إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب التيمم [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المسائل المتعلقة بالتيمم: أن الإنسان إذا كان واضعاً جبيرة على جرح أو كسر جاز له المسح عليها لخوف ضرر الماء، وإذا كان به جرح يخشى ضرره من استعمال الماء فيتيمم ويعصب على جرحه ويمسح عليه.

    1.   

    شرح حديث علي بن أبي طالب في المسح على الجبائر

    [وعن علي رضي الله عنه قال: (انكسرت إحدى زندي، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر) رواه ابن ماجة بسند واه جداً ].

    يذكر الفقهاء أن من أشكل مسائل الفقه على طلبة العلم مسألتين:

    المسألة الأولى: المبتدئة في الحيض التي لم تستقر حيضتها، ولذلك يقول الشوكاني: جاءوا بالمتحيرة فتحيروا فيها. والمتحيرة: هي المبتدئة في حيضها التي لم تستقر حيضتها، فتارة تحيض خمسة أيام، وتارة تحيض ثلاثة أيام، وتارة تحيض عشرة أيام، وتحيرت في مدة حيضتها، فماذا تفعل؟

    المسألة الثانية: المسح على الجبيرة، ويبحث موضوع المسح على الجبيرة من عدة جهات، وفيها المكثر والمقل.

    يقول: علي رضي الله تعالى عنه: (انكسرت إحدى زندي) والزند: عظم، فاليد من المرفق إلى الرسغ فيها عظمان يسميان الزندان، فيقول علي رضي الله تعالى عنه: انكسرت إحدى زندي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم (فأمرني أن أمسح على الجبائر).

    ومعنى ذلك: أن علياً رضي الله تعالى عنه وضع جبيرة على الكسر، ومعالجة الكسر بالجبيرة أمر طبي معروف من قديم، وهذا من خصائص طب العرب أنهم يجبرون الكسر، وقد يكون هناك شخص متمرس في ذلك عملياً أحذق من طبيب متخرج في غرفة العمليات، وطالما جاء إنسان إلى المستشفيات وأعطي العلاج اللازم، وعملت له الجبيرة على أحسن ما يكون في الطراز الحديث، فيلتئم الكسر على غير مثال، فيأتي إلى شخص تعلم الطب العربي، فيكسر ذلك العظم مرة أخرى، ويعيده ويجبره، فيصبح على أحسن ما يكون.

    وضع الجبيرة على الكسر لا يشترط له طهارة مسبقة

    قال علي رضي الله عنه: (فأمرني -أي: الرسول صلى الله عليه وسلم- أن مسح على الجبيرة)، فإذا كان في حدث أصغر فإنه يغسل أعضاء الوضوء ما عدا الموضع الذي عليه الجبيرة فإنه يمسحه مسحاً فقط، والمسح على الجبيرة يبحث فيه من الجهات الآتية:

    أولاً: هل يشترط أن يكون وضع الجبيرة وهو على طهارة من الحدث -كما في لبس الخفين، أم لا يشترط؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخفين: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فمسح على الخف، إلا أن الخف مؤقت بيوم وليلة أو ثلاثة أيام، أما الجبيرة فيمسح عليها مدة وجودها.

    فبعض العلماء يقول: إن كان وضع الجبيرة على طهارة هذا العضو من الحدث فإنه يمسح ولا إعادة عليه، وإن كان وضعها على العضو وهو محدث فهو مطالب بغسل العضو، ولكنه قد تعذر الغسل، والمسح إنما هو لاستباحة الصلاة، فيعيد الصلاة، ثم ينظر مرة أخرى إلى الجبيرة هل هي موضوعة للجرح أو للكسر حينما وضعها، وهل أخذت من السليم أكثر ما يمكن أن تمسك به أم لا؟

    لنفرض مثلاً: أن طول الكسر (5سم)، فوضع جبيرة تحتاج إلى زيادة (3سم) من طرف، وإلى (3سم) من الطرف الآخر لتثبت على محل الجرح، فأصبح طولها بمجموعها (11سم) للإمساك، لكن الذي وضع الجبيرة -على الكسر (5سم)- جعل طرفها من جهة يستغرق (10سم) في السليم، ومن الجهة الثانية يستغرق (10سم) من السليم، فزاد واستغرق من السليم (7سم) من كل طرف، فإذا مسح فيكون قد مسح زيادة على محل الكسر.

