إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [13]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعاء هو العبادة، والصلاة هي الدعاء؛ ولذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أدعية كثيرة في الصلاة، منها ما يكون في كل صلاة، ومنها ما يمكن التناوب في الإتيان به، وعلى كل مسلم الحرص على الإتيان بها؛ لأن الدعاء خير كله.

    1.   

    شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من البخل...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله؛ والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر)، رواه البخاري .

    تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الجبن والبخل

    تقدم الكلام على طرفٍ من هاتين الخصلتين المقترنتين: البخل والجبن، وتبيّن لنا أن البخل من أشد الأدواء، ويذكر بعض الناس عوامل قد تطرأ على الإنسان تُبخله، إما كثرة عيال وإما قلة المال، ولكن الحد الوسط في هذا هو: ألا يمتنع عن حق شرعي يتعلق بالمال؛ فإذا كان يؤدي حقوق الله فيما في يده من المال من زكاة أو مساعدة ضعفاء أو إحسان إلى الجار أو صلة ذي رحم؛ فلا يقال: إنه بخيل، ولكن إذا كان يمسك عن الواجب الذي أوجبه الله عليه شحاً بماله فهذا هو البخيل، كما أن الإسراف هو: أن يُبذر المال في غير وجهه، كأن ينفقه في أدوات لهو أو لعب، أو ما لا يجوز له شرعاً، أو يعطيه السفهاء يبذرونه ويضيعونه، فهذا تبذير ولا يجوز.

    وكلا طرفي الأمور ذميم

    إفراط أو تفريط هذا مذموم، لكن توسط واعتدال هذه هي الفضيلة.

    أما الجبن: فيرى بعض الناس أنه لا يستطيع الجبان أن يتكلف الشجاعة، ولا أن يتدرب ويكتسبها، قد يستطيع البخيل أن يتخلص من بعض شدة الشح عليه ويبذل، ولكن الجبن غريزة ذاتية لا يستطيع أن ينفك عنها، ويذكرون عن حسان رضي الله تعالى عنه الجبن، وهو الذي يُظهر الشجاعة في أشعاره، وهو القائل:

    عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء

    يتهدد قريشاً، وهو لا يستطيع أن يقتل إنساناً، ويذكرون في غزوة الخندق لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج بالصحابة إلى حفر الخندق، خافوا على النساء والأطفال من اليهود؛ لأنهم كانوا لا زالوا موجودين، وكان لـحسان حصن منيع؛ فجمعوا النساء والأطفال في ذلك الحصن، ولفت نظر صفية رضي الله تعالى عنها أن رأت يهودياً يطوف بالحصن، فقالت لـحسان : هذا يهودي يطوف بالحصن أخشى أن يطلع على ثُلمة فيؤذينا، انزل إليه فاقتله، فقال لها: ما أنا هناك يا ابنة عمي! وهي خافت على من عندها، فاحتزمت واعتجرت عمامة، وأخذت خشبة، ونزلت وترصدت به، فضربته على رأسه فقتلته، ثم قالت لـحسان انزل وخذ سلبه، والله ما منعني أن آخذ سلبه إلا أنه رجل، قال: لا حاجة لي بسلَبه، فهذه حالة ما استطاع أن يتخلص منها.

    ويذكرون في بعض مواقف الشجعان أن الشخص يكون من أشجع خلق الله، لكن في البداية قد يكون من أجبن خلق الله، فإذا ما زج به إلى الخطر كان كالأسد الهصور، ويقولون: إن بعض الصحابة كان في بعض الغزوات، وحاصروا أهل تلك الجهة، فإذا بهذا الشخص يقول: لفوني في لفائف وألقوا بي إلى العدو، فلما لفوه في اللفائف، أحدث على نفسه من شدة الخوف، ولكن لما ألقوا به وراء السور قام وقاتل العدو حتى فتح الباب للمسلمين، فهذه مسائل هبة لا يستطيع إنسان أن يتحكم فيها، ولا ينبغي أن يُعاب على إنسان ابتلي بشيء غريزي لا يستطيع أن يتخلص منه.

