إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [7]

كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة [7]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للصلاة آداباً كثيرة، منها ما يتعلق بكيفيه أدائها، ومنها ما يتعلق بحال الذاهب لتأديتها وهيئته، وما يجب عليه أن يتصف به، ومن ذلك أن الواجب على الذاهب لتأدية الصلاة أن يتصف بالسكينة والوقار، حتى يدخل في الصلاة وهو مطمئن حاضر القلب يعي صلاته، فما أدركه من الصلاة فليصل، وما فاته فليتم، ولا يشرع له أن يركع دون الصف، فقد قال صلى الله عليه وسلم لمن فعل ذلك: (زادك الله حرصاً ولا تعد).

    1.   

    تابع أحكام صلاة الجماعة

    حكم الركوع قبل الدخول في الصف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تعد) رواه البخاري ، وزاد أبو ذر فيه: (فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف) ].

    أبو بكرة رضي الله تعالى عنه له قصة في تسميته بهذا الاسم، فلما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفاً في الطائف وطال الحصار تدلى هذا الصحابي الجليل -واسمه نفيع بن الحارث- من على سور الطائف على بكَرة، وهي: ناقة الإبل، أو التي يُسحب عليها الحبل، فإما أنه كانت ناقة عند السور فتدلى ونزل على ظهرها ثم نزل إلى الأرض، وإما جاء ببكرة وأدخل الحبل في البكرة وتدلى حتى نزل.

    فأياً كان سبب التسمية فيهمنا فيما فعل وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه.

    يقول أبو بكرة رضي الله تعالى عنه انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أتيت المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكعاً، فخشيت أن يرفع رأسه فتفوتني الركعة، فركعت قبل أن أصل إلى الصف، ثم دببت حتى دخلت فيه.

    فصورة ما حدث أنه لما دخل المسجد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم راكعاً خاف أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع، وفتفوته الركعة، فركع ودب ماشياً حتى دخل في الصف.

    فالذي فات أبا بكرة من الركعة تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة.

    أما تكبيرة الإحرام فعلى المسبوق في مثل صورة أبي بكرة أن يأتي بتكبيرة الإحرام قبل أن يهوي راكعاً، ويتعين عليه ذلك، وإذا كان قد ضاق الوقت عليه فهي تكفيه عن تكبيرة الانتقال من القيام إلى الركوع.

    فحين يكون الإنسان قائماً ويريد أن يركع يكبر تكبيرة ثانية بعد تكبيرة الإحرام، فإذا جاء والوقت ضيق، وكبر تكبيرة الإحرام وركع فإن تكبيرة الإحرام تجزئه عن تكبيرة الانتقال، لكن إذا كبر ونوى بها تكبيرة الركوع لم تنعقد صلاته.

    فعلى المسبوق في مثل ذلك أن يأتي بتكبيرة الإحرام وهو قائم وصدره إلى القبلة، أو -كما يقال- ووجهه إلى القبلة.

    وبعد أن يأتي بالتكبيرة يكون قد أدرك تكبيرة الإحرام، ثم بعد تكبيرة الإحرام وقبل الركوع قراءة الفاتحة، وهذا ركع ولم يقرأ، فتدارك تكبيرة الإحرام قبل أن يدخل في الصلاة، وهذا فعله واجتهاده.

    وبعدما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد).

    والنبي صلى الله عليه وسلم أحس بالدبيب، فسأل: من الذي فعل ذلك؟ قال أبو بكرة : أنا يا رسول الله، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم عليه: (زادك الله حرصاً)، فالحامل له على هذا الحرص على إدراك الركعة، فمن الممكن أن تكون ركعة ثانية أو ثالثة أو رابعة في الصلاة، لكنه حريص على أن يدرك هذه الركعة.

    فأقره على حرصه، لكن سيأتي في المجيء إلى الصلاة قوله: (... وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).

