إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الأحاديث في بيان فضل صلاة الوتر، فالوتر حق على كل مسلم أن يصليها كيفما شاء.. ركعة أو ثلاث ركعات أو خمس، ويبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر، ومن كل الليل أوتر رسول الله من أوله وأوسطه وآخره؛ فكان في الأمر توسيع على عباد الله المؤمنين، ولشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على صلاة الوتر شرع لمن نام عنها أو نسيها أن يصليها إذا أصبح أو ذكر.

    1.   

    صلاة الوتر وما جاء فيها من الأحاديث

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه الأربعة إلا الترمذي ، وصححه ابن حبان ، ورجح النسائي وقفه].

    جاء هذا الحديث عن أبي أيوب مرفوعاً هنا، وعند غيره موقوفاً على أبي أيوب ، وأبو أيوب نستبعد أن يجعلها حقاً أو غير حق اجتهاداً من عنده؛ لأن (حق) هنا بمعنى واجب، فيبعد أن يكون أبو أيوب قد أوجب شيئاً من عنده؛ ولذا يقول العلماء: وإن جاء موقوفاً فإن الموقوف في حكم المرفوع، ولا سيما إذا جاءت رواية مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحق الواجب اللازم الثابت.

    وقول أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر حق على كل مسلم) اللفظ هنا للجنس، فيشمل كل مسلم ومسلمة، وقد ذكر البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى من الليل ما شاء الله، ثم أيقظ عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال: (قومي فأوتري) .

    إذاً: (على كل مسلم) هذا للجنس، فإذا ذكر الرجال دخلت النسوة تبعاً للرجال، قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] أي: بواو الجماعة للذكور في الأمر بالصلاة والزكاة .. كُتِبَ عَلَيْكُمْ [البقرة:178] لم يقل: عليكن، فعلم بأن النسوة تبع للرجال في مواطن التشريع.

    صرف حكم الوتر من الوجوب إلى السنية

    قوله: (الوتر حق): إلى هنا لو لم يأت بقية الحديث لكان هذا الجزء من هذا الحديث يوجب ويعين فرضية الوتر وأحقيته على كل فرد، أي: ليس واجباً كفائياً، بل على كل مسلم في ذاته، ولكن وجدنا سياق الحديث: (الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) الخمس.. الثلاث.. الواحدة كلها وتر، فكيف يكون حقاً ويترك فعله إلى ما يحبه الإنسان؟!

    إن آخر الحديث يرد الكيفية إلى فعل ما يحبه الإنسان، وهنا شبه نافذة لمبادئ الخلاف، فكلمة: (حق على كل مسلم)، من تمسك بها قال: الوتر حق واجب، وقد جاء في بعض الأحاديث أن رجلاً جاء إلى عمر وقال: إن في الشام رجلاً يقال له: أبو محمد ، يقول: إن الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد ، الوتر ليس بواجب، وسيأتي النص عن علي رضي الله تعالى عنه: ليس بواجب كالصلاة أو كالفريضة، ولكن سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأول الحديث يقول: (الوتر حق) وفي آخر الحديث: (من أحب أن يوتر بخمس.. بثلاث.. بواحدة.. فليفعل)، فلما أُسند الأمر إلى ما يحبه الإنسان تخلخل رابط الحق والوجوب، وأصبح واجباً مخلخلاً؛ لأن فيه اختياراً الإنسان، ولو كان واجباً حتماً لما ترك الاختيار للإنسان في كيفية الأداء.

    ولكن كمنهج علمي: الذين يقولون بأنه حق قالوا: نحن لم ننازع في الكيفية، فليوتر على أي صفة شاء، وعليه أن يوتر بما يشاء، فذلك متروك له.

    إذاً: مجال الخلاف قائم، ماذا فعل المؤلف إزاء ذلك؟ وقبل أن ننتقل للأثر بعده لنرى الحكمة والفقه في إيراد النصوص في الباب الواحد، وأنها لم تكن عفوية، ولكنها مقصودة لبيان الحكم من سياق اللفظ أو من خلال المعنى بين السطور.

