إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [14]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رغم أن الصلاة هي من أعظم الذكر إلا أنها أتبعت بأذكار أخرى عظيمة، منها: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وأعلى منه شأناً وجلالاً: آية الكرسي بما تحمله من صفات وأسماء لله جل وعلا، وكلها تشعر بعظمة وكبرياء المولى سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث : (اللهم أعني على ذكرك ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (أوصيك -يا معاذ-: لا تدعن دُبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)، رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي].

    حديث معاذ رضي الله تعالى عنه من النصوص الواردة في الذكر بعد الصلوات الخمس.

    ترجمة معاذ بن جبل

    ومع أننا لم نتعرض لأحد من الرواة ولكن معاذاً له شأن خاص به، وفي مقدمة هذا السياق: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ ! إني أحبك، وأريد أن أوصيك، فقال معاذ رضي الله تعالى عنه: وأنا والله أحبك -يا رسول الله- فأوصني)، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (أحبك) ، تعطيه خصوصية، وقد أفرده النبي صلى الله عليه وسلم بصفة كما أفرد غيره، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)، ومعاذ كان يُعتبر بعثة تعليمية متنقلة، ولقد أقامه النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن يعلمهم الإسلام، وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنه كتب زيد من الشام إلى أمير المؤمنين عمر: إن أهل الشام في حاجة إلى من يعلمهم دين الإسلام، فأرسل إليه معاذ بن جبل. وتجدون ذلك في الموطأ في باب المتحابين في الله، فيروي مالك عن شاب يقول: دخلت مسجد دمشق، فوجدت شاباً براق الثنايا يجتمع الناس عليه، ويصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل ، فبكرت من الغد إلى المسجد فوجدته قد سبقني إليه وهو قائم يصلي، فجلست حتى صلى فسلمت عليه وقلت: إني أحبك في الله، فجذب بردائي وقال: اجلس، آلله ما أحببتني إلا في الله؟ -يعني: والله ما أحببتني إلا في الله- قلت: آلله أحببتك في الله، قال: أبشر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بالجنة للمتحابين في الله).

    فـمعاذ رضي الله تعالى عنه أحبه رسول الله، ومع ذلك أدركته فاقة ولحقته ديون؛ فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يصيب من أجر العمالة ما يُسدد دينه.

    يهمنا في هذا الحديث: قول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (إني أحبك) ويكفي ذلك فضلاً لـمعاذ أن الرسول يحبه، وكما جاء في مثل هذا المعنى في غزوة خيبر لما استعصى حصن مرحب، ورجعوا متأثرين، فقال صلى الله عليه وسلم: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقول عمر : فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، ويقول عمر وهو محل الشاهد: والله! ما تطلعت نفسي لرئاسة ولا لإمارة إلا تلك الليلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ويحبه الله ورسوله)؛ لأن هذا ليس بالأمر الهين، ومع هذه المحبة يقول له: (أريد أن أوصيك)، فهو أعلن من جانبه أيضاً: (وأنا والله يا رسول الله أحبك)، وكون معاذ يحب رسول الله هذا أمر واجب، (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) .. قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24]، ولا ينبغي أبداً أن يقدم محبة مخلوق عرضاً كان أو أصلاً، إنساناً أو مالاً؛ على محبة رسول الله؛ لأن محبة رسول الله هي معيار الإيمان.

    طلب العون من الله للعبد في العبادة

    قال: (أوصني، قال: أوصيك إن استطعت -يعني بقدر ما تستطيع- ألا تدع -بمعنى: لا تترك- أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني) تطلب العون من الله على ماذا؟ (أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

    المتأمل في أكثر الأدعية والأذكار الواردة عقب الصلوات يجدها مرتبطة بجزئيات في صلاته، فالتسبيح والتحميد والتكبير، والاستعاذة من النار ومن عذاب القبر ومن فتنة.. ومن.. ومن..، وكذلك افتتاحية صلاتك بالفاتحة، ففي سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، (أعني على) أعني: بمعنى الاستعانة، استعن بالله على ذكره، إياك نعبد، فهي جزء من الصلاة في الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، وما لم يكن هناك عون من الله للإنسان على طاعته وعبادته فليست هناك فائدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية، ولا قوة على طاعة إلا بالله سبحانه.