    خلاف العلماء في قوله: (ولا تعُد)

    وقوله: (تَعُد): نبهنا سابقاً أنها يمكن أن تكون (تَعُد) من العودة لمثل ذلك، ويمكن أن تكون (تُعِد)، والفرق الفتحة والضمة، و(تُعِد) من الإعادة.

    فيكون المعنى: زادك الله حرصاً ولا تُعِد الصلاة..

    أوزادك الله حرصاً ولا تعد لمثل تلك الصورة.

    ويمكن أن يكون المعنى: زادك الله حرصاً ولا تَعْدُ، من العَدْو والجري.

    والكلمة في التصريح صالحة لهذا كله؛ لأن: (عاد، يعود) من العود، فهو أجوف معتل العين بالواو، (عَوَد)، والمعتل الأجوف إذا دخل عليه الجازم سقطت عينه، كقال. يقول. لم تقل، وباع. يبيع. لم يبع، فسقطت العين، ولسكون الحرف الأخير، فتكون: (زادك الله حرصاً ولا تَعُد).

    (ولا تُعِد) من أعاد يعيد، فهو أيضاً أجوف معتل بالياء، فتسقط عين الكلمة بالجزم، ويكون صالحاً لمعنى الإعادة.

    وأما (لا تَعْدُ) من (عَدَوَ) وحرف العلة هنا اللام؛ لأن فاء الكلمة هي العين، والدال هي عين الكلمة، والواو هي لام الكلمة، فهو معتل الآخر بالواو ناقص واوي كما يقولون، والقاعدة أن الناقص الواوي إذا دخل عليه جازم كانت علامة جزمه حذف حرف العلة، مثال ذلك: (لم يسع)، (لم يدع)، فتحذف (الألف) من (سعى)، و(الواو) من (يدعو). وهنا كذلك: يعدو، فلام الكلمة حرف علة، والقاعدة النحوية أن الفعل المعتل الآخر يجزم وعلامة جزمه حرف العلة.

    فالكلمة من حيث هي في رسمها تُرسم بالياء، أو بالتاء، فما الذي سقط منها، هو الواو أو الياء الذان هما عين الكلمة من العود والإعادة، أم أن الذي سقط هو الواو لام الكلمة؟ كل ذلك محتمل.

    ونرجع إلى هذه الاحتمالات، فلو أخذناها على قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تَعُد) أي: لمثل ذلك قالوا: نهاه أن يعود لمثل هذا الفعل، فوقف عند هذا النهي قوم، وقالوا: نهاه أن يعود لمثل ذلك؛ لأنه بنى على إدراك الركعة، وقد فاتته الفاتحة، وهذا باطل.

    والآخرون قالوا: نهاه أن يعود لأن صورة الإنسان حين يدب وهو راكع تشبه صورة الحيوان وهو يمشي، وهذه صورة لا ينبغي للإنسان أن يفعلها.

    وآخرون قالوا: (ولا تَعْدُ) أي: من العدو؛ لأن هذا يتنافى مع الخشوع في الصلاة.

    والذين قالوا: (ولا تُعِد) معناه أن صلاتك اكتملت ولا تحتاج إلى إعادة قالوا للآخرين: إن كان قوله: (ولا تَعْدُ) (ولا تَعُدْ) كما قلتم لصورة مشي الحيوان أو لغيرها، فهل الصلاة صحيحة أم لا؟ إن قلتم: صحيحة فهذا الذي نريد، وإن قلتم: غير صحيحة. فهل أعادها أبو بكرة؟ والجواب: لم يعدها، وبعض الاحتمالات (ولا تُعِد) أي: لا تعد الصلاة لأنها كاملة.

    ومن هنا أخذوا أن المسبوق إذا جاء وأدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة، وسقطت عنه قراءة الفاتحة.