    في قوله صلى الله عليه وسلم: (من شاء أن يوتر بخمس فليفعل)، كيف يصلي الخمس؟ ليس عندنا صلاة خمس ركعات أبداً، أكثر صلاة عندنا أربع، وهنا نزل إلى واحدة، فكيف يصلي الخمس؟ وكيف يصلي الثلاث؟ سيأتي تفصيل ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعن غيره.

    وقد جاءت الروايات في الوتر بعدد زيادة عن الخمس: بسبع أو بتسع، وجاء بالفعل من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند البخاري رحمه الله لما بات عند خالته ميمونة قال: فبات النبي صلى الله عليه وسلم وأهله بطول الوسادة، ونمت في عرضها، الوسادة طويلة، فنام النبي صلى الله عليه وسلم على طولها، ونام هو في عرضها الذي هو سمكها، أي: نام ابن عباس على طرف الوسادة.

    قال: حتى إذا كان منتصف الليل -وفي بعض الروايات-: ثلث الليل، قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى شن فتوضأ، ثم أخذ ثوباً، ثم قام يصلي، ففعلت كما فعل، أي: قام يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ يفتل شحمة أذنه، قالوا: في هذا تنبيه للصبي حتى لا ينام، وتشجيع له على عمله، ومؤانسة له.

    والرواية الأخرى يقول فيها: قمت عن يساره، فمد يده من وراء ظهره وأخذ برأسي وأدارني إلى يمينه، فهنا بينوا موقف المأموم المنفرد من الإمام إن كان واحداً، فيكون عن يمينه لا من ورائه ولا عن يساره.

    وبالمناسبة وخاصة ونحن بالمدينة المنورة، ونشاهد الصلاة في المسجد النبوي أثناء الموسم، فنحتاج إلى هذه الصورة، فـابن عباس قام للصلاة عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، ظناً منه أن الأيمن أفضل، فترك الأيمن لرسول الله ولم يقف متيامناً على رسول الله، فوقف في اليسار على أن الأيمن أفضل، ولكن السنة أن يكون الإمام بمثابة السترة للمأموم، فأخذ ابن عباس من يساره بعد أن كبر في الصلاة، وأداره إلى يمينه، وهنا مالك رحمه الله قال: تصح الصلاة أمام الإمام عند الضرورة، نحن نشاهد المصلين هنا أثناء الموسم يتقدمون الإمام، ونجد البعض أو الكثير يعترض على ذلك ونقول: مصيب من وجه، وغير مصيب من وجه آخر.

    واستدلال مالك رحمه الله بهذه الصورة قال: إن الجهات بالنسبة إلى الإمام أربعاً: أمام وخلف ويمين ويسار، فوجدنا الخلف هو موقف المأمومين إن كانوا عدداً، واليمين موقف المأموم إن كان فرداً، إذاً: لا موقف في أمام ولا يسار، لكن ابن عباس لما قام ووقف عن يساره وليس بموقف، كبر ودخل في الصلاة، ولم يرفض النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع من صلاة ابن عباس في اليسار وهو في غير موقفه، ولكن صححه وأخذه وجعله في الموقف الصحيح وهو الأيمن، فيقول مالك : الجزء الذي وقع من ابن عباس في غير موقفه اعتد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذره لعذر الجهالة؛ لأن المكان متسع وابن عباس لم يعرف ذلك، فصحت صلاته وهو قائم في اليسار، لأنه أوقع جزءاً من الصلاة في جهة اليسار، ثم أكملها في الموقف الصحيح، فإذا جاء إنسان ووقف أمام الإمام وهو في غير موقف نظرنا: إن كان لعذر لضيق المكان وعدم التمكن صحت الصلاة وصح الاقتداء، وإذا كان يوجد مكان ولكنه قصر وترك محل الوقوف عن اليمين أو الخلف وجاء أمام الإمام فلا حق له في ذلك.

    1.   