    والذي يهمنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ من هاتين الخصلتين مما يدلنا على أنها صفات مذمومة، ولكن يقول العلماء أو الأدباء -وهو عجيب-: البخل والجبن منقصة في الرجال ممدحة في النساء، ما كان نقصاً في الرجال يعابون به، فهو مدح في المرأة، كيف هذا؟ قالوا: المرأة البخيلة تحفظ مال زوجها في غيبته؛ لأنها تشح به، والمرأة الجبانة تخشى أن تخرج من بيتها فتبقى في بيتها، إذاً: الرجل البخيل مذموم، والمرأة البخيلة ممدوحة، وليس فقط بخيلة على عيالها أو زوجها، بل تكون بخيلة على الأجانب، وكذلك الرجل الجبان مذموم؛ لأنه يجب أن يكون شجاعاً ويقاتل ويحمي عرضه وماله ووطنه، إلى غير ذلك، والمرأة الجبانة هذه صفة مدح فيها؛ لأنها تخشى على نفسها أن تخرج ليلاً، أما في النهار فهي تحت أعين الناس، أما في الليل فالمرأة الجريئة تخرج ولا تدري ماذا يصادفها، إذاً: هما خصلتان مذمومتان في الرجال ممدوحتان في النساء.

    الاستعاذة من أرذل العمر

    الخصلة الثالثة التي كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منها، هي: أن يُرد إلى أرذل العمر، أي: يمضي به العمر، وامتداد العمر يرد الإنسان إلى أوله؛ لأن من وصل إلى أرذل العمر، يصبح قليل الإدراك، قليل القوى، ضعيفاً كالطفل سواء بسواء؛ فإذا وصل إلى ذاك الحد كان امتداد العمر به ومضيه به إلى الأمام كأنه في حلقة بدأ بالصفر وهو طفل لا يعي شيئاً، ومشى في الدائرة حتى جاء إلى القمة؛ فكان في قوته ومنعته وذكائه وفطنته بلغ جهده كاملاً، ثم بدأ ينحرف مع الدائرة حتى إذا وصلت به إلى نقطة البداية رد إلى ما كان عليه في ضعفه لا يفقه شيئاً، والشخص إذا كبر لا يحسن التصرف، وربما يبكيه الشيء القليل كالطفل، ولا يستطيع أن يُحكم أمره، ويكون في حاجة إلى قوامة عليه في أكله وشربه وما يحتاجه، فاستعاذ صلى الله عليه وسلم أن يمتد به العمر إلى أن يواصل السير حتى يعود إلى ما كان عليه في بداية عمره، وهي حالات الطفولة، وإذا كان الأمر كذلك، فطول العمر مذموم: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، ما دام أنه في حسن العمل فالحمد لله، وإذا وصل إلى حد يسقط عنه القلم لا يُحسن أن يصلي ويعقل أو يصوم ولا يدرك أن يزكي؛ فحينئذ لا يوجد عمل، ويكون طول العمر حينئذ عبئاً عليه، ونسأل الله السلامة والعافية.

    والعمر رزق من عند الله، وليس لأحد فيه تصرف، ربما نسمع أن بعض الأشخاص تجاوز المائة، وهناك من عاش إلى مائة وخمسين إلى مائتين إلى ثلاثمائة سنة، ولا نبعد فنوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه فقط، وقبل هذا كم؟ لا نعلم، ويقولون: كلما طال الزمن كلما قصرت الآجال، فكانوا في السابق يعيشون المائة والمائتين والثلاث والأربع، والآن تقاصرت الأعمار، والله تعالى أعلم.

    يهمنا في هذا: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من تلك الحالة، إذاً: وأنت في شبابك أو شيخوختك وقواك يجب أن تعمل؛ لأنك لا تدري فربما يمتد بك العمر حتى لا تستطيع أن تعمل؛ ولهذا كانت استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة، والله تعالى أعلم.

