إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله سبحانه وتعالى الصلوات الخمس، وجعل لها من النوافل والسنن ما يجبر نقصها، ويكمل خشوعها، ومن هذه السنن: ركعتا الفجر وأربع قبل الظهر وبعده، وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، فمن حافظ على هذه النوافل بنى الله له بيتاً في الجنة، وحرمه على النار، فيا فوز الفائزين! ويا نجاح المفلحين!

    1.   

    فضل كثرة السجود لله تعالى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه قال (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم .

    هذا الصحابي الجليل في بعض أخباره كما سمعنا من المشايخ رحمهم الله خدم النبي صلى الله عليه وسلم، أو أدى له أمراً فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكافئه، تقديراً لعمله، قال: ستعطيني إياه؟ قال: نعم، قال: أمهلني، فرجع إلى زوجه وأخبرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد طلب منه أن يسأله أي شيء مكافأة له على عمل ما، قالت: أويفعل؟ قال: سألته فقال: نعم، قالت: سله مرافقته في الجنة. لم تقل: سله عملاً أو منصباً أو مالاً، وهي ما هو الذي يخصها من مرافقة زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم في الجنة؟ لو سأل مالاً أو منصباً يمكن أن تحصل على شيء منه، لكن نقول: فعلت ذلك لأحد أمرين:

    إما من باب: النصح لله ولرسوله ولعامة الناس، وهذا من صلاح الزوجة وبركتها ووفائها لزوجها، أنها تحب له أقصى ما يمكن، فآثرت مصلحته على نفسها، ووجهته التوجيه العالي، فكم من امرأة أعقل من عشرات الرجال!

    وإما من جانب آخر: وذلك أنها ستدخل في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] إذاً: تكون الزوجة ملحقة بالزوج إذا رفع إلى أعلى مراتب الجنة، وإذا دخل الجميع الجنة مع تفاوت مراتبهم، فيلحق الله الزوجة إلى مرتبة الزوج لتقر أعين الآباء بالأبناء والأزواج بالزوجات.

    يهمنا في هذا التوجيه: أن الرجل أخذ بهذا الرأي فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: طلبتني أن أسألك؟ قال: نعم، قال: ووعدتني أن تعطيني؟ قال: نعم، قال: أسألك مرافقتك في الجنة. لم يطلب مجرد دخول الجنة، بل طلب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وهذه مسألة غير عادية، فمراتب النبيين وعباد الله المكرمين شيء عال، قال له: أوغير ذلك؟ اسأل مالاً أعطيك، اسأل منصباً أوليك، قال: هو ذاك، فتمسك الرجل بوعد رسول الله.

    انظروا إلى سماحة وسعة هذا الدين، هل قال له: أنا أضمن لك هذا؟ بل وجهه إلى ما يفعله هو، قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود) فهو يقول له: يمكن أن يكون لك ما أردت بمساعدة من عندي، بما له صلى الله عليه وسلم من حق الشفاعة، وبما له عند الله من جاه وطلب وبر، ومن استجابة دعوة، ولكن أرشده إلى أمر فقال: (أعني على نفسك بكثرة السجود) كثرة السجود توحي بزيادة سجود مطلقة سواء كانت راتبة مع الفريضة، أو كانت غير راتبة كسنة مطلقة غير مقيدة لا بزمان ولا بمكان، وهل السجود مراد لوحده فقط؟ السجود هنا بمعنى الصلاة.

    إذاً: يفتتح المؤلف رحمه الله هذا الباب بهذا الحديث ليبين أن كثرة التطوع تؤهل إلى مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيمن يكون قريباً منه في الجنة، أنه قال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وقال: (أقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)، (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة ... ) إلى آخره، فهناك مميزات وأعمال تدني من تلك الدرجة، ولكن يهمنا في هذا الباب -باب التطوع في الصلاة- قوله: (أعني على نفسك بكثرة السجود).

    1.   

    النوافل التي حفظها ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح) متفق عليه. وفي رواية لهما: (وركعتين بعد الجمعة في بيته). ولـمسلم: (كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) ].