    الصور والكيفيات لصلاة الليل مع الوتر

    لما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه قيام النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنا ثلاث عشرة ركعة، وهنا يأتي الكلام في حديثنا الذي معنا: (من أحب أن يوتر بخمس ..) والعدد لا مفهوم له، أي: ولو بسبع ولو بتسع، كيف يصلي الوتر خمساً أو ثلاثاً أو سبعاً أو تسعاً؟

    الصورة الأولى: التسليم في كل ركعتين

    يتفق العلماء -تقريباً- على أنه إن شاء صلى كل ركعتين وسلم، على ما سيأتي لـابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم كل ركعتين، وفي بعض الروايات: (وربما أمر ببعض حاجته) وبعض الروايات قال: (بعد كل ركعتين قام وشاص فاه بالسواك) يعني: يفصل بين كل ركعتين بالسلام وبالكلام، وربما استاك ما بين كل ركعتين، فإذا ما أتم شفعاً أربعاً أو ستاً أو ثماناً قام وجاء بركعة واحدة صارت هي الخامسة أو السابعة أو التاسعة وتم الأمر، هذه صورة مثنى مثنى ويوتر بواحدة، سواء أتم إلى خمس أو سبع أو تسع.

    الصورة الثانية: عدم الجلوس للتشهد والتسليم حتى يتم خمساً أو سبعاً...

    الصورة الثانية: يقوم في الخمس ركعات، ولا يجلس في مثنى مثنى، ويجلس في الشفع الأخير، والشفع الأخير من الخمس هو الرابعة، فيتشهد التشهد الأوسط ويقوم، ثم يأتي بالخامسة ويجلس، ثم يتشهد ويسلم.

    وإذا كان في سبع ركعات يقوم ست ركعات، ولا يجلس في مثنى مثنى، وفي آخر ركعة من الست يجلس ويتشهد التشهد الأوسط ويذكر الله، ثم يقوم ويأتي بالسابعة ويجلس ويتشهد ويسلم.

    وكذلك في تسع يجلس في الثامنة ويتشهد التشهد الأوسط، ثم يقوم يصلي التاسعة، ثم يجلس فيتشهد التشهد الكامل ويسلم، وهكذا ذكروا في كيفية صلاة الوتر بخمس أو بسبع أو بتسع.

    وأذكر لـابن حزم صورة أخرى وهي: أن يصلي الخمس تباعاً لا يجلس أبداً إلا في الأخير مرة واحدة، ويتشهد ويسلم، وكذلك السبع والتسع.

    خلاف العلماء في وتر الثلاث

    بقي عندنا الوتر بثلاث كيف يصليها؟

    يأتي البحث مطولاً في الثلاث أكثر من غيرها، تارة يأتي السياق بأنه صلى الله عليه وسلم صلى الوتر ثلاثاً، لا يجلس في الثانية، إنما يأتي بثلاث سرداً، كما تقدم عن ابن حزم في الركعة الخامسة والسابعة والتاسعة، فيصلي ثلاث ركعات، فيجلس في الثالثة ويتشهد ويسلم، ولكن غالب ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه يفصلهما، فيصلي ركعتين ويسلم منهما، ثم يأتي بالثالثة فيما بعد ويسلم لها.

    وهذه الركعات الثلاث عند الفقهاء موصولة أم مفرقة؟

    الخلاف في هذه بين الأحناف والجمهور، فالأحناف يرون أن الوتر بثلاث موصولة، يجلس في الثانية يتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالثالثة يتشهد ويسلم، لكن الجمهور واجهوا الأحناف بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشبهوا الوتر بالمغرب) أي: في الكيفية: كون الإنسان يجلس في الثانية ويتشهد التشهد الأول، ثم ينهض ويأتي بالثالثة، ويتشهد التشهد الكامل ويسلم، هذه صورة المغرب سواء بسواء.

    استدل الأحناف بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديثها: (ما زاد رسول الله صلى الله وسلم في رمضان ولا في غيره عن ثماني ركعات، يصلي ركعتين لا تسل عن حسنهن وطولهن... ثم يوتر بثلاث)، لكنها لم تفصّل لنا كيفية هذه الثلاث، وقال الأحناف: لم نجد ثلاثاً إلا كصفة المغرب، ولم نجد صلاة ركعة واحدة منفردة من الصلوات.