    ففي المساجد يأتي الإنسان مسبوقاً ويريد أن يتقدم إلى الصفوف الأُول، فإذا ركع الإمام هل يركع ويدب إلى الصف، أم أنه يمشي إلى أن يصل إلى الصف ويقوم فيه؟

    الأولى أن يمشي سوياً إلى أن يصل إلى الصف ويركع، لا أن يركع دون الصف ويكون في صف منقطع عن الصفوف، ولا أن يركض من أجل أن يلحق ويدرك الإمام قبل أن يرفع، إلا في حالة واحدة يمكن أن يسرع فيها، وهي إذا خاف أن يسلم الإمام وتفوته الجماعة كلها، ففي هذا العاطفة تتحرك قليلاً، والبعض يقول: ولو فاتت الجماعة؛ لأن له أجر الجماعة ولو وجد الناس قد صلوا، وفيه ورد حديث صحيح.

    لكن إذا كان الأمر أوسع من ذلك فلا ينبغي الركض في المسجد، ولا الركوع قبل الصف وبينهما فرجة بعيدة، ولكن بقدر المستطاع يمشي سوياً إلى أن يأتي إلى الصف ويصلي.

    حكم صلاة المنفرد خلف الصف وخلاف العلماء فيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان، وله عن طلق بن علي رضي الله عنه: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، وزاد الطبراني في حديث وابصة : (ألا دخلت معهم أو اجتررت رجلاً)].

    هذا الحديث يعتبر في نظري من المشكلات، فيروي لنا وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة.

    وفي بعض الروايات رآه يصلي فانتظره حتى فرغ من صلاته فقال: (استقبل صلاتك؛ فلا صلاة لمنفرد خلف الصف).

    فهذه نصوص صريحة أنه لا صلاة لإنسان ينفرد وحده خلف الصف، وتحت هذا تفريعات عديدة، فنأخذ أولاً الأصل في المسألة، ونأتيها من أعلى كما يقال.

    يرى الإمام أحمد رحمه الله أن الحديث على ظاهره، فمن صلى صلاة أوقع فيها ركعة كاملة خلف الصف فصلاته باطلة، ومعنى (ركعة كاملة) أنه لو جاء منفرداً وكبر والإمام يقرأ، وظل مع الإمام حتى سجد الإمام، وقام للركعة الثانية، يكون أكمل ركعة منفرداً، ثم جاء من يقف معه، فعند أحمد الركعة باطلة، أما إذا وقف منفرداً وقبل أن يركع الإمام جاء آخر وصف معه، فقد خرج عن كونه منفرداً.

    وغير أحمد -رحم الله الجميع- يقول: إن النهي هنا إنما هو للكراهة، وتصح الصلاة منفرداً خلف الصف.

    وكيف تفعلون في هذا النهي؟

    قالوا: هذا للكراهة، والأولى أن يكون مع غيره، ثم جاؤوا بأمور عقلية واستنتاجية.

    أما الأمور العقلية فـالنووي يقول في المجموع: إن صحة الصلاة ثابتة عقلاً، قال: إذا جاء اثنان وموقفهما خلف الإمام، فكبر أحدهما والآخر لا زال يعدل في موقفه، فقد سبق أحدهما الآخر في تكبيرة الإحرام، ففي تلك اللحظة عقد تكبيرة الإحرام -وهي جزء من الصلاة- منفرداً والذي معه لم يكبر بعد، فيعتبر منفرداً، ولا يقول أحد بأن صلاة أحدهما باطلة.

    ويقولون أيضاً: قصة ابن عباس لما صلى عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أداره من خلفه. فعند مروره خلف النبي صلى الله عليه وسلم كان وحده، في جزء من الصلاة، وما بطلت لكونه خلف الإمام وحده.

    وهل هذا يرد على أحمد أم لا يرد عليه؟

    الجواب: لا يرد عليه؛ لأن أحمد اشترط أن يقع الانفراد في ركعة كاملة، وهذه ليست بركعة.