    وهناك من يقول: إن زاد في الجبيرة على قدر ما يمسكها على الصحيح فهو متعدٍ، ويكون قد مسح على ما لا يحق له المسح عليه لسلامته، فكان عليه أن يغسل الزائد عن قدر ما يمسك الجبيرة، فإذا أزيلت الجبيرة فعليه أن يعيد الصلاة، وتكلموا في ذلك كلاماً كثيراً.

    ولكن إذا نظرنا إلى عموم قوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] فإذا مكثت الجبيرة -كما يحصل في بعض الأحيان- شهراً أو شهرين فإن أمره بأعادة الصلوات لهذه المدة فيه مشقة، وأيضاً عندما يريد أن يضع الجبيرة على الكسر هل يقال له: اذهب فتوضأ ثم ائت نضع الجبيرة؟ مع أنه في حالة يحتاج فيها إلى المبادرة بالعلاج.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه سلم لم يستفسر من علي عن حالة الجبيرة على كسر زنده، لم يقل له: هل كنت متوضئاً أم لا؟ ولم يقل له: هل استغرقت من السليم أكثر من الحاجة أم لا؟ بل إنه رأى جبيرة وضعت على كسر فأمره أن يمسح عليها.

    الجبيرة التي يمسح عليها

    ما نوع الجبيرة التي يمسح عليها؟

    هل تعتبر الجبيرة مجرد رباط شاش طبقة واحدة على الجرح، أم أن الجبيرة تكون سميكة كما يجعل الآن أجزاء من الخشب أو من الجريد، ومعها أنواع من الجبس كما هو معروف في المستشفيات، أو تلف بخرق من الصوف، أو يجعل معها مثلاً من البيض والنورة ومن المواد الأخرى كما في الطب العربي؟

    فإذا كانت سميكة بالجبس أو بالخشب ولفافات الصوف وتلك المتانة فهي التي يمسح عليها، أما إذا كانت خفيفة والجرح والعضو بين، فهذه قالوا: لا يمسح عليها؛ لأنها لا تحتمل المسح، وإذا كان الجرح لا يقوى أن يباشر بالماء فهل يمسح؟

    قالوا: إذا كان الجرح خفيفاً كأن يكون في اليد، ويمكن أن يمر يده على الجرح بدون تألم فليفعل، وإذا احتاج إلى الجبيرة بالوضع الذي تقتضيه حالة الجرح فيمسح على الجبيرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث جابر في الرجل الذي شج فاغتسل فمات

    [وعن جابر رضي الله عنه -في الرجل الذي شج فاغتسل فمات- قال: (إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)، رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته].

    خطر الفتوى بغير علم

    قدم لنا المؤلف رحمه الله كلام ابن عباس : فيمن تكون به الجراحة في سبيل الله وخشي على نفسه الهلاك فماذا يفعل؟

    ثم جاء بهذا الحديث الذي فيه أن الرجل هلك بالفعل، رجل شج في سبيل الله، فأجنب فسأل من بحضرته: ماذا أفعل هل أتيمم أم أغتسل؟ فقالوا: لابد من الغسل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، فسمع الرجل الكلام واغتسل مع شجة الرأس، فتأثر الدماغ، فمات الرجل بسبب وصول الماء إلى الشجة في الدماغ، ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قتلوه قتلهم الله، هلّا سألوا إذ لم يعلموا، إنما دواء العي السؤال!)، وهذا هو الخطأ والخطر في تولي الفتيا بغير علم، لما سألهم هذا المسكين فتقدموا وتبرعوا بالفتوى، وقالوا: عليك أن تغتسل، وكان ذلك خطأ منهم، فبخطئهم قتلوه، ومن هنا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يتدافعون الفتوى كل المدافعة، ويخشون منها كل الخشية، ويقولون: (أجرأ الناس على الفتوى أجرأهم على النار).