    وهناك الخلاف هل تصح الصلاة ركعة واحدة؟

    جاء عن بعض السلف أنه قال: لا توجد صلاة ركعة واحدة، فأخذ بذلك الأحناف، ولكن أجيب عن ذلك بأن هناك من كان يقول في قصر الصلاة الرباعية تقصر إلى ركعتين، فصلاة السفر ركعتان، قالوا: صلاة الخوف تقصر عن صلاة السفر فتكون ركعة واحدة، فقال القائل كما ينقل ابن دقيق العيد : لم نجد صلاة ركعة واحدة، يعني: في الفريضة، لا في حضر ولا في سفر، ولا حتى في صلاة الخوف، وجميع صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتان، بأنه يقسم الجيش قسمين، فإن كان العدو اتجاه القبلة صفوا صفين وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى بالصف الذي يليه ركعة ثم جلسوا، ثم قام الصف الثاني الذي كان في الحراسة فصلى، ونهض الصف الأول للحراسة من أمامه، فإذا ما صلى ركعتين مفرقتين على الصفين جلس، وقام كل صف ليتم لنفسه، ثم سلم بهم جميعاً، وقد صلى الجميع ركعتين.

    وإذا كان العدو في غير القبلة قسم الجيش قسمين: قسم يتجه إلى العدو حراسة، وقسم يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبلة، فإذا صلى بالصف الذي وراءه ركعة يذهب إلى الحراسة، ويأتي ذاك الصف الذي كان في الحراسة فيأتي ويصف خلف النبي إلى القبلة، ويصلي به الركعة الثانية، فإذا ما أتم صلى الله عليه وسلم لنفسه ركعتين، وكان لكل نصف من الجيش ركعة، أتم كل ركعته الباقية وسلم.

    وعلى هذا فلم نجد في صلاة الخوف ركعة واحدة، وقد بحث هذه المسألة والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في قصر الصلاة في السفر، وأطال في هذه المسألة إطالة طويلة جداً.

    يهمنا الآن هل توجد ركعة واحدة في الصلاة أم لا، نحن أمامنا نص صحيح صريح، (فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة واحدة)، فهذا نص، وقوله: (ركعة) التاء هنا علامة الوحدة، كما تقول: أكلت تمرة، لو قلت: أكلت تمراً، لكان شيئاً كثيراً لا ندري كم هو، لكن إذا قلت: أكلت تمرة.. تفاحة.. برتقالة، فهي واحدة، التاء يقال لها: تاء الوحدة، فجاءت مؤكدة بالعدد، (ركعة واحدة).

    إذاً: وجدنا في التطوع ركعة واحدة، وهي ركعة الوتر، وهي محل الخلاف، إذاً: لا يقوم للأحناف إزاء هذا الحديث ما يستدلون به من أنه لم توجد صلاة ركعة واحدة.

    والجمهور يقولون لهم: لا مانع أن نصلي الوتر بثلاث، ولكن مفرقة، أو أنكم لا تجلسون في الثانية حتى لا تشبهوه بالمغرب.

    إذاً: قول أبي أيوب : (الوتر حق على كل مسلم) كان هذا الجزء من الحديث موجباً للوتر، ولكن ما جاء بعده: (فمن شاء أن يوتر بخمس... بثلاث... بواحدة فليفعل) خلخل قاعدة الوجوب، وجعل فيها مجالاً للخلاف، وللبحث في ذلك.

    نجد من فقه المؤلف أنه يسوق لنا بعده حالاً حديث علي رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    القول بسنية الوتر عن علي بن أبي طالب

    قال المؤلف: [وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه الترمذي وحسنه ، والنسائي والحاكم وصححه].