    بدأ المؤلف رحمه الله يفصل في أنواع التطوع، وبدأ بالأهم أي: بالسنة الراتبة مع الفريضة ؛ لأن هذه السنن كان صلى الله عليه وسلم يداوم عليها ولا يتركها، حتى إنه فاته بعض منها فقضاها في غير وقتها، وفاته بعضها حين اجتمع ببعض الوفود فقضاها بعد خروج وقتها، كما حدث في فوات الركعتين بعد الظهر، عندما جاء وفد عبد القيس فشغلوه عنهما حتى صلى العصر، فلما دخل بيته ذكرهما فصلاهما، فسئل في ذلك: كنت تنهى عن الصلاة في هذا الوقت، وأنت الآن تصلي؟ فقال: (ركعتان بعد الظهر شغلت عنهما مع وفد عبد القيس فأنا أقضيهما).

    وكذلك ركعتي ما قبل الفجر، في عودتهم إلى المدينة لما عرسوا في الوادي، فقال: (يا بلال ! اكلأ لنا الفجر) فما أيقظهم إلا حر الشمس، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (ارتحلوا من هذا الوادي؛ فإن فيه شيطاناً) فخرجوا من الوادي، وأمر بلالاً بأن يؤذن، فأذن، ثم صلوا سنة الصبح مع فريضتها، فما تركها حتى وهو في سفر، وكذلك صلاة الوتر.

    إذاً: هذه السنن تسمى الرواتب، أي: راتبة مرتبة منتظمة مع الصلوات الخمس، وابن عمر رضي الله عنه له عدة روايات بعدة صلوات، وابن عباس وغيره.

    فبدأ المؤلف بـابن عمر فقال: (حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات) وأخذ يفصلها، وهذا في أسلوب البيان من باب التفصيل بعد الإجمال، وهذا مما يعطي الإنسان انتباهاً، ويسهل على الإنسان ضبطه، قال: (حفظت.. عشر ركعات)، ثم أنت الآن تنتظر التفصيل، هل يأتي بعشر أم بثمان؟ فعندما يأخذ الإنسان الجملة، ثم يبدأ يأخذ التفصيل فإن ذلك يكون أدعى للمتابعة، وللضبط عند السامع، وهذا أسلوب بياني رفيع يأتينا به ابن عمر رضي الله عنه، قال: (حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح) وجاءت روايات بزيادة ركعتين سواء كان مع الظهر أو مع العصر، لكن يهمنا في عدد العشر ركعات، فحديث ابن عمر : (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، ثم ذكر ركعتين بعد المغرب)، أين العصر؟ لم يذكر له شيئاً لا قبله ولا بعده، وسيأتي له بيان آخر، قال: (وركعتين بعد المغرب في بيته)، أين بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ في مسجده، ولكن كان متحيزاً عن المسجد، وهل كل إنسان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته أم أنه إذا ذهب إلى البيت شغل فذهب الوقت، أم يصليها في المسجد؟

    ومن كان بيته بمنزلة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد كـأبي بكر مثلاً حيث كان بيته بجوار المسجد، والعباس كذلك ومروان ، فمن كان بيته بمنزلة أو مقارباً لبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد، إن كان سيجلس في المسجد ولن يخرج إلى بيته فهل يذهب ويصلي في بيته ويعود إلى المسجد، أم يصليها في المسجد حيث هو؟

    يصليها في المسجد، لكن إن كان صلى المغرب وسيخرج، إن كان بيته بمثابة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قريباً من المسجد، وسيخرج فليصلها في بيته، ولكن لماذا الصلاة في البيت؟ هل البيت مسجد؟ المسجد هذا يختص بـ (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة) فلماذا لم يصلها في المسجد لكي يظفر بألف صلاة وذهب وصلاها في بيته؟

    قالوا: البيوت ينبغي أن يكون لها حظ من الصلاة سواء صلاة النساء اللاتي تسقط عنهن الجماعة، أو صلاة الرجال من السنن والنوافل، وجاء في الحديث: (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) والمكتوبة تؤدى في المسجد مع الجماعة، والسنن في البيت، فبعضهم يقول: خير صلاة المرء في بيته ويدخل فيها الراتبة، وبعضهم يقول: لا، لا يدخل فيها إلا الصلاة المطلقة فقط كقيام الليل والضحى؛ بعداً عن الرياء والسمعة، أما الراتبة فالكل يؤديها، ولكن عندما يصلي الفريضة في المسجد ويخرج إلى البيت يصلي، هل البيت خال أم أن فيه أناساً؟ لا شك أن البيت فيه أناس، وأقل ما يكون فيه الزوجة والأولاد، فتكون صلاة النافلة في البيت بمثابة التعليم، ويأخذ البيت حظه من بركة الصلاة: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)؛ لأن البيت الذي لا يصلى فيه كالقبر المهجور، لكن الذي تكون فيه صلاة، ويسمع فيه القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى، هذا تحصل فيه البركة.

