إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب التيمم [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بعباده أن فرض عليهم الفرائض وأوجبها على قدر الاستطاعة، وجعل لكل ما لم يقدر عليه العبد بديلاً، ومن ذلك: الطهارة للصلاة بالماء، فإن لم يجد العبد ماء ليتوضأ كي يصلي أو ليغتسل إن كان جنباً، أو لم يستطع أن يستعمل الماء لمرض أو خوف، فإنه يعدل إلى التيمم.

    1.   

    شرح حديث عمار بن ياسر في صفة التيمم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) متفق عليه، واللفظ لـمسلم .

    وفي رواية للبخاري : (وضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه). ].

    بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، في حاجة، ولم أقف على تلك الحاجة، يقول: فأصابتني جنابة وليس عندي ماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، وهذا الفعل منه رضي الله تعالى عنه يعتبر من استعمال القياس، فإن التيمم جاء في الوضوء وجاء أيضاً في الجنابة، وهو لا يعلم الكيفية، فقاس التيمم من الجنابة على الغسل من الجنابة بالماء، والغسل من الجنابة يعمم فيه جميع البدن، بخلاف الوضوء في الحدث الأصغر، فإنه تغسل أعضاء خاصة من البدن، فهو ظن أن التيمم ينبغي أن يعمم جميع البدن كما يعممه الغسل بالماء، ففعل تلك الصورة، فلما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له ما وقع منه، فقال له صلى الله عليه وسلم: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا!)، أي: أن تفعل هكذا، والقول قد يأتي محل الفعل، يقال: قال بيده هكذا وفعل، قال برجله هكذا ودفع الأمر، قال برأسه هكذا، أي: أشار وفعل.

    قال: (فضرب بيديه الأرض)، فيتعين هنا إحداث الضرب، أما أن يمسها أو يجرها على الأرض فليس من صورة التيمم، فعليه أن يضرب بيديه الأرض، واليد تطلق من الكف إلى الذراع إلى الزند إلى المنكب، ولكن الذي يضرب به الأرض إنما هو الكفان.

    ضرب اليدين في الأرض للتيمم

    والضرب باليدين على الأرض هي أول حركة في التيمم، وهذا متفق عليه، ولكن يأتي البحث في: ماذا يمسح؟ وفي عدد الضربات، وهذا هو ما يدور القول فيه في كيفية التيمم، أهو ضربة واحدة أم هو ضربتان؟ وهل يمسح الكفان والوجه فقط أم يمسح إلى المرفقين أم يمسح إلى المنكبين؟ وهل هي مسحة واحدة أو مسحتان؟ كل ذلك ورد، أما عن الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يأت إلى المنكب، ولكن جاء عن بعض السلف.

    أما مسح الكفين والمرفقين فجاءت فيه النصوص، كما في حديث عبد الله بن عمر الذي ساقه المؤلف بعد حديث عمار ، وبعض روايات عمار أيضاً إلى المرفقين.

    إذاً: حديث عمار فيما يتعلق بالجنابة انتهينا منه، وذكرنا أن التيمم يشرع للجنابة كما يشرع للحدث الأصغر، ثم يأتي هنا تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التعليم والبيان، ولا يجوز تأخير التعليم أو البيان عن وقت الحاجة؛ لأن عماراً لم يعلم كيف يتيمم من الجنابة، والرسول بين، والبيان في معرض التعليم هو الأساس والأصل.

    مسح اليد اليسرى على اليمنى

    قال: عمار : (فضرب بيديه الأرض ثم مسح الشمال على اليمين).

    أي: أنه مسح اليمنى أولاً، ثم مسح الشمال، فذكر عمار هنا التيامن بين اليدين، فاليمين تمسح قبل الشمال، ثم تمسح الشمال.

    وهنا يقول عمار: مسح الشمال على اليمين، أي: قدم مسح اليدين على مسح الوجه، وهذا في ترتيب حديث عمار الذي ساقه المؤلف في معرض التعليم.