    انظروا الأسلوب يا جماعة! فرق بين لفظ: (الوتر ليس بحتم)، وبين لفظ: (ليس الوتر بحتم)، فالتقديم والتأخير له سر بلاغي؛ لأن علياً رضي الله تعالى عنه يريد أن ينفي الحتمية، لا يريد أن ينفي الوتر، فلما ذكر المؤلف حديث أبي أيوب : (الوتر حق ...) وفيه ابتداء إيجاب الوتر، أعقبه بحديث علي بنقيض هذا الإيجاب: (ليس)، فيكون أول ما يطرق السمع في هذا الموضوع عن علي هو عامل النفي؛ ليرد حالاً عامل الإيجاب في حديث أبي أيوب سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً: (ليس الوتر بحتم) الحتم: الواجب، وأمر حتم محتم بمعنى واجب، فـعلي يقول: (ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة) يعني: نزل عن مستوى المكتوبة، فهل يكون نزوله مجرد زحزحته عن الوجوب أم ألغي بالكلية؟

    إذاً: كلام علي هنا زحزحته عن مرتبة الوجوب إلى ما يليها.

    قال: (ولكن سنة سنها رسول الله)

    هذا استدراك حتى لا يظن إنسان أنه غير موجود فقال: (ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) إذاً: سنة رسول الله قريبة من الواجب الحتمي، ولكن هنا ليست بذلك.

    وقد تعرضنا مراراً إلى أن السنة قد تأتي بالواجب في الأوامر.. والمنهيات، وتستقل بذلك، وإن كانت السنة إنما هي بالدرجة الأولى لبيان ما نزل إليه، وقد وجدنا في السنة المطهرة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، وهذا تحريم، والتحريم ليس بهين، وقد قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23] لم يقل: الخالة ولا العمة، ولكن بمقتضى نص النبي صلى الله عليه وسلم يحرم الجمع بينهن، اللهم إلا الشيعة فإنهم لا يأخذون بذلك، ولا يهمنا هذا، وعلى هذا نهى صلى الله عليه وسلم، ونهيه فيما يتعلق بالتحريم قطعي وليس في ذلك شك.

    فقد تأتي السنة بالفرض وبالمحرم وبالمكروه والمندوب والمباح على أحكام التكليف الخمسة.

    وقوله: (سنة سنها رسول الله)؛ هذا اصطلاح فقهي أصولي في زمن علي رضي الله تعالى عنه، وليس أمراً جديداً جاء به علماء الأصول، فهناك فرض.. وهناك سنة.. وهناك مندوب.. وهذا موجود يتكلم به علي ، وقد جاء الحديث الصحيح عنه صلوات الله وسلامه عليه بذلك، جاء في قيام رمضان حيث قال: (إن الله افترض عليكم صيامه، وأنا سننت لكم قيامه)، فهو صلى الله عليه وسلم بجانب فرض الصيام سن القيام.

    وهل للمسلم اختيار في أن يأخذ بسنة رسول الله أو لا يأخذ؟

    لا. الواجب على المسلم أن يحرص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من فرط في السنة ربما يأتي التفريط ويسحب إلى الواجب، فإذا ما حافظ على السنة النبوية كان أحرى أن يحافظ على الواجب، وهنا قد تأتي السنة وتترك الخيار للمكلف فتكون للندب، فيكون الأمر فيها أهون من غيرها، كما جاء: (صلوا قبل المغرب.. صلوا قبل المغرب.. صلوا قبل المغرب، ثم قال: لمن شاء) فهنا سنها وترك المشيئة والخيار للناس، وليست كالوتر.

    ويدل أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق) بعد أن صرف عن الوجوب على أن الوتر آكد من غيره من النوافل الأخرى، وتقدم لنا حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان صلى الله عليه وسلم أشد تحرياً للنوافل من ركعتي الفجر والوتر).

    ثم تأتي النصوص الأخرى: (يا أهل القرآن! أوتروا، فمن لم يوتر فليس منا) وهذه أحاديث الوعيد التي ينقسم العلماء عندها إلى فريقين:

    فريق يقول بالوجوب، فإن قوله (ليس منا) وعيد شديد، والآخرون يقولون: أحاديث الوعيد تمرر كما جاءت ولا تفصل؛ لأنها كلما أبقيت على إجمالها كانت أشد في الوعيد والزجر.