    إذاً: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يذكر لنا من النافلة مما حفظه هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها) ثم تخطى العصر، وجاء إلى المغرب فقال: (ركعتين بعد المغرب في بيته)، وذهب إلى العشاء فقال: (وركعتين بعد العشاء في بيته) رغم أن هناك نوافل مطلقة بعد المغرب، وكذلك نوافل بعد العشاء وهي الوتر، ثم ذهب إلى صلاة الصبح. وقد يقول قائل: لماذا لم يذكر ابن عمر النوافل من أول النهار؟ ولماذا لم يبدأ بالصبح؟

    لعل ابن عمر نظر إلى أول صلاة فريضة من الصلوات الخمس، ونعلم أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء في الليل والرسول صلى الله عليه وسلم نزل قبل الفجر وما صلى الصبح، ونزل جبريل ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وكان أول نزوله لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر، فكانت من جهة الفرضية كلها فرضت خمس صلوات كما في حديث موسى عليه السلام، ولكن التطبيق العملي كانت بدايته من الظهر.

    فأقول: لعل ابن عمر رضي الله عنه راعى هذه الناحية والله أعلم.

    إذاً: هذه عشر ركعات نسميها: (عشر ابن عمر ) وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.

    والمؤلف سيأتي بزيادة عن ذلك، سيأتي بأربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، فلماذا قدم بعشر لـابن عمر ؟

    لعل المؤلف رحمه الله -وهذا استنتاج فقهي- ذكر العموم في التطوع في قوله صلى الله عليه وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود) ثم جاء يبين أقل الرواتب، وأقل صلاة راتبة هي ما جاءت في حديث ابن عمر، وما جاء بعد ذلك لا ينهض في القوة بأن يساوي حديث ابن عمر، لأنه سيأتي ويذكر لنا أربعاً قبل الظهر، وهي ليست في التوكيد كالركعتين، وأربعاً بعد الظهر وهي ليست في التوكيد كالركعتين، وأيضاً سيذكر أربعاً قبل العصر، وليست في التوكيد كالركعتين كذلك.

    إذاً: المؤلف بدأ بالعشر وعلى هذا الترتيب الموجود ليبين أقل الراتبة في اليوم والليلة.

    قال: [وفي رواية: (وركعتين بعد الجمعة في بيته)].

    عندما قال: وفي رواية: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) فكم زاد على العشرة؟ لا توجد زيادة في عدد الركعات، لكن هي زيادة تفصيل، أي: كأنه يقول: إذا كان ظهره جمعة، وصلى الجمعة محل الظهر تكون النافلة ركعتين في بيته، وأما قبل الجمعة فقد جاء الحديث مطلقاً: (من بكر وابتكر، وصلى ما تيسر له) فلم يحدد لا ركعتين ولا أكثر ولا أقل.

    إذاً: نقول: إن المؤلف رحمه الله من فقهه وإتقانه قدم حديث ابن عمر في الصلوات الخمس في بيان أقل الراتبة، والجمعة لها صلاة قبلية وبعدية، ولكن يختلفون فيها، فمنهم من يقول: نافلة الجمعة كالظهر تؤدى قبل وبعد، وبعضهم يقول: لا، نافلة الجمعة قبلها ليس لها حد، وبعدها ركعتان، وبعضهم يقول: أربع ركعات بعدها في المسجد وركعتان في البيت؛ لأن خير صلاة المرء في بيته.

    1.   

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الظهر

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة)رواه البخاري ].

    هذا نوع من التفصيل والزيادة، تقول أم المؤمنين رضي الله عنها: (كان صلى الله عليه وسلم لا يدع) بمعنى: لا يترك، (أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة)، والغداة: الصبح.