    مسح الوجه والكفين

    قال: (وظاهر كفيه ووجهه).

    باطن الكف حده ما تنكف عليه الأصابع، فالجزء الذي لا تقع عليه الأصابع عند قبضها ليس من باطن الكف؛ لأنه لا تأتي عليه الأصابع، والكف من بعد أطراف الأصابع إلى نهايتها، وظاهر الكفين يبدأ من الرسغ، وهو موضع الحركة والاتصال بين الكف وبين الذراع، فهذا هو ظاهر الكف مع الأصابع.

    فـعمار ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يضرب بكفيه الأرض، أي: ضربة واحدة، ثم يمسح الشمال على اليمين، أي: أنه قدم اليدين وقدم اليمنى على اليسرى، ثم يمسح ظاهر الكفين، ولم يذكر هنا إلى المرفقين، ولكنه لما قال: (ثم مسح الشمال على اليمين)، يمكن أن يقال: إن هذا يشمل اليدين إلى المرفقين، على ما سيأتي في الرواية الثانية.

    ثم بعد مسحِ اليدين مسحَ وجهه وظاهر كفيه، فيكون عاد إلى الكفين ومسح ظاهرهما وذلك بعد الوجه.

    1.   

    نفخ الكفين بعد ضربهما في الأرض للتيمم

    وفي رواية للبخاري : (وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما).

    قوله: (وضرب بكفيه الأرض) هذا متفق عليه في كل الأحاديث، وقوله: (ونفخ فيهما) أي: بعدما يضرب الأرض بيديه يقربهما من فيه وينفخ فيهما، وفي بعض الروايات: (فنفض بعضهما ببعض)، وهذه النفخة وافق عليها الأئمة الثلاثة، وخالف في ذلك الشافعي ؛ لأنه يقول: النفخ يذهب التراب الذي علق باليدين، والآخرون يقولون: إن النفخ ليس قوياً، إنما الغرض منه -سواء النفخ أو ضرب الكفين بعضهما ببعض- أنه قد يعلق بالكفين حصاة أو قذاة أو عود صغير، فلو مسح به وجهه فقد يؤذيه هذا الذي علق باليد، فالنفخ فائدته أنه يذهب هذا الذي علق باليد، إذاً ليس المراد بالنفخ إذهاب ما علق باليدين من تراب إن كان على أرض ترابية، فهذه النفخة يوافق عليها الأئمة الثلاثة رحمهم الله، ويأخذون بها، والشافعي يقول: لا ينفخ؛ لأنه يذهب أثر التراب من يديه.

    قال: (ثم مسح بهما وجهه وكفيه)، إذاً رواية البخاري تقدم الوجه على اليدين، ولهذا ساقها المؤلف ليبين أن الصحيح والراجح هو تقديم الوجه على اليدين، والله تعالى يقول: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6]، فذكر الوجه قبل اليدين، وهذا هو المشهور والمعمول به عند الجميع.

    1.   

    شرح حديث: (التيمم ضربتان...)

    [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)، رواه الدارقطني وصحح الأئمة وقفه].

    إذاً: حديث عمار رضي الله تعالى عنه متفق عليه، وتتفق الروايات كلها عن عمار بأن التيمم ضربة واحدة، وفيه روايتان: رواية تقديم اليدين على الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى، ورواية أخرى صحيحة عند البخاري فيها تقديم الوجه على اليدين، ورواية عمار في الموضعين ذكر فيها الوجه والكفين، ولكن جاء عن عمار أيضاً -كما ذكر ذلك ابن عبد البر- المسح إلى المرفقين.

    وهنا يأتي المؤلف رحمه الله برواية عبد الله بن عمر وقد اختلفوا في رفعها وإرسالها ووقفها عليه، فيقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: (التيمم ضربتان)، وهذا ليس من باب الاجتهاد بالرأي، فلو لم تكن مرفوعة نصاً فهي مرفوعة حكماً، وكونها مرسلة -المرسل هو سقوط الصحابي- هذا لا يطعن في الحديث؛ لأن الصحابي ولو لم نعرفه فهو عدل مقبول.