    1.   

    قيام الليل فضائله وأحكامه

    قال المؤلف: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة ولم يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر) رواه ابن حبان .

    وعن خارجة بن حذافة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الحاكم وروى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه] .

    بعدما أورد المؤلف رحمه الله ما يشبه الخلاف أو التعارض، أو ما يشبه الوجوب الذي صرف بصارف، جاء بهذين الحديثين أيضاً، وهما أصرح في الدلالة على صرف حديث: (الوتر حق) عن الوجوب من غيرهما.

    فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل في رمضان، وقام معه بعض الناس، ثم لم يقم فيما بعد، ثم انتظروا، ثم خرج عليهم في صلاة الصبح وقال: (خشيت أن أخرج عليكم؛ فتفرض عليكم صلاة الوتر)، والصحيح في الحديث أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم) يعني: صلاة الليل، وهذا الذي عليه الجمهور، والمؤلف ساقه على هذه الصيغة: (خشيت أن يكتب عليكم الوتر).

    إذاً: لم يكتب إلى الآن، وإلى الآن لم يكتب، والذي يهمنا في تصحيح السياق وما ساقه المؤلف في قيام الليل، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام من رمضان فصلى، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تفرش له حصيراً عند باب الحجرة في الروضة، فصلى ليلة ثلاث وعشرين، فانتبه من كان في المسجد، فجاءوا وصلوا خلف النبي صلى الله عليه سلم؛ لأنهم كانوا يقومون رمضان أوزاعاً، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام رمضان) وجاء الحديث المتقدم ذكره: (إن الله فرض عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه)، فكانوا يصلون ما تيسر لهم أوزاعاً، قال أبو هريرة : (فكان الأمر كذلك حتى قبض صلى الله عليه وسلم، وكان زمن أبي بكر ، وجزءاً من خلافة عمر )، ثم جمعهم عمر على إمام واحد؛ هذا تتمة الموضوع.

    لكن هنا فيما ذكره المؤلف رحمه الله: صلى أناس بصلاته ليلة ثلاث وعشرين، ثم قام ودخل البيت، وفي ليلة أربع وعشرين لم يقم، في ليلة خمس وعشرين قام، وكان الناس قد سمعوا بما صلى خلف رسول الله من الناس فاجتمعوا، فصلوا بصلاته، قيل: هي الثانية وقيل: في الثالثة، أو أن الناس صلوا العشاء ولم يقوموا من أماكنهم ينتظرون مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فيصلوا جميعاً بصلاته، فنظر صلى الله عليه وسلم فإذا المسجد مليء بالناس، فقال: (يا عائشة ! ما بال الناس! ألم يصلوا العشاء؟ قالت: بلى، ولكنهم ينتظرون لتخرج لتصلي فيصلوا بصلاتك، كما صلى بصلاتك من قبل أناس، وقد تسامعوا بذلك، قال: أوفعلوا؟!! اطوي عنا حصيرك، ولم يقم تلك الليلة، فانتظروا واستطالوا الانتظار، فأخذوا بعض الحصباء وحصبوا الباب، وكان من الساج، فلم يسمع لهم ولم يخرج، حتى خرج لصلاة الصبح وهم في انتظاره، قال: والله ما خفي علي صنيعكم البارحة، وما نمت بحمد الله غافلاً، ولكن خشيت أن أخرج إليكم، فتفرض عليكم فتعجزوا) إذاً: ما هو الذي يفرض عليهم الوتر أم قيام الليل؟ قيام الليل.