    فهي تخبر بصورة شاهدتها، وسكتت عن بقية الأوقات الأخرى، كبعد الظهر وقبل العصر وبعد المغرب وبعد العشاء، ففي هذه الرواية تقول: (ما كان يدعهما)، لكن نستفيد من هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً ومداوماً عليها، وابن عمر يقول: (حفظت عشراً.. وذكر ركعتين قبل الظهر)، وعائشة تقول: (ما كان يدع أربعاً)، كيف نوفق بين هذين الحديثين؟

    يقول الفقهاء رحمهم الله: رواية عائشة جاءت بزيادة أربع، وزيادة الثقة مقبولة، فقالوا: لعلها تذكر أحياناً أنها رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أربعاً، وابن عمر يذكر أحياناً أنه رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ركعتين ولا معارضة في ذلك، أو أنه كان يصلي ركعتين في المسجد وركعتين في البيت، فـابن عمر يرى ركعتي المسجد، ولا يرى ركعتي البيت، فيكون المجموع الذي كان يصليه النبي أربع ركعات.

    والذي يهمنا في هذه الرواية هو المواظبة والتأكيد عليها، أما ما يتعلق بالصبح فقد جاءت روايات وأحاديث عديدة تبين أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يترك ركعتي الفجر والوتر لا في سفر ولا في حضر؛ ولذا قال الشافعية: إن سنة الصبح سنة مؤكدة، وقال الأحناف: إن الوتر واجب لا كوجوب الفرض في الصلوات الخمس، بل واجب على اصطلاح الأحناف، ومعنى ذلك: ما ثبت بنص قطعي من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متواتراً فهو الفرض، وما ثبت بأخبار الآحاد فهو الواجب، فيرون أن الوتر قد أتت فيه أحاديث عديدة، وجاء التحذير من تركه كحديث: (من لم يوتر فليس منا) قالوا: هذا أمر خطير، فهو أمر واجب، والواجب على هذا الاصطلاح منزلة بين الفريضة في الصلوات الخمس وبين النافلة مع الظهر والمغرب أو العشاء، والجمهور على أن الوتر ليس بفرض وله مبحث سيأتي فيه كيفية وعدد ركعاته إن شاء الله.

    وقدمنا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان بعد رجوعه من غزوة خيبر عرسوا ليلة، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس، وفارقوا ذلك الوادي، ثم أمر بلالاً فأذن، فصلوا سنة الصبح وما تركوها، وإن كان قد خرج وقتها، وإن كانوا في سفر والسفر تقصر فيه الفريضة، ومع ذلك لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر، وفي رواية: (صلوها ولو طاردتكم الخيل) ومع ذلك ليست فريضة؛ لأنه جاء في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة) إذاً: لا يمكن لإنسان أن يأتي بصلاة يدعي أنها مفروضة مع الصلوات الخمس لهذا الحديث، فالوتر وسنة الفجر والضحى كل ذلك خارج عن الفرضية، بمعنى: الواجب عند الجمهور.

    1.   

    فضل ركعتي الفجر الراتبة

    قال المؤلف رحمه الله: [وعنها رضي الله عنها قالت: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر) متفق عليه].

    هذا تأكيد لما تقدم، فلم يكن صلى الله عليه وسلم أشد تعاهداً -يتعهده ويداوم عليه- من تعاهده لركعتي الفجر، وهذا يدل على أن ركعتي الفجر من المؤكدات في النوافل، وهي آكد من غيرها، وقد أشرنا سابقاً بأن كلمة (نافلة) عامة، ويدخل تحتها السنة والمندوب والتطوع، وأشرنا بأن بعضها يتفاضل عن بعض.

    [ولـمسلم : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)].

    (ركعتا الفجر) يعني: سنة الفجر، (خير من الدنيا) سبحان الله! ما أقل الدنيا فيما يتعلق بالعبادة عند الله! وبعض العلماء ينبه تنبيهاً لطيفاً، فيقول: الدنيا فيها فضائل كثيرة: كالنبوة، والرسالة، والعبادة، وكل أنواع الخير، ولكن المراد بهذا: ما فيها من الزخارف الملهية كالأشجار والأنهار والبيوت والقصور والأموال.. إلخ، قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] إذاً: (خير من الدنيا وما فيها) أي: من الأمور الدنيوية، أما العبادات فلا تدخل في ذلك.

    1.   

    فضل من صلى اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بني له بهن بيت في الجنة) رواه مسلم . وفي رواية: (تطوعاً) ].

