ولكن يبدأ -كما في غسل الجنابة- بغسل فرجه، ثم يضرب يده بالتراب في الأرض، ثم يتوضأ، وجاء في بعض الروايات (وضوءه للصلاة) وجاء في بعض الروايات: ويؤخر غسل قدميه حتى ينتهي من إفاضة الماء، ثم يتحول من مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر؛ فيغسل قدميه.

    إذاً: الوضوء مقدمةٌ للغسل، فهنا أمرهن أن يوضئنها، أي: يبدأن في تغسيلها بالوضوء، وعند الغسل يبدأن بالميامن، ثم يكملن الغسل على ما بين لهن، ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر، قال: (إن رأيتن ذلك) .

    ثم قال (فإذا فرغتن فآذنني) من آذن يؤذن، والإذن كله راجع في اللغة إلى مادة الأذن؛ لأن اللغة أول ما توضع توضع للمحسوسات المادية، ثم تنقل إلى المعنويات.

    قالت (فلما فرغنا آذناه، حقوه) أي: الإزار الذي على الحقو، والحقو هكذا، محل عقد الإزار، ثم قال (أشعرنها به) وهذا منه صلى الله عليه وسلم عطفاً عليها، وشفقة بها، والتماساً لبركته معها؛ لأن هذا الحقو قد خالطه، وقد يكون مس من عرقه أو غير ذلك... إلخ، على ما سيأتي في أمر بن أبي ، وهذه ابنته رضي الله تعالى عنها زينب ، وعطفه على ابنته لا شك فيه، ففعلن وأشعرنها، أي: اللباس يكون قسمين: شعارٌ ودثار، كما جاء في حديث الأنصار لما رجعوا من فتح مكة ، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فبلغته مقالة؛ فجمعهم، ثم قال (ما مقالة بلغتني عنكم يا معشر الأنصار؟! أتأخذون عليَّ في لعاعة من الدنيا أتألف بها قلوب أقوامٍ، إني لأعطي أقواماً أتألفهم على الإسلام، وأترك أقواماً لما وقر في قلوبهم من الإيمان، والله يا معشر الأنصار! لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، لو سلك الناس وادياً وطريقاً، وسلك الأنصار وادياً وطريقاً، لسلكت وادي الأنصار وطريقها)

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار شعار) . الشعار: هو الثوب الذي يلاصق شعر الجلد على الإنسان، والدثار هو ما يتدثر به فوق الثياب، كالمشلح، أو العباية، أو البالطوا، أو أي شيء آخر، هذا دثار يتدثر به، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] أي: المتغطي، والدثار هو الغطاء فوق اللباس.

    فأشعرنها إياه، وكما أشرنا أن هذا من رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته ورغبته في إنالة ابنته البركة...