    مسألة: كيف يخشى أن تفرض عليهم وقد سمع في حديث فرضيتها: (هي خمس وهي خمسون

    وقد جاء عنه: (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة)، فلو كان الوتر أو قيام الليل واجباً لصارت ستاً، هو يعلم أنها لم تفرض، فكيف يقول ذلك؟

    قال العلماء: خشي أن يفرض عليهم قيام رمضان في الليل جماعة فقد يعجزون، وقد جاء أن أفضل قيام رمضان في البيت لمن يقوى على ذلك ما لم تعطل المساجد من التراويح؛ لأن قيام رمضان في المساجد أصبح شعاراً للمسلمين، ولا ينبغي أن يعطل أبداً، فإذا كان الفرد بذاته حافظاً لكتاب الله، وأراد أن يقوم في بيته فهو أفضل له، وقد شاهدت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول أمره يصلي العشاء مع الإمام ويخرج، ويصلي التراويح على سطح بيته، ثم في الآونة الأخيرة قبل وفاته بثلاث أو أربع سنوات سألته: كنت أراك تصلي التراويح في البيت، هأنت الآن تصليها مع الجماعة في المسجد، ألحديث أنس: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة

    قال: لا، قلت: لماذا إذاً؟

    قال: كنت في أول الأمر نشيطاً بنفسي أصلي دونما كسل، ولكن مع الكبر، ومع هذا الوقت إن صليت وحدي ربما تكاسلت، فأصلي مع الجماعة أتقوى بحضوري معهم، وعلى هذا تصح صلاة قيام الليل منفردة، وتصح جماعة، وتصح في البيت، وهي أفضل لمن توفرت فيه شروطها، وتسن في المسجد كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعض، وصلاها عمر رضي الله تعالى عنه، وأوجد لها إمامين يتناوبان، وإماماً ثالثاً للنساء أعجل في القراءة، ويأتي بحثها مستقلاً.

    فقالوا: هو يعلم صلى الله عليه وسلم أن الصلوات خمس، ولذلك لما أتى ضمام بن ثعلبة وسأل الصحابة فقال: (أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قالوا: ذاك الأبيض المتكئ… قال: آلله أرسلك؟ قال: اللهم نعم، قال: أسألك بالله الذي خلق السماوات والأرض، وأرسل من كان قبلك أفرض الله علينا خمس صلوات؟ قال: اللهم نعم -ثم سأله عن رمضان، وسأله عن الزكاة- ثم قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على ذلك ولا أنقص) وذهب إلى قومه، فما بات واحد من أهله إلا وقد أعلن إسلامه، وقالوا: ما وجدنا سفيراً أشد وأكبر بركة على قومه منه.

    فقوله: (لا أزيد على ذلك ولا أنقص)، وقوله صلى الله عليه وسلم بعده: (أفلح إن صدق) يفيد أن الصلوات الخمس ليس فيها زيادة، قالوا: الذي خيف منه أن تفرض جماعة، كما أنهم ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ليصلي بهم جماعة، وما عدا ذلك فلا.

    ولذا قالوا: لما أمن عمر من أن تفرض لانقطاع الوحي سنها جماعة، على ما سيأتي تفصيله في محله إن شاء الله.

    الشاهد: أنهم جلسوا وانتظروا، وكان يصلي قبل ذلك، واتفق العلماء على أنه ما كان يشعر بصلاتهم خلفه، وليس ذلك ببعيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حينما يكبر في الصلاة لا ينتبه لغيرها، ولا يشغله عنها شاغل، وإن كان ليس غافلاً في صلاته عما حوله؛ لأنه جاء عنه: (إني لأدخل في الصلاة على نية الإطالة، فأسمع بكاء الطفل فأخفف رحمة بالأم، لما أعرف من وجدها عليه) إذاً قالوا: كيف أقرهم على الصلاة خلفه؟ قالوا: لم يشعر بهم، ولا مانع في ذلك.

    يهمنا تصحيح الحديث الذي يقول: (خشيت أن أخرج إليكم، فيكتب عليكم الوتر) والصحيح: (أن تفرض عليكم فلا تستطيعوها) لكن المؤلف يريد أن يقول: (خشيت أن يكتب عليكم الوتر)، ليستدل على أنه لم يكتب، ولم تأت كتابته، وهذا يرد على حديث: (الوتر حق) إذاً: حق لم يكتب كما قال علي : (ليس كالصلاة).

    1.   

    فضل صلاة الوتر

    قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم).

