إسلام ويب

كتاب الجنائز [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أصابته مصيبة، أو مات له قريب، فليتذكر مصابه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها مصيبة عظيمة، وفيها من العبر والعظات ما يذكر المرء بحقارة الدنيا. وقد استنبط الفقهاء من حادثة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في أبواب الجنازة. ومن الأمور التي لابد للمسلم من الاهتمام بها، قضاء دينه قبل موته أو الوصية بذلك، ودين الميت تتعلق به أحكام وضح الشيخ حفظه الله كثيراً منها في هذه المادة.

    1.   

    باب تسجية الميت

    شرح حديث استحباب تسجية الميت

    عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة) متفق عليه.

    ننتقل إلى شرح هذا الحديث وهو إخبار أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض سجي ببرد حبرة، والتسجية هي: التغطية، بـ(برد حبرة): هو نوع من نسج اليمن فيه خطوط، وكانت -كما يقول بعض العلماء- من أحب أنواع اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والسنة في الميت أن يُسجى من قدمه إلى شعره، بحيث يُغطى جميعه؛ وذلك أستر له وأوقى وأحفظ، سواء سجي ببردٍ، أو سجي بقطن، أو سجي بصوف أو بأي شيء موجود -ما لم يكن الحرير؛ فإنه محرم على الرجال.

    شرح حديث: تقبيل أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته

    وعن عائشة: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، رواه البخاري .

    هذا الأثر ساقه المؤلف رحمه الله في باب الأحكام، وهو يدل على جواز تقبيل الميت بعد موته، وهذا موقف تتحكم فيه العاطفة؛ لأنها أواخر لحظات الميت من أهله، والعاطفة تدفع أهل الميت لتوديع صاحبهم؛ فلا مانع أن يقبل الإنسان الميت في الموضع الذي قبل فيه النبي أبو بكر رضي الله تعالى عنه.

    بل في الموطن هذا -أيضاً- حديثٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قبل عثمان بن مظعون وقال: أخي، وقال: رحمه الله) ... إلخ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه فعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت نصوص في صفة ذلك بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عينيه ثلاثاً، وقبل رأسه ثلاثاً، إلى غير ذلك.

    وهذا المشهد في الواقع لا يكفي أن يمر عليه الإنسان، ولكن لابد أن يعرف دواعي هذا التقبيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما آنس الوجع، تقول عائشة (كان صلى الله عليه وسلم يمر بي -أي: في غير نوبتها- فيقول كلمة ينفعني الله بها -سواء مؤانسة في الدنيا، أو تنبيهاً للآخرة- فمر مرةً فلم يقل شيئاً، ومر ثانية فلم يقل شيئاً، فأخذت في نفسي؛ فقلت: يا جارية! قدمي الوسادة عند الباب، وشددت عصابة على رأسي -استدراراً للعطف- فمر فرأيته؛ فقلت: وارأساه؛ فقال: يا عائشة ! وارأساه أنا، وتكلم خيراً وذهب، ثم نزل به المرض، ثم استأذن أن يكون عند عائشة رضي الله تعالى عنها)

    ثم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وقال في أول الأمر: (مروا من حضر للصلاة، فأمروا عمر، ولم يكن أبو بكر موجوداً، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت عمر حينما كبر، فرفع الستار وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر -ثلاث مرات- ثم جاء بعد ذلك أبو بكر ، وأخذ يصلي بالناس)

    كم صلى أبو بكر رضي الله عنه؟

    خلاف: فقيل: خمس صلوات، وقيل: عشر صلوات، وقيل: عشرين صلاة، وفي يوم الإثنين في اليوم الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر يصلي صلاة الصبح، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الستار، وتبسم معجباً بما يراه من انتظام المسلمين في الصلاة، نعم.. إنها بمثابة الثمرة لجهاد ظل ثلاثاً وعشرين سنة، من أول البعثة إلى ذلك التاريخ، وإذا بالأمة قد تقبلت الإسلام، وإذا بأصحابه قد قاموا بواجبهم على أكمل صورة.

