إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوفللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحوادث الكونية من آيات الله عز وجل العظيمة التي يخوف بها عباده، والتي يبين بها سبحانه للخلق كلهم أنه لا طاقة لهم بها، ولا يستطيعون دفعها، ومن هذه الآيات كسوف الشمس والقمر، وكذلك الزلازل والرياح العاصفة الشديدة وغيرها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما يشرع للمسلم فعله عند وقوع آية من هذه الآيات .

    1.   

    أحكام صلاة الكسوف

    الكسوف وسببه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال : (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم ، فقال الناس : انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) ].

    في هذا النص الكريم أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله الذي أحدث هذا في عهده، فبين لنا وشرع لنا ماذا نفعل.

    وأحب أن أنبه على بعض المعتقدات الجاهلة -ولا أقول: الجاهلية-، فعندما يقع كسوف أو خسوف للقمر يدق بعض الجهال الطبول، ويطوفون بالشوارع ويلعبون، فهل دق الطبول واللعب يرفع الكسوف عن القمر؟

    فنحمد الله أن هذا الحدث وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيّن لنا ماذا نفعل، وهؤلاء الذين يدقون الطبول ربما لم يعلموا السنة، أو أنهم علموها ولكن لم يطبقوا شيئاً منها، فنحمد الله سبحانه على أن الرسول علمنا.

    قوله: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم ).

    إبراهيم ولد من مارية، ومن الكنى التي كني بها النبي صلى الله عليه وسلم : (أبو إبراهيم)، وتوفي إبراهيم وهو صغير، وحين جاءوا إليه صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يحضر قال : (أن العين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ...)، ووقع هذا الحدث -الكسوف- متزامناً مع موته، فقالوا تلك المقالة؛ لأن الكسوف عندهم في اعتقادهم لا يكون إلا لأحد أمرين : إما أن يحدث ذلك لموت عظيم حزناً عليه، وإما لوقوعه في غير ما اعتادوه في علم الفلك عندهم.

    ويجب أن نعلم أن العرب هم أول أمة عنيت بالفلك، وأول أمة برعت فيه، وأول أمة وضعت خرائط للأرض، وأول أمة بينت وحددت رقعة وتضاريس الكرة الأرضية من بحار وجبال، وهذه الخرائط الأساسية هي المبدأ الأساسي في أوروبا في دراسة الفلك في العالم.

    فالعرب كان لديهم علوم في الفلك ما سبقهم إليها أحد، ونعلم استفادة العرب في تقدير الزمن بحركة النجوم، كما قال الله عز وجل: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، وكما قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:97]، فكانوا يعرفون الاتجاه ويعرفون المسير، ويؤرخون لظهور كل نجم من النجوم السيارة الاثني عشر، فهم كانوا يعرفون متى تكسف، ومتى لا تكسف، فاستغربوا كونها كسفت في غير وقتها، ولا نقول: إنهم يجهلون ذلك. كلا؛ فالنبي صلى الله عليه بيّن أن هذه المقالة خاطئة، فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)، وآيات الله كثيرة وعظيمة، كالرياح والجبال والبحار والأشجار والسموات والأرض، فالآيات الكونية عديدة جداً، وكل آية لها مهمتها، ولكن هنا قال: (يخوف الله بهما عباده)، وهذا هو الواقع، فأنت لو تأملت في القمر فإنه يكون في تمامه وهو مكتمل، وفجأة يضيق عليه ويبدأ بالتناقض.

    وبعض العلماء يقول : إن حركة الكسوف لا دخل لها في تعارض الأفلاك بعضها مع بعض، وإنما هو أمر يتجلى الله فيه للكوكب فيحدث له ذلك، ولكن لا نستطيع أن نقول هذا، وإنما هي أقوال تقال، وقد حدث أنهم عينوا أنه سيكسف الكوكب كسوفاً جزئياً في وقت كذا في مكان كذا، وكسوفاً كلياً في الساعة الفلانية في مكان كذا، وحدث كما عينوا، وقد اجتمع علماء الفلك في موريتانيا في مرة من المرات وعلقوا المراصد ورصدوا الكسوف كاملاً للشمس.

    قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته).