    (أعني على ذكرك) والصلاة من الذكر، أي: استعن بالله على الحفاظ على الصلاة، والصلاة عون هي بذاتها، قال الله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45].

    (وعلى شكرك) شكر النعم بحسبها: تكون بالقول، وبالفعل، وبالقلب، وكما يقال: شكر النعمة عامل دوامها وحفظها، وبشكرها تدوم.

    الوسطية في العبادة

    وقوله: (وحسن عبادتك) ولم يقل: وكثرة؛ لأن الكثرة قد تكون كغثاء السيل، وكما في الحديث: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقيامكم مع قيامهم، لم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، والمولى سبحانه يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، ليس أكثر، فالنتيجة ليست بالكثرة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كره الكثرة؛ لأنها قد تؤدي إلى الملل ثم العجز.

    كما في قصة النفر الثلاثة الذين تساءلوا فيما بينهم: نحن مقصرون، فلنذهب ونسأل أم المؤمنين عن عبادة رسول الله في بيته؟ فسألوها، فقالت: في الليل يقوم وينام، وفي النهار يصوم ويفطر، ويأتي زوجاته، قالوا: هذه حالة عادية، لا، إنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأخذوا يتفاوضون، فشخص منهم قال: أنا أتخصص في الصوم، وشخص قال: أقوم فلا أنام، وشخص قال: أنا أعتزل النساء، هذا وأم المؤمنين تسمع، ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بما وقع، فغضب وأسرع إلى المسجد يخطب: (ما بال أقوام يقولون ويقولون، أما والله! إني لأتقاكم لله، وأخشاكم لله، وإني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) لماذا؟ لأنه يعجز، وإذا عجز ترك الجميع، لا (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى).

    والرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه ورد عليه السلام وسكت، وكأن الرجل وجد شيئاً ما كان متوقعه، قال: (ألم تعرفني؟ قال: لا، قال: أنا الذي جئتك العام الماضي في كذا وكذا، قال: لقد تغيرت عما رأيتك من قبل، قال: مذ فارقتك لم أفطر يوماً! قال: أجهدت نفسك، صم وأفطر)، وقال لآخر: (صم من الشهر ثلاثة أيام، قال: أطيق أكثر، قال: صم كذا، صم كذا، إلى أن جاء إلى صيام نبي الله داود)، أخذه وبعد ذلك عندما كبر ثقل عليه، وقال: ليتني قبلت رخصة رسول الله من كل شهر ثلاثة أيام، إذاً: الكثرة غير مطلوبة، كما أن النقص غير مطلوب، والمطلوب الوسط: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)؛ لأن القليل مع الدوام خير من الكثير مع الانقطاع؛ ولذا كان المدار في الأعمال على الإحسان، ولذا نجد الترتيب والتدرج في تعليم جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للدين (أخبرني -يا محمد- ما الإسلام؟ خمسة أركان: شهادة وصلاة وصيام وزكاة وحج، ثم سأله عن الإيمان؟ ستة، وكلها أمور غيبية واعتقادية، الإيمان بالله وباليوم الآخر والكتب والرسل والقدر.. إلى آخره، أخبرني عن الإحسان؟ ركن واحد: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه -لعدم إمكانيتك لذلك- فهو يراك)، فكان الإحسان هو الخاتمة.