    إذاً: رواية عبد الله بن عمر قوية يحتج بها، وقد قال فيها: (التيمم ضربتان)، وفي حديث عمار: (ضربة واحدة)، ثم فصل ابن عمر في هاتين الضربتين، فقال: (ضربة للوجه)، فقدم الوجه على اليدين، (وضربة لليدين إلى المرفقين)، فزاد على حديث عمار رضي الله تعالى عن الجميع بأن ذكر أن التيمم ضربتان، وزاد أن مسح اليدين ليس إلى الكفين فقط، ولكن إلى المرفقين مثل الوضوء.

    خلاف العلماء في عدد ضربات التيمم وفي المسح إلى المرفقين

    وهنا يأتي العلماء إلى البحث في هذه المسألة: فـالشافعي وأحمد يقولون: لابد من الضربتين، ولابد من المسح إلى المرفقين، ومالك رحمه الله يقول: التيمم ضربتان، ولكن ضربة للوجه وضربة للكفين فقط، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: ضربة واحدة للكفين.

    فكما وجدنا الاختلاف السابق في المسح، وجدنا هنا تعدد الضرب، ووجدنا بلوغ المسح إلى المرفقين، وكما وجدنا الخلاف في نوعية ما يتيمم عليه من أجزاء الأرض، وجدنا الخلاف هنا بسبب الألفاظ الواردة، فحديث ابن عمر يقول: (إلى المرفقين)، وحديث عمار يقول: (ومسح بهما وجهه وكفيه).

    ونجد بعض الروايات عن مالك رحمه الله يقول: إن اقتصر على الكفين أجزأه، وأحب إليَّ إلى المرفقين، والذين قالوا بالمسح إلى المرفقين أخذوا طريق القياس أيضاً وقالوا: إن التيمم بديل عن الوضوء، واليدان يغسلان إلى المرفقين، فيكون المسح في التيمم كالغسل في الوضوء يبلغ بهما إلى المرفقين.

    والآخرون قالوا: إن الآية الكريمة: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43]، جاءت فيها اليد مطلقة فيما يتعلق بالتيمم، ولم يأت تحديدها في كتاب الله، وجاءت الآية في الوضوء الذي هو الأصل بقيد المرفقين، وجاءت أيضاً اليد مطلقةً في حكم قطع يد السارق: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، ولم تحدد موضع القطع، وجاءت السنة وعينت موضع القطع من الرسغ، أي: الكف.

    فهنا يقول بعضهم: تحمل اليد المجملة في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43] على آية القطع في السرقة، وأن السنة حددتها بالكف فقط.

    وقال الآخرون: إن كانت القضية قضية قياس فقياس التيمم على الوضوء أولى؛ لأن كلاً منهما طهارة، فقياس طهارة التيمم على طهارة الماء أولى من قياس اليد في التيمم على اليد في قطع يد السارق.

    ولكن المحققين من أهل الأصول يقولون: لا يصح القياس في كلا الأمرين؛ لأن من شرط القياس أن يساوي الفرع الأصل، والفرع هنا ليس مساوياً للأصل؛ لأن الأصل: طهارة مائية بغسل، والفرع هنا: تيمم تعبدي في الصورة والهيئة، ونحن لا ندرك الحقيقة، ولو قال قائل كما قال أبو حنيفة رحمه الله: إن الوضوء من الوضاءة وهو النظافة، فماذا يقول في التيمم وهو من تعفير الوجه بالتراب؟ هو إذاً أمر تعبدي، وقد يقال: إنه سد فراغ، وإشباع للروح والتطلع؛ لأن الماء يتطهر به للصلاة، فإذا لم يجد الماء ولم يكن للماء بديلاً كان في النفس شيء، فلما أعطي التراب تيمماً بدلاً من الوضوء، كأنه أعطي بديلاً عن مفقود، والبديل عن المفقود تطمئن إليه النفس وتستريح، فالمجال ليس مجال قياس.