    الاستعاذة من فتنة الدنيا

    وقوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا)، كان يستعيذ صلى الله عليه وسلم من فتنة الدنيا، والفتنة الأصل فيها الوضع في النار، يقولون: فتنت الذهب، أي: أدخلته النار ليتميز الصافي والخالص مما علق فيه من معادن أخرى أو تراب أو غير ذلك، فالفتنة انتقل استعمالها إلى الشدة التي تظهر حقيقة الإنسان، وفتنة الدنيا يذكرون لها مجالات عديدة: إما في المال أو الأولاد أو التقاصر في العمل .. كل ما يمكن أن يشغل الإنسان عن واجبه فهو فتنة، فقد يكون الإنسان في مال، وولد، ومنصب، وعافية، وكل هذا امتحان وفتنة... هل يكون في تلك الحالات محافظاً على الواجب مؤدياً لحق الله؟ أو هل ما بيده يزيده شراً ويتعدى به حده فيطغيه؟ بعضهم بالعافية يطغى على الضعيف فيؤذيه، أو بالمال يطغى ويتطاول على الفقراء، وبالجاه يتطاول ويزدري الآخرين، وهكذا.

    وتقدم لنا في تفسير قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ [البقرة:155]، أن هذا ابتلاء، وقد يكون الابتلاء أيضاً بالغنى، ليس بالنقص وإنما بالزيادة، والابتلاء بالزيادة أشده، سمعنا شيخنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول فيه: علماؤنا يقولون: الفتنة بالغنى وبالصحة أشد ابتلاءً على الإنسان من الفتنة بالفقر والمرض لأن الفقير والمريض، لا يدري ما يفعل، لكن الفتنة بالصحة وبالمال شديدة، وذاك الذي يقول:

    إن الشباب والفراغ والجِدة مفسدة للمرء أي مفسدة

    لم يقل: الهرم ولا الفقر، لا، إن الشباب والفراغ والجِدة بمعنى المال، شباب ومعه مال ومتفرغ، وليس معه شيء يضيع وقته فيه، ولا يصرف قوة شبابه فيه، معناها: أنه يعود على الناس بالبطش وبالإيذاء، والله سبحانه وتعالى بيّن إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    إذاً: كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من فتنة الدنيا سواء بعرض من أعراضها أو بأي حالة من حالاتها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا وإياكم فتنة الدنيا.

    الاستعاذة من عذاب القبر

    قوله: ({وأعوذ بك من عذب القبر) .

    تقدم بيان الاستعاذة من عذاب القبر وفيه إثبات وجود عذاب القبر بالفعل، والنصوص قد تقدمت في هذا،ومنها الإشارة من كتاب الله، وتقدم هذا الأمر بما يغني عن إعادة الكلام فيه.

    ودائماً وأبداً يا إخوان! إذا وجدنا مقترنات متعددات مختلفة جاءت في حديث نبوي، ونعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم والحكم؛ فلو تأملنا في تلك المتعددات التي جاءت في نسق من حديث رسول الله نجد بينها ارتباطاً، وقد أشرنا إلى ما يقوله العلماء من الارتباط بين البخل والجبن؛ لأنهما مقترنان لا ينفكان؛ فكل بخيل جبان وكل جبان بخيل، بخلاف الشجاع والكريم، كل شجاع كريم، وكل كريم شجاع، ثم بعد ذلك أُرد إلى أرذل العمر؛ لأن الرد إلى أرذل العمر يجعل الإنسان في حالة لا يعي شيئاً مما حوله، وهو كالذي جمع البخل والجبن سواء، ثم يأتي بعد هذه الأشياء التعوذ من فتنة الدنيا سواء كانت في المال بالتبخيل أو بالتبذير والتعدي، أو كانت في الجبن من التقصير من الواجب أو التهور في التعدي على الآخرين، فجاء التعوذ من فتنة الدنيا ليعم كل ما تقدم، ثم جاء التعوذ من عذاب القبر لأنه النهاية، وهو البرزخ بعد الحياة.

    1.   

    شرح حديث: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً...)

    قال رحمه الله: [ وعن ثوبان رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته: استغفر الله ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، رواه مسلم . ].

    قوله: (استغفر) الهمزة والسين والتاء للطلب، مثل استنجد: طلب النجدة، واستعاذ: طلب العوذ واللواذ، واستغفر: طلب المغفرة.

    كنا في الصلاة في مناجاة مع الله: حمدنا وشكرنا وركعنا وسجدنا وقرأنا وسألنا.. كل ما يمكن من العبادات تكون في الصلاة، والاستغفار: طلب المغفرة، وطلب المغفرة إنما يكون من خطيئة أو ذنب، أين الخطيئة، وأين الذنب الذي حالاً نستغفر منه؟

    يرى بعض العلماء بأن الاستغفار مباشرة عقب الصلاة تتمة لأمر الصلاة؛ لأن المطلوب في الصلاة أن العبد يكون في رحلة مناجاة مع الله، وقد جاء عن بعض السلف: أنه كان يغيب عن وعيه عما حوله إذا دخل في الصلاة، ويجمع كل إحساسه ومناجاته في صلاته، ويقولون عن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم: كان يصلي، وبعد ما انتهى من الصلاة نظر فإذا غبار في جانب من المسجد، قال: ما هذا الغبار؟ قالوا: ألم تعلم؟ قال: ما الذي حصل؟ قالوا: جدار المسجد سقط، يسقط جدار المسجد الذي هو فيه وهو لم يشعر، لماذا؟ كان في مجال آخر، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الصلاة لشغلاً)، أي: تشغل الإنسان عن كل ما حوله، ويذكرون عن عروة بن الزبير -ولم أجدها في ترجمته- أنه لما سافر إلى معاوية بالشام أصيب بجرح، ودخلته الغرغرينة إلى أن جاءه الطبيب وقال: لابد من قطع القدم؛ لئلا يسري الداء إلى الجسم فيقتلك، وفي بعض الكتب أنه قال: ائتوا به لكي نبنجه قال: لماذا؟ قال: حتى تغيب عن وعيك فنقطع رجلك، فرفض، وقال للطبيب: اقض عملك، فقطعوا رجله دون أن يبنجوه، ولم يتأوه، ولا مرة، وبعضهم يقول: كان معه بعض أولاده، فقال لهم: تريدون قطعه؟ قالوا: نعم، قال: انتظروا حتى يدخل في صلاة، فإذا دخل في صلاة فشأنكم برجله فلن يشعر بكم، وفعلاً تركوه حتى كبر للصلاة وجاءوا بأدواتهم ونشروا ساقه، ولم يقل لهم شيء، حتى انتهى من الصلاة فإذا برجله بجواره، قال: ما هذا؟ قالوا: رجلك الذين نريد أن نقطعها، قال: متى؟ قالوا: وأنت في الصلاة، أعتقد أن مقاييسنا لا تحتمل هذا، وأي ميزان في العالم له طاقة خمسين كيلو لو وضعت عليه زيادة لابد أن يخسر ويفسد، فموازيننا العقلية لا تتحمل هذا، كيف نقيس بها ذلك؟ ولو وجدت شوكة أو إبرة وأنت في الصلاة لابد أن تشعر بها.

    إذاً: هذه أمور يمنحها الله سبحانه وتعالى من شاء من عباده حتى يكونوا في حالات الله أعلم بها، وكما قال عمر بن عبد العزيز أو غيره: إذا أردت أن تدخل على ربك بغير استئذان وتخاطبه بلا ترجمان: فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وكبر للصلاة، الآن عندما دخلنا المسجد استأذنا من؟ لا أحد، فقط قلنا الدعاء المأثور: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي، وافتح لي أبواب رحمتك) فكبرتَ وقرأتَ، وكل مسلم يتعين عليه أن يقرأ الفاتحة بالعربية، لكن غير العربي في الأدعية هل يتعين عليه أن يدعو باللغة العربية؟ إن لم يستطيع فبلغته، خاطب ربه بدون ترجمان، ويكون الصف فيه مئات الأشخاص يدعون بمئات اللغات، ولا يحتاج الإنسان مع الله إلى ترجمان؛ لأنه منه إلى ربه. فإذا كان الأمر كذلك، فيعلمنا صلى الله عليه وسلم: أنه يقع من الإنسان بعض التقصير في حق الصلاة سواء من كمال خشوعه وخضوعه فيها أو من سهو عن بعض سُننها أو شروطها أو لوازمها؛ فحينما يفرغ منها ويخشى أن يكون هناك تقصير ما الذي يجبر هذا التقصير؟ ليس شيئاً معيناً كسجود السهو، ولكن أشياء لا تدخل في الجبران التشريعي التكليفي، وإنما تدخل في الجبران الروحي المعنوي، فلكأن النبي صلى الله عليه وسلم بتشريعه للاستغفار عقب الصلاة إنما يرشد إلى أن ما كان من تقصير في الصلاة، تسريح في الذهن أو غير ذلك فإنما يجبره الاستغفار؛ فهو يستغفر الله عما كان منه من ذلك التقصير، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وسيد الخاشعين والمتواضعين لله يقول: (إني أدخل في الصلاة، وأريد أن أطيل، فأسمع بكاء الطفل، فأخفف شفقة أمه ) ليس جدار يطيح ولا يدري عنه، لا، طفل يبكي عند أمه فيسمعه ويدرك بكاءه، فيخفف شفقة على الأم، وتلك أمور نادرة، ولكن التشريع هنا للاستشعار بأن الاستغفار عقب الصلاة هو جبران لما يكون من تقصير فيها، والله تعالى أعلم.

    ويقول بعض العلماء: لا يمكن لإنسان أن يصلي ركعتين دون أن يقع منه تقصير فيها ويذكرون مثالاً لذلك: أن شخصاً جاء إلى أبي حنيفة رحمه الله وقال: أنا كان لي مال ودفنته ثم نسيت أين دفنته، ماذا أعمل؟ أبو حنيفة هل كان يعلم الغيب أو سينجم؟ لا، لكن بفقهه قال: إذا كان ثلث الليل الأخير؛ فقم وتوضأ وصل ركعتين، وأخلص فيها النية لله، ولا تحدثن نفسك ولا بشيء، ثم بعد ذلك تأتيني، وفي الغد جاء وقال: جزاك الله خيراً، قال: ما بك؟ قال: وجدت المال، الحاضرون عجبوا من هذا، وقالوا: كيف وجده؟ كيف أرشدته إلى هذا؟ قال: إن الشيطان لن يدعه يمضي في صلاة من هذه النوعية، ويهون على الشيطان أن يعثر على المال بدلاً من أن يصحح ركعتين بهذه الصفة، فلما استمر في صلاته جاءه الشيطان، وقال: أنت دفنته في المحل الفلاني، ولما يتذكر موضع المال هل سيستمر في ذلك النوع من الصلاة؟ لا، فذهب ووجد المال.

    ويقولون: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (إني لأجهز الجيوش في الصلاة)، يعني: أفكر فيها، وهو والله لا يلام؛ لأن عشرات الآلاف من المسلمين يخرجون من المدينة إلى أقطار الدنيا، كل يحمل روحه في كفة، والدين في كفة ابتغاء وجه الله، من يتحمل مسئولية هؤلاء؟ ووجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر كان يرفع كفيه إلى السماء ويناجي ربه ويناشده حتى يسقط الرداء عن كتفيه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض)، فهل كان يبتهل لنفسه أو من أجل تلك العصابة؟ بل من أجل غيره، وبعض الناس كلموه، فقال: من منكم يصلى ركعتين لا يُحدث فيهما نفسه فله فرسي الفلاني، فقام شخص وأخذ يُجرب، فذهب ومن غد جاء وقال: يا أمير المؤمنين! أنا فعلت، قال له: كيف؟ قال: قمت وأنا خالص النية وليس على بالي شيء، ولكن قبل أن أسلم فكرت: عندما آخذ الفرس ماذا سأفعل به؟ أنا لست فارساً حتى أقاتل عليه، وليس عندي كلفة الفرس، وكلفة الفرس أكثر من كلفة الإنسان، قال له: هذا من التفكير في الصلاة.

    إذاً: حينما يدخل الإنسان الصلاة ويخرج منها يستشعر بأن هناك بعض النواقص، ويمكن أن يشهد لهذا المعنى الذي ذهب إليه العلماء: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن أول ما يُنظر في عمل العبد من الحقوق الدماء، ثم من العبادات الصلاة، فإذا كان هناك نقص على العبد في صلاته من غفوات وقعت منه، فيقول المولى سبحانه للملائكة: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فيقولون: نعم، له نوافل، فيقول: اجبروا فريضته من نافلته)، وعلى هذا المقياس يكون الاستغفار جبراً لما كان من نقص في صلاته، والله تعالى أعلم.

    (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

    هذا الذكر المبارك لعله يوحي به السلام في الصلاة، وأيضاً حينما فرغ من صلاته سيتجه إلى دنياه فيطلب السلامة، (أنت السلام، ومنك السلام)، وأسألك السلامة في ديني ودنياي وكل أحوالي (تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، يا ذا العظمة والكبرياء، فيه كل معاني العظمة لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين...)

    قال رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين؛ فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم ، وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون). ].

    تقدم هناك قراءة آية الكرسي ومعها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وهنا التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة؛ فلا مانع أن يكون كلا الأمرين بعد الصلاة، والأنسب أن يُقدم آية الكرسي وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؛ لأنها نص من القرآن، وجاء في حقهما: (لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، وهنا كذلك: كان يتعوذ بأربع كلمات دبر كل صلاة)، فسواء قدّم هذا أو أخر هذا، المهم أن يكون الجميع بعد الصلاة لا في حالة الصلاة ولا بعد الانصراف عن مكانه. هذا الذكر المبارك: (من قال دبر كل صلاة: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)، وإذا وجدت متعددات في نسق واحد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أن بينها مناسبة.

    (سبحان الله)، ما معنى التسبيح؟

    تقول كتب فقه اللغة: أصل المادة السين والباء والحاء، سَبَحَ، والألف والنون زائدتان كما هما في عثمان، وأصل مادة سَبَحَ إنما هي حركة الإنسان في الماء، وحركة الإنسان في الماء لأي شيء؟ إذا ألقينا بإنسان في نهر فلكي لا يغرق ماذا يفعل؟ يسبح، ولو لم يستطع فإنه يحاول السباحة، فقالوا: كذلك العبد حينما يقول: سبحان الله، كأنه يُسبح الله ويبعد عن ذاته سبحانه كل ما لا يليق بجلاله، أو هو يسبح في بحر المعرفة وتقديس المولى عن كل نقص؛ ليسلم من مهلكة الشرك والنقص في حق الله، وعلى كلا الأمرين؛ فإن سبحان الله، معناها: أُنزه الله وأُقدس الله من كل عيب أو نقص، فبقولك: سبحان لله نفيت عن ذات المولى سبحانه كل ما يمكن أن يكون فيه نقص لله، وبعد التنزيه تأتيه بالحمد والثناء، وهو المحمود لكمال ذاته لا لشيء يصدر منه لك أو لغيرك، ولذا يقولون: اللغة فيها الحمد والمدح والثناء، والكل ذكر للمحمود والممدوح والمثني عليه بالخير، ولكن الثناء إنما يكون لمن أصابك منه خير، والمدح يكون لإنسان نبغ وفاق وتفوق على أقرانه في مجاله، فتمتدح مخترعاً ولو كان غير مسلم؛ لأنه اخترع ما ينفع الإنسانية، وتمتدح طبيباً ماهراً أجرى عملية دقيقة خطيرة، وتمتدح مهندساً قدم شيئاً نادراً ممتازاً في مهنته، ولكن من أسدى إليك نعمة تثني عليه، وتشكره على ذلك، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ فإذا طبيب عالجك تشكره على معالجته لك، أما طبيب حاذق فتمدحه وتثني عليه لحذقه ونجاحه في عمله، وأما الحمد فلا يكون مقابل نعمة أسداها إليك، ولا بسبب فعل نادر تفوق به على غيره، وإنما يكون لكمال ذات المحمود في ذاته، ولو لم يصلك منه شيء أو يصدر منه لغيره شيء، فهو في ذاته محمود، وهذا لا ولن يكون إلا لله؛ لأن ما عداه فهو ناقص، وما عداه يثنى عليه أو يمتدح لجزئية في حياته، وقد يكون فيه عيوب من جهات أخرى عديدة.

    إذاً: بالجمع بين (سبحان والحمد لله) جمعت أطراف التوحيد للمولى، وكما يقول الأصوليون: درء المفسدة مقدم، لذا بدأت بتنزيه الله عن كل نقص أو عيب، ثم جئت بالحمد والثناء عليه؛ فتكون جمعت للمولى سبحانه كل أنواع التوحيد من نفي ما لا يليق بجلاله، وإثبات جميع المحامد له، وبهذا تأتي بعد ذلك بـ: (الله أكبر)، ومن اجتمعت له كل معاني التنزيه والمحامد فلا أكبر منه، فهو أكبر بالأمرين.

    فإذا جئت بهذه الأعداد المنصوص عليها -تسعة وتسعين- وهي وتر، وختمت المائة بالذكر الجامع: لا إله إلا الله- كنت ممن جمع التنزيه والتحميد والكبرياء والكمال لله وحده، وبهذا تكون ألممت بكل ما يتعلق بتوحيد المولى سبحانه وتعالى.

    وهنا نجد المحققين من العلماء يقولون: ائت بهذا العدد ثلاثاً وثلاثين، ولو جئت بأربعة وثلاثين من كل واحدة أو بخمسة وثلاثين قال لك: لا؛ لأن الدعاء توقيفي، والذكر المحسوب بالعدد توقيفي ولا يحق لك أن تزيد فيه، كما لا يحق لك أن تنقص منه، فقالوا: التركيب العددي في الذكر الوارد كالتركيب المادي في الدواء، الصيدلي يكتب له الطبيب: ركب الدواء من المواد الفلانية الثلاثة: من الأول عشرة جرام، ومن الثاني ثمانية، والثالث خمسين. لو زاد جراماً أو أنقص أفسد الدواء، وهكذا يقول لك الطبيب: ملعقة في الصباح، وملعقة في الظهر، وملعقة في المساء. لو أخذت ملعقة في الصبح وملعقة في المساء نقصت فعالية الدواء، ولو أخذت ملعقتين ملعقتين زاد الدواء على مفعولية الداء وقد يضرك، وعلى هذا يقول ابن دقيق العيد : هذا الذكر الوارد بالعدد المعين يجب أن تلتزم به ليؤدي النتيجة التي رتبها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غير هذا التركيب لك أن تقول: سبحان الله ألف مرة ألفين، لا أحد يمنعك تقول: الحمد لله، مائة ألف مرة، لا أحد يمنعك، الله أكبر، تقولها طول عمرك لا أحد يمنعك من ذلك كله، لكن لا تنتظر النتيجة التي رتبها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العدد المعين، إن كنت تريد النتيجة المرتبة على عدد معين فيجب أن تلتزم بهذا العدد، ولا تزيد فيه ولا تنقص منه، والله تعالى أعلم.

    (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).

    تقدم نظير هذه الجملة.

    (غُفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر).

    النتيجة المترتبة على هذا الذكر ما هي؟

    (غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)، زبد البحر يعرفه الذين يعيشون على السواحل، حينما يضطرب الموج تجده يأتي مع اضطرابه إلى الساحل بزبد لا يعلم قدره إلا الله، فلو كانت ذنوب الإنسان كزبد البحر -وهي من الرغاوي التي تكون على وجه الماء من تفاعله- لغُفرت بهذا الذكر المركب بهذا العدد المعين، ونظير هذا الحديث: لما جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، وبالدرجات في الجنة، قال: وما ذاك؟ قال: يُصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ولا مال عندنا) يعني تساوينا في العبادات البدنية، وهم زادوا عنا في العبادات المالية، قال: (ألا أدلكم على ما إن فعلتموه تزيدون عليهم، ولا يكن مثلكم إلا من صنع صنيعكم؟ قالوا: بلى، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله ...) إلى آخره، فذهبوا حين قال لهم هذا، وهذه عملة جديدة، وسيحصلون منها على أجر كما يحصل الأغنياء على أجور من أموالهم، فأصبحوا يقولون مثلهم، يعني رجعنا وتساوينا ولا زالوا هم مفضلون ببقايا أموالهم. انظروا الحكمة النبوية اللطيفة هذه، كان ممكن يعطيهم ذكر طيب ولكن إلى متى، أليس كل ما يعطيهم سيصل إلى الآخرين ويقولونه، فحسمها، وقال: (ذلك فضل الله)، كونه أعطاهم مالاً زائداً فهذا فضل منه، وكونه يعطيهم ثواباً على الذكر كما يعطيكم هذا فضل الله، وما دام أنه فضل الله فلا أحد له دخل: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت).

    ولكن هل يقصر الأمر على الفقراء لقلة مالهم؟ لا والله، إنهم ليحصلون على الأجر بنيتهم في رغبة الإنفاق، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة: رجل أعطاه الله مالاً وأعطاه علماً؛ فهو يعرف حق الله في المال، ويؤدي حق الله فيه فهو في أعلى عليين) أعطاه الله مالاً وعلماً، ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا؛ فهو في أعلى عليين: (ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً فقال: لو أن لي مالاً لفعلت فيه كما يفعل فلان، فهو معه سواء) معه في المرتبة بالنية، (ورجل أعطاه الله مالاً ولم يعطه علماً؛ فلا يعرف حق الله فيه؛ فهو في أسفل السافلين) لأنه ضيع حق الله في المال، ولم يتعلم حق الله، ولم يؤد حق الله، (ورجل لم يعطه الله مالاً ولا علماً، فقال: لو كان بيدي مال لفعلت فيه كما يفعل فلان؛ فهو معه سواء) فالثاني أدرك الأول بالنية، والرابع أدرك الثالث بالنية، والحديث العام: (إنما الأعمال بالنيات).

    إذاً: هؤلاء رغبوا في أن يكون لديهم المال وأن يتصدقوا كما يتصدق الآخرون، ولكن لم يعطهم الله؛ فهم على نياتهم يؤجرون بفضل الله.

    وفي رواية أخرى: (أن التكبير أربع وثلاثون).

    تكون التكبيرة أربع وثلاثين لتكمل المائة، أو أن يختم المائة بلا إله إلا الله، وهذه أولى؛ لأنها ذكر زائد، وهي تتناسب مع ما تقدم من التنزيه والتحميد والتكبير؛ فتكون لا إله إلا الله أجمل وأشمل، وزيادة في المعنى وأرجح في الرواية، والله تعالى أعلم.

    أيضاً يا إخوان: جاء أن هذا الذكر يقوله الإنسان مجموعاً أو مفرقاً، في بعض الروايات: (سبحان الله والحمد الله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين)، يعني: يأتي بالألفاظ الثلاثة مجموعة في جملة، أو أن يأتي بكل لفظ على حدة ثلاثاً وثلاثين، والثاني: هي الرواية الراجحة، والله سبحانه وتعالى أعلم.