إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [8]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يتعلق بصلاة الجمعة اختلاف العلماء في عدد من تنعقد بهم الجمعة، وفي المعذورين ممن لم يحضرها، وهل تنعقد بهم إذا حضروها، وكذلك آداب المستمعين في الجلوس وقت الخطبة، ومشروعية اتخاذ الخطيب عصا أو قوساً يتكئ عليه حال الخطبة.

    1.   

    وقت الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله عز وجل شيئاً إلا أعطاه أياه، وأشار بيده يقللها) متفق عليه، وفي رواية لـمسلم : (وهي ساعة خفيفة) ].

    قوله: (خفيفة) كأنها تفسير (يقللها)، وذكروا أنه صلى الله عليه وسلم وضع طرف الإبهام على الوسطى أو الخنصر، أي: أنه شيء قليل جداً، فليست ساعة من الساعات الزمنية المعروفة التي ينقسم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة منها.

    [ وعن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة) رواه مسلم ، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة .

    وفي حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه عند ابن ماجة وعن جابر رضي الله عنه عند أبي داود والنسائي : (أنها ما بين صلاة العصر وغروب الشمس) وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً أمليتها في شرح البخاري.].

    هذان الحديثان يعتبران أصح الأقوال التي قيلت من ثلاثة وأربعين وقتاً، وابن عبد البر رحمه الله أورد تلك الأقوال بأسانيدها، ومن يقول بها، وهذا شيء لا نستطيع أن نحفظه ولا نستطيع أن نورده بكامله، ولكن نرشد طالب العلم إلى محله وهو في الجزء الثالث والعشرين من التمهيد، لمن أراد أن يرجع إليه.

    ويهمنا باتفاق العلماء بأن كل الأقوال التي جاءت بتحديد وقت قبل جلوس الإمام أو قبل الأذان للجمعة كلها مردودة أو ضعيفة، ولكن الأحاديث الصحيحة التي يعوّل على أسانيدها هو هذا الذي جاء ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تتم الصلاة، وهناك من يقول: إلى أن تتم الخطبة، ولكن نقول: إن التمديد إلى الصلاة أشمل؛ لأنها تجمع الخطبة معها.

    والقول الثاني: حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه: أن وقتها ما بعد صلاة العصر، ثم ما بعد صلاة العصر فيه عدة أقوال، حتى قيل: حينما يشرع القرص في الغروب، وقالوا: إن فاطمة رضي الله عنها كانت تأخذ بهذا القول، وتوصي غلاماً لها ينظر لها قرص الشمس إذا أخذ في الغروب أخبرها فقامت تدعو.

    وقالوا: كان أحد السلف إذا صلى العصر جلس ولم يكلم أحداً إلى أن تغرب الشمس، يدعو الله سبحانه وتعالى انتهازاً أو تحرياً لتلك الساعة إلى غروب الشمس.

    ثم إن بعضهم يقول: حتى يكون الظل كذا .. حتى تصفر الشمس .. حتى يغرب القرص، فكان ما بعد صلاة العصر يجلس في مكانه إلى أن تغرب الشمس، والله تعالى أعلم.

    1.   

    العدد المعتبر الذين تنعقد بهم الجمعة

    [ وعن جابر رضي الله عنه قال: (مضت السنة أن في كل أربعين فصاعداً جمعة) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف ].

    هذا الحديث موضوعه في عدد الذين تنعقد بهم الجمعة.

    وأعتقد أنه تقدم الكلام في مثل هذا، ومن رجع إلى تتمة أضواء البيان عند الكلام على سورة الجمعة يجد الأقوال هناك متفاوتة، ولم يصح نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد الجمعة.

    والمتأمل يجد أن هناك من يقول: ثلاثة أشخاص مع الإمام، أو شخصان مع الإمام، وهناك الإمام والمؤذن أخذاً من قوله سبحانه: إِذَا نُودِيَ [الجمعة:9] فهناك منادِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا [الجمعة:9] وهناك من يسعى، إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] وهناك من يذكر الله، فقالوا: إذاً هناك المنادي وهو المؤذن، وهناك من يذكر الله وهو الإمام، وهناك من كلف بالسعي، وأقل الجمع ثلاثة.