    وابن عباس لما أداره رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل كان قبل الخطوة التي أداره عندها خلف الصف وحده؟

    ولهذا أقول: إنه من الإشكالات، فالنص صريح، ولكن الأئمة الثلاثة يقولون: الصلاة صحيحة، ونحن نقول: النص صريح مع أحمد ، والكثرة واضحة مع الجمهور.

    ويأتي بعد ذلك علاج الموقف، فإذا جاء والصفوف مكتملة، وما عنده أحد يصلي معه، فإنه يأخذ من الصف رجلاً معه، ويترتب على هذا تكليف آخر.

    فإذا جاء وحده والناس جلوس في التشهد فالحنابلة يقولون: لو جاء والناس في التشهد وليس من السهل أن يرجع إنسان وهو في جلسة التشهد فإنه يجلس في طرف الصف، أو في وسطه ملصقاً ركبتيه إلى ظهر الذي يليه.

    المشروع في هيئة الإتيان إلى الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) متفق عليه واللفظ للبخاري ].

    هذا الحديث يشتمل على مسألتين:

    المسألة الأولى: كيفية الإتيان إلى صلاة الجماعة، والمسألة الثانية: ماذا يفعل المسبوق فيما سُبِق به.

    ويقولون: إن سبب هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة فسمع جلبة (حركة)، فلما سلم سأل ما هذه الحركة؟ قالوا: تعجلنا للصلاة. أي: استعجلنا لندرك الصلاة. ولعله كان في الركوع ليدركوا الركعة، أو كان في التشهد ليدركوا الصلاة قبل أن يسلم.

    فالمهم أنه حملهم على ذلك الحرص على إدراك الصلاة، بقصد الخير وفعل الخير، ولكن هذا اجتهاد منهم، فنبههم صلى الله عليه وسلم قائلاً: (إذا سمعتم الإقامة)، والتنصيص هنا على: (سمعتم الإقامة)، وفي بعض الروايات: (ثوب للصلاة)، أي: قال المقيم: حي على الصلاة حي على الفلاح. قد قامت الصلاة، قال: (فامشوا إلى الصلاة)، والمشي: هو الانتقال بحركة طبيعية، والسعي والإسراع أشد من ذلك، قال: (وعليكم السكينة).

    وفي حق الجمعة يقول تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، فهل هي المقصودة بالمنهي عنه بقوله هنا: (لا تسعوا)، (لا تسرعوا)؟

    قالوا: لا. فقوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) بمعنى قولك: سعيت في قضاء حاجة فلان. وسعيت في تحقيق الأمر الفلاني، يعني: أخذت بأسبابه.

    (فَاسْعَوْا) يعني: فخذوا بالأسباب التي كلفتم بها للحضور إلى الجمعة، فإذا سمعتَ الأذان فقم واغتسل حالاً، والبس، وأت إلى المسجد، ولا تسرع.

    وهنا يبين صلى الله عليه وسلم بقوله: (فامشوا)، يعني: لا تجروا، ولا تسرعوا. فالسعي هناك هو الأخذ بالأسباب، وليس سرعة الخُطا.

    قال: (وعليكم السكينة والوقار)، انظر إلى هذا السمت في حركة من حركات الإنسان في أداء حق لله، فأنت آت إلى الصلاة، وهي صلة بينك وبين الله، وكيف تكون الصلة؟! وكيف تصل نفسك بالله؟ تصل نفسك بالله وأنت في أكمل حالة من خشوع وخضوع وتذلل بين يدي رب العالمين. ومتى يتم لك ذلك؟ هل عندما تأتي إلى الصف وقد حفزك النفس فتلهث ولا تدري ما تقول، أو تأتي إلى الصف وأنت تعمل عملية حساب ربح وخسارة، وعمل ما كنت تعمل فيه؟ لا.

    قوله: (فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة) قالوا: السكينة: المشي بهدوء في خطوات مرتبة، وقالوا: الوقار: هو مرادف للسكينة، وجاء تأكيداً لها، وعلماء اللغة المحققون يقولون: السكينة لها معنى والوقار له معنى مستقل، وكلاهما مطلوب في هذا الموضع.