    شروط صلاح العمل وإحسانه

    وقوله في هذا الحديث: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، متى يكون العمل حسناً؟ هذا الذي ينبغي الحرص عليه، ويكون ذلك بثلاثة أمور:

    الشرط الأول: أن يكون مشروعاً مطابقاً لما جاء عن الله وعن رسول الله، فلا تأتي بعبادة لله من غير ما شرع الله، فيقول لك: أنا ما شرعت هذا، ولما تعبد الله بغير ما شرعه رسول الله يقول: أنا ما جئتك بهذا، إذاً: المبدأ الأول في صلاح العمل وإحسانه: أن يكون مطابقاً لما جاء عن الله وعن رسول الله؛ لأنها عبادة لله، فالله الذي تعبدنا هو الذي بيّن لنا كيف نعبده، وهل ندري ما يرضيه وما لا يرضيه؟

    لا نعلم؛ فلما بيّن لنا وشرع لنا وأمرنا ووجهنا يجب أن نلزم ذلك، ومن هنا نعلم: أن كل من تعبد الله بغير ما شرع الله أو بغير ما سن رسول الله فهو خارج عن هذا الباب، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ليس من أمرنا فهو رد)، أي: مردود على صاحبه.

    وإمام دار الهجرة رضي الله تعالى عنه يقول: (لن يصلح أمر آخر الأمة إلا ما أصلح أولها)، فما كان عليه السلف الصالح من منهج في العبادة واقتصاد في العمل فهو المبدأ الأساسي.

    الشرط الثاني: أن الإنسان يأتي بهذا العمل خالصاً لوجه الله، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]؛ ولذا شرع أن يقول المصلي عقب الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

    الشرط الثالث: أن يكون العمل صادراً من مؤمن لا منافق أو كافر؛ لأن الكافر قد يطعم المسكين، ويكسو العريان، ويبني الطرق والمدارس والمستشفيات، ولكن هل يُعد له عملاً صالحاً كما يعد للمؤمن؟ لا، وهل يضيع عمله؟ لا، فالله سبحانه وتعالى حكيم عليم، عادل لا يضيع أجر من أحسن عملاً؛ فإذا عمل الكافر عملاً قال له: لك عملك، ويعطيه ويعوضه في الدنيا بقدر ما أحسن فيها، أما في الآخرة وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23]؛ لأنه لم يكن على قاعدة، ولم يعمله إيماناً بالله، وإنما عمله مجاراة للناس أو لجلب مصالح، أو لأمر آخر؛ فيأخذ أجره عاجلاً.

    فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاث كان العمل صالحاً حسناً.

    ملازمة العبد للذكر في كل حال

    قوله: (اللهم أعني على ذكرك) الذكر يكون باللسان وبالعمل، والذكر في العمل يفسره قوله سبحانه في سورة الجمعة: إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، ذكر الله النداء إلى الصلاة حي على الصلاة، وذكر الله الإمام الذي يصلي ويخطب، هذا كله ذكر الله، سعينا إليه، فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الجمعة:10].

    وقد أشرنا فيما مضى بأن أشمل وأعم العبادات في الكون هو الذكر؛ لأنه العبادة التي لم تقتصر لا على ملائكة السماء، ولا على مؤمني الإنس والجن، بل اشترك فيها الجماد والنبات والحيوان، كما جاء العموم: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]؛ فهي تسبح بحمده سبحانه، وإذا جئنا إلى كل العبادات أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، سواء كان لتذكري أو كان لتذكرني فيها، فكلها من أولها من النداء إليها إلى الافتتاحية: (الله أكبر)، إلى قوله: (السلام عليكم) ذكر لله، والصائم طول وقته يكون ذاكراً لله، وإن كان أبكم أو أصم؛ لأنه إذا صام في شدة الحر، والماء البارد عنده، ويده تمتد في الماء يتبرد، ويشتهي قطرة واحدة؛ فما الذي يمنعه وليس عنده أحد، ما الذي يمنعه؟ لأنه يذكر قول الله: (يترك طعامه وشرابه من أجلي)، كذلك في الزكاة: يخرج المال بدون عوض، لماذا؟ لأنه يذكر الله، وينتظر العوض بسبعمائة، ومضاعفة إلى ما يشاء الله سبحانه، الحج من أوله: (لبيك اللهم لبيك) ذكر لله إلى أن تنتهي من طواف الوداع وأنت في ذكر لله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198] .. (أفضل ما قلته أنا والنبيون في يوم عرفة: لا إله إلا الله ...) إلى آخره، في السعي تذكر الله، في الطواف ذكر لله، حتى بعد رمي الجمرات: باسم الله، الله أكبر، إرضاءً للرحمن، وإرغاماً للشيطان، ليس هناك خطوة قدم واحدة في الحج إلا وفيها ذكر الله، إذاً: ذكر الله في جميع العبادات.

