إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب اللباس [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في كل شيء، ومن ذلك اللباس، فأباحت الشريعة لبس أحسن الثياب وأجملها بلا إسراف ولا مخيلة، ومما يدعو إلى المخيلة لبس الحرير والذهب للرجال، وإرخاء الثوب أسفل من الكعبين، ولبس المعصفر، وكل هذا حرمته الشريعة على الرجال.

    1.   

    تابع أحكام اللباس

    حرمة الخيلاء في اللباس

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    إن الله تعالى يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه، فليلبس الإنسان مما أنعم الله عليه من غير خيلاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة) ، وفي حديث آخر: (بينما رجل يمشي في حلة مرجلاً جمته إذ أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) رواه البخاري .

    فهذا أعجبته نفسه، وهذا هو البطر والخيلاء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) ، والغمط: هو أن يستخف بالآخرين لقلة ما عندهم. فإذا وجد نفسه في نعمة زائدة نظر للآخرين بنظرة أقل مما ينبغي، فهو يقيس الناس بالمال، والمال ليس مقياساً، فالله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، كما قال سبحانه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:34-35].

    والرجل المذكور في الحديث هو قارون، وقيل: هذا الرجل مبهم، ولعله قارون حينما خرج في زينته، وأعجب بنفسه، وغمط الناس حقهم.

    فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده من غير بطر، والصديق رضي الله تعالى عنه حينما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطراً، قال: يا رسول الله! إن جانب إزاري يرتخي إلا أن أرفعه. فقال: لست ممن يفعل ذلك بطراً) ، فلابد من نية من يلبس هذا اللباس، فإما أن يلبسه ستراً، أو شكراً، أو بطراً، وقد جاء حديث أكثر توضيحاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (الخيل لثلاثة: خيل أجر، وخيل ستر، وخيل وزر) ، فالخيل ما تتغير، ولكن ذلك بحسب قصد صاحبها، فمن اقتناها للجهاد عليها في سبيل الله فهي له أجر، فكل ما علفها وكل ما سقاها ونحو ذلك له فيه كله حسنات وأجر.

    وهي ستر لمن يقتنيها للنسل والبيع، ويستتر بمنافعها ونسلها، ويستعفف عن سؤال الناس، ففيها نوع من الربح والتنمية.

    وخيل وزر لمن اقتناها بطراً ورئاءً وكبرياءً. فاختلف الحكم والخيل واحدة، فكذلك الثياب.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إزرة المؤمن إلى نصف ساقه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، ومن جرهما فهو بطر ورياء ومخيلة، يقول ابن حجر : العبرة بما في نفسه. فلو لبس الثياب الرخيصة بطراً ومخيلة وكبرياءً فهو آثم ولو كان مشمراً ثوبه إلى نصف الساق، وإذا كان الثوب إلى الكعبين ولم يخطر في باله كبر ولا بطر كعامة الناس فهذا أمر عادي، وإذا ما شمر الثوب، وأعجب بنوعه وبغلاء ثمنه، وأخذ يمشي على الناس متفاخراً فيدخل في الوعيد، ويقع في البطر بالثياب والخيلاء، فليست العبرة في الخيلاء بطول الثياب وقصرها، ولكن العبرة بنية اللابس.

    قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يظهر أثر نعمته عليه) ، وقد كان أهل المدينة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في أوائل الصيف إذا ظهرت باكورة الثمرة حمراء أو صفراء، يفرح بها صاحب البستان، ويأتي بها حالاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليريه إياها شكراً لله أن أنعم الله عليه قبل الناس الآخرين؛ لأنه بعد أسبوع الزهو سيمتلأ البلد، فيأخذها صلى الله عليه وسلم ويدعو له بالخير، وينظر إلى أصغر طفل في المجلس فيعطيه إياها ليفرح بها.

    فالباب واسع، فإذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه أياً كان هذا الإنعام، وأياً كان نوعها، فيحب الله تعالى إظهارها.

    حرمة لبس القسي والمعصفر

    قال المصنف رحمه الله:

    [ وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن لبس القسي والمعصفر) رواه مسلم ].