    أما السكينة فتتعلق بالحركة، فتمشي على مهل كأنك ساكن، وأما الوقار فأصله مادة (وَقَرَ)، وهي: الثِّقَل، ومنه قوله تعالى: وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام:25] فـ(وَقْر) يعني ثِقَل، والشخص المتأني الوقور يمشي كأنه الجمل الموقر، ليس من باب الكبر، ولا من باب العجز، ولكن من باب التواضع.

    فهناك الحركة والتؤدة، وليست هناك الخفة والرعونة، وهناك الحالة والهيئة، وهي الوقار وحسن السمت، وقد جاء عند البخاري رحمه الله: (حسن السمت من الإيمان)، ولذا قالوا: المؤمن في سمته، وفي مظهره، وفي لباسه، وفي مشيته، وفي حركاته ينبغي أن يكون على أحسن ما يكون.

    ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (أحب لطالب العلم بياض الثياب ووقاره).

    الأمر بالسكينة والوقار فيه الحث على التبكير إلى الصلاة

    فعلى هذا ينبغي أن يكون المجيء إلى الصلاة حينما تسمع المؤذن على المنارة يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح. أما إذا تأخرت إلى أن جاء الأذان الثاني وهو الإقامة وما بعدها فقد قصرت وتأخرت، وقد عاتب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه عثمان رضي الله تعالى عنه لما جاء متأخراً.

    وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي تخطى رقاب الناس: (اجلس؛ فقد آذيت وآنيت)، و(آنيت): تأخرت في المجيء بعد الأوان، و(آذيت): تخطيت رقاب الناس، وحرمة الناس عظيمة، فكذلك هذا المسبوق هذا الذي تأخر يضطر إلى أن يدرك بعض ما فات بالجري.

    ففي هذا الحديث أدب من آداب الإسلام، وهو حسن السمت والوقار للمسلم، ولذا جاء في بعض النصوص: (إياكم وهيشات الأسواق!)، أي: المرج والحركة والذهاب والمجيء بدون نظام هذا في أسواق الدنيا، أما أسواق الآخرة -وهي المساجد- فيجب أن يكون فيها الهدوء والسكينة والطمأنينة.

    وبعض العلماء يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: (وعليكم السكينة والوقار): إن الذي يأتي إلى الصلاة من خروجه من بيته إلى أن يقف في الصف هو في صلاة.

    قالوا: إذن ينبغي عليه مادام حكمه حكم الذي في الصلاة أن يتأدب بآداب المصلي، ومنها السكينة والوقار، وجاءت الأحاديث أيضاً وفيها أنه إذا تطهر في بيته وخرج إلى المسجد لا يرفع رجله اليمنى إلا بحسنة، ولا يضع رجله اليسرى إلا بتكفير خطيئة ، إلى أن يأتي إلى الصلاة، ويكون قد حطت عنه ذنوبه، وتكون الصلاة له نافلة.

    وجاءت النصوص أيضاً أن من فاته شيء من الصلاة فأتمها فله أجر الجماعة كاملاً، ومن جاء ووجد الناس قد صلوا وصلى وحده أو ومعه غيره فقد أدرك ثواب الجماعة بنية مجيئه وبقدر اجتهاده، ولكن لا يستوي مع من جاء قبل أن تقام الصلاة وقام مع الإمام من أولها.