    فهؤلاء بكلمة خرجت منهم قتلوا الرجل، واستحقوا الدعاء عليهم من رسول الله: (قتلوه قتلهم الله!)، أي: مجازاةً على إفتائهم بغير علم، (هلّا سألوا إذا لم يعلموا)، فالواجب على من لم يكن عنده علم، وسُئل عن شيء، أن لا يبادر إلى الفتوى فيه، وعليه أن يسأل من عنده علم في ذلك، ونحن نعلم قصة عمر رضي الله تعالى عنه لما خرج إلى الشام ووصل إلى بلدة بين المدينة والشام، وأخبره الناس بأن الطاعون بالشام، فنظر وتحير هل يمضي إلى الشام وفيها الطاعون أم يرجع حتى يرتفع الطاعون عن الشام؟

    ثم استشار الناس، فقال: يا ابن عباس ! ادع لي شيوخ المهاجرين، فدعاهم، فسألهم فاختلفوا عليه، فقوم قالوا: نرى أن ترجع؛ لأن معك أصحاب رسول الله فلا تقدمهم على الطاعون فيهلكهم.

    وقوم قالوا: إنك خرجت لأمر الله فتوكل على الله وامض، فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني، وقال لـابن عباس : ادع مشيخة الأنصار، فجاءوا فاختلفوا عليه أيضاً، فقال: قوموا عني، ثم قال: ادع لي مشيخة قريش، فدعاهم إليه فلم يختلف عليه واحد منهم، وقالوا: نرى معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نرى أن تدخل بهم على الطاعون، ولما اتفقوا مع عمر في ذلك ومعه بعض الناس الذين قالوا: لا تدخل عليهم، ترجح عنده ذلك، ثم أعلن وقال: إني مصبح على ظهر، أي: راجع، فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان غائباً، وقال: يا أمير المؤمنين! عندي علم في ذلك، قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه)، فحمد الله سبحانه وتعالى على إصابته للوجهة السليمة، بأنه أراد العودة، فأكد ذلك عنده، فجاء راجعاً.

    الشاهد: أنه لما لم يكن عند عمر نص في الموضوع استشار وسأل، ولما اختلفوا عليه، وجاءت القرائن، وترجح عنده العودة، قرر أن يعود، فجاءه العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح بذلك، كما جاء عن ابن مسعود وغيره في المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها، وقضى فيها بالصداق والعدة والميراث، ثم قام قائم وقال: لقد قضى بذلك رسول الله، فحمد الله على موافقته لما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا رجل أصيب ولم يعلم الحكم، وسأل الحاضرين، فكلهم اجتهدوا وأخطئوا، وهذا لا يغتفر في الاجتهاد، فلا يقال لكل مجتهد: إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران؛ لأنهم لم يكونوا من أهل الاجتهاد في هذا الموضوع، وإنما يكون الاجتهاد من أهل الخبرة، والذين لديهم خلفيات في النصوص، ويستطيعون أن يردوا الفرع إلى الأصل، وأن يقيسوه على غيره، أو يدخلوه ضمن قاعدة من قواعد الفقه، أما أن يأتي شخص بدأ يطلب العلم بالأمس، واليوم ينصب نفسه مفتياً ومجتهداً، فهذا يؤدب ولا يحق له ذلك، وإذا أخطأ فإنه يحاسب على خطئه، كما لو جاء إنسان ودخل كلية الطب وأخذ قلماً، ثم بعد ذلك أخذ حقيبة وأخذ أدوات وقام يعمل عمليات جراحية، فإذا أتلف شيئاً فإنه يغرمه؛ لأنه لم يتأهل بعد لأن يكون جراحاً يجري العمليات الجراحية.

    وهكذا الفتوى في الدين إذا لم يكن مؤهلاً للفتوى وأفتى بخطأ فلا يقال: له أجر في اجتهاده؛ لأنه لم يتأهل.

    ماذا يفعل من أصيب بجرح وأراد أن يغتسل أو يتوضأ؟

    لقد دعا صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الناس، ثم بين فقال: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة) أي: يتيمم للموضع الذي لا يستطيع أن يغسله، وليست عليه جبيرة يمسح عليها، إنما يضع خرقة للجرح لمداواته ودفع الماء عنه، ولهذا قالوا: إذا كان في عضو من أعضاء الوضوء جرح ليست عليه جبيرة، ولا يستطيع أن يسمح عليه، فيغسل السليم ويتيمم للجرح ويصلي بذلك، فيأتي بما يستطيع له.