    ولهذا كانت وصية الرسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) لا تجعل اللسان يفتر عن ذكر الله، وهذا لا يمنعك لو كنت صانعاً أن يبقى لسانك في فمك يذكر الله، وإذا لم تستطع بلسانك فبقلبك وهو مراقبة الله: فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الجمعة:10]، إما باللسان: اجعل لسانك رطباً بذكر الله. وإما في العمل: أنت ذهبت تسعى في طلب الرزق، وعملك فلاح تحرث الأرض، تضع البذرة باسم الله، وتدفنها، وتنتظر إنباتها من أين؟ تقول: يا رب أنبتها، طلع النبات. يا رب تثمرها، طلعت الثمرة. يا رب تحفظها، جاءت الثمرة. يا رب تبارك فيها، فأنت دائماً على ذكر لله، وأشد الناس ذكراً لله الفلاح، ولو لم يكن متعلماً يضع الحبة ويرميها وهو لا يعرف على جنبها أو ظهرها أو بطنها، ثم تجد الحبة في بطن الأرض نبتت عودين .. عود إنبات وعود جذر، من الذي وجه الإنبات إلى سطح الأرض حتى يظهر، والجذر إلى بطن الأرض حتى يغوص فيها ويمتص لها الغذاء، كنت أنت تعدلها في الليل أو النهار؟ لا والله، فإذا أنبت النبات فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [عبس:24-32]، من الذي فعل هذا؟ فهو دائماً مع الله سبحانه وتعالى، إن كنت صانعاً كانت لك صناعة مضبوطة، إن ذكرت الله تركت الغش: (من غشنا ليس منا)، وإن غفلت عن ذكر الله جعلت الحابل مع النابل، إن كنت تاجراً تبيع وتشتري فأمامك المكيال والميزان.. كل عمل للإنسان فيه طلب للرزق يذكر الله فيه، إما بلسانه، وإما بفعله يراقب الله فيما يعمل، وهكذا.

    (أعني على ذكرك) باللسان بالمراقبة، (وعلى شكرك) بالقول وبالفعل، وببذل النعمة وشكرها (وحسن عبادتك) وأحسن ما يكون من الإنسان في العبادة: أن يكون مطابقاً لما شرع الله، ولما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً لوجه الله سبحانه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ..)

    قال رحمه الله: [وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، رواه النسائي ، وصححه ابن حبان ، وزاد فيه الطبراني وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]].