    فقوله: (فاسعوا) يصدق على الواحد والثلاثة، فإذا كانوا ثلاثة يسعون وواحد يؤذن وواحد يذكر الله، فهؤلاء خمسة، فإذا وجد خمسة أشخاص وجبت عليهم الجمعة.

    وهناك من قال: أقل عدد يكون اثني عشر أخذاً من قصة التجارة، لما كان صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة وكانت الخطبة بعد الصلاة، ثم قام يخطب فجاءت التجارة، ودقت لها الطبول، فخرج الناس إليها ولم يبق ممن كان عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (لو خرجوا جميعاً لسال الوادي عليهم ناراً)، فقالوا: هذا العدد حفظ الله به الصحابة من أن يهلكوا، وسماع الخطبة جزء من الجمعة حتى أنهم قالوا: هي بدل الركعتين الأخريين، ويأتي الخلاف في سماع الخطبة هل هو واجب أو سنة، وهل تصح الصلاة بدونه أو لا تصح؟!

    وأجيب عن هذا وذاك: أن أول جمعة أقيمت في المدينة المنورة كانوا نحواً من أربعين رجلاً، فقالوا: كون الذين بقوا عند مجيء رسول الله وقت الخطبة عند مجيء العير للتجارة اثني عشر، هذه خطيئة وقعت فجأة ويمكن كان أن يبقى عشرون، ويمكن أن يبقى عشرة أو خمسة، فهذا ليس منضبطاً بعدد، إنما صادف أن الذين بقوا اثنا عشر رجلاً، كذلك صادف الذين صلوا الجمعة أول ما كانوا أبعين رجلاً، ثم جاء خبر جابر ، ولكن نبه المؤلف رحمه الله على ضعف هذا الحديث.

    فالذي قال ثلاثة أبو حنيفة رحمه الله، والذي قال اثنا عشر رجلاً أحمد ومن وافقه، والذي قال أربعون الشافعي رحمه الله، والذي قاله مالك هو ما يمكن أن يكون كقاعدة عامة ليست مرتبطة بعدد هندسي ولا حسابي، فقال: كل جماعة أقامت في قرية واستقرت، وفيها أميرها وسوقها وجبت عليهم الجمعة سواء كانوا كثيراً أو قليلاً؛ لأنها وحدة سكنية قائمة بذاتها.

    وأشرنا سابقاً -أيها الإخوة- بأن هذا القول هو الذي يفيده السياق في آخر السورة الكريمة؛ لأن الله سبحانه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، أي: اتركوا البيع، فلو كانوا اثنين أو ثلاثة لم يكن هناك بيع كثير حتى يحتاج أن نقول: اتركوه؛ لأنها صفة حصلت وأنت ماش ما تستغرق شيئاً، لكن تدل على وجود سوق وأن البيع قائم، والناس يتبايعون ويُشغلون عن الجمعة: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9].

    فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا [الجمعة:10] هل يقال لاثنين وثلاثة: انتشروا؟! الانتشار يكون للعدد الكثير.

    إذاً: هل وجدتم سوقاً قائماً في الخلاء أو في الفلاة دون وجود قرية لها رئاسة؟! لابد من وجود خادم ووجود ولي أمر وحاكم ليفض النزاعات التي تقع في الغالب بين المتبايعين في الأسواق وإلا حلت الفوضى.

    إذاً: هذه وحدة قروية كما يقال مستكملة وقائمة بذاتها، فهذه المجموعة عليها أن تصلي الجمعة سواء كانت عشرين أو مائتين أو أكثر أو أقل، وعلى هذا يضيف المالكية: ويمكن لهذه الجماعة أن تدافع عن نفسها، بمعنى: لو داهمها حيوان أو وحش أو قطاع طرق لكانوا بمجموعهم يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، ولذا قال: تجب الجمعة على قرية يستقرون فيها احتياطاً من بيوت الشعر، وهم الذين يتبعون القطر والغيث والمرعى فلن يستقروا في مكان، فهؤلاء ليست عليهم جمعة كما يقول مالك رحمه الله.