    قوله: (القَسي) اختلف في حركة قافه، فقيل بالفتح، وقيل بالكسر وكلاهما صحيح، والقِسّيّ بالتشديد: هو ما غلظ من الثياب وبعضهم يقول: هو الخز أو غيره فيه خطوط وبعضهم يقول: فيه مثل الأترجة من الحرير، مثل هذه الثياب التي تأتي مطرزة، أو يكون بين خيوطها خيط حرير، وتكون جامعة بين الحرير وغير الحرير، فنهى صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع، ويتفقون على أن النهي هنا للتنزيه، أي: للكراهة وليس للتحريم؛ لأن أصلها ليس حريراً، ولكنها نوع من نسج الثياب نسبت إلى قرية مصرية تسمى (قسا) أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.

    قال المصنف رحمه الله:

    [وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (رأى علي النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟)، رواه مسلم ].

    تأمل هذا الأسلوب، فعبد الله بن عمرو يرى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين، و(المعصفر): كقولك: المزعفر ومثلما تقول: المسكر والمملح فهو شيء يضاف إليه شيء آخر، فالمعصفر: هو الذي أضيف إليه العصفر، والمزعفر: هو الذي أضيف إليه الزعفران، والمسكر: هو الذي أضيف إليه السكر.

    والعصفر: هو زهر القرطم، ولونه يشبه الزعفران، وليس له رائحة، والزعفران لونه أحمر يميل إلى الصفرة، وله رائحة عطرية، فلما رآهما عليه سأله النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال: أمك أمرتك بهذا؟ كأنه يتلقى الأوامر من أمه، والذي يتلقى الأوامر من أمه في أمور عادية فهو من بر الوالدين، وهو واجب إذا كانت الأم حصيفة عاقلة توجه ولدها، لكن هذا المنهج وهذا الأسلوب فيه قرينة كراهية ما رأى عليه من اللباس، وهل يكون مدحاً للأم التي أمرته، أم ذماً له لأنه يتلقى الأوامر من أمه ويترك السنة؟

    فمن تلقي الأوامر من أمه، أو من أبيه، أو زوجه وترك السنة النبوية يقال له مثل ذلك، وقد قال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن:14]، فهنا الرسول كلمه بهذا لأنه كره هذا اللون.

    والحلة التي كساها النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي هي السيراء، وفيها ألوان، فقال: رأيت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت فقطعتها وقسمتها بين الفواطم زوجته وأمه وبنت جعفر .

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمرو : (أمك أمرتك؟)، ولو قال له بأسلوب هادئ: يا عبد الله ! هذا لا يجوز ولا ينبغي. ورده لأمه فأمه يمكن أن تلبس هذا النوع. فاستنتج العلماء من قوله: (أمك امرتك؟) أن هذا من حلي النساء، وأن أمه هي التي أعطته، وأمه التي كسته، وأمه عندها هذا النوع، وأمه يجوز لها هذا النوع، وفي رواية أنه قال: (فذهبت إلى أهلي وهم مسجرون التنور فسجرتها)، وفي بعض الروايات أنه قال : أغسلها يا رسول الله؟! قال له: (احرقها)، وفي بعض الروايات أنه لما رجع قال له رسول الله: (ماذا فعلت الحلة يا عبد الله !) قال: سجرتها التنور، قال: (هلا كسوتها أهلك!) فكيف قال له: (احرقها)، ثم قال : هلا (كسوتها أهلك)؟ بعضهم يقول: قوله: (احرقها) نوع من التشديد في النهي عن المنكر، وهذا ما يسمى في القانون الجنائي: مصادرة الآلة التي استعملها في الجريمة. فلو أن جماعة ذهبوا وسرقوا محلاً بسيارة فالسيارة التي استعملت تصادر؛ لأنها ساهمت في الجريمة، وهذه الحلة للنساء، ولكن لما استعملها في غير محلها صودرت عليه وأحرقت.

    وبعضهم يقول: أحرقها عبد الله بنفسه تأثراً وأسفاً عما لحقه من استعمالها، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له: (أمك أمرتك؟)، بينما علي رضي الله تعالى عنه رجع وقسمها بين نسائه.

    وفي ترجمة عبد الله بن رواحة أمر عجيب في السمع والطاعة، فقد كان ذاهباً إلى المسجد يوم الجمعة والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب في المسجد، فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: (اجلس)، فسمعها ابن رواحة وهو في الشارع فجلس في مكانه حتى أنهى صلى الله عليه وسلم الخطبة، فقيل لرسول الله: إن ابن رواحة سمعك تقول: اجلس فجلس في مكانه عند بيت بني فلان! قال (رحم الله ابن رواحة ! زادك الله طاعة لله ولرسوله).

    وعلي رضي الله تعالى عنه لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر قال: (أنفذ على رسلك، ولا تلتفتن وراءك)، فمضى علي بعض الخطوات، ثم وقف ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهمته، ولم يلتفت، بل رجع القهقرى بظهره وقال: يا رسول الله! علام أقاتلهم؟

    فهذا هو منتهى الطاعة والامتثال، وما نقول: هي الطاعة العمياء كما يقول العسكريون، بل نقول: الطاعة المستبصرة طاعة لله وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومن شعر الشباب الذي كانوا يقولونه:

    قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفهُ ولا تنقص ولا تزد

    أي: صفه لي فقط، كيف حالته، من زمان ما رأيناه، كيف حالته؟

    فقلت لها لو كان رهن الموت من ضمأٍ فقلت قف عن ورود الماء لم يرد

    أي: لو كان عطشان وهو رهن الموت، والماء أمامه فقلت له: لا ترد الماء؟! لن يرده.

    فإذا كان هذا السمع والطاعة فيما بين البشر لأثر المحبة فكيف بالسمع والطاعة لله ولرسوله؟ فلا نستغرب ذلك

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (أمك أمرتك بهذا؟)، فرجع متأثراً ونادماً على ما وقع منه.

    وأبو طلحة رضي الله تعالى عنه قام يصلي في بسان نخل له، فإذا بطائر الدُبس -وهو معروف عند أهل المدينة، رأسه أبيض، صغير الذنب، وهو طويل سريع الحركة- يطير، ويريد أن يخرج من البستان، فلم يجد منفذاً لتشابك أغصان بستانه، قال: فتبعته بنظري معجباً، فانتبهت، فلما انتهيت من صلاتي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته وقلت: يا رسول الله! كفارة ذلك أني أتصدق ببستاني في سبيل الله. لقد أعجب بالبستان، وشغل عن عبادته بحسن بستانه، فرأى أن تكفير ذلك أن يخرج عن بستانه.

    وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إن لي جارية ترعى غنمي، فجاء الذئب وأخذ منها شاة، وأنا بشر من بني الإنسان أغضب فلطمتها، ثم أسفت على ذلك أفأعتقها كفارة لذلك؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإنها مؤمنة)، فهذا وجد أنه أخطأ، وأراد أن يكفر خطأه بما يتناسب مع ذنبه، فأخرج الجارية من ملكه وأعتقها، مع أنه يمكن أن يضربها من باب التأديب أو الحرص أو الشح على المال، لكن شعر بأنه رجل، وهي امرأة ضعيفة، وماذا تفعل مع الذئب؟ لكن الغضب جعله يضربها فتنبه، فوجد كفارة هذه الخطيئة أن يعتقها.

    فـ عبد الله بن عمرو هو الذي سجرها بنفسه، وكان يمكنه أن يقسمها بين نسائه.

    وقد أخذ العلماء من الحديث منع لبس الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة باللون الأحمر، وقد أخبر بعض الصحابة أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء، فقالوا: هذا للجواز، وهذا للكراهية وفي الموطأ أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى على عبد الرحمن بن عوف ثوباً مصبوغاً بأحمر، فقال ما هذا -يا ابن عوف- وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن المعصفر؟ قال: والله ما هذا بعصفر إنها المغرة. والمغرة: نوع من الطين يعطي لوناً أحمر، وهو مر، ولذا كان أهل المدينة يجعلونه في خشب النخيل ونحوه، وكانوا يضعونه في الثياب الصوف أو الخشنة حتى لا يأتيها ما يفسدها.

    فهذا ليس من المنهي عنه، ولكن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ بباب سد الذريعة، فقال: يا ابن عوف ! إنكم رهط يقتدى بكم. فانظر إلى التفريق بين الناس في الأحكام والفتوى، قال: إنكم رهط يقتدى بكم. أي: فلعل شخصاً يرى عليه هذا اللون، ولا يفرق بين مغرَة وعصفر، فيقول: ابن عوف يصبغ بالأحمر. فيذهب ويصبغ به إقتداء بالصحابي.

    فيجوز هذا اللون بالمغرة من العامة، ولا يجوز من الخاصة؛ لأن الخاصة يجب عليهم أن يبتعدوا عن كل ما به شائبة شبهة، ولهذا قالوا: لا ينبغي لأهل القدوة أو لأهل الخير الذين ينظر الناس إليهم أن يستعملوا الأشياء المنهي عنها ولو للكراهه؛ لأنهم أولى الناس بالابتعاد عنها.

    صفة جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    [وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها أخرجت جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    أسماء بنت أبي بكر أخت لـعائشة بنت أبي بكر ، وأسماء هي ذات النطاقين، وكانت جبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند عائشة، فلما توفيت عائشة انتقلت إلى أسماء، فكانت تخرجها للناس، وكان في أكمامها وفي فتحة صدرها ديباج، وتجد أسفل بعض الثياب من الجانب الأيمن والجانب الأيسر فتحة بمقدار عشرين أو خمسة وعشرين سنتيمتراً تعطي الثوب سعة عند مد الخطوة، وهذه تسمى (الفُرَج)؛ لأن (الفَرْج) هو الفتح، والفرجة: الفراغ في الصف، فكانت تلك الفُرج -أي: فتحات الجبة- في كمها، وفي صدرها، وفي جيوبها، ومن أسفلها عليها من الديباج قدر إصبعين، والذي يرى لباس أهل المناصب في مصر وفي الشام وفي المغرب يجد هذا الشيء موجوداً إلى الآن، ويسمونه (الشريط)، وهذا لا يوضع إلا في الثياب النفيسة محافظة على الكم حتى لا يتقطع، ومحافظة على الفتحات حتى لا تنشق، ثم في الثياب الفخمة، مثل ما يسمونه (الجوخ)، ونظير ذلك، يكون خشناً على الجلد، فيجعل في أطراف الفتحة شيء من الديباج يلاصق الجلد، وهو ألين وأنعم، وهذا يبين لنا جواز استعمال هذا الحرير بقدر إصبعين أو ثلاثة أو أربعة أصابع عند الحاجة، وهذا مباح مستثنى من عموم المنع، ومن هنا يقول ابن حجر في فتح الباري: مثل هذا كيس المصحف، وغلاف الكتاب، وخيط السبحة، فهذه الأشياء لو جعلت من الحرير الخالص لا ينبغي تحريمها؛ لأنها يسيرة، وقد رخص في أمثالها بقدر إصبعين في طرف الثوب أو في الفتحة، فلا ينبغي الاعتراض على ذلك، لا سيما إذا استعملت لتكريم المصحف أو حفظ الكتاب.

    فكانت جبة النبي صلى الله عليه وسلم في أطرافها قدر إصبعين من الديباج، وهو الحرير المتين.

    فـأسماء تروي أنها أخرجت جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكفوفة الجيب والكمين، وذلك عند قص المقص من طرف الثوب، فإن من الخيوط ما يتناسل، فإذا ثنيته إلى الداخل وخيطته كف عن أن يتناسل، ولذا يقولون في الخياطة: مكفوف. أو: غير مكفوف.

    قولها: [ (مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج)].

    الجيب: هو فتحة الصدر.

    وقولها: [كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها] كانت جبة النبي عند عائشة أمانة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، ولو كانت ميراثاً لكان لكل زوجات رسول الله مثلها، لكن كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها أمانة، وكونهن سمحن لها وسكتن عنها لا ندخل فيه، وهذا لا يخصنا ولا نتدخل فيه، فالمهم أنها كانت عند عائشة ما تغيرت وما تبدلت، وهي عين جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انتقلت منها إلى أختها وما انتقلت إلى زوجات رسول الله الأخريات، إنما انتقلت إلى أختها؛ لأنها ليست ميراثاً.

    قولها: [وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يلبسونها].

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها مع وجود الديباج في فتحاتها، أي أنه يقر استعمال هذا النوع من الثياب، وهذا فقه الحديث في باب اللباس.

    وجاء في بعض الروايات: (كان يلبسها في الأعياد والجمع وللوفود)، واللباس أنواع، منه ما هو للزينة وشكر النعمة والمناسبات، ومنه ما هو للمهنة، ومنه ما هو لأمور عادية.

    وقولها: [فنحن نغسلها للمرضى] ينبغي أن يقف عنده طالب العلم بالعقيدة وبالعقل وبالاقتداء والاتباع، فـأسماء رضي الله تعالى عنها كانت تأخذ جبة رسول الله التي كان يلبسها، وعرقه فيها، فتبلها في الماء ثم تخرجها، وتأخذ الماء الذي خالط تلك الجبة التي فيها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعطيه للمرضى يتعالجون به؛ لأن المرضى أحوج من كل الناس.

    وبإجماع المسلمين أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يتبركون بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي حقاً من آثاره، فكانت أم سلمة رضي الله عنها تخرج جلجلاً -أي: حقاً مثل الجرس- فيه شعرات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كنت أغمسها في الماء وأعطيها للمحموم فيشافيه الله.

    وقد يقول قائل: هذا من فعل أسماء من بعده، وهذا فعل أم سلمة من بعده، لكن ماذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    والجواب: كلنا يعلم أنه في صلح الحديبية جاء سهيل بن عمر ليفاوض المسلمين، أرسلته قريش وقالت: اذهب إلى هذا الرجل، فجاء -وكان رجلاً عاقلاً- ثم كلم رسول الله كلاماً طويلاً، وانتهى الأمر إلى ما هو معلوم، ورجع إلى قريش وقال: يا معشر قريش! والله لقد دخلت على قيصر وعلى كسرى في ملكهما، فما وجدت أمة تعظم سيدها أو ملكها كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما توضأ وضوءاً إلا تسابقوا عليه، وما تفل تفالة إلا وقعت في كف أحدهم يدلك بها وجهه.

    وفي حجة الوداع أو في عمرة القضية: (دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة عندما حلق له الحلاق، فناول الحلاق شق رأسه الأيمن فقال: احلقه. فحلقه. فأعطاه أبا طلحة وقال: اقسمه على الناس، ثم حلق شقه الأيسر فقال لـأبي طلحة : خذه لك).

    وهذا من فعله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن لإنسان أن يجد منفذاً لإسقاطه، أو لإضعافه، أو لنسبته إلى غير رسول الله، فهو عين فعله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء عن أم سليم رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها، فلما قام وجدها تأخذ في إناء صغير عرقه من الحصير الذي كان عليه وتجمعه، فقال: ماذا تفعلين بهذا؟ قالت: نجعله في طيبنا نتطيب به، وأم أيمن رضي الله تعالى عنها كانت تقم البيت، وفي يوم من الأيام سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماذا فعلتِ بالقدح الذي تحت السرير؟) -وكان قدحاً من أعواد يبول فيه صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل- فقالت: القدح الذي تحت السرير شربته فقال: (لن تشتكي بطنك بعد اليوم)، والآن عند الأطباء إذا إنسان شرب البول يأمرونه أن يعمل غسيل البطن؛ لأن البول مليء بالجراثيم، وهذه يقول لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تشتكي بطنك بعد اليوم) ؛ لأنه بوله صلى الله عليه وسلم.

    فما ثبت لنا في هذا الباب فعلى العين والرأس، وقسماً بالله لو وجدنا التراب الذي كان يمشي عليه لاكتحلنا به في عيوننا تبركاً برسول الله، ولكن لا يحق لنا بعد ذلك أن نأتي إلى الحديد ونتمسح به وما باشره، ولم يكن في عهده، إنما وضع بعد مئات السنين من موته، ولم يلمسه، ولم يمس جسده الطاهر، ولا يجوز أن نأتي إلى أبواب المسجد ونتزاحم عندها ونتمسح بها.

    ثم بعد ذلك هل نفعل هذا بغير رسول الله، مثل سادة القوم أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي؟

    جمهور المسلمين يقولون: لا ينبغي التبرك بهم، ولا بغيرهم من الصالحين، والتابعون أعلم بحق رسول الله وبحق أصحابه، وماداموا لم يفعلوا ذلك بكبار أصحاب رسول الله فلا نفعل ذلك بعلمائنا، لكن يجوز أن نسألهم الدعوة الصالحة، وكل من عرفته صالحاً قد أصلح ما بينه وبين الله فألح عليه أن يدعو لك، فهذا أويس القرني رجل من اليمن قال صلى الله عليه وسلم فيه لـعمر: (يا عمر ! إذا رأيته فاسأله أن يدعو الله لك، وهو بار بأمه، وفي جسده علامة)، فكان عمر رضي الله تعالى عنه كلما جاء وفد من اليمن يسألهم: أفيكم أويس ؟ فيقولون: لا. حتى قيل له: نعم. هو فينا. فطلبه فجاءه، فقال: يا أويس : ادع الله لي قال: أنت أمير المؤمنين، فأنت ادع لي. قال: لا. فلما ألح عليه أخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له. وكان يتعامل مع الله فقط لا مع الخلق، فجلس فترة فعرفه الناس من خبر عمر فقال: يا أمير المؤمنين! اسمح لي أن أخرج من المدينة. قال له: إلى أين؟ قال: أريد أن أذهب إلى العراق. فقال له: إذا أردت الخروج فآذني لأكتب معك كتاباً للوالي هناك. قال: لا. لأن أكون في عامة الناس أحب إلي. وخرج دون أن يخبر عمر ، فكان عمر رضي الله تعالى عنه كلما جاء وفد العراق يسألهم عنه، إلى أن لقي رجلاً أخذ أويساً أجيراً عنده، وكان يشق عليه، فقال: أتعرف كذا؟ أتسمع عن كذا؟ قال: عندي رجل مسكين خامل ما يقدر على العمل. فقال عمر : إذا جئته فقل له: عمر يقول لك: ادع له. قال: ذاك يدعو لك؟! قال: قل له هكذا. فلما سافر الرجل قال: يا أويس ! اغسل يديك واترك عملك، واجلس هنا وسيأتيك طعامك وشرابك ومن يخدمك. قال: والعمل أين؟! قال: تستريح. قال: ألقيت عمر ؟ قال: نعم لقيته. فإذا به يخرج ليلاً ولا يعرفه أحد!.

    فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لـعمر بن الخطاب : (إذا لقيته فاسأله أن يدعوا لك)، وتقدم معنا في باب الاستسقاء أن عمر رضي الله عنه قال: ( اللهم! إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقينا، وإنا الآن نستسقي بعم نبيك لصلاحه ولصلته برسول الله)، وفي بعض الروايات: (كان صلى الله عليه وسلم ينزل العباس عمه منزلة أبيه، فتأسوا برسول الله)، فقام العباس ودعا الله فسقاهم الله.

    فالدعوة الصالحة من كل رجل صالح على العين والرأس، لكن لا نتبرك بهم؛ لأننا ليس عندنا اليقين أنه يعطى حق النبي صلى الله عليه وسلم في التبرك به، فهذا ما أحببنا التنبيه عليه عند هذا الأثر، وبالله التوفيق.

    قال المصنف رحمه الله: [ وزاد البخاري في الأدب: وكان يلبسها للوفد والجمعة].

    أي: كان يلبسها في الجمع والأعياد، وقد أشرنا أن هناك أنواعاً من الثياب، فثوب الزينة، وثوب المهنة، وثوب لغير ذلك، وينبغي للإنسان أن ترى عليه أثر نعمة الله، لا سيما في المناسبات، وفي الزواج، وفي اجتماعات خيرية، وفي يوم الجمعة ويوم العيد، ونحو هذه الأمور التي يجتمع فيها الناس، فلا ينبغي أن يغمط نفسه حقها، ويجب أن يتزين ويظهر نعم الله عليه، وبالله تعالى التوفيق.