    هذا مما يدل على فضل هذه الآية الكريمة، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أُبي بن كعب: (أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي، قال: ليهنهك العلم)، وقالوا: آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على صفات المولى سبحانه وتعالى، فموضوعها ذات المولى عز وجل، كما أن سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ موضوعها ذات الله سبحانه وتعالى، وهي تعدل ثلث القرآن تقرأ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ، هذا أول التوحيد الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، أي: القائم على كل شيء، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ، السِنة: النعاس، والنوم الاستغراق؛ فسبحانه لا ينام، وفي الأثر: أن نبي الله موسى قال: (يا رب! أنت لا تنام؟ قال: لا أنام يا موسى! ولا ينبغي لي أن أنام، أتريد أن تُدرك ذلك يا موسى؟ قال: نعم، قال: خذ قدحاً من الماء وأمسكه في يدك، فأخذ قدحاً من الماء وأمسكه بيده، فأرسل الله عليه النعاس فسقط القدح من يده ثم أيقظه، قال: يا موسى! أين القدح؟ قال: سقط عندما نمت؟ قال: وهكذا الكون)، سبحان الله العظيم! عظمة المولى سبحانه في كل صفة وفي كل آية، وهذا كما يقال: تقريب للمعنى، فالكون بيده سبحانه فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس:83]، لم يقل: ملك، قال: ملكوت، يعني في الأمور الحسية والمعنوية، ولو نظرت لرأيت شيئاً فوق الإدراك، أنت بنفسك لو وكلت إلى ذاتك ما استطعت أن تعيش، كما يقولون: الإنسان فيه عدة عوالم. إذا جئت إلى حواسك: اليد تنام وتهمد، والعين تنام وتغمض، الأذن لا تنام؛ لأنها على استعداد لتلقي السمع في أي لحظة، ولكن هل الكبد ينام؟ لا ينام؛ لأنه يفرز دائماً ويغذي هذا الجسم النائم، هل الكلى تنام؟ لو نامت تعطل الجسم، فشل كلوي كما يقولون -نسأل الله السلامة- أو تليف كبدي؛ هل القلب ينام؟ من الذي يُنظم دقات قلب المرء في صدره؟ لو وكل إليك أنت لكي تراقب قلبك ... شغلته وأنت صاحي، وبعد ذلك جاءك النوم، هل تقول له: نم حتى أصحو؟ إذا نام نمت النومة الأخيرة، إذاً: كل حيوان لا يستطيع أن يؤمن حياته لو وكلت إليه. هذا القلب الذي ينبض منذ مائة أو تسعين أو ثمانين سنة، وفي كل دقيقة ستين مرة في الوضع العادي، الله أكبر! وهو قلب واحد أو عالم واحد، البعوضة عندها قلب ينبض، حتى أصغر الحيوانات إلا الجراثيم، الله أعلم بتكوينها لا نعلم عنها، ولكن نجد العصفور الصغير ينبض قلبه في الدقيقة مائتي نبضة، الفيل ينبض قلبه في الدقيقة عشرين مرة، وكلما كبر الجسم وتضخم كلما قلّت الدقات؛ لأن القلب يصبح كبيراً، ومثال ذلك تجربة في يدك: انظر إلى الساعة، الساعة الصغيرة التي قطرها (1 سم)، والساعة الكبيرة التي قطرها (50 سم)، هل توجد واحدة تزيد في الأربعة والعشرين ساعة أو تنقص أم أن كلها سواء؟ كلها سواء، خذ واحدة صغيرة في يدك وأخرى كبيرة على الجدار، تجد الصغيرة سريعة الضربات، وأما الكبيرة على مهلها، لماذا؟ لأن الواحدة بالتأني تقطع مسافة مثل هذه.

    إذاً: الفيل له دقات، والعصفور الصغير له دقات، والحيتان كذلك في البحر، من الذي يُنظم كل هذا؟ المولى سبحانه فضلاً عن أمور أخرى.

    انظر إلى عالم النبات: طلعت الشجرة.. جاءت الزهرة، من أين جاءت الثمرة وتنوعت؟ بستان واحد وحوض واحد وجدول ماء واحد من بئر واحد أو من سماء واحدة، هذه تثمر أصفر، وهذه أحمر، وهذه أزهار خضراء وصفراء وحمراء. إذا جئت إلى الإناث في العالم: كيف تحمل الأنثى من كل نوع؟ الإنسان الحيوان الطيور الـ.. الـ.. إلى آخره، وكيف ينشأ ويتطور هذا الحمل الجنين في داخل ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات ثلاث، من الذي شق العينين والأنف والفم؟ سبحان الله، من الذي أنبت هذا كله في تلك الظلمة؟ أصله من تراب، ثم جاءت النطفة وصارت علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسيت العظام لحماً، والتخطيط هذا والتنظيم هذا، والشبه الذي يعطى كل فرد ولا يوجد له شبه يطابقه مائة في المائة في العالم، حتى التوأمين اللذين جاءا من بطن واحدة مختلفين، ولابد من الاختلاف، بصمات الأصابع مئات الملايين في العالم ليس هناك بصمة تعادل بصمة ثانية، من الذي غير في هذا؟ وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذا: إذا أردت أن تدرك عظمة الخالق سبحانه: قف عند جمرة العقبة وانظر إلى الوجوه أمامك؛ لن تجد وجهين متطابقين في الصورة قط، وهكذا العالم كله.