    إذاً: قضية العدد ليس فيها نص، وإنما كلها اجتهاديات، وأولى الأقوال في ذلك ما جاء عن مالك رحمه الله؛ لأنه كلام من واقع الحياة ومن وجود القرى والمستوطنين فيها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    من آداب الخطبة استغفار الخطيب للمؤمنين والمؤمنات

    [وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة) رواه البزار بإسناد لين. ]

    الغرض هنا الدعاء في الخطبة (للمؤمنين المؤمنات) أي: على العموم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لآحاد الناس، وهذه سنة للخطيب أن يستغفر في خطبته للمؤمنين والمؤمنات، ونتناول موضوع دعاء الخطيب لولي أمر المسلمين.

    فبعضهم يقول: لا مجال له، لأن هذه عبادة لله، ولا ينبغي تعظيم غير الله.

    وقال الآخرون: إن الدعاء لإمام المسلمين بالصلاح والإصلاح والبطانة الصالحة، هو خير للمسلمين جميعاً، كما قال أحمد رحمه الله: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها إلى ولي أمر المسلمين؛ لأن في إصلاحه صلاح المسلمين.

    إذاً: لا مانع أن يدعو الخطيب لما يصلح الإمام في الدين والدنيا لا في مصالحه الخاصة والشخصية، ولكن لمصلحة عموم المسلمين، فعندما يقول: اللهم وفقه لما فيه الخير، اللهم سدد خطاه، اللهم انصر به الإسلام والمسلمين، اللهم اجعله عوناً على طاعتك، وأيد له بطانة تدله على الخير وتعينه عليه، فهذه كلها دعوات ليست راجعة لنفس ولي الأمر في ذاته، بل راجعة لعامة المسلمين.

    إذاً: لا مانع في ذلك وهذا الحديث أصل في هذا وبالله التوفيق.

    1.   

    قراءة النبي صلى الله عليه وسلم الآيات في خطبة الجمعة

    [عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن؛ يذكر الناس) رواه أبو داود وأصله في مسلم . ]

    تقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة (ق) على المنبر، وهنا أتى بهذا الحديث ليبين أن من شروط الخطبة: أن يأتي بآيات من كتاب الله فيها موعظة وتوجيه وآداب، فسورة (ق) طويلة وكلها مواعظ، وفيها إثبات البعث وفيها خلق الإنسان.. وغير ذلك.

    ولا يستطيع كل إنسان في كل جمعة أن يقرأها، فربما يطول الأمر على الناس، لكن لابد للخطيب أن يأتي بآية من كتاب الله في الخطبة، وجعلوها ركناً من أركان الخطبة التي هي: حمد الله، والشهادتان، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية من كتاب الله، ثم يأتي بالموضوع الذي يريده.

    1.   

    الأشخاص الذين لا تجب عليهم صلاة الجمعة

    [وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض) رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى ].

    هذا الحديث يبين حكم الإتيان إلى الجمعة وأهل الأعذار الذين تسقط عنهم؛ لأن هذين الأمرين متلازمين وهنا: (الجمعة حق على كل مسلم)، ثم جاء الاستثناء لأربعة، وجيء بخامس وهو المسافر، وكل هذه الأصناف لها بحثها إن شاء الله، لكن يهمنا قوله: (حق على كل مسلم)؛ لأن الموجود في أذهان كثير من الناس: أن إتيان الجمعة مندوب أو سنة مؤكدة، ولكن ليعلم الإخوان بالتتبع، ومن أراد فليرجع إلى تتمة أضواء البيان عند هذا المبحث، فسيجد نقول المذاهب الأربعة على أن الجمعة فرض عين على كل مكلف ممن لم يستثن ولم تسقط عنه الجمعة من الأصناف الأربعة أو الخمسة.

    ويكفي وعيداً في عدم المجيء إليها قوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاث مرات بغير عذر طبع الله على قلبه)، وهذا ما جاء إلا في المنافقين والعياذ بالله، وكما قالوا رحمهم الله في الاتفاق: هي فرض يومها، أما الذين سقطت عنهم أو لم يدركوها سواء كان بعذرٍ قام بهم كالمملوك والمرأة والصغير والمريض والمسافر، أو لشيء نقص عليه وهو مستكمل الشروط، كأن غلب عليه نوم أو شغل أو بعد عليه السبب أو المسافة، فحينئذٍ يصلي الظهر، إذاً: القادر المستطيع الذي يدخل تحت تكليف يوم الجمعة واجب عليه أن يأتيها.

    وقد كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يأتون إليها من العالية ومن قباء، وكان يأمرهم صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي الشريف، ثم بعد ذلك أذن لهم لما كثر الناس وشق عليهم النزول، وصار الأمر على خلاف ما كان سابقاً، وتقام كل جمعة في نفس القرية لا في قرية أخرى وهذا سيأتي عليه بحث آخر إنشاء الله.

    إذاً: الجمعة حق على كل مسلم وفرض عين كالعصر والمغرب والعشاء والظهر في غير يومها.

    أما من تسقط عنهم الجمعة فمنه ما هو موضع اتفاق ومنه ما هو موضع خلاف.

    [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على مسافر جمعة) رواه الطبراني بإسناد ضعيف. ]

    تقدم الكلام على مقدمة هذا الحديث من حديث طارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم)، واستثنى الأربعة من عموم المسلمين: المملوك والمرأة والصبي والمريض، وسمعنا المؤلف رحمه الله يقول: إن الحديث ضعيف، وقالوا: إن طارقاً لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون الحديث مرسلاً؛ لأن طارقاً تابعي، وبعضهم يقول: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يسمع منه فيكون حديثه مرسلاً، ولكن قالوا: جاء الحديث برواية طارق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث تلقى بالقبول وعليه العمل، ولكن الخلاف في بعض تلك الأصناف وفيها تفصيل، أما قوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة)، فهذا تقدم الكلام عليه من أن الجمعة في يومها فرض عين، وهي فريضة اليوم وقوله: (في جماعة) شرط في الجمعة، أي: لا تصح فرادى، ومن فاتته لعذر أو غير ذلك فلا يصلي جمعة وإنما يصلي ظهراً، والأصناف التي استثنيت هي كما يلي:

    أولاً: المملوك

    والمملوك يصدق على الذكر والأنثى الأمة والعبد، وهو المعبر عنه بملك اليمين، وهذا أمر مفروغ منه، وفيه خلاف بين الجمهور والظاهرية؛ لأن داود بن علي رحمه الله يقول: إنه عليه الجمعة مستدلاً بعموم قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وقال: إنه من عموم الذين آمنوا، وأخذ بذلك ابن حزم رحمه الله، يقول ابن قدامة في المغني: هي رواية عن أحمد . ولكن الجمهور والرواية الأخرى عن أحمد أن المملوك في حكم مالكه ومنفعته لسيده فلا تجب عليه؛ لأنه مطالب بحق آخر، وإذا أذن له سيده فعليه أن يحضر، وإذا حضر أجزأت عنه وأغنت عن الفريضة يومها.

    إذاً: الجمهور على أن المملوك لا جمعة عليه أساساً، وإذا إذن له سيده بحضور الجمعة أجزأته، ولكن يرى الجمهور أن حضوره لا يمكن أن يعتبر في تمام العدد عند من يشترط عدداً معيناً، فمن يشترط اثني عشر رجلاً قال: لا يكون فيهم مملوك، ومن اشترط الأربعين قال: لا يكون فيهم مملوك، بل يكون المملوك زائداً عن عدد الأربعين، وزائداً عن عدد الاثني عشر أي: يجب أن يوجد ممن تجب عليهم الجمعة ابتداءً العدد المطلوب.

    ثانياً: المرأة

    النوع الثاني: المرأة، وهذا بالإجماع، ولكن بعض العلماء يقول: المرأة إذا أرادت أن تحضر الجمعة لسماع الموعظة أو لتتثقف في دينها، فإنه ينظر: إن كانت امرأة كبيرة في السن فلا مانع، وإن كانت شابة يخشى فتنتها فلا تحضر.

    والآخرون يقولون: مطلق امرأة إذا أذن لها زوجها أو وليها، بالشروط المعتبرة في خروج المرأة كالتستر الكامل الذي تصح به صلاة المرأة وهو أن تكون لابسة درعاً وخماراً سابغاً، أي: أن الدرع يغطي ظهور القدمين، وكذلك عدم التعرض للطيب، ولا لمواطن الزحام، فإذا أمنت من هذه الجوانب وحضرت الجمعة فإنها تجزئها ولا تطالب بظهر.

    ثالثاً: الصغير

    والثالث: الصغير: وهذا بإجماع العلماء؛ لأن الصغير دون سن التكليف ليس بواجب عليه أن يحضر الجمعة، وإذا حضرت المرأة أو حضر الصغير أيضاً فلا يحسب في العدد الذي تصح به الجمعة.

    ويكون حضور المرأة أو الصغير أو المملوك زائداً عن العدد الذي يشترطه من يشترط عدداً معيناً.

    رابعاً: المريض

    الرابع: المريض: قالوا: والمريض على قسمين:

    - مريض يمكن أن يتحمل ويأتي الجمعة، فإذا حضرها أجزأته، وعد من العدد المطلوب؛ لأن سقوطها عنه ليس أصالة كالصبي أو كالمرأة، ولكن سقوطها عنه لمرضه تخفيفاً عليه، فإذا تحمل وحضر يكون قد تحمل في سبيل حضورها وهو أصلاً من أهلها، فحينئذٍ تصح منه وتنعقد به.

    - أما إذا كان المرض ثقيلاً يشق عليه الحضور سقطت عنه الجمعة.

    خامساً: المسافر

    ثم يأتي بالرواية الأخرى ويضيف إلى ذلك خامساً وهو: المسافر.

    والمسافر في الجملة حصل الاتفاق على أنه لا جمعة عليه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سافر في غزوات عدة ولم ينقل عنه أنه صلى الله عليه وسلم في أي غزوة ولا في أي سفرة صلى جمعة، بل بالإجماع كان السفر للحج والوقوف بعرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، ولم يثبت أنه صلى الجمعة، بل صلى الظهر ركعتين قصراً والعصر ركعتين وجمع بينهما.

    ولما جاء أبو يوسف ولقي مالكاً رحم الله الجميع وتذاكرا هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات جمعة أم صلى ظهراً؟ فقال مالك : صلى ظهراً. فقال أبو يوسف : ألم يصل ركعتين ويخطب بالناس؟ قال مالك : بلى. قال: هذه هي الجمعة ركعتان مع الخطبة. قال: أرأيت جهر بالقراءة أم أسر بها؟ قال: أسر بها. قال: هذا الظهر، والجمعة يجهر فيها بالقرآن، وهكذا أيها الإخوة أسلوب العلماء في المذاكرة دون مناكرة أو شقاق أو غضب أو شيء من ذلك، فرجع كل إلى الأصل واقتنع أبو يوسف رحمه الله أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كانت ظهراً، وبهذا اتفقوا في الجملة على أن المسافر لا جمعة عليه.

    ولماذا لا جمعة عليه؟ قالوا: لأن المسافر تلحقه مشقة، ومن عناء السفر قصرت عليه الصلوات الرباعية فهو في حاجة ومشقة، فتكليفه بحضور الجمعة بما لها من شروط قد يلحق به مشقة زائدة.

    ولهذه النظرة نجد بعض الفقهاء يفصل قالوا: المسافر على حالتين:

    - مسافر عابر سبيل، نزل بقرية في يوم الجمعة وهو على نية الرحيل في يومها، أي: أنه على ظهر طريق، فهذا يتفقون على أنه لا جمعة عليه.

    - مسافر نزل في قرية قبل الجمعة بيوم أو يومين وسيستمر بعد الجمعة بيوم أو يومين فقالوا: هذا مسافر، ولكن نزل واستقر، فانتفت عنه مظنة التعب والمشقة، فهذا عليه أن يأتي، والجمهور قالوا: مادام أن له حكم المسافر وله يقصر الصلاة على ما تقدم في مدة المقيم إقامة مؤقتة، فحينئذٍ حكم السفر مازال معه واليوم كاليومين إلى الأربعة الأيام سواء.

    إذاً: المسافر والذي نزل نزولاً مؤقتاً في طريقه فإنه لا جمعة عليه، وإذا حضر، قالوا: إذا حضر تحتسب له وتجزئه عن يومها، ولكن لا يكون في عدد الجمعة لماذا؟ لأن الأصل سقوطها عنه.

    إذاً: هؤلاء الخمسة الأشخاص لا جمعة عليهم.

    نجد أن هناك قولاً منفرداً، وهو يأتي عن أبي يوسف رحمه الله صاحب أبي حنيفة رحمه الله؛ يقول: يلحق بهؤلاء الخمسة الأعمى؛ لأنه تلحقه المشقة في حضور الجمعة، ولكن كما قال ابن قدامة في المغني: هذا قول شاذ؛ لأن الأعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر عن حضور الجماعة وقال: بيني وبين هذا المسجد هذا الوادي وليس لي قائد، وفي الطريق كذا وكذا.. واسترخص بأن يصلي في بيته فأذن له، وبعد أن أدبر دعاه فقال: أتسمع النداء؟ قال: بلى قال: أجب، فيقول الجمهور: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص له في ترك الجماعة في الصلوات الخمس، والجمعة آكد، فلأن لا يرخص له في الجمعة من باب أولى.

    إذاً: الذي عليه الجمهور هو أن الجمعة تسقط عن خمسة أصناف: المملوك والمرأة والصبي والمريض والمسافر على ما تقدم، وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    من آداب المستمعين مع الخطيب استقباله بوجوههم

    [ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا) رواه الترمذي بإسناد ضعيف، وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة .

    وعن الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: (شهدنا الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود ].

    بعد أن بين وجوب الجمعة على الأعيان وأنها فرض عين، ومن استثنى من ذلك من تلك الأصناف الخمسة ذكر آداب المصلين مع الخطيب فقال: إذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر -أي: للخطبة- استقبلناه بوجوهنا.

    العادة الطبيعية أن المصلين مستقبلون القبلة، والمنبر في قبلية المسجد، فإذا صعد الإمام اتجه إلى الشمال والمصلون متجهون إلى القبلة، فهم مستقبلون بوجوههم، ولكن هذا يصدق لمن هو باتجاه المنبر سواء، أما ميمنة الصف وميسرة الصف فليسوا مستقبلين، إذاً: على من يكون في الميمنة أو في الميسرة أن يستدير ويستقبل الخطيب بوجهه، وليس بلازم أن يستدير بجسمه كاملاً بأن يكون واجهته إلى المنبر.

    ولو كان جالساً وأدار وجهه إلى الخطيب مستقبلاً القبلة بصدره، ومديراً وجهه إلى الإمام على المنبر مستقبلاً إياه بوجهه، فهذا من علامات الأدب والإصغاء، والنظر إلى الخطيب وهو يخطب ومتابعته في هذه الحالة توكيد للسماع وتقوية للمعنى؛ لأن حواسه كلها مع الخطيب يسمع بأذنه ويرى بعينه.

    وعلى هذا تكون السنة ونحن بالمسجد النبوي فيها مشكلة؛ لأنه دون بقية المساجد، فالمنبر يوجد في حد المسجد النبوي الأول في عهده صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت الزيادة التي في القبلة على سمت باب السلام إلى الحجرة، وكانت تسمى الطُرقة (طُرقة باب السلام) طرقة المُسلّمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والآن مكان المنبر لا يمكن أن يغير؛ لأنه موضوع على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف المنبر إلى القبلة عدة صفوف أربعة.. خمسة.. ستة على حسب الزحام، ماذا يفعل أولئك الذين في جلوسهم مستدبرين المنبر؟ السنة أن يواجهوا الخطيب بوجوههم ولا يعطونه ظهورهم؛ لأن هذا من علامات الإعراض، وبعضهم يقول: كيف نستدبر القبلة ونستقبل المنبر، ولكن لم أجد من استثنى ذلك المكان، فاستقبال الخطيب بالوجه في عامة المساجد هي السنة، ولا يوجد تساؤل إلا في هذا المسجد النبوي وبالنسبة لطرقه فقط.

    كذلك الخطيب في مكة المصلون مستقبلون المنبر طبيعياً؛ لأنهم يستقبلون الكعبة بشكل دائمٍ، والمنبر لاصق بالكعبة، فغاية ما هناك أن الذين تقع الكعبة بينهم وبين المنبر لا يستطيعون أن يتطاولوا عليها ولا أن يزيلوها، لكنهم استقبلوا الخطيب بوجوههم، فسواء حصل حاجز أو لم يحصل فذلك ليس بأيديهم.

    إذاً: السنة في المستمع أن يستقبل الخطيب بوجهه.

    ولذا اتفق الجميع -ما عدا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله ولكن الصحيح عنه كقول الجمهور- أن السنة في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبله بوجهك وتستدبر القبلة؛ لأن أدب الخطاب أن تواجه من تخاطب، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي فأرد عليه السلام)، فهل تريد أن يرد عليك السلام وأنت مدبر عنه؟ وعند الإمام أبي حنيفة كما ينقلون عنه: إن الأدب أن يقف بجانب الحجرة فيجعلها عن يساره أو عن يمينه، ويستقبل القبلة عند السلام؛ لأن السلام قربة وعبادة، وقبلة القربة والعبادة الكعبة، فيستقبل الكعبة بوجهه ويسلم على النبي من جانبه كما يحدث شخص إنساناً آخر عن جانبه، ولكن الذي رأيناه في مسند أبي حنيفة رحمه الله -وهو مطبوع مع مسند الشافعي رحمهما الله- رواية أبي حنيفة أن السنة والأدب أن تستقبل النبي صلى الله عليه وسلم أي: الحجرة الشريفة عند السلام عليه.

    فيكون قد وافق الجمهور في أن الأدب عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل الحجرة الشريفة فيستقبل وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    اتكاء النبي صلى الله عليه وسلم على العصا والقوس وقت الخطبة

    [وعن الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: (شهدنا الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام متوكئاً على عصاً أو قوسٍ) رواه أبو داود ].

    توكؤ الخطيب على شيء في يده مظهر من مظاهر الخطابة عند العرب قبل وبعد الإسلام، فكانوا إذا كان الخطيب في قوم لابد أن يكون على نشز مرتفع أو على ظهر ناقته أو جواده؛ لأنه بارتفاعه يشرف على أكثر عدد ممكن، وبارتفاعه يبلغ صوته أكثر مما لو كان منخفضاً.

    ومن هنا كانت الخطبة على المنبر، وإن كان أصل المنبر في المسجد النبوي الشريف شفقة بطول قيام رسول الله، كان صلى الله عليه وسلم يقوم على قدميه في الروضة فيخطب متكئاً على جذع، فكان يتكئ عليه ويخطب، فرأت امرأة من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم يقف ويطيل القيام، ويبادل بين قدميه لطول الوقوف، فقالت: يا رسول الله! إن لي غلاماً نجاراً فهل تأذن له أن يصنع لك منبراً تجلس عليه حين تقوم، فأذن له، فذهب الغلام وجاء بأعواد من الطرفة من الغابة عند ملتقى الأسيال وراء بئر رومة وصنع المنبر من ثلاث درجات، درجة أولى، والدرجة الثانية عليها القدمان، والدرجة الثالثة يجلس عليها، فانتقل صلى الله عليه وسلم من موقفه واقفاً إلى موقع المنبر للجلوس عليه.

    وكان من شأن الجذع أن حن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع المصلون حنين الجذع لرسول الله ونزل إليه فالتزمه كما يهدئ الأب ولده أو الأم طفلها وقال: (إن شئت أخذتك فغرزتك فأورقت وأثمرت وأينعت، وإن شئت كنت من غرس الجنة؟ قال: أريد أن أكون من غرس الجنة، فدفنه صلى الله عليه وسلم في الروضة في أصل المنبر).

