إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب اللباس [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط الصلاة ستر العورة بلباس طاهر، وللباس أحكام وآداب بينتها الشريعة، كما بينت الفرق بين لباس الرجل ولباس المرأة، والمتأمل في هذه الأحكام يدرك حكمة الشريعة وكمالها.

    1.   

    أحكام اللباس

    حرمة لبس الذكور للحرير

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    يقول المصنف رحمه الله:

    [ عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير) رواه أبو داود ، وأصله في البخاري ].

    أبو عامر هذا غير أبي موسى الأشعري ، فهو رجل آخر.

    قوله: (يستحلون) استحل الشيء: جعله حلالاً، فهل هو حلال في ذاته أو أنه محرم؟

    لو كان حلالاً في ذاته لما قيل: استحله؛ لأنه حلال، وتحليل الحلال تحصيل حاصل، فهو حرام، ولكنهم يستحلونه، وهل يستحلونه تكذيباً للتحريم الثابت عن رسول الله، أو يستحلون استعماله مع اعتقادهم بتحريمه؟

    إن من استحل شيئاً محرماً ورد به دليل التحريم فإنه يكون قد رد حكم الله الوارد على لسان رسول الله، ومن حرم ما هو حلال بالضرورة أو استحل ما هو محرم بالضرورة فهو مرتد عن الدين، ولكن من اعتقد أنه حرام، واستعمله فهذه تكون معصية، ولا يخرجه العصيان عن الإسلام.

    وهذا اللفظ استدل به الجمهور على أن هذا الذي يستحله أقوام أصله محرم، فما هو موضوع الاستحلال؟

    قال هنا: (الحر) بالحاء والراء، والحر: هو الفرج، فالمعنى يستحلون الفروج بالزنا، والحرير باللباس. وأكثر علماء الحديث يروونه بالحاء والراء المهملتين -أي: ليس فيها نقط-، وبعضهم يرويه معجماً بالنقط، والحاء إذا كتب عليها نقطة صارت خاءً، والراء إذا صارت عليها نقطة صارت زاياً، فروي (الحر) و(الخز)، والكتابة واحدة، ولكن الخلاف بكون الحرفين منقوطين أو بدون نقط.

    والجمهور على أنه الخز؛ لأنه متناسب مع ذكر الحرير، والآخرون يقولون: إذا حرم الحرير فالخز نوع منه، فيكون تكراراً، فالأنسب أن يكون تحريماً لشيء آخر.

    وجاء في بعض النصوص الأخرى: (يستحلون الحر والمعازف)، واستحلال الفروج مع المعازف متجانس؛ لأنه من باب اللهو والاستمتاع المحرم، فعلى أنه الحر لا يدخل معنا في البحث، وهذا راجع إلى باب حد الزنا، وإذا كان (الخز) ، فما الفرق بين الخز وبين الحرير؟ وكيف ذكر معه؟

    قالوا: الحرير ما كان من دودة الحرير، فهو إنتاج دودة معروفة باسم الحرير بصفة خاصة، والخزّ: هو وبر دابة يكون ناعماً كالحرير، وبعضهم قال: الخز: ما كان فيه حرير مخلوط مع غيره.

    والزرقاني في شرح هذا الحديث -على رواية الخز بالخاء والزاي- ذكر عن مالك أنه روى عن خمسة وعشرين صحابياً أنهم كانوا يلبسون الخز، وكذا عن خمسة عشر من التابعين، فيكون (الخز) موضع الخلاف، و(الحرير) موضع الاتفاق، ويكون النهي عن الخز للكراهية، والنهي عن الحرير للتحريم، وتحقيق المناط أنه إن كان الثوب مخلوطاً بالحرير فإنه يبقى فيه جزء من المنهي عنه، فهو يحمل جزءاً من النهي، لكن لا يصل إلى حد التحريم؛ لأنه ليس خالصاً من الجنس الذي دخله التحريم والنهي عنه لذاته.

    حكم استعمال الذهب والفضة ولبس الديباج والحرير وافتراشهما

    قال المصنف رحمه الله:

    [ وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه) رواه البخاري ].