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ ، هو في ذاته قيوم على العالمين، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ، القيومة له سبحانه وحده لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ [البقرة:255]، وماذا الذي في السماوات؟ يعجز البشر كله أن يُدرك ما في السماء الأولى فقط، بل ما دونها من أبراج وأفلاك، والمجرة يقولون: فيها ملايين النجوم، والله لا نستطيع أن نقول: لا، لو قلنا: لا، يقولون: اذهبوا عدوا، ولكن يتفق الفريقان على كثرة النجوم فيها، وعلى أضوائها، وأنه يصل ضوء بعض النجوم في كذا سنة ضوئية، الإنسان فقط يترك التفكير في هذا، له ما في السماوات عوالم لا نعلمها ولا ندركها إلا ما جاءنا فيها الخبر، ولولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءنا بالكتاب وبالسنة، وذهب بنفسه ونظر وأتى وأخبرنا، فيخبرنا عن مشاهدته، السماء الدنيا، ويطرق الباب الثانية و.. و.. إلى آخره، إلى سدرة المنتهى.

    إذاً: له ما في السماوات من تكوين وأوامر ... إلى آخره.

    وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255]، وإن كنا قريبين منها، وهي أقرب لنا من السماء لكننا نعجز أن نُكيف ما في الأرض، فماذا في الأرض؟ عوالم الحيوانات والنباتات والجبال والطيور والزواحف و.. و.. إلى آخره، كل ذلك خاضع لسلطانه سبحانه، فإذا كان الأمر كذلك فـ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، الشفاعة هي: أن تتقدم وتطلب من المشفوع إليه مصلحة للمشفوع فيه، وهل أحد له سلطان أو له ملك أو أي شيء في السماوات أو في الأرض؟

    لا شيء إلا بإذن الله سبحانه.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي انظر مَنْ ذَا الَّذِي لم يقل: من الذي، من الذي يرفع رأسه؟ من يقول: أنا؟ من يدعي شيئاً في هذا العالم؟ لا أحد، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ، قد تشفع عند أخيك أو زميلك أو قريبك أو أميرك أو.. أو..، لك حق في أن تشفع، وله حق في أن يقبل أو يرد، وقد يضطر إلى قبول شفاعتك اضطراراً؛ لأنه يخشى إن رد شفاعتك حجبت مصلحته أو دبّرت مكيدة له، ولكن المولى له ما في السماوات وما في الأرض، ولا يُقاس عليه، وإمعاناً بعد ذلك قال: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:255].

    القدرة الإلهية للعلم يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ [البقرة:255]؛ فهو يحيط بهم علماً وهم لا يحيطون، ولكن قد يدركون البعض، وفرق بين الإحاطة والإدراك، فمن الإحاطة الحائط المبني حول البستان، فإنه يشمله جميعاً، فالإحاطة بالشيء إدراكه كاملاً كإحاطة الجدار بالبستان، فالعالم لا يحيطون بشيء من علم الله، ولكن الله سبحانه يُحيط بعلمهم.

    وَسِعَ كُرْسِيُّهُ [البقرة:255]، الكرسي جاءت فيه أخبار عديدة، منهم من يقول: الكرسي العلم، وهذا روي عن ابن عباس ، ولكن الجمهور على ما في الحديث الصحيح: أن الكرسي بين يدي العرش، وجاء الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون في الكرسي إلا كدراهم في ترس، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة)؛ فالكرسي مخلوق مادي له سعته، ولو أن السماوات السبع والأرضون السبع وضعت في الكرسي ما كانت إلا كأن تأخذ حلقة وتلقي بها في الربع الخالي، ما تكون نسبة هذه في الربع الخالي؟

    إذاً: لا يعلم قدره إلا الله، وما الكرسي هذا بهذه السعة في العرش إلا كدراهم (وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم).

    أقول يا إخوان: إن هذه النصوص بهذه المضاعفات لا ولن توجد قوة على وجه الأرض حسابية الآن تعطينا النتيجة ولا الجواب عن سعتها، ولا ينبغي للإنسان مهما أوتي من ذكاء حرص على العقيدة وسلامتها أن يخوض خوضاً بعيداً، ويكفي أن يسمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتصور التصور الإجمالي، ويكف عما وراء ذلك. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وسعها على أي حجم وأي مقدار؟ جاء في الحديث بأن السماوات السبع سمكها مسيرة خمسمائة عام هي والأرض، سبحان الله! سبع سماوات، من الذي يتصور هذا الجرم؟!