    إذاً: صنع المنبر ابتداءً لراحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ثلاث درجات كما هو معلوم، فجاء الناس وصنعوا المنبر واعتبروه من جهة راحةً للخطيب ومن جهة للإشراف عليهم ليكون أدعى لانتشار الصوت وبعده.

    ولهذا كانت السنة أن الخطيب يكون على مكان مرتفع فإلم يكن فعلى ظهر بعيره، وإلا فعلى ظهر فرسه، فجاء الإسلام وجعل المنبر للخطيب، وكان الخطيب يعتمد على قوسٍ أو عصا، فالقوس من أدوات القتال والعصا من أدوات التوكؤ فيقول الأدباء: إذا كان موضوع الخطبة يتعلق بالقتال والجهاد من هذه الناحية كان الاتكاء على قوس إشعاراً بجدية الموضوع، وإن كانت الخطبة مثلاً في أمور سلمية اتكأ على عصا؛ لأن العصا تشعر بعدم الحرب، والقوس يشعر بالشدة والقتال.

    فهنا كلمة (أو) تكون مشعرة بالشك، أو أنه أحياناً يتكئ على قوس وأحياناً على عصا، فأحياناً صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ويهيئ الجيوش فيندبهم إلى القتال، والذي يناسب في هذه الحالة أن يكون متكئاً على قوس.

    وأحياناً يخطبهم ويبين لهم بعض ما يرد عليه أو بعض ما يعرض لهم من إشكالات وأحياناً يقول: أيها الناس! احضروا المنبر، ويكون لأمر دنيوي أو تشريعي فيكون الاعتماد على عصاً، ولو كان على المنبر، والاتكاء -أيها الإخوة- أثناء الخطابة يساعد الخطيب على استرساله في موضوعه.

    ومن العجيب أنهم كانوا في أثناء القتال في التاريخ الأول يأتي الخطيب وبيده السيف، فيصعد المنبر وهو مستل سيفه يتكئ عليه، فيخطب وهو متكئ على السيف بدلاً عن القوس وإذا جئت إلى بعض مساجد الأرياف خارج المملكة تجد السيف مصنوعاً من خشب على المنبر يحاكي ما كان سابقاً فيأتي الخطيب ويصعد المنبر وبيده سيف من خشب، لا حول ولا قوة إلا بالله! تقليد! والسيف الخشب سيشعر بقتال.

    إذاً: انتقلت تلك العادة حتى أدت إلى هذا التقليد بهذه الحالة، ولكن لابد إما أن يكون عصاً فعلاً وإما أن يكون قوساً، فإذا لم تدع الحاجة لذلك ولا يوجد، ولا تعود الناس على ذلك صعد وأمسك بيده جانب المنبر، وبعضهم يقول: يضع اليمنى على اليسرى، وبعضهم يقول: اليدين على جانبي المنبر.. إلى آخره.

    ويذكر بعض الأدباء في عادة الخطباء أنه لابد أن تكون يده في شيء محسوس.

    وبعض النكت عن بعض الأدباء يقولون: مفتاح عقل الخطيب في شيء يتعوده، وذكروا عن خطيب غير عربي كان بليغاً جداً، ولاحظ شخص أنه عند الحديث يمسك زرار السترة، ويعبث به طيلة ما يتكلم، فجاء إنسان وعند بدئه للصعود للخطبة قطع هذا الزرار، فوقف ليخطب فأخذ يحسس ويطلب الزرار فلم يجده فضاع عليه المفتاح، فلعله من باب شيء في يده محسوس على حسب ما تعود يساعده حتى يسترسل في موضوعه إلى غير ذلك، لكن الأصل كما يقول الأدباء: أن يعتمد الخطيب على شيء إما عصا أو قوس وذلك بحسب مناسبة الخطبة، وكما يقال: لكل مقال مقال.

    وهنا يا إخوان ينبه العلماء: أنه إن اعتمد على عصا أو قوس إنما يكون لمجرد الاعتماد، لا أن يرفعها للتهديد أو يدق المنبر بها، إنما تكون في يده يعتمد عليها، إذاً: عمل للعصا ولا للقوس، وإنما هي اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يدق بها درج المنبر أو يشهرها على الناس أو يهدد بها.