    فهذا الذي شج يتيمم لموضع الشجة التي لا جبيرة عليها تمسح، ولا يمكن إمرار الماء عليها، ثم يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، إن كانت الخرقة سميكة صالحة للمسح، (ثم يغسل سائر جسده) أي: الموضع السليم الذي يقبل الغسل وإمرار الماء عليه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في عدد الصلوات التي تصلى بالتيمم الواحد

    [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جداً.]

    في نهاية باب التيمم يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: (من السنة)، وإذا قال الصحابي: من السنة فإنه يصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاسيما إذا كان الموضع ليس موضع اجتهاد، ولا تقبل فيه آراء الرجال؛ لأن كون الصلاة تصح أو لا تصح، وصحة الصلاة وعدمها لا يحكم به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله: (من السنة): أي: المعروفة عندنا، والتي عليها العمل عندنا، أن المتيمم لا يصلي بتيممه إلا صلاة واحدة، ويتيمم للصلاة الأخرى التي تأتي.

    خلاف العلماء في مسألة كم يصلى بالتيمم الواحد؟

    وهذه المسألة تباعد الخلاف فيها، حتى قال ابن عبد البر رحمه الله: لقد جمعت فيها كتاباً، أي: جمع الآراء والأقوال، واستدلال كل فريق لما ذهب إليه.

    وغالب ما يبنى عليه الخلاف في هذه المسألة هو ما تقدم بحثه: هل التيمم مبيح للصلاة أو رافع للحدث؟

    فمن اعتبر التيمم رافعاً أعطاه حكم الوضوء، ومن اعتبره مبيحاً قصره دون الوضوء، ومجمل الأقوال في ذلك هي:

    عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا تيمم صلى ما شاء من الصلوات المفروضة ما لم يحدث، فهو عنده كالمتوضئ تماماً.

    وأبو حنيفة رحمه الله، مبناه في ذلك على أن التيمم حكمه حكم الوضوء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصعيد وضوء المسلم)، فقال: الرسول صلى الله عليه وسلم سمى الصعيد وضوءاً، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد، ومن هنا قال أبو حنيفة رحمه الله: يجمع بالتيمم الواحد عدة فروض كما يجمعها بالوضوء، ولا يبطل الوضوء إلا الحدث، وهو الذي يبطل التيمم من باب أولى، وبالتالي له أن يصلي بالتيمم الفرض والفرضين والنوافل التابعة لها، ويفعل بالتيمم كل ما يفعله بالوضوء، ولا يتعين بنية، فلو تيمم للمغرب ودخل المسجد الحرام وصلى المغرب وقام وطاف بذلك التيمم، وصلى ركعتي الطواف، وتنفل بين المغرب والعشاء ما شاء، ثم صلى العشاء بذلك التيمم؛ صح، فهذا قول أبي حنيفة.

    ويقول الإمام مالك رحمه الله: إذا تيمم للفريضة فلا يصلي نافلتها قبلها بهذا التيمم، ولو تيمم لصلاة الصبح فصلى ركعتي الفجر قبل الصبح بذلك التيمم فعليه أن يتيمم للصبح مرة أخرى، بخلاف النافلة بعد الفريضة، فإذا تيمم للظهر فله أن يصلي سنة الظهر التي بعدها.

    والشافعي رحمه الله يقول: يصلي الفريضة وراتبتها قبلها أو بعدها، فلو كان سيجمع بين فريضتين في سفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فتيمم للظهر وأقام الصلاة للعصر، فيتيمم للعصر في مكانه، وإن كان في مكان واحد وفي وقت واحد، ولكن لفريضتين.

    والإمام أحمد كذلك يقول: يصلي الفريضة ونافلتها قبلها أو بعدها، وعند أحمد أيضاً كما يذكر صاحب المغني: إذا تيمم للفريضة صلى النافلة وصلى على الجنازة بذلك التيمم؛ لأن نيته في التيمم للفريضة، وهي أقوى من النافلة، والنافلة أقوى من الصلاة على الجنازة؛ لأنه كما قال ابن عمر : (إنما هي دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود).