    فالحديث فيه من آداب الإسلام، ففيه حث المسلم على الوقار، وتعويده على حسن السمت في هيئته ومشيته، وفيه أيضاً الحث على المبادرة إلى الصلاة أو إلى المسجد قبل أن تقام الصلاة، وفيه أيضاً الحرص على إدراك الجماعة من أول وقتها، وفيه أيضاً أن حسن السمت يساعده على أداء الصلاة بحضور القلب واجتماع الحس والشعور، والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بكليته، ومن هنا أيضاً نأخذ الحكمة في أنه صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي؛ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)، ومعلوم أنه إذا كانت درجة واحدة فلا تكون إلا لواحد، ولن تكون إلا لسيد الخلق وأحب الخلق إلى الله، وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالمؤذن ينادي ويقول: (الله أكبر) بأعلى صوته ليصل الصوت إلى أكبر عدد من المسلمين، ونحن حين نسمع المؤذن نقول مثلما يقول، وذلك لنستشعر عظمة الله فتسيطر على قلوبنا وحواسنا، وفي هذا تهيئة عظيمة لأداء الصلاة على أتم وجه في جماعة، وبحضور قلب وسكون.

    يقول الله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9] فالمؤذن ينادي البائع في سوقه، وينادي الصانع في مصنعه، وينادي النائم في بيته، وينادي الزارع في مزرعته، وكل يعمل في أمر دنياه، حتى يسمع داعي الله، فإذا ما سمع لأول وهلة (الله أكبر) أربع مرات فإن كان في مزرعة يرجو ثمارها فالله أكبر، وإن كان في مصنع يرجو إنتاجه وربحه فالله أكبر، وإن كان في بيع وشراء ويرجو ربح تجارته فالله أكبر، وإن كان نائماً مستغرقاً في نومه فالله أكبر.

    وهكذا يستجمع كل حواسه وشعوره، ويكون مسيطراً عليه جلال (الله أكبر).

    فهل يتأخر هذا عن النداء؟ لا، وهل يأتي غافلاً؟ لا.

    ثم يأتي قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) فيقول: وأنا أيضاً أشهد.

    فما دمت تشهد فحي على الصلاة وهلم؛ لأن الصلاة لمن يشهد الشهادتين، ثم يقول: (حي على الفلاح)، و(الله أكبر) في آخره تأكيد لما مضى، ثم (لا إله إلا الله).

    فإذا كان الحال كذلك، ونفضت يدك مما كنت فيه، وتوضأت وتوجهت إلى المسجد، فإذا أقيمت الصلاة فإذا بك غير الشخص الذي كان في محل عمله، وإذا بك في صف الصلاة لست ذاك الصانع الذي يعمل، ولا ذاك التاجر الذي يطفف الكيل أو الوزن، وقمت وتركت ونفضت يدك عن كل ما كنت فيه وقلت: الله أكبر.

    ولذا يقول الغزالي في الإحياء: ورفع اليدين حذو المنكبين لينفض بظهر كفيه دنياه وراء ظهره، ويُقبِل بكليته إلى ربه.

    فهذا الحديث يجرنا الكلام فيه إلى المبادرة، وإلى السكينة، وإلى الوقار، وإلى ما تفيضه الصلاة على المصلي.

    ونقرأ في قصص بعض الأشخاص أنه إذا دخل في الصلاة لا يعي ما حوله، وأحد السلف كان في المسجد فسقط ركن المسجد ولم يشعر به، ولما سلَّم وفرغ وجد غبرة، فقال: ما هذه؟ قالوا: أما دريت؟ سقط ركن المسجد.

    فأتوها وعليكم السكينة والوقار.

    ومن المبادرة إلى الجماعة ما جاء في ترجمة سعيد بن المسيب أنه لم تفته تكبيرة الإحرام في المسجد النبوي أربعين عاماً.

    وبعضهم يقول: ما صلى في غير الصف الأول أربعين عاماً.

    وبعضهم يقول: ما أذن المؤذن إلا وهو في مكانه في المسجد عشرين عاماً.

    ومن هنا تتفق كتب التاريخ على أنه في وقعة الحرة لما خلت المدينة، وتعطلت الصلاة في المسجد النبوي ثلاثة أيام للفتنة كان سعيد بن المسيب يأتي وحده إلى جوار الحجرة، ويسمع الأذان من داخل الحجرة في جميع وقته في الصلوات الخمس.