    نعي النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النصر

    في حجة الوداع نزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، وهنا لفتة بسيطة عن ترتيب السور، لو قرأ ... بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] ثم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ [النصر:1] لو تأملنا قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وجدناها تميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، ففيهما: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:2] وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:3] أي: كل في جانب، وبعد التميز ما كانت النتيجة يأتي نصر الله والفتح.

    وتقدم مراراً ما قاله ابن عباس في تفسير سورة النصر لما سأله عمر بحضرة الشيوخ الكبار من الصحابة؛ فقال: نعي لنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، قال: وكيف ذلك؟ قال: قد جاء بالرسالة، فبلغها، وأدى الأمانة، وانتشر الإسلام، وأصبح الناس يدخلون في الدين أفواجاً، فلم يبق إلا أن يلقى ربه؛ فيجتهد في عبادته لله، ولذلك قال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3]، قال عمر : وأنا أقول ذلك.

    تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: لما رفع الستار تبسم ضاحكاً استحساناً لما يفعل المسلمون، فسمع الناس ذلك، فكادوا أن تصيبهم فتنة؛ فرحاً بسماعهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأشار إليهم أن مكانكم، وأتموا صلاتهم، وكان آخر عهد العامة به صلى الله عليه وسلم.

    موت النبي صلى الله عليه وسلم كما روته عائشة رضي الله عنها

    أما أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ فإنه لما صلى الصبح دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لـعائشة رضي الله تعالى عنها: (ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بارئاً، وقال: يا رسول الله! أراك بخير والحمد لله، إن هذا اليوم يوم بنت خارجة -زوجه التي تزوجها من الأنصار- أفأذهب إليها؟ قال: نعم) وكانت زوجته رضي الله عنه بالسنح، والسنح من العوالي، وهو في المثلث ما بين ما يسمى اليوم بمستشفى الزهراء وبلاد السديري، وبلاد الخريجي -في هذا المثلث تقع السنح- فذهب بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن في ضحى ذلك اليوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء الخبر إلى أبي بكر فأسرع بالعودة.

    وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحكي أحداث ذلك اليوم، فتقول: مات في يومي، في بيتي، لم أظلم فيه أحداً، أي: لم يكن في نوبة واحدة أخرى وهو عندها في بيتها، مع أنه صلى الله عليه وسلم من وفائه ومكارم أخلاقه لما اشتد به الأمر، استأذن زوجاته أن يمرض عند عائشة فأذنّ له، وكن يأتين لزيارته عندها.

    وتقول: قُبض في دولتي ما ظلمت فيه أحداً، ومات بين سحري ونحري. وتذكر قضيتها مع السواك؛ فتقول (سمعته يقول: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ويشخص بصره إلى السماء، وقلت: والله لقد خير ولن يختارنا أبداً ، وذلك أنها سمعت منه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقول: ما قبض الله نبياً إلا بعد أن خيره وأراه مصيره، فقالت: والله لقد خُير، ووالله لن يختارنا بعد ذلك أبداً؛ فعلمت أنه ميت)

    وهكذا ذكرت وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن أراد زيادة التفصيل فليرجع إلى كتب السيرة في هذا الحدث، وأكثر من ذكر الأخبار والصور والأحداث ابن كثير في التاريخ .

    موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

    من خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه -من شدة هول المصيبة على المسلمين- أنه حينما جاء إلى المسجد، ليدخل إلى حجرة عائشة وطريقها من المسجد، وجد الناس مضطربين، وعمر قائم يقول: والله ما مات رسول الله، وإنه غاب كما غاب موسى عن قومه وسيرجع، وسيقطع أيدي وأرجل رجالٍ قالوا إنه مات، ولن يموت حتى يقضي على المنافقين، فلما سمع أبو بكر ذلك ورأى تلك الحالة، ترك الناس ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات: وحوله نسوة، فخمرن وجوههن، إلا ما كان من عائشة ؛ لأنها ابنته، وهذه الكلمة يستفاد منها في مسألة كون الوجه عورة أو ليس بعورة- فكشف الحبرة ونظر إليه، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم بين عينيه، ثلاث مرات على الجبين .. والرأس.. إلى أن رق ورد الغطاء كما كان، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أما الميتة التي قد كتبها الله عليك فقد متها، ودعا بخير.

    ثم خرج، فوجد عمر على حاله والسيف بيده، فقال: اجلس يا عمر ! فلم يجلس، ثلاث مرات، فوقف عند المنبر، وقيل: صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: [أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وإنا والله لعلى ما كنا عليه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن بغى أو حدَّثته نفسه شيئاً لنقاتلنه كما قاتلنا مع رسول الله، ولسيوفنا بأيدينا -هذا موقف الثبات- ثم تلا قوله سبحانه: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] إلى آخر السياق، فيقول عمر: هي في كتاب الله؟ والله لكأني لم أسمعها إلا اليوم، وعقرتني قدماي] أي: سقط من شدة ما سمع.

    وفي هذا الموقف يقال: هل عمر ينكر الموت؟ الجواب: لا، ولكن عظم عليه المصاب في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصيبة إذا عظمت أذهلت، وقد يتوقف العقل -كما يقولون: انشل التفكير- وعمر له نظرة بعيدة فيما يتعلق بنصرة الدين، ويرى في موت رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة المصاب، يقول بعض الصحابة -وأظنه أبو سعيد- : [لقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأنارت واستنار فيها كل شيء، وقُبض فأظلمت وأظلم منها كل شيء، والله لقد أنكرنا قلوبنا قبل أن نفيض التراب عليه].

    فلا شك أن وجوده صلى الله عليه وسلم في أصحابه له أثر عظيم، فقد كان مرجع أصحابه في جميع أحوالهم، فهذا حنظلة يأتي ويقول (نافق حنظلة -لماذا؟- قال: يا رسول الله نكون عندك فتذكرنا، فتخشع قلوبنا، وتذرف عيوننا، فإذا انقلبنا إلى أهلينا، وعافسنا أموالنا ذهب عنا كل ذلك، قال: ساعة فساعة، لو دمتم على ما كنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولزارتكم في بيوتكم) فلا يمكن للإنسان أن يقوى على تلك الحال.

    وهذا عمر لما سمع قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ ... [آل عمران:144] قال: ما كنت أظن أنها آية من كتاب الله، وما كأني سمعتها قبل ذلك. ذهل عنها.

    ثم بعد ذلك شرعوا في تجهيزه صلى الله عليه وسلم، وقيل: قد بايع البعض أبا بكر في ذلك الوقت، ثم كانت سقيفة بني ساعدة، ثم كان تجهيزه صلى الله عليه وسلم وتتمة البيعة، وهذا خبر طويل، ويهمنا أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن حاضراً ساعة وفاته صلى الله عليه وسلم، وكان قد ذهب لزوجه، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رآه نشطاً، وفي حالة أحسن من ذي قبل، ثم لما قدم كان منه ما ذكر لنا المؤلف رحمه الله أنه قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه.

    وهنا يقول الفقهاء: إذا مات الميت، وأراد أهله أن ينظروا إلى وجهه ويقبلوه فلا يمنعون من ذلك، وخاصة من كان غائباً فحضر، فهذا مشروع من فعله صلى الله عليه وسلم ومما فعله أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    باب نفس المؤمن معلقة بدينه

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه أحمد والترمذي وحسنه.

    بعد أن بين المؤلف رحمه الله تعالى حق الميت عند احتضاره من تلقينه لا إله إلا الله، وإغماض بصره، وجواز تقبيله، وقد يذكر بعض الناس استقباله إلى القبلة، أي: جعل قدميه إلى القبلة، ومنهم من ينكر ذلك، إلى آخر هذا مما ينبغي أن يعمل للميت في شخصه وذاته ..

    انتقل المؤلف رحمه الله إلى حقوقه، وما ينبغي للأحياء بالنسبة لميتهم، فجاء بهذا الحديث، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة في دينه)

    1.   

    الخلاف في النفس

    فقوله: (نفس المؤمن) يحتار العلماء في مدلول النفس، فمثلاً: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] .. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] أهو البدن أم البدن مع الروح؟ الله تعالى أعلم، وقوله: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر:27-28] هل ترجع الروح والبدن أم الروح فقط؟ وكذلك السؤال، العذاب، النعيم هل هي للروح فقط، أم للروح والبدن؟ تجدون الكلام في هذا كثير، ولكن الذي يعنينا هنا أن المؤمن مرهون بدينه، والتعبير بالنفس ليشمل الروح، وأما البدن فقد يفنى، ولكن الله سبحانه وتعالى يجمعه: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4].

    والرجل الذي أوصى أهله إن هو مات أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يأتون به في يوم شديد الريح، وعلى حافة البحر فيذرونه في الهواء، فجمع الله جسده، وقال له: ما حملك على هذا؟ قال: يا رب! خوفاً من عذابك، قال: قد غفرت لك، فمهما تنقص الأرض من أجسادهم يجمعها الله، نحن نعلم شخص المؤمن بروحه وببدنه، ولكن النقاش قائم فيما يتعلق بعذاب القبر وفي نعيمه إلى أن تقوم الساعة، أعني: هل هو للروح أم للبدن، ما عدا الشهداء والأنبياء؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا تأكل الأرض أجسادهم، وحياتهم في قبورهم فوق مستوى الإدراك، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج أنه لقي جميع الأنبياء، بل أكثر من هذا: مر على موسى وهو قائمٌ يصلي في القبر الذي هو ذارع في ذراع! أي أنه وسع له في قبره! ثم إذا به يلقاه مع الرسل في بيت المقدس ، ثم لقيه في السماء السادسة حينما عرج به، فهل عنده براق آخر.. وبأي صفة.. بروحه فقط وبدنه؟! كان قائماً يصلي ببدنه.. أمور لا دخل للعقول فيها، وهذا خصوصية المؤمن؛ أن لديه علوماً كثيرة جداً لا يمكن أن يصل إليها غيره؛ لأنها تأتيه عن الله بالوحي.

    في هذا المسجد، وفي هذه الروضة أيام وقعة الحرة سنة ستين من الهجرة، خلت المدينة ، وتعطل الأذان والصلاة ثلاثة أيام في هذا المسجد خوفاً من الجيش الغازي، إلا سعيد بن المسيب فإنه ما خرج ولا هرب، ولا ترك المسجد، وكان يأتي وحده، ويجلس بجوار الحجرة الشريفة في الروضة، فيسمع الأذان من الحجرة في الأوقات الخمسة، فمن الذي كان يؤذن هناك.. بلال هاجر إلى الشام ، وأكرر وأقول: لا تحاول أن تسمح للعقل أن يتحكم في هذا.. ويكفيك أن تؤمن وتسلم لذلك، ولما انتهت الأزمة ورجع الناس، وأذن المؤذن في المسجد اختفى الصوت.

    إذاً: هذه أمور لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فنفس المؤمن مرهونة، وهذا عام لا يخرج منه أحد، حتى المجاهد في سبيل الله يكون شهيداً لكنه محبوس.

    الحث على قضاء الدين وعدم التهاون به

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً سأله عن الشهادة وما تكفر من الذنوب فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال: نعم، إن قتلت وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياي؟ فقال: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين؛ فإن جبريل قال لي ذلك) فلو تأملنا يا إخوان! لوجدنا أن الدنيا بكاملها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فمؤمن يكون مديناً لمؤمن آخر بعشرة دراهم، أو درهمين، أو درهم، يحبس فيها؟! يا سبحان الله! إذا كان الأمر كذلك فينبغي على المؤمن أن يتحرى، وأن يفك نفسه قبل أن يحتاج إلى من يفكه، وإن كان عاجزاً أوصى.

    وتقدم لنا أيضاً صلاته صلى الله عليه وسلم على الموتى في أول الأمر، وسؤاله عن الميت فإن كان عليه دين، قال لأهله: (صلوا عليه) حتى جيء بميت وقالوا: عليه ديناران، فقال أبو قتادة : هما عليَّ، وتأكد منه صلى الله عليه وسلم فلما تحملها أبو قتادة صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

    الحقوق المتعلقة بتركة الميت خمسة، حق الميت في تجهيز كفنه وما يلزم لذلك حتى يدفن.. حقوق دينية، وتنقسم إلى: دين للعبد، ودين لله سبحانه وتعالى، وسواء كان دين العبد موثقاً برهن أو غير موثق، فعند الشافعي رحمه الله يقدم على كل شيء سداد دينه، حتى يقدم على تجهيزه، وتجهيزه يكون من بيت مال المسلمين، وذلك لأنه لو كان في الحياة معدماً ليس معه ما يأكل، فنفقته من بيت مال المسلمين. وقال أحمد : يقدم تجهيزه؛ لأنه أحق بنفسه، كما لو كان مفلساً فللغرماء بيع ما عنده ولكن تترك له ثيابه.

    إذاً: قضاء الدين أحق، قال به الشافعي ، ابدأ بنفسك قال به أحمد ، إلى غير ذلك، ثم تأتي بقية الحقوق من وصية وميراث.

    فيبادر بسداد دينه قبل تجهيزه عند الشافعي ، وإذا كان المال موجوداً فباتفاق الجميع لا نجعله مرهوناً بدينه.. بل ينادى في الناس: من كان له حق عند فلان فليتكلم، وهذا الذي ينبغي على أولياء الميت أن يبادروا به ليفكوه.

    وقضاء الدين له شواهد كثيرة تؤكد أهميته، فهذا ثابت بن قيس خرج في غزوة كان يقودها خالد بن الوليد ، فجاء إلى رجل وأيقظه من النوم، قال: يا فلان! أنا فلان فاسمع مني، إن فلاناً مر عليَّ وقد خلع عني درعي، فوضعه في آخر المعسكر، ووضع عليه برمة، وعلى البرمة رحله، فمر خالداً فليأخذ درعي من عنده، وإذا جئت إلى المدينة فأخبر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن لفلان عندي عشرة دراهم في قرن، وعبدي فلان عتيق، فجاء الرجل إلى خالد وأخبره، فدعا الرجل الذي سماه وقال: أين رحلك؟ قال: في مكان كذا، فأرسل خالد رجلاً من الحاضرين وقال: اذهب إلى رحل فلان وانظر ماذا تحته، فذهب فوجد الدرع، فجاء به، فقال خالد : هذه قرينة، فكتب إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه: لقد حدث كذا وكذا، فاستدعى أبو بكر رضي الله عنه الرجل وسأله: ألك دين عند فلان؟ قال: بيني وبينه الله، وقد سامحته فيه، قال: أخبرنا ما هو؟ فأخبره أنه عشرة دراهم، فأمر بسدادها حالاً، ثم دعا العبد فأعتقه.

    يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح : وهذا من فقه أبي بكر عنه؛ أن أنفذ وصية الميت لما رأى من القرينة.

    وهكذا أيها الإخوة! ينبغي على الإنسان أن يعنى بنفسه وأن يتخلص من دينه أولاً وقبل كل شيء، فإذا لم يكن عنده سداد وجب عليه أن يكتب، وهذا من دواعي كون الوصية واجبة، فإنها تكون واجبة، وتكون مندوبة، فحين تكون هناك ودائع، كديون ليس فيها سندات، ولا صكوك، ولا شهود، فعليه أن يكتب ذلك ليتولى أهله إنفاذها.