    وبهذا نرجع مرة أخرى إلى أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكونه بسند ضعيف جداً أُخذ العمل به على ما قدمنا؛ لعدم معارضته لما هو أصح منه أو أقوى.

    نأتي إلى مناقشة من يقول: التيمم لا يصلى به إلا فريضة واحدة حتى في الجمع في السفر، وقالوا: الأصل في ذلك أنه عندما تيمم لصلاة الظهر مثلاً، لم يتيمم إلا بعد أن بحث عن الماء فلم يجده؛ لأن الله سبحانه وتعالى أولاً قال: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، فأمر بالوضوء عند القيام لكل صلاة، ثم قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة:6] إذاً: عدم وجود الماء يكون بعد البحث والطلب، فهو قد بحث عن الماء وطلبه فلم يجده، فجاز له أن يتيمم؛ لأن التيمم مشروط بعدم وجود الماء، فإذا تيمم للظهر وصلاها، ثم جاء وقت العصر، فعليه أن يعيد الكرة بأن يطلب الماء، فإن وجده استعمله، فإن لم يجده فعنده النص: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة:6].

    إذاً: عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، وله أن يتيمم إذا لم يجد الماء بعد الطلب.

    وقالوا: اتفق العلماء على أنه لا يحق لمن يصلي بالتيمم أن يتيم قبل دخول الوقت؛ لأن التيمم ضرورة تبيح الصلاة، والصلاة لم يأت وقتها بعد.

    وقالوا كذلك: لا يحق له أن يصلي الصلاة الثانية بالتيمم الأول؛ لأن تيممه قبل دخول وقت الثانية، فيكون كالذي تيمم للحاضرة قبل وقتها، وهذا لا يصح.

    ثم قالوا أيضاً: كان الأصل في الطهارة مبدئياً (إذا قمتم.. فاغسلوا) و(إذا قمتم) تقتضي التكرار، أي: كلما قمتم فاغسلوا، وهي الطهارة الأساسية المائية، فقد كان الأمر في البداية إفراد كل صلاة بوضوء، ثم خفف ذلك وجازت عدة صلوات بوضوء واحد، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى عدة صلوات بوضوء واحد، كما في حديث عمر في فتح مكة.

    ولكن لم يأت في التيمم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين بتيمم واحد، فيبقى الوضوء في طريقه ما لم يحدث: (إذا توضأ صلى ما شاء ما لم يحدث)، ويبقى التيمم في طريقه عند عدم وجود الماء، وعدم الوجود يكون بعد الطلب، والطلب يكون بعد دخول الوقت.

    مباحث متعلقة بالنية في التيمم

    مسألة: لو أن إنساناً بعد ما صلى الفريضة في مكانه تذكر صلاة فائتة عليه، نسيها بالأمس وأراد أن يقضيها الآن، فهل يصليها بتيمم الفريضة التي صلاها الآن أم يتيمم لها؟

    قالوا: يتيمم لها؛ لأنه لا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة، وهناك تفريعات على هذه المسائل في هذا الأثر وغيره، فهم مجمعون على أن النية في التيمم ركن، وكذلك في الوضوء، إلا الإمام أبا حنيفة رحمه الله فإنه يقول: النية ليست شرطاً في الوضوء؛ لأن الوضوء نظافة، أمر معقول المعنى، فكيفما غسلت أعضاء وضوئك تم الوضوء، والجمهور يقولون: الوضوء عبادة، والعبادة لابد فيها من النية: (إنما الأعمال بالنيات)؛ لأنك قد تغسل أطرافك، وقد تغتسل ولم تنو طهارة، وقد تتبرد من الحر.

    إذاً: يمكن غسل الأعضاء والجسم بدون إرادة الطهارة، والنية هي التي تميز بين الطهارة والعادة، والنافلة والفريضة، ففي صلاة الصبح السنة ركعتان، والفريضة ركعتان، وما الذي يفرق بينهما؟

    النية هي التي تعين النافلة من الفريضة، وإن اختلفت الصورة، ففي الفريضة يجهر بالقراءة، وفي النافلة يسر بها، لكن عدد الركعات سواء، فالنية هي التي فرقت.