    وأما كيف يسمع ومن يؤذن فهذا أمر غيبي، وهو معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكرامة لهذا التابعي الجليل.

    والذي يهمنا المبادرة إلى المساجد، وجاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله منهم: ورجل قلبه معلق بالمساجد).

    فعندما نشاهد حالة بعض الناس إذا كبر الإمام وركع، يركضون كأنهم في سباق، فلا حاجة إلى هذا كله، ففي الحديث: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).

    ولذا في بعض روايات أبي بكرة : (زادك الله حرصا ولا تَعُد) أي: لمثل هذه الصورة، أو (ولا تُعِد) صلاتك؛ لأنك قد أدركت الركعة وأدركت الصلاة.

    فإذا سمعتم الإقامة فامشوا، أي لا تركضوا ولا تسرعوا ولا تسعوا، وامشوا إليها مشياً.

    قال: (فما أدركتم فصلوا)، (ما) هنا عامة، فالذي أدركتموه من الصلاة صلوه، فإذا أدركت الإمام راكعاً فاركع، وإن أدركته ساجداً فاسجد، وإن أدركته في التشهد فاجلس، وسيأتي التنصيص على هذه الحالة.

    فهذا الجزء الأول وهو كيفية الإتيان إلى الصلاة، فينبغي أن يكون على حالة السكينة والوقار؛ لأن الإسراع قد يخل بالمروءة، فيخرج الإنسان عن سمته ووقاره، وأعتقد أن الناس طبقات، فهناك من يجري أو يقفز على عصا، ولا يعيبه أحد، وهناك من لو أسرع قليلاً لفت الأنظار إليه.

    فالناس طبقات، وكل بحسبه عند الناس، ولكن عند الشرع الكل سواء، فينبغي للشاب أو الشخص العجل أن يتأدب بأدب الإسلام، ويحترم مجيئه إلى الصلاة، ولا يجعل حرصه يحمله على الإخلال بآداب الإسلام.

    فإذا دخل من الباب وكبر الإمام راكعاً فلا يجري ولا يركض من أجل أن يدرك الركعة؛ لأنه يكون قد أخل بشيء من آداب الصلاة، وضيع أكثر مما كان يفوته ما لو مشى على سكينة ووقار.

    القضاء والإتمام معناهما والفرق بينهما

    قال: (وما فاتكم فأتموا)، وجاءت رواية أخرى بلفظ: (فاقضوا)، فبعض العلماء يقول: دلالة اللفظين لغة سواء، لأن القضاء قد يكون بمعنى التمام والإنهاء والفراغ، (فإذا قضيت الصلاة) معناه: تمت وانتهت.

    يقول الشاعر:

    قضى كل ذي دين فوفى غريمه

    وقضاء الدين بمعنى: دفْعُهُ وأداؤه. وقضى فلان ما عليه، أي: أداه ودفعه. وقضى فلان بحقي بمعنى: حكم، فتأتي كلمة (قضى) وما تصرف منها لمعان عديدة، ومن معانيها الإتمام، فتقول: فلان قضى الأمر الذي كان قد بدأ به.

    وبعض العلماء قال: هذا اصطلاح شرعي، ومعناه: أتموا ما بقي من نقص، واقضوا ما فات عليكم من قبل.

    وجميع شراح الحديث يقولون: المشهور والأكثر عند الجمهور لفظ (فأتموا)، وجاءت بعض الروايات عن أحمد والنسائي -وبعضهم يعزوها لـمسلم- بلفظ: (فاقضوا).