    إذاً: بقيت النصوص التي تذكر تارة ضربة واحدة وإلى الكفين، وتارة ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وأحسن ما قيل في ذلك هو ما قاله مالك رحمه الله: أنه من حيث الإجزاء تجزئ ضربة واحدة، ويجزئ الاقتصار على الكفين، ومن حيث الكمال والأوفى والأتم والأحسن في التيمم ضربتان وإلى المرفقين.

    إذاً: أقل ما يجزئ في التيمم ضربة واحدة، والاقتصار على الكفين، وأكمل التيمم ضربتان، وليس ثلاثاً كالوضوء، وأن يبلغ بالمسح المرفقين.

    1.   

    الأسلوب البلاغي في حديث عمار

    بقي جانب الأسلوب البلاغي، وهو ما ينبغي على طالب العلم أن يمعن النظر فيه، ولنأت مرة أخرى إلى حديث عمار .. تصور كأنك تشاهد المنظر.. رجل أجنب في الخلاء، وهو لا يعلم حكم التيمم، فأتى بأقصى ما يمكن للعقل أن يتصوره، وهو أن يتمرغ في التراب من شعره إلى ظفره، فعل أقصى ما يمكن أن يفعله إنسان في العقل، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد النبي من عمار مبالغة وزيادة على الواجب، ولو بالغ إلى المنكب فقط فقد يقال: ما زال في حدود اليد، ولكن جسمه كله! فيكون صلى الله عليه وسلم قابل المبالغة من عمار والزيادة الكثيرة عن المطلوب بأقل ما يجزئ، وقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، فضرب الأرض ضربة واحدة في مقابل تمرغه في الصعيد، ويكون ذلك مقابلة للمبالغة في الزيادة عن المطلوب بمبالغة في أقل ما يجزئ.

    أما في الأمر العادي فليس هناك صورة بلاغية، كحديث ابن عمر فإنه جاء على الأمر العادي، والتشريع ابتدائي، فيكون التيمم على أوفى ما يكون وأكمل أن يكون ضربتين، وعلى هذا كما قال مالك رحمه الله: أقل ما يجزئ ضربة واحدة وإلى الكفين، والشافعي يقول: لا يجزئ إلا ضربتان وأن يبلغ بالمسح إلى مرفقيه.

    إذاً: القضية في الكيفية دائرة بين ضربة وضربتين، وبين الاجتزاء بالكفين أو البلوغ إلى المرفقين.

    ومما يتعجب منه أننا نجد بعض المشايخ عند الشافعية يمسح على اليدين في التيمم بشكل هندسي، يقول: ضرب أولاً ومسح بها وجهه، ثم ضرب الثانية ومسح الشمال على اليمين، فيبدأ ببطن كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى، أي: ببطن أصابع اليد اليسرى على ظهور أصابع اليد اليمنى، ثم يمر بأصابع يده اليسرى حتى يأتي إلى المرفق، ثم ينقلب ببطن الكف اليسرى على بطن اليد اليمنى، ويصعد بها إلى أن يلتقي الكف بالكف، ويمسح الإبهام بالإبهام، والأصابع بالأصابع، ثم يعود إلى اليسرى فيفعل بها مثلما فعل باليمنى؛ لأنهم يقولون: الجزء الذي يمسح به اليد اليمنى باليسرى يجب أن يكون موزعاً بين ظاهر اليد وبين باطنها، ولا يمسح هنا ثم يرجع ويمسح هناك؛ لأنه سيصير كأنه استعمل المستعمل، ولم يبقِ للبطن مما كان يمسح به ظاهر اليد، وهكذا حتى يأتي إلى المرفق، ثم يبدأ مرة أخرى باليمنى على اليسرى.

    ونخلص من هذا كله: بأن من اقتصر على ضربة واحدة للوجه والكفين فلا نعيب عليه، ومن زاد وأخذ ضربتين واحدة للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين فلا نعيب عليه، وكلاهما فيه سنة، وكلاهما قال به أئمتنا رحمهم الله، والله تعالى أعلم.