    أما الأرض فهي مثل البيضة تحت القبة، فكم يكون مساحة هذا الكرسي؟ لا نستطيع أن نقول شيئاً، ولكن يكفينا النص القرآني الكريم: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، وهناك ناحية بيانية لطيفة، لم يقل: (وسع الكرسي) ولكن جاء بالإضافة إلى الله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، مجرد نسبة وإضافة الكرسي إلى الله تُعطيه عظمة أكثر.

    وَلا يَئُودُهُ [البقرة:255] ولا يثقله، ولا يشق عليه، حِفْظُهُمَا [البقرة:255] (ما) ألف تثنية راجعة فيها لـ: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255]، ولا يثقله ولا يشغله حفظهما على ما قدمناه: موسى لم يستطع أن يحفظ الماء في القدح ونام وسقط وتدفق الماء، والمولى سبحانه لا يئوده حفظ ما في السماء وما في الأرض، لو لا أن الله يمسك السماوات من الذي يمسكها؟ لا أحد إلا الله، كذلك الطير في السماء صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ [الملك:19]، وهكذا أنت، قم قائماً على قدميك، ولو اختل ميزان التوازن، وهي أنبوبة صغيرة وراء الأذن لو اختلت هذه الأنبوبة تسقط، يعني أنت لا تعتبر أن توازنك في قدميك، قدمك أكثر ما يكون ثلاثين سنتي أو خمسة وعشرين سنتي هل يحدث توازن مع سبعين أو ثمانين أو مائة كيلو؟ لا والله.

    إذاً: الله سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ العالم وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ، أي: السماوات أن تنطبق بعضها على بعض، ولا أن تنطبق على الأرض، ولا أن عوالم الأرض أيضاً تضيع وتموج بعضها في بعض.

    وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] إذاً: آية الكرسي ليست آية عادية؛ فقد تمحضت لله سبحانه في صفاته العلية، وفيما يتعلق بارتباط الكون من سمائه وأرضه وما بينهما وما فيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، من هنا كانت هذه الآية الكريمة هي أعظم وأفضل آية في كتاب الله، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي بقراءتها دُبر كل صلاة.

    والرواية الثانية أن تضم معها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؛ لأنها تحمل نفس الموضوع، الله أحد، الصمد، لم يلد، لم يولد، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4]، كذلك لم ينم؛ لأن له الصفات كاملة، وعلى هذا من حافظ على هذا الذكر لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، يعني: قبل الموت ليس هناك دخول الجنة.

    زار رجل الفقراء في المدينة، ورأى حياتهم ومعيشتهم التي هم فيها، فقال لي: يا فلان! أحد داخل الجنة قبل الموت؟ قلت: لا الجنة بعد الموت، قال: هؤلاء الناس في الجنة قبل أن يموتوا، قلت: إن شاء الله نرجوا لهم ذلك، قال: هم في المدينة، وليس عندهم بيع ولا شراء ولا زراعة ولا صناعة، إلا ما ساقه الله لهم من رزق يقوت، ويأتي إلى المسجد النبوي يصلي ويرجع، وما الفرق بينه وبين أهل الجنة؟ هؤلاء بعيدون عن المعاصي، لعل سبحانه وتعالى يكرمنا وإياهم وبالجنة.

    إذاً: هذا تأكيد بأن مصيرهم للجنة، فقط ينتظر أن يأتيهم الموت ويدخلون الجنة، ولهذا يقول العلماء: ليس الموت انقطاعاً للحياة، وإنما الموت امتداد لها، وهذه عقيدة المؤمن؛ فهو يعمل في دنياه لما بعد الموت؛ لأن ما بعد الموت امتداد لما كان في الدنيا، بخلاف الكافر؛ فهو يعمل وكل غايته مدة حياته؛ ولهذا لا يبالي بنوع الحياة التي يجني فيها ما عمل.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لكل ما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.