    فاللفظان صحيحان، ولكن أحد اللفظين أشهر وأكثر من الآخر، والكثرة لها الترجيح، فإذا قلنا باللفظين، فمن أخذ برواية (أتموا) -وهي المشهورة عند الجمهور- له ترتيب في الماضي، ومن أخذ برواية (فاقضوا) له ترتيب آخر يخالف الأول، فما الفرق بين اللفظين؟

    إذا جئنا إلى صلاة رباعية جهرية أو ثلاثية ولتكن المغرب، وجاء إنسان قد فاتته الركعة الأولى، وصلى مع الإمام ركعتين وبقي من الثلاث ركعة، فهل الركعة التي سيصليها بعد السلام -التي هي الثالثة- هي الأولى التي فاتته، أم هي الثالثة الباقية عليه آخر صلاته؟!

    هو صلى مع الإمام ركعتين، وبقي عليه ركعة واحدة، فهل الركعة الواحدة الباقية عليه هي التي فاتته ولم يدركها مع الإمام فيقضيها، أم هي الثالثة التي لم يصلها فيتمها؟

    هذا هو التصوير العقلي للواقعة، وهو مطالب بركعة بلا شك، لكن بقي علينا أن نتصور الركعة التي سيقوم لأدائها بعد سلام الإمام، فهل هي الفائتة التي لم يدركها، وهي الأولى بالنسبة للإمام، أم هي الركعة الثالثة الباقية تتمة للثلاث؟

    ولما كان الأمر محتملاً فمن أخذ برواية (فأتموا) فالركعة التي سيقوم لأدائها تكون هي الركعة الثالثة الباقية؛ لأنه صلى الركعة الأولى والثانية، وبقي عليه أن يكمل الثالثة، ويكون قد أتم الثالثة بالركعة التي أداها بعد سلام الإمام.

    وإن قلنا: هي الماضية التي فاتته فيكون قد صلى ركعتين، وفاتته واحدة، فيقوم لأداء الأولى التي فاتته مع الإمام قضاءً.

    وقد يقول قائل: في الحالتين تبقى واحدة وستكمل الثلاث.

    قالوا: لا؛ لأن القضاء يختلف عن الأداء، فإذا قلنا يتم ستكون بالنسبة له الركعة الثالثة، والثالثة في المغرب سرية، فحين يقوم بعد الإمام ليأتي بالثالثة يأتي بالقراءة سراً؛ لأنه يتم الثالثة الباقية عليه.

    وإذا رجعنا إلى رواية (فاقضوا)، وسيكون قيامه لصلاة الركعة الأولى التي فاتته، والأولى جهرية فيجهر بالقراءة.

    فهذا الذي يترتب على (أتموا) و(اقضوا).

    وإذا فعل الإنسان أحد الأمرين فهل صلاته صحيحة أم باطلة؟

    إن أخذ بلفظ (أتموا) وأتى بها سرية فالحمد لله، وإن اعتبرها الماضية وأخذ بلفظ (واقضوا)، وأتى بها جهرية فلا مانع والحمد لله.

    فالصلاة صحيحة على كلتا الروايتين، وكل له مستند.

    لكن أيهما أرجح؟ هل هي (أتموا)؛ لأنها أرجح من جهة قوة الرواية ولأنها مشهورة؟

    إذا أخذنا المسألة من جهة النظر فعلى رواية: (اقضوا) يكون قد أوقع تكبيرة الإحرام في الركعة الثانية؛ حيث أدرك مع الإمام الثانية والثالثة، وقد اعتبرنا ما أدرك مع الإمام ثانية وثالثة، وعليه أن يأتي بالأولى قضاءً، فيكون قد أوقع تكبيرة الإحرام في الثانية، ولكن لما كبر تكبيرة الإحرام، أول ما دخل مع الإمام -وتكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الأولى- ظهر أن الركعة التي دخل بها مع الإمام هي الأولى في حقه، وإن كانت الثانية أو الثالثة في حق الإمام.

    ولو أدرك الإمام في الركعة الأخيرة فسيتم ويقضي ركعتين، فعلى رواية (أتموا) يجهر في واحدة، ويسر في الأخيرة، وهكذا يكون التفريع على الفرق بين (أتموا)، و(اقضوا)، والله سبحانه وتعالى أعلم.