    إنسان عليه قضاء من رمضان، وجاء يوم الإثنين، وأراد أن يصوم، فصام يوم الإثنين على أنه نافلة ونسي القضاء الذي كان عليه، فهل يجزئ صومه بنية يوم الإثنين عن القضاء الذي عليه سابقاً؟ لا يجزئ.

    إذاً: إذا اتحدت صورة العمل بين الفرض والنافلة، وبين العبادة والعادة، فالذي يفرق في ذلك هو النية، فالأئمة الثلاثة قالوا: النية فرض في الوضوء والغسل والعبادات، والإمام أبو حنيفة رحمه الله قال: إنما هي أعمال معقودة المعنى بالنظافة، فإذا حصلت ولو لم ينو أجزأت.

    لكن التيمم حتى عند الإمام أبي حنيفة تتعين فيه النية؛ لأنه ليس نظافة، وليس تبرداً كما في الوضوء، فقال: تتعين النية في التيمم، وتكون النية للصلاة، والنية للطواف، والنية لقراءة القرآن، والنية لحمل المصحف، والنية للمكث في المسجد، كل هذه من الأمور التي يشرع لها الطهارة، فهناك من يعتبر قاعدة: (إذا نوى الأعلى جاز له به الأدنى، وإذا نوى الأدنى لا يصح له به الأعلى)، فإذا بحث عن الماء فلم يجد ماء، ويريد أن يقرأ في المصحف، فتيمم لمس المصحف، فهل يطوف بهذا التيمم؟ وأيهما أقوى في مشروعية الطهارة الطواف أم مس المصحف؟

    لاشك أن الطواف أقوى؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، والطهارة لصلاة النافلة أقوى من الطهارة لمس المصحف؛ لأن الصلاة منصوص عليها، وإذا أراد أن يصلي الفريضة في الوقت، قالوا: إن نوى الظهر مثلاً جاز له ما كان دون الفريضة بنوافلها، كمس المصحف، والطواف بالبيت، والمكث في المسجد، والصلاة على الجنائز؛ لأنها في مرتبة أدنى من مرتبة الفريضة في الطهارة، أما إذا تيمم لما هو أقل كما ذكر مالك ، كأن تيمم وصلى ركعتي الفجر، فركعتا الفجر أقل من الفريضة، فلا يصلي بهذا التيمم الفريضة، وعليه أن يتيمم للفريضة؛ لأنها أقوى من النافلة، وإذا تيمم للطواف فلا يصلي به الفريضة؛ لأن الفريضة أقوى من الطواف.. وهكذا.

    إذاً: لابد من النية في التيمم، وهل تكون النية برفع الحدث أو باستباحة الصلاة؟ من اعتبره وضوءاً فيكون عنده بنية رفع الحدث، ومن لم يعتبره وضوءاً فينوي به استباحة الصلاة، ولذا يقول صاحب المغني: من تيمم بنية رفع الحدث فإن التيمم باطل؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ فـأحمد عنده التيمم لا يرفع الحدث.

    إذاً: ينوي في التيمم استباحة ما يتيمم من أجله، كأن يستبيح به الطواف، أو مس المصحف، أو المكث في المسجد، أو الصلاة على جنازة، هذه كما قيل رخصة يستبيح بها هذا العمل الممتنع عنها بدون طهارة، إذاً لا ينوي بتيممه رفع الحدث؛ لأن الحدث باقٍ.

    ووجدنا الإمام أبا حنيفة رحمه الله يعتبر التيمم والوضوء سواء، يفعل بهذا ما يفعل بذاك، ولا ينتقض التيمم إلا بنواقض الوضوء أو وجود الماء.

    ووجدنا مالكاً رحمه الله يقول: إنما التيمم مبيح لفريضة وقتها، ونافلتها التي بعدها، أما التي قبلها فلا.

    ووجدنا الشافعي رحمه الله يزيد على مالك : النافلة التي قبلها.

    وبالله التوفيق، والله أعلم.