    نحن حفظنا عن ابن عمر عشر ركعات، وأم حبيبة رضي الله تعالى عنها تقول: (اثنتي عشرة ركعة). فجاءت هنا زيادة، وكما أشرنا أن الزيادة إذا كانت من ثقة فهي مقبولة؛ لأنها تتضمن ما كان أقل منها وتزيد عليه، فالاثنتا عشرة ركعة تتضمن العشر، فهي تشتمل على العشر وتأتي بالزيادة، لكن لو أنها قالت: ثماني ركعات، فإن في ذلك معارضة لحديث العشر، فإذا قالت: اثنتا عشرة أو أربع عشرة لا مانع؛ لأن العشر المحفوظة داخلة ضمن الزيادة، وهو أيضاً على سبيل الإجمال ثم التفصيل.

    قالت: (اثنتي عشرة ركعة)، وسيأتي تفصيلها في رواية عند غير مسلم، الحديث الأول فيه: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وهنا (اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)، يا سبحان الله! هل نقول: ما أهون بيوت الجنة أم نقول: ما أعظم أجر الصلاة؟

    الجنة ليست رخيصة، ولكن الثمن يقابل المثمن، والمثمن هنا بيت في الجنة، لو قيل: لك بيت في المدينة، أو في الحرة من اللِّبن، أو من الحجر أو عمارة على أن تصلي ألف ركعة.. المسألة صلاة ما فيها مال ولا دينار، ولكن الصلاة رأس الإسلام وعموده وهي الحق المفروض لله سبحانه وتعالى ؛ ولأن الصلاة هي أكبر عون للعبد في دينه ودنياه، ولأنها أكبر حرز للمسلم من الخطايا: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45] ومما يلاحظ أنه قد أتى قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45] مرتين في حق بني إسرائيل، فجاء في حق بني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:44-45] إذاً: الصلاة كبيرة على بني إسرائيل هذا في الأول، ثم تأتي في حق هذه الأمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] فرق بين هذه الآية وبين الآية الأخرى، كأنها ليست ثقيلة، وإن كانت هي في ذاتها لا شك أنها عبء وتكليف، ولا أقول: ثقيلة في قوله سبحانه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل:5-6] الوحي تكليف ثقيل، ولكن ناشئة الليل تقاوم وتعادل ذلك، فيكون هناك استعداد، وإمداد بأن يتهيأ لناشئة الليل التي هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً، فيتحمل ما سيلقى إليه من قول ثقيل، لكن المغايرة تعطينا نوعاً من المفاضلة، ففي حق بني إسرائيل ثقيلة إلا على الذي اتصف بالخشوع بين يدي الله فإنه لا يستثقل شيئاً، وجاء في بعض أخبار الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلي، فسقط ركن من المسجد، فلما انتهى من صلاته وجد غباراً، فقال: ما هذا الغبار؟ قالوا: أولم تسمع ركن المسجد عندما سقط؟ قال: والله ما دريت عنه، كنت في الصلاة.

    وجاء عنه أنه كان إذا جلس يتوضأ يصفر وجهه، فقيل: لماذا يصفر وجهك عندما تتوضأ؟ قال: ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟

    فيهمنا بأن الصلاة لأهميتها إذا حافظ الإنسان على نافلة فيها يؤجر عليها كما في الرواية الأخرى: (بنى الله له بيتاً في الجنة) وبيت الجنة لا يستطيع أن يعلم أحد بمواصفاته إلا الله، وجاءت أحاديث أن بعض بيوت الجنة من لؤلؤة واحدة يرى داخلها من خارجها، كما جاء في حديث زيد بن ثابت مع رسول الله، وجاء في خبر عمر رضي الله عنه إلى غير ذلك.

    إذاً: الصلوات هي عماد الدين، وتعود على المصلي بكل خير، وكما أشرنا أنها أكبر حرز له من الخطايا: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] هذا إذا أديت بواجباتها، ورزق الله العبد حسن التلذذ وارتياح النفس، وطمأنينة القلب بالمناجاة بين يدي الله.

    إذاً: اثنتا عشرة ركعة ثمنها بيت في الجنة، ومثل هذا لا يستكثر على المولى، لأن عطاءه كلام: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللترمذي نحوه وزاد: (أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) ].

    وماذا زادت أم حبيبة على حديث ابن عمر؟ ابن عمر قال: (ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها)، وأم حبيبة اتفقت مع ابن عمر في كل الأوقات ما عدا قبل الظهر، فزادت ركعتين فيما قبل الظهر، فاتفقت مع ابن عمر في العشر الركعات، وزادت ركعتين، واتفقت مع عائشة في أربع قبل الظهر، وبهذا تكون مجموع السنة أو النافلة على ما سيأتي إجماله اثنتا عشرة ركعة.

    ويهمنا أن أم حبيبة زادتنا بما تتفق فيه مع عائشة وابن عمر ركعتين، وهما في الأربع التي قبل الظهر.

    وهذا سؤال: كيف تكون كيفية هذه الركعات؟ أهي أربع ركعات بتكبيرة واحدة وسلام واحد أم أنها مفصولة ركعتين ركعتين؟

    نجد الخلاف في هذا بسيطاً، فقال البعض: يصلي أربعاً مجموعة، وقال البعض الآخر: لا، هذه صورة الفريضة، فيجب أن تكون الأربع مفرقة ركعتين ركعتين، وسيأتي المؤلف بحديث: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وفي بعض الروايات زيادة: (صلاة الليل والنهار), لكن زيادة (والنهار) يردها علماء الحديث بأن سندها غير ثابت، ويرى الجمهور أن الأربع قبل الظهر ركعتين ركعتين لحديث: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهذا حديث صحيح ثابت، وإذا كانت صلاة الليل مثنى مثنى قالوا: قياساً على صلاة الليل تكون أيضاً مثنى مثنى، وقالوا أيضاً: لعدم تشبيه النافلة بالفريضة، وقالوا أيضاً: إن في تفريقها زيادة عبادة، فلو جمعناها لم يكن فيها إلا تكبيرة إحرام واحدة، ولو فرقناها كان فيها تكبيرتان، ولو جمعناها ما كان فيها إلا تسليم واحد، ولو فرقناها كان فيها تسليمان، وكذلك التشهد في الجمع يكون تشهداً أوسطاً، وفي التفرقة يكون تشهداً كاملاً، وإضافة إلى ذلك يؤتى بالدعاء المأثور بعد التشهد الأخير.

    إذاً: تفرقتها أكثر أجراً من جمعها لأنه أكثر عملاً، وهذا ما يرجح أن صلاة النهار لتلك الأربع تصلى مفرقة.

    1.   

    فضل من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها

    قال المؤلف رحمه الله: [وللخمسة عنها: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار) ].

    هذه خطوة ثانية، جاءنا حديث ابن عمر وحديث عائشة في جزئية، وحديث أم حبيبة في المجموع، ثم في خصوص الظهر جاء حديث: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار) هذا دعاء أم إخبار؟ بعض العلماء يقول: هذا إخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، وهو الصادق في خبره المصدوق فيما أخبر به، وبعضهم يقول: هذا دعاء، كأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم حرمه على النار، وسواء كان إخباراً فخبره صدق، أو دعاءً فدعاؤه مقبول عند الله.

    إذاً: من وفقه الله وأعانه وحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها فهذا سبيل خير أوسع من الذي قبله، وإذا اقتصر على اثنتين واثنتين فقد أتى بأقل التطوع، وإذا زاد إلى أربع، نقول: أتى بأكثر ما جاء به النص.

    1.   

    فضل من صلى قبل العصر أربع ركعات

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه].

    خص الظهر بأربع قبلها وأربع بعدها، وجاء في العصر فقال: (رحم الله امرأً) فهل هذا إخبار أم دعاء؟

    إن كان خبراً فهو خبر صدق، وإن كان دعاءً فهو مقبول؛ ولذا يقول العلماء: ينبغي للإنسان أن يتعرض لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر) أما ما بعدها فيأتي المنع من النافلة.

    إذاً: جاء في فريضة العصر أنه يصلي أربعاً قبلها، وكأنه عندما يقول: (رحم الله امرأً صلى) كأنه يقول: الأمر أهون من غيره، ولكن إن شئت الرحمة والفضل فصل أربعاً قبل العصر، ولابد أن يعلم أنها في قوة الطلب ليست كركعتي الفجر، وليست كركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها؛ لأن الطلب هنا فيه ترجيح وترغيب من جهة التعرض لرحمة الله سبحانه وتعالى.