    ثم يأتي بهذا الحديث وله دلالة من جهتين:

    الجهة الأولى: (إن الله أمدكم) والمدد يكون زيادة عن الأصل، كمدد الجيش.

    (أمدكم بصلاة) ولم يقل: (أوجب عليكم صلاة) يعني: هي مدد زيادة في الأجر وفي العمل، وفرصة أخرى فيها متسع لكم (هي خير لكم من حمر النعم) فإذا كان الأمر موكولاً إلى: (خير لكم من حمر النعم)، فالذي يريد حمر النعم يهتم بها، والذي لا يريد فلا حرج.

    إذاً: هذا الحديث يدل من جانب على أن الوتر ليس بواجب، وإنما هي صلاة أمدنا الله سبحانه وتعالى بها.

    الناحية الثانية: بيان فضل الوتر، بأن الوتر من صلاها فهي خير من حمر النعم، وما هي حمر النعم؟ أين أهل نجد أو أهل البوادي أو أهل الإبل.. أين العمانيون؟

    حمر النعم هي نوع من الإبل العمانية أو مثلها، تأتي في لون فيه احمرار، وهي جميلة الشكل، فارهة القوام، وهي أحسن أنواع الإبل.

    ولما كان المخاطبون أهل إبل خوطبوا بما هو أحب شيء إليهم، واليوم تخاطبهم فنقول: خير من أجمل القصور، وخير من أحسن السيارات، ولكن التعبير النبوي الكريم، لا يأتي تعبير أحسن منه ولو تطورت الحياة حتى يصل الناس إلى غزو الفضاء وغيره، فحمر النعم هي الزينة وهي الجمال، وهي المتعة، وهي التي تقر لها العين، أما غيرها فقد يخشى الإنسان منها.

    فحمر النعم إذا رأيتها في الصحراء وهي تقطع الفضاء، وهي في رشاقتها كما يقال: تسر النظر، وتشرح الصدر، ويطمئن إليها صاحبها، وهذا خير ما يتطلع إليه الإنسان صاحب الحلال.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وهذا منه صلى الله عليه وسلم ترغيب في الوتر، وبيان لأجره وفضله. والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال المؤلف: [ وعن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا) أخرجه أبو داود بسند لين، وصححه الحاكم ، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد . ]

    تقدم مثل هذا اللفظ، وتقدم معه ما يبين ذلك الحق: (فمن شاء أن يوتر بخمس... بثلاث... بواحدة فليفعل)، وهنا أعاده المؤلف مرة أخرى بعد هذا البيان: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا).

    هذه الأحاديث التي فيها: (ليس منا من فعل كذا، ليس منا من فعل كذا) تترك على عمومها، كما قالوا: أحاديث الزجر والوعيد لا تشرح ولا تفسر، وبإجماع المسلمين كلمة: (ليس منا) لم تخرجه عن نطاق الإسلام، حاشا وكلا، ولكن (ليس منا) أي: من خيارنا، وليس على مستوانا، وليس على ما نحن عليه من التزام الفرائض والنوافل.

    إذاً: (ليس منا): أي: من المجموعة التي تحافظ على هذا الباب الخير، ويكون الصارف على هذا المعنى تلك النصوص الأخرى التي صرفت نصوص الوجوب إلى الندب، ومعلوم أن من ترك مندوباً لم يخرج عن الإسلام، بل إجماع المسلمين -ما عدا بعض الفرق- أن من وقع في كبيرة لا يخرج عن الإسلام؛ لأنه يترك إلى المشيئة، بخلاف المعتزلة والخوارج الذين يكفرون بالكبائر، والمعتزلة لا يجرءون أن يكفروا في الدنيا، وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن لا تكفير بذنب: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء [النساء:48]، فما دون الشرك متروك لمشيئة الله سبحانه.

    إذاً: فقد اتفقنا على أن الوتر ليس فرضاً كفرض الصلاة، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: (ولكنه سنة سنها رسول الله)، فمن ترك سنة لا يكون ترك الإسلام.

    إذاً: هذا من أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت.