إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب المواقيت [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحديد أوقات الصلوات من أهم المهمات، لا سيما وقت صلاة الفجر؛ لأن الفجر فجران، فجر كاذب، وفجر صادق، فلابد من التمييز بينهما، وقد بين عليه الصلاة والسلام الفرق بينهما، وشرح العلماء ذلك. ومن فوائد معرفة أوقات الصلوات أن يحرص على أداء الصلاة في أول وقتها، فإن ذلك من أفضل الأعمال عند الله تعالى.

    1.   

    حرمة منع أحد من الطواف وركعتيه متى شاء

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان ].

    هذا من الأسلوب الرفيع، والبلاغة الواضحة، فيقول صلى الله عليه وسلم: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)، وإذا كان الغرض عدم منع الناس من الطواف فكان يكفي أن يقول: لا تمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت، وهذا يؤدي الغرض، لكن قال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى ...).

    ويقولون: إن السبب هو مخافة أن يأتي بعض الملوك أو بعض الجبابرة أو بعض الأشخاص، فيمنع الناس من المطاف من أجل ذلك الشخص، وهذا كرهه العلماء إلا لمصلحة راجحة، مثل أن يخاف على حياة شخص كما يفعل الآن بعض الأحيان من الاتجاهات السياسية أو الاتجاهات الأمنية، والمصلحة تقتضي ذلك، لا لتعظيمه ولا لتوقيره دون الناس، فالبيت أعظم، لكن ولي الأمر هو المسئول عن ضمان هذه الشخصية التي دخلت الحرم في ضمانه وأمانه وتحت تصريحه بنفسه.

    إذاً: قوله: (لا تمنعوا أحداً طاف وصلى) هو على العموم، أي: بمقتضى قيامكم على البيت، لكن قال زيادة على هذا النهي عن منع الطائف والمصلي: (أية ساعة من ليل أو نهار)، فما حاجة المجيء بهذه الجملة؟ وهي للعموم لا للخصوص؟

    الجواب: لأن هناك بعض الأوقات قد نُهي عن الصلاة فيها، فرفع ذلك الحظر، ورفع النهي عن الصلاة في تلك الأوقات من ساعات الليل والنهار، أي: لا تمنعوا أحداً في أي وقت من الأوقات، ولو بعد العصر أو بعد الصبح.

    إذاً: مجيء هذه الجملة الأخيرة يستفاد منه أنه قد سبق النهي عن الصلاة في ساعات معينة، واستثنى منها صلاة ركعتي الطواف، وهذا الحديث من أوضح الأدلة على أن صلاة ما سوى ركعتي الطواف لا تجوز، وأما هذه فقد خرجت بنص مستقل، ولماذا؟ يقولون: لأن البيت يأتيه الناس في جميع الأوقات، وقد يأتي الرجل فيطوف ويذهب، وقد يأتي مع جماعة كذلك، فإذا منع الناس من الطواف والصلاة في أوقات معينة، فطاف بعضهم بعد العصر مثلاً وأرادوا أن يسافروا، فهل نحبسهم حتى تغرب الشمس وكل واحد منهم قد طاف ولم يبق عليه إلا الصلاة؟ لا.

    إذاً: لجواز الطواف في أية ساعة من ليل أو نهار أبيح للطائف أن يصلي ركعتي الطواف في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.

    1.   

    بيان معنى الشفق

    [ وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشفق الحمرة) رواه الدارقطني ، وصححه ابن خزيمة ، وغيره وقفه على ابن عمر ].

    هذا تفسير لحديث: (ووقت المغرب إذا غربت الشمس ما لم يغب الشفق)، فما هو الشفق؟

    اختلفوا في معنى الشفق لغة، فقيل: هو الحمرة الباقية إثر غروب الشمس، وقيل: هو بياض يكون بعد تلك الحمرة، فالجمهور على أن الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق دخل وقت صلاة العشاء، وقبل أن يغيب الشفق تصح صلاة المغرب أداء، والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: الشفق هو البياض الذي يكون بعد تلك الحمرة، ولذا ساق المؤلف هذا الحديث ليبين تعيين الشفق.

    وهل هذا التفسير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوف على ابن عمر ؟

    هذه المسألة موضع اجتهاد واختلاف نظر، ولا يقال فيها: إن كان موقوفاً فله حكم الرفع؛ لأنه ليس أمراً غيبياً، وليس أمراً غير حسي، بل هو حسي ولغوي، لكن ولو كان موقوفاً على ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه من أهل اللسان، وهو أعرف به من غيره، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الفجر فجران

    [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفجر فجران: فجر يُحرم الطعام، وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة -أي صلاة الصبح- ويحل فيه الطعام) رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه ].

    ساق المؤلف رحمه الله تعالى في باب المواقيت حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفجر فجران)، وقد تقدم بيان وقت صلاة الصبح، وأنه حينما ينفجر النهار من الليل، وتقدم حكم من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس.

    وهنا يبيّن المؤلف حقيقة الفجر الذي بطلوعه يدخل وقت الصلاة، ولما كان الفجر كلمة مشتركة بين مسميين؛ بيّن النبي صلى الله عليه وسلم كلاً منهما وحكمه، فقال: (الفجر فجران: فجر يحرم الطعام، ويحل الصلاة) أي: يحرم الطعام على الصائم، ويُحل الصلاة، أي: صلاة الصبح، (وفجر يحل الطعام ويحرم الصلاة) أي: صلاة فجر ذلك اليوم، بخلاف صلاة الليل أو الوتر أو نحو ذلك، وقد بيّن صلى الله عليه وسلم الفرق بين الفجرين بعلامة حسية لكل منهما، فأما الفجر الذي يُحل الطعام، ولا يُحل الصلاة فإنه يذهب مستطيراً في الأفق كذنب السرحان، والسرحان هو الذئب، وهذا الفجر يأتي قبل نهاية الليل، ويكون كالعمود الأبيض ممتداً من الأرض إلى السماء.

    وأما الفجر الثاني فبينه صلى الله عليه وسلم بكونه مستطيلاً كجناحي الطير، وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم وضع أصبعيه المسبحتين من اليمنى واليسرى بحذاء بعض ثم مد يديه يميناً ويساراً، والمسبحة هي التي تلي الإبهام، فقرن صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه ثم مد يديه، وهكذا يكون الفجر الذي تجوز فيه الصلاة، ويحرم فيه الطعام على الصائم، فهو يمتد في الأفق يميناً ويساراً، أما الأول فإنه يمتد من الأرض إلى السماء كالعمود، والفجر الأول يسميه الناس: الفجر الكاذب، ومعنى ذلك: أنه ليس فجراً حقيقاً يتوقف عليه الصوم والصلاة.

    قال الفخر الرازي في تفسيره: إن هذا الفجر الأول من أعظم الدلائل على قدرة الله، فإنه إيجاد موجود بلا سبب، وذلك أن الفجر الثاني عندما ينتشر في الأفق إنما هو أثر من آثار اقتراب الشمس منا، فإذا اقتربت الشمس منا انفجر الضوء من الظلام، وهو المعبر عنه في آية الصوم بالخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، قال: فهذا الفجر الثاني مسبب عن سبب وهو ضوء الشمس، وكلما اقتربت الشمس منا كلما اشتد النور إلى أن تشرق الشمس على وجه الأرض، فالفجر الثاني مسبب عن سبب وهو الشمس، أما الفجر الأول فلا نعلم له سبباً! فهو موجود بإيجاد الله له بدون أي سبب، وبدون أن يتوقف على شيء ينشأ عنه.

    ولو تأملنا لوجدنا أشياء عديدة أنشأها الله سبحانه وتعالى بلا سبب، مثل حور الجنة، يقول سبحانه: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35]، فلم تكن لهن ولادة، ولم يكن هناك مبدأ آدم وحواء، ولكن الله سبحانه أنشأ الحور العين أكرمنا الله وإياكم بهن في الجنة.

    وينشئ أيضاً الولدان، وكذلك غرس الجنة ونعيمها وثمارها وأنهارها دون أن تكون متسببة عن غيرها، فأنهار الدنيا متسببة عن أمطار، فماء المطر ينزل من السماء فيجري ودياناً وأنهاراً، وكذلك حليب الدنيا وعسل الدنيا وغير ذلك، أما حليب الجنة وماء الجنة وعسل الجنة وخمر الجنة؛ فكل هذه ينشئها الله سبحانه دون سبب، وقد علمنا بانعدام جزء السبب لا كامل السبب في بعض أمور الدنيا، فخلق الله آدم من تراب، فخلط هذا التراب بماء فصار منه بشراً سوياً، بلا أب ولا أم، ثم خلق منه حواء، فهي امرأة جاءت من أب بلا أم، وأما عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإنه رجل من امرأة بلا أب، وسائر البشر من أب وأم، وهي سنة الله في خلقه، قال الله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1].

    إذاً: هذا الفجر الأول -كما أشار إليه هذا الإمام- آية وعلامة تحدث كل يوم، تدل على قدرة الله في إيجاد مسببات بلا أسباب، والذي يهمنا في الفقه أن هذا الفجر الأول لا يمنع الصائم من الطعام، ولا يُبيح للمصلي صلاة الصبح، ثم يأتي الفجر الثاني وهو على العكس من ذلك، يُحرم الطعام على الصائم، ويبيح الصلاة للمصلي، وبيّن صلى الله عليه وسلم الفرق بينهما بأن الأول يمتد كذنب السرحان وهو الذئب، والثاني ينتشر في الأفق كجناحي الطير، والله تعالى أعلم.

    [ وللحاكم من حديث جابر نحوه، وزاد في الذي يُحرم الطعام: (إنه يذهب مستطيلاً في الأفق)، وفي الآخر: (إنه كذنب السرحان) ].

    وهذا من البيان العملي لربط الأحكام بالمظاهر المعروفة للجميع، فصفة الفجر الأول أنه يذهب مستطيراً كذنب السرحان، وما أظن واحداً من العرب يجهل معنى السرحان، وصفة الفجر الثاني أنه يكون كجناحي الطير في الأفق، وذلك يكون في نهاية الليل وأول النهار.

    1.   

    أفضل الصلاة في أول وقتها

    [ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة في أول وقتها) رواه الترمذي والحاكم وصححاه، وأصله في الصحيحين ].

    جاءت الرواية: (في أول وقتها)، وجاءت رواية أخرى: (على وقتها)، والفرق بينهما: أن (في) ظرف للأفضلية، فتكون أفضل الأعمال الصلاة في أول الوقت، وعلى الرواية الثانية: (على وقتها) تكون الفضيلة ممتدة على كامل الوقت، ولكن جمهور العلماء يقولون: على: حرف استعلاء، وتكون قد اشتملت على الوقت كله، فقوله: (على وقتها) يفسره: في وقتها.

    توجيه إجابة النبي عن أفضل الأعمال بأجوبة مختلفة

    يقول بعض العلماء: هذا الحديث فيه إشكال، وهو: كيف تكون الصلاة -وهي فرع عن الإيمان- أفضل الأعمال، وكان ينبغي أن يكون الإيمان أفضل الأعمال؛ لأنه الأساس؟

    الجواب: لا حاجة إلى هذا الإشكال، فقد جاء الحديث الصريح أن رجلاً قال: (يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على أول وقتها)، وسأله رجل آخر عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: (إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين)، وسأله آخر أيضاً فقال: (إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، لكن يرى بعض العلماء أن في هذا شبه تعارض، فالسؤال واحد والجواب مختلف!

    ولكن أجاب ابن دقيق العيد وغيره عن هذا فقال: ليس هناك اختلاف، وليس هناك تعارض، بل هذا مراعاة لحال السائل وما يصلح له، فرأى رجلاً لا يستطيع أن يكابد الجهاد، فهو ضعيف البنية، فلما سأل عن أفضل الأعمال أرشده لما يصلح له، فقال: (إيمان بالله ثم الصلاة على وقتها)؛ لأنه مهما كان ضعيفاً، فإنه لا يعجز أن يصلي الصلوات على أول وقتها.

    ولما سأله الثاني وعرف أن له أبوين قال له: (إيمان بالله، ثم بر الوالدين)، وليس المعنى: بر الوالدين مع ضياع الصلاة، فالصلاة كتاب موقوت، والصلاة أمرها معلوم من الدين بالضرورة، فالمعنى: أنه بعد الصلاة وبعد أداء الواجبات المفروضة فإن بر الوالدين من أفضل الأعمال، ولما رأى الثالث قوياً جلداً أرشده إلى أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله وهو الجهاد في سبيل الله؛ لأن حالته تناسب ذلك.

    وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع بعض أصحابه، فمر فتىً شاب قوي فقال رجل: (لو كان جلد هذا وشبابه في سبيل الله! فقال صلى الله عليه وسلم: إن كان خرج يسعى ليعف نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على زوجه وعلى أهله وأبويه فهو في سبيل الله...) إلى آخر الحديث، والشاهد: أن الناس يرون الجهاد أنسب للأقوياء.

    مراعاة حال المستفتي دون الخروج عن السنة

    ومن هنا ينبغي على المفتي أن يراعي حالة المستفتي إذا سأله عن شيء عام، فينظر إلى حالته وما يناسبه، فإذا كان يناسبه الصلاة أرشده إليها، وإذا كان يناسبه الصيام أرشده إليه، إلى غير ذلك من الأعمال، ولكن لا ينبغي أن يخرج مراعاة لحال السائل عن حدود ما شرع الله، ويغير سنة رسول الله.

    وقد ذكر في تاريخ الأندلس أن ملكاً وقع على جارية له في نهار رمضان، فاستفتى بعض العلماء فقال له: لا كفارة لك في هذا الوطء إلا أن تصوم شهرين متتابعين، فقال له زملاؤه من العلماء: لم أمرته بصيام شهرين؟ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه الرجل الذي قال: (هلكت وأهلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: أتجد رقبة تعتقها؟ قال: والله لا أملك إلا هذه، قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام! قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: والله! ما عندي ما أطعم أهلي، فقال: اجلس، فأتي بفرق من طعام فقال: أين السائل؟ خذ هذا فأطعمه أهلك)، فالسنة -في كفارة من وطء في نهار رمضان- بدأت بعتق رقبة، ثم ثنت بصيام شهرين متتابعين، ثم ثلثت بإطعام ستين مسكيناً، وهذا المفتي لما سأله الملك قال: لا كفارة لك إلا صيام شهرين متتابعين.

    فقالوا له: لماذا غايرت الترتيب الذي جاء في السنة؟ قال: هذا ملك، ولديه الكثير من الجواري والعبيد، فلو قلت له: أعتق رقبة، لكان يمكنه أن يجامع في كل يوم في نهار رمضان، ويعتق رقبة، فهو نظر إلى حالته، ووجد أنه لا يردعه إلا الصوم، لكن قالوا له: ليس هذا عليك، بل عليك أن تخبره بعتق رقبة، وهذا هو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، ولا يصح الاجتهاد المخالف للسنة.

    ونقول أيضاً: إن الخير في السنة، فلو كان ملكاً وأمكنه أن يعتق عن كل جماع رقبتين أو أكثر، فإنه أفضل من أن يصوم؛ لأنه -كما يقول الأصوليون- الخير المتعدي خير من الخير اللازم لصاحبه، فإذا أعتق الملك أمة وصارت حرة، فإن كل من تنجبه سيكونون أحراراً، فهو إذا أعتقها فكأنما أوجدها من العدم إلى الوجود، أي من الرق إلى الحرية، فيصير لها أحكام الأحرار، وكذلك العبد، حتى أنه يصير صالحاً للقضاء، وصالحاً للجهاد، وصالحاً للقيادة، وصالحاً للإمارة والولاية، فيكون هناك خير كثير، وكذلك الأمة تنجب لنا أحراراً، فإذا أعتق ثلاثين جارية، فإنه حرر ثلاثين رقبة، أما لو صام عشرين شهراً فما الذي سيعود على الناس من صومه؟ لن يعود على الناس من صومه شيء.

    إذاً: لا ينبغي في مراعاة حال السائل تجاوز ما سنه الله وشرعه وسنه رسول الله.

    وظن المفتي أن في ذلك المصلحة خطأ، بل المصلحة كل المصلحة في اتباع ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الأمر كما قال هذا المجتهد، لقال: صوم شهرين متتابعين أو عتق رقبة، ولكنه لم يقل هذا، بل قال: (أتجد رقبة؟ قال: لا أملك إلا رقبتي!).

    إذاً: على المفتي أن يراعي حال المستفتي حينما يكون في الأمر سعة، ويكون هناك أنواع متعددة، فيرشده إلى ما يلائمه، وما يصلح مع حاله، كما سئل عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أفضل؟ فقال: (الصلاة في أول على وقتها) وفي الحديث الآخر أجاب إجابة أخرى، فالسؤال واحد، وتنوعت الإجابة، وليس في هذا خلاف، وليس فيه تعارض، ولكن فيه مراعاة حال السائل وما يصلح له.

    فضل الصلاة في أول الوقت

    نستفيد هذا الحديث: أن الصلاة في أول الوقت من أفضل الأعمال، والمؤلف أتى بهذا الحديث بعد بيان حديث: الفجرين، وتقدم حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم)، وبه أخذ الأحناف.

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان نساء الأنصار يشهدن صلاة الفجر مع رسول الله متلفعات، ثم ينصرفن من الصلاة وما يعرفهن أحد من الغلس) فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبكر بصلاة الصبح، وقوله: (أصبحوا بالصبح)، فعله مرة واحدة وتركه، وكان صلى الله عليه وسلم يداوم على صلاة الصبح في أول وقتها، وقد ذكرنا أن أفضل صلاة الصبح إنما هو في أول وقتها، وجاء في الحديث: (إنه كان ينفتل من صلاة الصبح حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة)، ولذا جمع بعض العلماء بين النصوص: بأنه كان يغلس بالصبح، ويطيل فيها القراءة، ولا يخرج منها إلا وقت الإسفار، وقد تقدم هذا المبحث.

    وجاء المؤلف بهذا الحديث هنا، بعد حديث: (الفجر فجران) ليبين أن أفضل صلاة الصبح في أول وقتها، والحديث عام في جميع الأوقات.

    استثناء صلاة العشاء وصلاة الظهر وقت الحر من أفضلية أول الوقت

    ولا ننسى أن تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وصلاة العشاء أفضل، كما جاء في الحديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)، فالأفضل في الظهر عند شدة الحر تأخيرها عن أول وقتها، وذلك للذين يأتون من بعيد، ولا يجدون فيئاً يستظلون به إلى المسجد، وكذلك العشاء يستحب أن تؤخر، فإنه صلى الله عليه وسلم أخر العشاء ليلة إلى ثلث الليل، ثم خرج، وقد كانت رءوسهم تخفق فقال: (ما على وجه الأرض غيركم ينتظر هذه الصلاة، وإنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فأخر العشاء إلى ثلث الليل، وقال: (إنه لوقتها) وكان يحب ذلك، ولكن كان يُعجل بها حتى لا يشق على المصلين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يدخل في الصلاة وفي نيته الإطالة ثم يخفف عندما يسمع بكاء الأطفال رحمة بقلوب الأمهات.

    وعلى هذا؛ فهذا الحديث عام، ولكن يخص منه ما جاءت النصوص بفضل تأخيرها عن أول وقتها، وهي صلاة الظهر إذا اشتد الحر، وصلاة العشاء لمن لم يشق عليه ذلك، والله تعالى أعلم.

    تفضيل أول وقت الصلاة وأوسطه على آخره

    قال المؤلف: [وعن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله) أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جداً، وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه، دون الأوسط، وهو ضعيف أيضاً ].

    أبو محذورة هو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وفي جعله مؤذناً قصة، وهي أنه لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حنين واقترب من مكة نزل منزلاً، فخرج الصبيان من مكة لينظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك المنزل أذن مؤذن رسول الله للصلاة، فقام الصبيان يحاكون المؤذن، كما هي عادة الصبيان في تقليد الكبار أو في محاورتهم، فسمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه أذان أبي محذورة ، فقد كان متميزاً عن أذان الصبيان، فناداه، فلما جاء ذكر له الأذان، فقال: (اذهب فأنت مؤذن أهل مكة)، ومن هنا نأخذ أن الغلام المميز يصح أذانه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نصب هذا وهو غلام يحاكي أذان الكبار، وقد أعجبه صوته، وفيه أيضاً أن نتخير للأذان من كان حسن الصوت دونما تغنج، ودونما تكسر، حتى لا يخرج بأذانه عن اللائق بهذا الشعار العظيم.

    يقول رضي الله تعالى عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله)، وبصرف النظر عن ضعف السند، يقول العلماء: الفرق بين رضوان الله ورحمة الله وعفو الله: أن الرضوان أعلى الدرجات، كما قال الله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119]، والرحمة هي: سعة فضل من الله على العبد، والعفو لا يكون إلا عن تقصير، فكأن الصلاة آخر الوقت لا تكون إلا من مقصر، سواء كان هذا التقصير عن عذر فيعفى، أو كان عن إهمال أو عن انشغال فلا يعفى عن تقصيره، ولكنه يستحق العفو، فليسأل الله العفو، والحديث سنده ضعيف جداً، ولكن نقول: إنه في فضائل الأعمال، ولا يترتب عليه حلال وحرام، وإنما يبين فضيلة أول الوقت وأوسط الوقت على آخره، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم صلاة التطوع بعد طلوع الفجر

    قال المؤلف: [ وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين) أخرجه الخمسة إلا النسائي ، وفي رواية عبد الرزاق : (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر)، ومثله للدارقطني عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ].

    هذا بيان وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وتقدم أنها سبعة أوقات، وهذا الوقت من بعد طلوع الفجر حتى صلاة الصبح، ويستثنى من ذلك ركعتان، وما هما الركعتان؟

    بينت الرواية الأخرى أنهما سنة الصبح، فإذا طلع الفجر وأذن المؤذن وانتظر الناس الإقامة؛ فما بين الأذان وإقامة الصلاة للصبح لا يجوز التنفل، لكن يجوز ركعتان فقط وهما ركعتا الفجر، أي: سنة الصبح، وما عدا ذلك لا يجوز، اللهم إلا ما جاء في حق من نام عن الصلاة أو نسيها فإنه يصليها حين يذكرها.

    وجاء عن كثير من العلماء ومنهم علي رضي الله تعالى عنه أن هذا الوقت يجوز فيه صلاة الوتر لمن نام عن الوتر واستيقظ في ذلك الوقت، ولم يكن قد أوتر، فله أن يوتر بعد طلوع الفجر قبل أن يصلي ركعتي الصبح ثم يصلي سنة الصبح، ثم يصلي الفريضة، فقد جاء عنه أنه خرج يوماً لصلاة الصبح فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة، فأشار إليه أن اصبر حتى أوتر.

    وجاء عن مالك رحمه الله أنه سئل عن صلاة الوتر في ذلك الوقت، فقال: لا بأس، لكن أكره أن يتعمد ذلك؛ لأن في بعض الروايات: (إذا طلع الفجر فلا وتر).

    وعند الأحناف أن الوتر واجب، وهم يفرقون بين الواجب والفرض، فالفرض ما ثبت بنص قطعي من كتاب أو سنة متواترة، والواجب ما ثبت بغير ذلك، فهم يرون أن الوتر واجب، وأنه يقضى ولو بعد طلوع الشمس، وبعضهم يقول: إلى ما قبل الزوال، أي: لا يترك أبداً؛ لأن صلاة الوتر جاءت فيها نصوص شديدة، مثل حديث: (من لم يوتر فليس منا)، وحديث: (أوتروا يا أهل القرآن! فمن لم يوتر فليس منا) إلى غير ذلك.

    إذاً: هذا الوقت من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح لا صلاة نافلة فيه، اللهم إلا قضاء الصلاة الفائتة أو ركعتي الفجر أو الوتر لمن لم يكن أوتر إذا نام عن الوتر واستيقظ في ذلك الوقت.

    1.   

    حكم الصلاة بعد العصر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فسألته، فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر فصليتهما الآن، فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا) أخرجه أحمد ، ولـأبي داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها بمعناه ].

    تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، وقد علم الجميع ذلك، ثم رأت أم سلمة الحكيمة رضي الله تعالى عنها من النبي عليه الصلاة والسلام خلاف ذلك.

    وأنا أسميها: الحكيمة لمواقف عديدة صدرت منها، فالنبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها بعد العصر فإذا به يصلي! وهي تعلم منه أنه (لا صلاة بعد العصر)، فحملت ذلك منه على النسيان، فقالت لجارية عندها: قومي بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقولي له: كنت تنهى عن الصلاة بعد العصر، وها أنت تصلي بعد العصر، قالت: ثم تأخري عنه، يعني: ذكريه إن كان ناسياً، فاستمر صلى الله عليه وسلم في صلاته، ولما صلى الركعتين انقلب إليها يعلمها، فقال: (هاتان ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر)، ونحن نعلم أن للظهر سنة: ركعتين قبلها، وركعتين بعدها، أو أربعاً قبلها أو أربعاً بعدها.

    قال: (هاتان ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فجاءني وفد عبد القيس بأموالهم -وفي رواية:- بإيمانهم، فشغلت بهم عنهما، فها أنا أصليهما)، فبين صلى الله عليه وسلم سبب صلاته هاتين الركعتين بعد العصر، ففهمت أم المؤمنين أنه قضاهما؛ لأن سنة الظهر ينتهي وقتها بصلاة العصر؛ لأنها صلاة مرتبطة بالظهر، والسنن الرواتب مرتبطة بفريضتها، فأدركت أنه يقضيهما وليستا أداء، ولهذا قالت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ تعني: إذا فاتتا علينا نحن أيضاً، بأن انشغلنا عنهما، فهل نقضيهما أيضاً بعد العصر؟

    فكان جوابه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا)، ثم إنه داوم على هاتين الركعتين بعد العصر؛ فيقول الجمهور: من القواعد الأصولية أنه صلوات الله وسلامه عليه إذا أمر بشيء ولم يفعله فهذا من خصوصياته، أو نهى عن شيء وفعله فهو من خصوصياته، مثاله لما جاء أبو أيوب بطعام فيه من البقول، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بأكلها ولم يأكل هو منها، فعدم أكله منها وهي مطبوخة من خصوصياته، ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: أميتوها طبخاً، يعني: تلك البقول التي تجعل في الطعام من بصل ومن ثوم ومن كراث ونحو ذلك، الشاهد أنه أمرهم أن يأكلوها، وامتنع هو، فكان امتناعه منها خاصاً به.

    وكذلك هنا نهى عن الصلاة بعد العصر وصلّاها، فكانت صلاته لها وقد نهى الناس عنها من خصوصياته، لكن قال بعض العلماء: صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين كل يوم بعد العصر مع المداومة عليها مشكل، وليس هناك موجب للقضاء، وليس هناك ما يشرعها من جديد، فأجاب بعض العلماء بأنه كان صلى الله عليه وسلم إذا بدأ عملاً داوم عليه ولا يقطعه.

    ومن أمثلة ما نهى عنه وكان يفعله لأنه من خصوصياته: الوصال في الصوم، فإنه نهى عن الوصال وواصل، فكان الوصال من خصائصه، ولذا عندما ألحوا عليه في وصالهم مثله، قال: (لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، ولا ينبغي الخوض بالعقل في هذا، والتساؤل ماذا كان يطعمه؟ وماذا كان يسقيه؟ وإذا أطعمه وسقاه فهل يكون ذلك وصال مع أنه يأكل ويشرب مما يطعمه ربنا ويسقيه أم ليس هناك وصال؟

    نقول: لا، فالشهداء عند ربهم يرزقون، ونحن لا ندري كيف يرزقون، وماذا يرزقون، فكذلك صلى الله عليه وسلم يعطيه ربه قوة الطاعم والشارب، فيعطيه قوة، ويعطيه عوناً، ويعطيه ما شاء، وهذا لا دخل لنا فيه، قال: (أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، فنقول: نعم، كما قال صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي هاتين الركعتين بعد العصر، وجاء عن زيد بن خالد أنه صلى بعد العصر ركعتين فرآه عمر ، فضربه بالدرة وهو يصلي، فلما انتهى من صلاته، قال له: اضرب يا أمير المؤمنين! فهما ركعتان أصليهما ولن أتركهما، فقال: يا زيد ! ما ضربتك عليهما إلا أني خشيت أن يصلي الناس بعد العصر فيتمادوا في صلاتهم حتى غروب الشمس، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند غروب الشمس، فـعمر كان يضرب من يصلي بعد العصر.

    وابن عمر كان يروي حديثاً: (لا تحروا بصلاتكم غروب الشمس)، فـابن عمر كان يرى جواز الصلاة ما لم تصفر الشمس، وعمر كان يضرب الناس على الصلاة من أول الوقت سداً للذريعة، أي: مخافة أن يصلي هذا في أول الوقت، ثم يأتي الثاني وينظر إليه فيصلي، ويأتي الثالث بعده فيصلي، وهكذا يتوالى الناس بالصلاة بعد العصر مباشرة والشمس بيضاء، ثم تمتد صلاة الناس إلى غروب الشمس، وكل واحد يتابع الذي قبله، فـعمر منع من ذلك سداً للذريعة.

    إذاً: يهمنا من هذا الحديث أنه لا صلاة بعد العصر كما تقدم البحث فيه، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر اعتبرها العلماء من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.