    إذا وجدت صنفين مقرونين في الحديث بالطلب أو بالنهي فلابد أن بينهما علاقة، فالآنية واللباس كلاهما يستعمله الإنسان، فهذه آنية لطعامه وشرابه، وهذا ثياب للباسه، فبينهما ارتباط، وهو الاستعمال، ونحن بحاجة إلى بيان ما يجوز منهما وما لا يجوز، ونحو هذا الحديث سبق في باب الآنية، وتقدم هناك، والنهي جاء بالوعيد، وهو حديث: (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ، وفاعل (يجرجر) هو النار، كأن الطعام والشراب الذي يدخل إليه نار تجرجر، أو هو الفاعل للجرجرة، فيجرجر ناراً، ومهما يكن فهو وعيد شديد.

    فنهى صلى الله عليه وسلم عن استعمال أواني الذهب والفضة، وهذا مبحثه واسع تقدم في باب الآنية، وأهم ما يتطرق إليه البحث هنا هو ما إذا كان الإناء الصيني والفخار والزجاج مطلياً بالذهب، وفرق بين المطلي بالذهب والمموه بماء الذهب، فالمطلي: هو أن يؤخذ الذهب مذاباً ويطلى عليه كما يُطلى الدهان على الخشب وعلى البنيان، أما المموه بماء الذهب فهو أخف، ولا جرم للذهب فيه، إنما هو اللون، وتمسحه بأي شيء، والفرق بين المطلي والمموه ما قاله النووي رحمه الله في المجموع، وهو أنه إذا أخذت سكيناً وحككت اللون الأصفر عن هذا الصيني الأبيض فإن حصلت باحتكاك السكين على هذا اللون الأصفر على جرم مادي ملموس فهو مطلي، وإن لم تحصل على شيء فهو مموه، وكذلك إذا أدخلته النار فذاب هذا الأصفر، وخرج منه مادة سائلة ذابت بعد أن كانت مجمدة فهذا مطلي، وهذا عين الذهب. وإن لم يذب ولم ينحل عنه شيء فهو المموه.

    وقد ذكروا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه جاء إلى المدينة فوجد في جدار المسجد النبوي عهود الخلفاء، وهذه كانت عادة كل خليفة أموي، حيث يكتب خطاب عهده، وهو خطاب العرش -أي: سياسة ملكه في الرعية-، ويكتبه على جدار المسجد النبوي إعلاناً لسياسته في الأمة، فكانت تكتب بماء الذهب، أو تكتب بالذهب، فرآها عمر وأراد أن يحتها، فقال له العلماء: إن كنت ستحصل من هذه الكتابة على مادة من الذهب فافعل، وإن كنت ستفسدها ولن تحصل على شيء لأنها مموهة فقط فاتركها فجرب فإذا به لا يحصل منها على شيء، بل كانت كتابة بمادة ذهبية لا يحصل منها على جرم، فتركها.

    فما تجده على غلاف الكتاب، أو في بعض الأواني وبعض الزخارف إن كان مطلياً بالذهب فهو محرم، وإن كان مموهاً فلا شيء في ذلك.

    مسألة: إذا وجدنا إناء من الجواهر النفيسة من الزمرد أو الياقوت أو غير ذلك فهل يحرم استعماله؟

    الجواب: لا، كما لا يحرم على الرجل أن يلبس ويتختم بالخاتم الذي فيه فص من الفيروز، أو من الزمرد، أو من الألماس، ولو كانت قيمته أضعاف الذهب والفضة، فيجوز أن يلبسه، لكن الذهب والفضة حرام، وبعضهم يقول: لأنهما قيم الأعيان، والأثمان لا تكون للاستعمال، حتى لا تتعطل مهمتها النقدية فتتعطل الأسواق.

    وقالوا: إن عامة الناس لا يميزون بين خرز وبين عقيق، والفقراء لا تنكسر قلوبهم من تلك الأحجار الكريمة كما تنكسر قلوبهم من الذهب والفضة؛ لأنهما معروفان للصغير وللكبير. والله تعالى أعلم.

    قوله: [وعن لبس الحرير والديباج] الحرير عرفناه، والديباج: هو عين الحرير، ولكن نسيجه متين، والحرير شفاف، ويقولون: يمكن أن تأخذ خيط حرير بأدق ما يمكن.

    فالحرير إذا نسج على رقته كان رقيقاً شفافاً، كما قيل: شف عنها رقرق جندي، فـ(رقرق) أي: رقيق جداً، و(جندي): نسبة إلى جند، أو إلى بلد تسمى بهذا الاسم، فإذا نسج غليظاً سمي ديباجاً، فنهى صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير على طبيعته، أو أن يكون ديباجاً. أي: حريراً متيناً مكثفاً في النسيج.

    وقوله: (وأن نجلس عليه) أي: على الحرير والديباج. وقالوا: الجلوس على الثياب نوع من اللباس، فكأنه لبسه، والكل ملبوس بحسب حالته، واستدلوا بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أين تريدون أن أصلي لكم؟) فعمد الصحابي إلى حصير قد اسود من طول ما لبس -أي: لكثرة الاستعمال- فأخذ ماءً فنضحه، قال العلماء: استعمال الحرير باللباس واستعمال الحرير في الجلوس سواء، والنهي فيهما سواء، فلا ينبغي للرجل أن يتخذ مجلساً به حرير يجلس عليه إذا كان مباشراً له.

    وقد يقول قائل: الحرير مباح للمرأة تلبسه وتجلس عليه، فإذا اتخذت المرأة لنفسها ثياباً من حرير، واتخذت فراشاً من حرير فهو جائز لها، فهل تبيحون للزوج هذا الفراش تبعاً لها أو تمنعونه؟

    والجواب: أعتقد أن المرأة إذا اتخذته لنفسها، ودعت زوجها إليه فله ذلك؛ لأنه ليس مستقلاً به، وإنما كان تبعاً لها في هذا الاستعمال، وهو مباح لها، ولا نفرق بين الزوجين، ولا نقول: كل واحد يتخذ له فراشاً على حدة.

    الترخيص في لبس قدر أربع أصابع من الحرير

    قال المصنف رحمه الله:

    [وعن عمر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع)، متفق عليه، واللفظ لـمسلم ].

    تبين لنا من إيراد المؤلف رحمه الله ما يجوز لبسه بالنسبة للرجال، وما لا يجوز لبسه بالنسبة للرجال أيضاً، ومن ضمن اللباس الجلوس عليه، وجاء هنا بحديث النهى عن الحرير عن لبسه، وعن الجلوس عليه، ولكن هناك حالات استثنائية بمثابة الرخصة، فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا مقدار إصبعين، أو ثلاث، أو أربع، وموضع هذه الأربعة الأصابع يكون في أطراف الثياب، مثل طرف الجبة، أو عند الرقبة عند الحاجة إذا كانت عنده حكه، أو طرف الكم الذي يباشر الجلد، فإذا احتاج إلى ملطف لحاجة في جسمه فلا مانع أن يتخذ من الداخل جزءاً على قدر أربعة أصابع على دائرة الفتحة، وإذا كان للثوب فتحات فلا بأس أن يتخذ من الحرير على تلك الفتحات -ويقال لها: الفروج- بقدر أربعة أصابع.

    الترخيص في لبس الحرير للعلاج

    قال المصنف رحمه الله:

    [ وعن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لـعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير في سفر من حكة كانت بهما)، متفق عليه ].

    الاستثناء الأول في أطراف الثياب أربعة أصابع، وهذا الحديث رخص في الثوب كله.

    والرَخْص: الشيء الناعم، والرخيص الناعم من الثياب، ورخص البنان. لين الأطراف، وسعر رخيص: لين هين كل إنسان يقدر عليه، والرخصة: هي التهوين من شدة، فالصوم واجب لكن المريض المسافر يشق عليه، فرخص له في الفطر، أي: لين له، وكذلك الميتة محرمة، لكن قد يضطر الإنسان إليها للإبقاء على حياته، فرخص وهون له، فالرخصة تكون من ممنوع ومن محرم؛ لأن الحرمة منع، والمنع شدة، فالرخصة تكون من شيء محرم فكونه رخص يبقى الأصل عدم الترخيص، وهو العزم والمنع.

    فرخص صلى الله عليه وسلم لـابن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة، وحكة الجسم الآن تسمى (حساسية) أو (حرارة) أو (التهاباً في الجلد)، وما هي خاصية الحرير؟

    قالوا: طبيعة الحرير حيوانية رطبة، وهو لين، ويعالج بالحرير الجلدُ، فهو ألطف ما يكون استعمالاً بدون حائل لجلد الإنسان، فمن كان عنده حكة إذا لبس القطن جاءته الحكة، وإذا لبس الصوف كانت الحكة أكثر وأكثر، فالذي يناسبه الحرير، فمن أجل علة الحكة رخص له ما كان محرماً، وليست العلة كونه في سفر، ولكن الترخيص في السفر أحوج منه في الحضر؛ لأن الذي في الحضر يمكن أن يحصل على علاج، ويمكن أن يحصل على شيء يخفف عنه هذا، ويمكن أن ينزع القميص ويقعد في بيته، لكن هذا في سفر وفي حركة، فهو أحوج منه حينما يكون في غير سفر.

    فيرخص الممنوع، وهذا وجدناه في جميع أبوب الفقه، ويقولون: المشقة تجلب التيسير. ففي العبادات ينتقل إلى التيمم عند التضرر باستعمال الماء، والانتقال إلى الجلوس في الصلاة عند عدم استطاعة القيام، والانتقال إلى صيام عدة أيام أخر إذا كان في مرض أو سفر.

    وهكذا نجد الرخصة تأتي عند الشدة وعدم الاستطاعة، مع بقاء التحريم؛ لأن الحكم قائم، وإذا انتفى الحكم يكون هذا نسخاً لما تقدم، وجاء هذا بديلاً عنه، ولكن الرخصة إباحة الشيء بخطاب جديد مع بقاء الحكم الأول على ما هو عليه، وتكون الرخصة مؤقتة بحالتها وبأسبابها وبدواعيها، فإذا انتفت الحكة انتفى جواز لبس القميص الحرير، والله تعالى أعلم.

    جواز إعطاء الرجل ثوب الحرير ليكسوه نساءه

    قال المصنف رحمه الله:

    [ وعن علي رضي الله عنه قال: (كساني النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي)، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم ].

    الحلة: هي إزار ورداء من جنس واحد، فهي قطعتان، أما الجبة فهي قطعة واحدة، وهي مثل العباءة، لكنها طويلة حسب عادة الناس في اللباس، وهي ثياب تلبس فوق اللباس العادي.

    يقول علي رضي الله تعالى عنه: كساني النبي صلى الله عليه وسلم يعني: أعطاني كسوة، والكسوة: اللباس. وتكون كسوة إذا كانت مكتملة.

    قوله: (سيراء) هي نوع من الحرير الرقيق، وليست حريراً خالصاً، قال: فخرجت بالحلة فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والوجه يعبر ولو لم يتكلم، فالبشاشة والهش والبش والتكشير كلها صور معبرة، فـعلي رضي الله تعالى عنه عرف من وجه رسول الله الغضب، كأنه يقول: لماذا لبستها؟! ففهم علي ذلك بدون أن يتكلم، قال: (فشققتها بين نسائي)، وفي بعض الروايات قال: (فقسمتها بين الفواطم)، وليس هنالك اختلاف؛ لأن الفواطم جمع فاطمة، وهن نساء علي ، فمنهن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي زوجته، ومنهن فاطمة بنت أسد ، وهي أمه، ومنهن فاطمة بنت فلان، وهي قريبة له، فكلهن من بيت علي رضي الله تعالى عنه، فقوله: (كسوتها نسائي) و(كسوتها الفواطم) معناهما واحد.

    ونأخذ من هذا الحديث أن تغيير المنكر قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وقد يكون بالنظرة، ولذا يقول العلماء في باب التعزيرات: إذا ارتكب إنسان أمراً محظوراً واقتضى الأمر تعزيره فيعزر الأشخاص بحسب ذواتهم، فشخص لا ينفع فيه التعزير إلا بالضرب والجلد، وشخص يكفي أن يقال له: يا فلان! والله ما كان يليق بمثلك أن يفعل هذا. وشخص يعزر بأن تعرض عنه، فإذا أقبل عليك أعرضت عنه، وهذا أثقل عليه من السب ومن الضرب، ويكفي هذا في تعزيره.

    فالشخص الأبي الكريم تكفيه النظرة، والشخص الأقل منه كرماً يحتاج إلى كلام وإلى إيقاف، والشخص فاقد الإحساس يعزر بالضرب، فهنا أدرك علي رضي الله تعالى عنه إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه لبس هذا النوع، وحالاً قطعها وقسمها بين نسائه.

    وهذا النوع لا يجوز للرجال ويجوز للنساء.

    1.   

    أحكام الذهب بين الرجال والنساء

    جواز لبس الذهب للنساء خاصة

    قال المصنف رحمه الله:

    [وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحل الذهب لنساء أمتي، وحرم على ذكورها)، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ].

    هذه قاعدة الباب التي يدور عليها فقه هذا الباب كله، حيث يخبر صلى الله عليه وسلم: أن الحرير والذهب حرام على ذكور أمته، حلال على نسائها، وهل المراد أن لا يقتنيه؟ وهل الرجل لا يضع في بيته ثوب حرير، ولا يضع في بيته ذهباً؟ لا. إن المراد انه حرام في استعماله الشخصي، أما إذا اقتنى من الذهب قناطير مقنطرة لتجارة وصناعة فلا مانع من ذلك؛ لأنه لم يلبسه، وإذا تاجر في الحرير وخزنه في بيته، أو في مستودعاته، وباع واشترى فيه، ولم يلبسه فلا مانع من ذلك.

    فحلال للنساء استعماله، وحرام على الرجال استعماله، أما القنية فلا دخل لها في ذلك، والذهب حلال للنساء مادام أنه غير مصنع، فإذا صنع نظرنا، فإن صنع أواني فلا يجوز للرجال ولا للنساء استعمال أواني الذهب والفضة، لكن المرأة تستعمله زينةً وحلياً لها فلا مانع، وإن صنعه الرجل بيده ليبيع ويشتري في صنعته حلياً للنساء فلا مانع، لكن أن يصنع ملاعق وصحوناً ونحوها فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز تصنيعه، ولا استعماله، ولا اقتناؤه في البيت للرجال ولا للنساء.

    وهنا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحرير والذهب حرام على الرجال بأي نوع من أنواع الاستعمال، وحلال للنساء على الوجه الذي تقدم، فيجوز للمرأة الحرير استعمالاً ولبساً، ما لم يكن لباس الحرير شفافاً يشف عن الجلد ويصف البشرة على ما سيأتي إن شاء الله؛ لأن المرأة مأمورة أن تستر نفسها، والذهب حلال لها أيضاً ما لم يكن في صورة الممنوع، وهو الأواني والاستعمال المباشر، أما للزينة وللحلي فلا مانع من هذا، وهذا الحديث هو القاعدة الأساسية.

    خلاف العلماء في تحلية الأطفال بالذهب

    بقي عندنا من فقه الحديث مسألة الأطفال الصغار، فالآباء يفرحون بالمولود الصغير، فإذا جاءت مناسبة أو جاء العيد قد يأتون للطفلة بأنواع من الحلي على قدرها، وأنواع من الحرير على قدرها، وإذا كان المولود ذكراً وأرادوا أن يفرحوا به ويجملوه فهل يلبسونه الحرير والذهب؛ لأنه صغير لا يجري عليه القلم، أم هم المكلفون والمسئولون عن ذلك؟

    فعند الشافعية جواز ذلك في الأعياد والمناسبات؛ لأنهم غير مكلفين، وعند مالك رحمه الله عدم جواز ذلك؛ لأن النهي عام، فالذكر وهو في بطن أمه ذكر، فإذا جاء إلى الدنيا ما تغيرت الذكورة، فيشمله وصف الذكور، فلا يجوز مالك أن يلبس الصغير حريراً أو ذهبا في عيد ولا في غيره، وغير مالك يقول: هذا طفل صغير، ولا مانع أن نفرح به ونزينه، وفي نظري أن مما يؤيد مذهب مالك مبدأ سد الذريعة، وهذا باب واسع جداً، وللأسف إلى الآن لم أجد من طلاب العلم من خصه برسالة جامعية، فقد كتبوا في كثير من أبواب الفقه إلا هذا الباب على حد علمي.

    وسد الذريعة: هو ترك المباح خشية الوقوع في غير المباح، فالنهي عنه لغيره، وأصله في كتاب الله قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، فسب الذين يدعون من دون الله جائز، فلك أن تسب الأصنام وتحطمها، ولكن إذا كان سبك لأصنامهم يحملهم على أن يسبوا الله لأنك سببت آلهتهم فلا يجوز لك ذلك، كما في الحديث: (لعن الله من لعن والديه)، وهل أحد يلعن والديه؟ نعم، كما في الحديث الآخر: (يلعن أبوي الرجل فيلعن الرجل أبويه) ، فهو سبب في لعنهما فهذا هو سد الذرائع وهو باب مهم جداً.

    وأجد كثيراً من العلماء يتحاملون على المالكية لأنهم أكثروا من هذا الباب، ولا يوجد أحد من المذاهب الأربعة إلا وقد أخذ منه ما قل أو كثر.

    وأقول: مما يمكن أن يستدل به لـمالك ويستأنس به أن الطفل إذا عودته على حلوى معينه، أو على لعبة معينة، أو على شيء معين فكبر وقد تعود على شيء أصله ممنوع فإنك تحتاج إلى معاناة في أن ترده عن هذا الذي شب عليه وعودته إياه، أما إذا عرفته من الصغر أن هذا ممنوع فقد استرحت واستراح.

    فالأولى ألا يلبس الصغار الحرير، بل ينشأون على الجد وعلى الرجولة، ولا يحلى الصبي بالذهب حتى لا يكون هو وأخته سواء، فالصبي الذي على الفطرة عندما تلبسه هو وأخته بالحرير والذهب أعتقد أنه يغضب، ويقول: هذا للبنت. ويرميه. فحينما يكون عند الطفل إحساس بما يخص البنات فإنها بادرة خير.

    فمما يؤيد مذهب مالك رحمه الله سد الذريعة حتى لا ينشأ الطفل ويتعود على الحرام.

    والآن تجد الطفلة عمرها ست سنوات تخرج مع أمها، وقد تأتي بها إلى المسجد، وثيابها إلى الركبة، فهذه حينما تنشأ على ذلك، وتبلغ الثانية عشر من عمرها، وتريد أمها أن تلبسها ساتراً إلى الكعبين هل تستطيع ذلك؟ إنها -حينئذ- ٍتقول: أريد هذا أريد القصير الذي تعودت عليه لكن لو كان في أول الأمر عرفتها بأن هذا لباسها، وذاك لباس أخيها، حينئذ يسهل على الأم أن تأمر ابنتها، وأن تستجيب البنت لها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    التحدث بنعم الله

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه)، رواه البيهقي ].

    (أنعم) (ونعمة): مأخوذان من النعومة، يقال: هذا حرير ناعم. أي: لا يؤثر على اليد، ولا يؤذي، بخلاف الصوف الخشن أو الشعر، فالوسادة التي تكون من الشعر تكون خشنة، حتى لو جلست عليها تتعب، والأرض الناعمة تستطيع أن تتكئ وتجلس عليها، ولو كانت خشنة تقلق إذا جلست عليها، وكذلك يقولون: حياة ناعمة، وفي عين النعيم، فالنعيم والنعمة من النعومة، وهو لين الملمس، وهو يدل على الراحة والدعة والطمأنينة، ويقابل هذا الخشونة، يقال: عيش خشن أو: عيشة خشنة، بمعنى: ضيق وعدم سعة وتقتير، بخلاف النعمة والنعيم.

    قوله: (إذا أنعم الله) إنعام الله سبحانه وتعالى على الخلق لا حصر له، قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وفي سورة الفاتحة صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] أي: بالهداية والاستقامة. لأن النعم تكون دنيوية، ودينية بالهداية والتوفيق والقبول، وأعظمها لطالب العلم أن يشرح الله سبحانه وتعالى صدره، وينير بصيرته، وييسر له الفقه والفهم في الدين، ثم يكمل هذه النعمة بالتوفيق للعمل بما علم، وهذه أعظم النعم عند الله.

    فإذا أنعم الله على عبد نعمة، سواءٌ أكانت في البدن، أم كانت في العقل والعلم، أم كانت في المال، أم كانت في الجاه، أم كانت في أي مجال من مجالات النعم فإن الله يحب أن يرى أثر هذه النعمة على عبده، فلا ينعم عليك ثم أنت تخفيها، فلو شاء لأعطاها لغيرك، فإذا أخفيتها كأنك تخفي نعمة الله عليك، لكن بين أثرها؛ لأن من شكر النعمة أن تظهرها اعترافاً منك بالمنعم عليك، فإذا أعطاك الله مالاً يجب أن يظهر آثار المال عليك، بأن تكرم الجيران، وتعطي المحتاج، ويظهر هذا العطاء بنعم الله على ما تنفقه، وكذلك على نفسك، وابدأ بنفسك أولاً.

    فأول ما ينبغي إظهار نعمة المال على صاحبه، ثم على من يليه من أصحاب الحقوق علية، وفي الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). ثم وسع الدائرة حتى يظهر أثر هذه النعمة، وحتى يتحدث الصالحون: فلان يشكر النعمة ويبذلها في طريقها وإذا أنعم الله عليك بالجاه يحب أن تظهر أثر هذه النعمة عليك، بأن تسعى في مصالح الآخرين، وترفع حوائجهم إلى من لم يصلوا إليهم، وإن أعطاك الله صحة في البدن فكذلك، فإذا مشيت في الطريق ووجدت إنساناً مريضاً ساعدته، أو حملته وحملت متاعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة)، والرسول صلى الله عليه وسلم مر على رجل ذبح شاة ويريد أن يسلخها ولا يعرف السلخ، والرسول يعرف، فشمر عن كمه، وأدخل يده صلى الله عليه وسلم بين الجلد واللحم وسلخها، وقال: (هكذا فافعل)، فيعلم الصنعة، ويرشد الضال، وكل هذا من إظهار النعم، فإذا رزق الإنسان مالاً فيلزم على صاحب المال أن يظهر النعمة؛ لأنه إذا أخفاها كأنه يجحد نعمة المنعم عليه، فيظن أنه مسكين ما عنده شيء، وقد أعطاه مالاً، ولكنه يدفنه في التراب ويكنزه.

    ذكر ابن حجر في فتح الباري ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل ثياباً رثة قديمة، فقال: يا فلان! إذا آتاك الله مالاً فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليك)، وقد قال الله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، والتحدث بالنعمة بأن تتحدث عنها، أو هي تتحدث عن نفسها.

    فكونك تتحدث عنها أن تقول: الحمد لله. إن ربنا أنعم علي هذه السنة بكذا. أو: جاءتني صنعة كذا. أو: المحصول هذه السنة كثير والحمد لله. أو: التجارة -والحمد لله- ربحت كذا، لأشياء تتحدث بها إظهاراً للنعمة وشكراً لله، أو أنك حينما تخرجها هي بنفسها تتكلم، كما يقال: أبت الدراهم إلا أن تطل أعناقها. فهي بنفسها تتحدث عن نفسها.

    وإذا كان هذا في باب اللباس فليس معنى ذلك أن نظهر في أبهة وفي زهو وخيلاء، والبخاري رحمه الله صدر باب اللباس في الجزء العاشر من فتح الباري بحديث: (كل واشرب والبس ما شئت في غير مخيلة ولا إسراف)، قال ابن حجر : مهما لبست من طيب الثياب وأغلاها ثمناً بلا خيلاء ولا إسراف فلا مانع.

    وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله: عجبت من الرجل يلبس الصوف والخشن من الثياب ويترك الناعم من الكتان، ويأكل الخشن من العيش ويترك اللين من الخبز!

    فهذا التقشف مع وجود النعمة يعتبر جحوداً لها وإخفاء لها، وهذا لا يليق، فالمؤلف رحمه الله أتى بهذا الحديث لأن الإنسان إذا حرم عليه الحرير لأنه ناعم ولين ومريح قد يظن أن بقية الثياب أيضاً كذلك، فكأنه قال لك: لا. بل أظهر نعمة الله عليك في مطعمك، وفي ملبسك، وفي مسكنك، وفي جميع حالاتك، من غير خيلاء، ومن غير إسراف، والله تعالى أعلم.