    إذا عرفنا أنهما لا ينكسفان لموته فكيف لحياته؟

    قالوا: ربما كان مريضاً مرضاً شديداً وتعافى، فنقول: المعافاة نعمة فكيف انكسفت لها الشمس؟ قالوا: يمكن أنها انكسفت لولادة شخص سيئ سيسيئ إلى العالم، فانكسفت لما سيلحق بالعالم من مضار ومفاسد، فالرسول صلى الله عليه وسلم أتى بالمتقابلين فقال: (آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد) وتأكيداً لهذا النفي أنها لا تنكسف لموت أحد قال: (ولا لحياته). والله أعلم.

    الواجب عند كسوف الشمس أو القمر

    قوله: [(فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا)]؛ لأن هذه حالة شدة وحالة إنذار، فالذي يحدث في النظام العالمي شيئاً من التغيير هو قادر على أن يغير العالم كله في لحظة، ولذا فإن الكوارث الأخرى تحدث في لحظة من اللحظات وكم تدمر، وكم يحصل فيها من التغيير، كما سيأتي في آخر الباب إن شاء الله.

    وقوله: (فادعوا الله) أي: إلى أن يأتي وقت الصلاة ادعوا الله أن يرحمنا، وادعوا الله أن يكشفها، وادعوا الله أن لا ينزل بنا سوءاً، وادعوا الله بكل ما فيه اللجوء إليه سبحانه وتعالى أن يكشف ما بنا، ثم مع الدعاء الصلاة .

    قوله: [(فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف)].

    أي: حتى تنكشف الشمس، أو ينجلي القمر .

    [وفي رواية للبخاري : (حتى تنجلي) ].

    ذلك لأنها تظلم عند كسوفها، ويجب على المسلمين أن يبحثوا في هذه المسألة أبحاثاً علمية، وقد تكون هذه الأبحاث موجودة ولكن نحن ما وقفنا عليها.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعز سبب الكسوف إلى عارض، حتى إنه لم يقل : حتى يزول العارض ولكن قال : (حتى تنجلي) فهذا الأثر في الكسوف قد يكون في عين الشمس بذاتها، وقد يكون حتى تنجلي الشمس عما بها، وقد يكون حتى تنكشف الشمس عما حل بها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وللبخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه : (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) ].

    هنا (حتى ينكشف ما بكم) أي: من الغم والخوف والرهبة التي حصلت بوقوع هذا الحدث المغاير للمعتاد.

    صفة صلاة الكسوف

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها : (أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم ].

    هنا المؤلف رحمه الله بعد أن جاء بحديث: (ادعوا وصلوا) جاء بحديث عائشة لتشرح لنا فيه كيفية هذه الصلاة المطلوبة.

    فذكرت رضي الله تعالى عنها أن الصلاة في الكسوف تكون على الصفة الآتية:

    أولاً: الجهر بالقراءة، والجهر بالقراءة مبحث فقهي طويل، فهل قولها: (جهر بالقراءة) في خصوص الشمس أو في خصوص القمر؟ لأن الشمس نهارية والصلاة في النهار سرية، والقمر ليلي والصلاة في الليل جهرية، فهل نجهر في كلتا الحالتين أو نجهر فيما يجهر فيه فقط؟

    المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يقول : نجهر في الحالتين ؛ لأن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (جهر)، والبعض يقول: يكون الجهر في الذي محله الجهر، ويكون الإسرار في الذي محله الإسرار، ومن العلماء من يقول: يسر في كلتا الحالتين.

    ثم قالت: (يصلي أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات).

    في قولها: (أربع ركعات في ركعتين) -كما يقولون- المشترك اللفظي؛ لأن المراد بالركعة هنا: الركوع، لأنها قالت: (في ركعتين) وقالت: (أربع سجدات)، والأربع السجدات لا تكون إلا لركعتين لكل ركعة سجدتان، فقولها: (أربع ركعات) هذه الركعات أين تكون؟ وكم عددها؟

    قالوا: في الركعة الأولى يركع ثم يرفع، ثم يركع مرة ثانية ثم يرفع، ثم يسجد، وفي الركعة الثانية كذلك، وأما عدد الركعات في الركعة الواحدة فسيأتي الخلاف في ذلك.

    فالإجماع على أن صلاة الكسوف ركعتان، وإنما الخلاف في عدد ركعات كل ركعة، فهنا في الحديث ركوعان، وجاءت روايات بثلاثة ركوعات، وستة ركوعات، وثمانية ركوعات.

    والذي عليه الجمهور هوما جاء في حديث عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بصلاة الكسوف، وأنه صلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، بمعنى: أربعة ركوعات في الركعتين.

    وسيأتي التفصيل بأنه صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة، ثم قرأ طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع نحواً من ذلك، ثم رفع وقرأ نحواً من ذلك، ثم ركع نحواً من ذلك، وهكذا حتى أتم الركعتين.

    وبعض العلماء يأخذها بالتفصيل الهندسي ويقول: يقرأ في الركوع الأول سورة البقرة، وفي الركوع الثاني مقدار سبعين في المائة منها، وفي الذي بعده مقدار خمسين في المائة، وهكذا يتدرج وينزل، وليس بلازم أن تكون سورة البقرة بعينها، بل مقدارها؛ لأن الموقف موقف شديد وعصيب ومخيف، مما يقتضي أن يكون العبد في تلك الحالة بين يدي الله سبحانه وتعالى.

    قوله: [وفي رواية له: (فبعث منادياً ينادي : الصلاة جامعة)].

    هنا الزائد في هذه الصلاة عن صلاة العيد: (فبعث منادياً ينادي : الصلاة جامعة) الصلاةَ بالنصب، منصوبة على الإغراء والتحريض، وأما بالضم فلا أعرف له وجهاً، وهذا من أجل أن يحثهم ويحرضهم على الحضور إليها.

    وقد تقدم أن العيد لا يحتاج إلى نداء ؛ لأن الناس يذهبون بأنفسهم إلى المصلى، فقد انتظروه من قبل يوم أو يومين، ولكن الكسوف أمر طارئ طرأ والناس في بيوتهم وأعمالهم، فينبههم، ولا ينبههم بالآذان؛ لأنه خاص بالصلوات الخمس.

    فمن المصلحة أن يرسل في الطرقات وعلى المياه وفي مجامع الناس، وفي الأسواق من ينادي: الصلاة جامعة، وهذا هو المعمول به الآن في المدينة النبوية، وفي كثير من البلدان، والله تعالى أعلم.

    حديث ابن عباس في صفة صلاة الكسوف

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : (انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فقام قياماً طويلاً) ].

    الذي عليه الجمهور أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف مرة واحدة، فكيف اختلف الروايات في عدد الركوعات؟

    فـابن عباس رضي الله تعالى عنهما يبين لنا التفصيل في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف، قال : (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -وبعضهم يذكر يوم موت إبراهيم، وبعضهم قد يترك هذا التاريخ-

    فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة).

    والسلف رضوان الله عليهم كانوا يقدرون الزمن بالقراءة، أي: بقدر ما يمكن أن يقرأ الإنسان في ذلك التوقيت، كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الصيام حين سأله سائل: كم كان بين سحوركم والصلاة ؟ قال: (قدر خمسين آية)، فالتقدير للزمن بمقدار القراءة أمر تقريبي؛ لأن هناك من يسرع في القراءة، وهناك من يبطئ، والكل يعرف مقدار قراءة سورة البقرة أو آل عمران فـابن عباس وصف لنا طول قيامه صلى الله عليه وسلم من أول ما دخل في الصلاة.

    ولنعلم أن الفاتحة تُقرأ قبل البقرة؛ لأن الفاتحة في كل ركعة، ولكن هل يعيدها المصلي عندما يرفع من الركوع الأول للركوع الثاني حينما يجدد القراءة؟ قالوا: لا؛ لأنها ركعة واحدة فتكفي فيها الفاتحة مرة واحدة.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قام طويلاً بقدر ما تقرأ سورة البقرة مع الفاتحة، وبعضهم قال: يأتي أيضاً بدعاء الاستفتاح.

    وابن عباس لم يحدد ما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فقال الذين قالوا بالجهر: ابن عباس لم يسمع القراءة؛ لأنه كان بعيداً. والذين قالوا بالسرية قالوا: ابن عباس كان بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع ماذا قرأ؛ لأنه لم يجهر وسيأتي هذا في مبحث الجهر والإسرار.

    قال: (ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول).

    هنا لم يحدد لنا مقدار الركوع، لكنه أيضاً ركوع طويل، وقوله: (ثم رفع) أي: رفع بعد الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً لكنه دون الركوع الأول، وبعضهم ينص ويقول : بقدر قراءة سورة آل عمران؛ لأنها تنقص عن البقرة قليلاً، فهناك من حدد القيام الثاني، وهم مجمعون على أن كل قيام هو أقل من الذي قبله، سواءٌ أكان في الركوع الثاني، أم الثالث، أم الرابع عند من يقول بتعدد الركوع.

    قال (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول).

    أولاً ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً أقل من الأول، ثم ركع ركوعاً ثانياً وهو أقل من الركوع الأول، ثم سجد في حديث ابن عباس، فركع ركوعين ثم سجد، ولم يفصل لنا ابن عباس طول السجود من عدمه، وغيره يقول : سجد سجوداً طويلاً، ففي قوله: (وسجد) عندنا سجدتان وجلسة بين السجدتين، ومقدار هاتين السجدتين والجلسة لم يذكره ابن عباس، وغير ابن عباس ذكره وقال: (سجد سجوداً طويلاً، ثم جلس -أي بين السجدتين- ولم يطل، ثم سجد السجدة الثانية وهي دون السجدة الأولى، ثم قام) أي : إلى الركعة الثانية.

    قال: (ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول).

    أي: قام إلى الركعة الثانية، وقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، والأول بالنسبة لهذه الركعة الثانية هل يكون هو الثاني بعد الركوع الأول، أو هو القيام الأول الذي هو أول قيام في الصلاة والذي هو بقدر البقرة؟ الاحتمال موجود، وقد قيل بالقولين، ولكن نظراً لأن الصلاة تأخذ بالتناقص تدريجياً نحمل هذا القيام على القيام الذي هو دون البقرة.

    فنقول: في الركعة الأولى قرأ -مثلاً- بمائتي آية، وفي القيام الثاني من الركعة الأولى قرأ بمائة وخمسين، فلما قام إلى الركعة الثانية قرأ في قيامه الأول من الركعة الثانية بمقدار مائة آية، أي: أن كل قيام يكون أقل من الذي قبله.

    قال المؤلف رحمه الله: [ (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول) ].

    دون الركوع الأول الذي يعتبر الركوع الثاني بالنسبة للركعة الأولى، أي: أنه تدرج في تنقيص الزمن في كل من القيام ومن الركوع، أي: كل ركن أقل من الذي قبله.

    قال (ثم رفع، فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول).

    أي: دون القيام الأول في الركعة الثانية .

    قال (ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول).

    أي: دون الركوع الأول في الركعة الثانية .

    قال: (ثم رفع رأسه ثم سجد).

    أي: ثم سجد بعد الركوعين اللذين في الركعة الثانية.

    قال: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس).

    قبل الانصراف كان هناك السجود والجلسة بين السجدتين، وكذلك التشهد، والمعنى: ثم انصرف بعد أن أتم الصلاة وقد انجلت الشمس .

    و(انجلت) معناه: ظهر نورها؛ لأن الكسوف تغير اللون إلى سواد، والخسوف -كما يقولون- هو النقصان، فقوله: (انجلت) أي : انجلى ما عليها من غشاء، أو ما عليها من ظلمة، وصارت ناصعة نقية كالمعتاد.

    الخطبة بعد صلاة الكسوف

    قال: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس).

    في قوله هنا: (فخطب الناس) اختلف العلماء أيضاً في الخطبة، فبعضهم يقول: خطب. وبعضهم يقول: لم يخطب، وإنما وقف وبين للناس خطأ ما كانوا يعتقدون، فقال: (إنما هما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، وجاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنه صلى الله عليه وسلم حث الناس على الاستغفار وعلى الصدقة وعلى العتق)، فالذين قالوا: خطب هذه هي شروط الخطبة عندهم؛ لأنه حمد الله وأثنى عليه، ثم حث على التقوى والاستغفار، وأمر ونهى.

    والآخرون قالوا : هذه لا تسمى خطبة، وإنما تسمى موعظة، أو تصحيح خطأ، أو إرشاداً لما ينبغي أن يعملوه، ولهذا فأكثر الأئمة الأربعة لا يرون للكسوف خطبة، ويرون أن ما توجه به صلى الله عليه وسلم من كلام بعد الصلاة إنما هو بيان للحقيقة، وتوجيه لخلاف ما كانوا يعتقدون في الجاهلية.

    الخلاف في عدد الركوعات في صلاة الكسوف والراجح في ذلك

    قال: [وفي رواية لـمسلم : (صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات)].

    في رواية ابن عباس عند البخاري ومسلم التي ساقها المؤلف أولاً أربعة ركوعات في ركعتين، يعني أن في كل ركعة ركوعين، ثم جاءنا بزيادة عند مسلم فيها أنه صلى ثماني ركوعات، أي أنه ركع في كل ركعة أربعة ركوعات، فرواية ابن عباس بذاتها يختلف فيها البخاري ومسلم ، فـالبخاري يتفق مع مسلم على أن الركوع ركوعان في الركعة، ومسلم ينفرد بزيادة أن الركوعات كانت ثمانية.

    وهنا بداية الخلاف بين العلماء، وكما يقول الشوكاني رحمه الله: إن قدر أن الصلاة تعددت فالأمر سهل، وتُحمل كل واحدة من الصلاتين على عدد، فمرةً صلى صلاة بأربعة ركوعات، ومرةً أخرى صلى بثمانية ركوعات، ويكون ذلك بحسب انجلاء الشمس وعدمه ؛ لأن في بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم كان يوكَّل رجلاً بعد كل ركعة أن ينظر إلى الشمس هل انجلت أو لا فإن قدر أو احتمل أن الصلاة تعددت فيكون الجمع هيناً، فيقال: تارةً انجلت بسرعة فاكتفى بركوعين، وتارةً طال الكسوف فأطال في الصلاة وركع أربعة ركوعات في كل ركعة.

    أما إذا لم تثبت صلاة الكسوف أكثر من مرة، ورجح وصح عند الجميع أنه صلاها مرة واحدة، وأنها لم تكسف في عهده صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة يوم أن مات إبراهيم، فلا يمكن أن يقع في صلاة واحدة ركوعان وأربعة وخمسة وثمانية.

    فإن قيل: فما العمل؟ قلنا: إن منهج علماء الحديث فيما تعارض واختلف أنه إن أمكن الجمع صير إليه، وإن لم يمكن الجمع يصار إلى الترجيح، وإمكان الجمع لا يتأتى في هذه؛ لأنها صلاة واحدة والموقف واحد، بخلاف ما إذا أمكن الجمع، فعلى سبيل المثال -فيما يمكن فيه الجمع- جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما وقال : يا ابن عباس! والله إني قد وجد في صدري شيء، قال: ماذا يا ابن أخي؟! قال: ما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، وإني لأسمع من يقول: إنه لبى من مصلاه -أي : قبل أن يركب الراحلة-، وأسمع آخر يقول : لبى حينما انبعثت به راحلته -يعني : على ظهر الناقة-، وأسمع من يقول : لبى بالبيداء -أي: بعد أن طلع من الوادي إلى البيداء- وهي حجة واحدة، فكيف يكون هذا الخلاف؟

    قال ابن عباس : تعال -يا ابن أخي!- أبين لك -وهذا هو فقه الحديث، وهو الجمع بين الروايات المختلفة التي يمكن الجمع بينها بحيث لا تتعارض رواية مع أخرى- قال: يا ابن أخي! إن النبي صلى الله عليه وسلم لبى في مصلاه، فسمع بذلك أقوام فأخبروا بما سمعوا، ثم لما استوت به راحلته لبى فسمع بذلك أقوام، ولم يكونوا قد سمعوا التلبية الأولى فأخبروا بما سمعوا، فلما أتى البيداء لبى فسمع بذلك أقوام لم يكونوا قد سمعوا ما قبلها، وكل أخبر بما سمع، وكل صادق.

    فهنا أمكن الجمع ولم يوجد تعارض لاختلاف الزمان، ولكن هنا الصلاة واحدة، فقالوا: إما الترجيح وإما النسخ، والنسخ لا يأتي إلا في حادثتين إحداهما متأخرة عن الثانية، وتكون الثانية ناسخة للأولى .

    فإذا لم يثبت التعدد لم يبق إلا الترجيح، فنظروا في تلك الروايات التي جاءت بالتعدد تارة بعدد، وتارةً بعدد آخر، فرجحوا بعضها على بعض، وأول خطوة في الترجيح هي الترجيح بالصحة، فحديث ابن عباس الذي جاء بركوعين في الركعة الواحدة متفق عليه بين الشيخين، والذي جاء بأربعة ركوعات في الركعة الواحدة انفرد به مسلم عن صاحبه، وعند علماء الحديث أن الذي يرجح هو أقوى الروايات، وهي الرواية المتفق عليها، ويليها ما انفرد بها واحد منهما، ثم يليها ما جاء في بعض السنن والمسانيد وهي صحيحة، فإذا جاءت الرواية متفقاً عليها بين الشيخين: البخاري ومسلم فهذه رواية عالية في سندها وصحتها، فإذا تعارض الحديث المتفق عليه مع ما انفرد به واحد منهما، فالأقوى والأرجح هو المتفق عليه.

    وكما يقولون في باب العول في الفرائض: كان علي رضي الله عنه لا يرى العول، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يرى العول في مسائل الفرائض، وقال به وأمضاه.

    ولما آلت الخلافة إلى علي جاءت إليه قضية فيها عول، فقال: أنا لا أرى العول، قالوا له : لقد وافقت عمر عليه! فقال: لقد كان رجلاً شديداً مهاباً فقالوا: لأمر اتفقت معه عليه أحب إلينا مما انفردت به. فالمتفق عليه بين عمر وعلي أقوى من الذي انفرد به علي.

    فهذه طريقة من طرق الترجيح، فعندنا رواية ركوعين وأربعة ركوعات، فعمدنا إلى الترجيح فوجدنا أن رواية الركوعين في ركعة واحدة هي الأرجح.

    وقد يقول قائل: ماذا نفعل في رواية مسلم وهو من أئمة الحديث؟ نقول: إذا جاءت رواية صحيحة وعارضت رواية أصح منها، مثل رواية اتفق عليها الشيخان والأخرى انفرد بها أحدهما، فهي شاذة، وبعض العلماء يقول في هذه الرواية: ضعيفة؛ لأن فيها فلاناً وهو مدلس، ولكن الصحيح هو أن نعتبر الحديث الذي خالف أصح منه شاذاً، والشاذ لا يعمل به، فيعمل بالمتفق عليه ولا يعمل بالشاذ.

    ونظير هذا أيضاً ما جاء في قضية زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة ، فهناك من يروي: أنه تزوجها وهو حلال بعد أن تحلل من العمرة، ومنهم من يروي: أنه تزوجها وهو محرم، وكل من الأئمة قد أخذ بأحد هاتين الروايتين، فبعضهم أخذ بأنه تزوجها وهو حلال، وبعضهم أخذ رواية أنه تزوجها وهو محرم، فاختلفت الروايتان وكلتاهما صحيحتان، قالوا: لما تعارضت الروايتان جمعنا الطرق فوجدنا من يروي بأنه تزوجها وهو محرم ليس له علاقة بالقضية، ووجدنا من يروي أنه تزوجها وهو حلال كان هو السفير بينهما، أي: الواسطة بين رسول الله وبين ميمونة رضي الله تعالى عنها، فيكون على ذلك الأعرف بالقضية هو من كان الواسطة.

    كما وجدنا أن ميمونة نفسها صاحبة القصة أخبرت بأنه تزوجها وهو حلال، فرواية (تزوجها وهو محرم) صحيحة، ورواية السفير بينهما ورواية صاحبة القصة بأنه تزوجها بعد أن تحلل أيضاً صحيحة، فنأخذ برواية السفير بينهما، وبرواية صاحبة القصة، ونقول في الرواية الأخرى: هي شاذة؛ لأن فيها ثقة خالف الثقات.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك ].

    أي: مثل حديث ابن عباس، ونقول: ليس عندنا إلا الترجيح.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وله عن جابر (صلى ست ركعات بأربع سجدات) ].

    أي: أن في كل ركعة ثلاثة ركوعات، ونعود إلى حل هذه القضية بالترجيح، فـمسلم انفرد برواية ابن عباس بأربعة ركوعات في كل ركعة، وبرواية جابر بأنها ثلاثة ركوعات في كل ركعة، فكل هذا مما انفرد به مسلم عما اتفق عليه مع البخاري .

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولـأبي داود عن أبي بن كعب رضي الله عنه : (صلى فركع خمس ركعات وسجد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك) ].

    وهذه الرواية دون الروايات الأولى المتفق عليها بين البخاري ومسلم ، والتي انفرد بها مسلم ، وهذه الرواية أخرجها أبو داود فتكون أنزل من التي قبلها.

    ورواية الخمس أخذ بها العترة كما يقول الشوكاني .

    فنخرج من هذا الخلاف ونقول: إن تعدد الركوعات قد جاءت به الروايات، وكلها لا يمكن أن تقاوم رواية (ركوعين)، ولهذا أخذ الجمهور بأن صلاة الكسوف ركعتان، وأن في كل ركعة ركوعين.

    وهناك من يرى الجمع ويقول: لا نلغي تلك الروايات كلها، ولكن ننظر إلى الحالة ؛ لأن في الرواية الأولى لـعائشة ولـابن عباس: (ثم انجلت الشمس) فإذا صلينا ولم تنجلِ، فبعض العلماء يقول: نطيل في الركوع إلى أن تنجلي أو نأخذ برواية الأربعة أو برواية الخمسة الركوعات حتى تنجلي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى حتى انجلت، وحالات الكسوف ليست سواءً كما أشرنا، فقد يكون الكسوف جزئياً بسيطاً، وقد يكون كاملا مطبقاً.

    وبعضهم يقول: بل نبقى على ما رجح وثبت، وهو ركوعان في كل ركعة، فإذا انتهت الركعتان بركوعين في كل ركعة وانجلت فالحمد لله، وإذا لم تنجلِ فلا نطيل ولا نعيد الصلاة من جديد، ولكن نلزم الاستغفار والدعاء والتسبيح وذكر الله سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الصلاة للآيات الكونية كالريح والزلازل

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (ما هبت الريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: اللهم! اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً) رواه الشافعي والطبراني ].

    هذه الرواية يسوقها المؤلف مقدمة للحالات الكونية العامة، فكسوف الشمس والقمر آية كونية، وتقدم لنا كيف نعمل، ولكن إذا وقعت آية أخرى مثل ريح عاصف شديدة أو زلزال أو شيء آخر من النوازل الكونية الشديدة، فماذا يكون الحال؟

    بين لنا ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هبت الريح جثا على ركبتيه، وهي صورة تذلل وخضوع واستكانة والتجاء واعتراف بالضعف والافتقار إلى من جثا إليه، وجاء نظير ذلك حينما قام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس في أمر ما، فقام رجل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالاً خاصاً به، فغضب صلى الله عليه وسلم، والسؤال هو أن الرجل قال: (من أبي ؟ قال : أبوك فلان ونسبه إلى أبيه، وقام آخر وقال : من أبي ؟ قال : أبوك فلان، ونسبه إلى غير أبيه، وظهر الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلا أن قام وجثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : نستغفر الله ونتوب إليه يا رسول الله! آمنا بالله وبأنك نبينا، وجعل يقول مثل هذا بين يدي رسول الله حتى سري عن رسول الله ).

    فهذه الحالة إنما تعطي صورة اللجوء والاستكانة والضعف وإظهار الذلة، وهكذا الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فكان إذا رأى الريح الشديدة خاف؛ لأن أمماً كثيرة قد أُهلكت بالريح، فخاف أن تكون عذاباً، فجثا على ركبتيه وسأل الله أن تكون رحمة لا أن تكون عذاباً، وهكذا ينبغي للأمة عند هبوب الريح الشديدة المخيفة أن يتضرعوا إلى الله بأن يجعلها الله ريح رحمة لا ريح عذاب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعنه رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى في زلزلة ست ركعات وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات) رواه البيهقي ].

    جاء أن الرياح لا يصلى لها، والزلزال يصلى له، فإذا وقع الزلزال صلى الناس حتى لا يتواصل أو يزيد، وذكر لنا هنا ستة ركوعات في ركعتين، وهذا العدد أيضاً مختلف فيه، وهذه الرواية رواها البيهقي ، فهي خارجة عن الكتب الستة وهي: - البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجة ، هذه الكتب الستة هي المعتبرة بالدرجة الأولى عند علماء الحديث، وما جاء بعد ذلك فهو دونها في الرتبة، فقد يأتي بالصحيح وقد يأتي بما دونه .

    فمن قال بالصلاة في الزلزال قال: إن صورتها كصورة صلاة الكسوف، وبعضهم يقول : لا مانع إذا زاد في عدد الركوعات في الزلزال.

    فالحوادث الكونية يجب على العالَم كله أن يرجع إلى الله فيها؛ لأنه لا طاقة له بها، سواءٌ في الزلزال أم في غيره من الحوادث الكونية، فإنه لا قدرة له بها، فهذه مسائل تدل على القدرة الإلهية، وليس للخلق فيها طاقة إلا بالرجوع إليه سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.