إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب [2]

كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي للمسلم معرفة الأحكام التي لها تعلق بحياته سواء منها اليومية أو الموسمية، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بيوم الجمعة: كحكم الغسل يوم الجمعة، وحكم الأذان الأول لها، وغير ذلك.

    1.   

    أحكام غسل يوم الجمعة

    باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

    فقد وصلنا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم).

    نجد الظاهرية يقولون: الغسل لليوم، واليوم: من الفجر إلى غروب الشمس؛ لأن اعتبار اليوم في الصوم من الفجر إلى غروب الشمس، وقيل: الغسل لصلاة الجمعة، فلا يشرع بعد انقضائها.

    ولكن إذا نظرنا إلى مشروعية الغسل يوم الجمعة من بين بقية الأيام؛ نجد أن العلة المناسبة للغسل في هذا اليوم إنما هي لاجتماع الناس، وقد سماه الرسول: يوم عيد، أما لو كان للنظافة ونحو ذلك فأيام الأسبوع كلها تستوي في ذلك.

    إذاً: في هذا الحديث حث للمسلمين على الاغتسال في يوم الجمعة.

    ثم نأتي إلى التحديد؛ قال: (غسل يوم ..)، فأضاف اليوم إلى الجمعة، ومن هنا أخذ الجمهور أن علة الغسل هي الاجتماع للجمعة.

    أقوال العلماء في وقت الغسل للجمعة

    ومن مباحث هذا الغسل: متى يكون وقته؟

    فنجد مالكاً رحمه الله يستحب أن يكون في أول لحظة يذهب فيها المصلي إلى المسجد، وأن يذهب إلى الجمعة بطهارة هذا الغسل.

    والجمهور يقولون: كلمة (يوم) يبدأ من طلوع الفجر، فلو اغتسل بعد طلوع الفجر وقصد به الغسل ليوم الجمعة أجزأه.

    ولكن إذا جئنا إلى الغرض كما بينته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، نجد أن قول مالك هو أنسب الأقوال؛ لملاحظة الوصف المناسب لترتب الحكم عليه.

    والغسل عند الجمهور -الأئمة الأربعة وغيرهم- إنما هو من أجل حضور الجمعة، فإذا فاتت الجمعة أصبح الغسل ليس ليوم الجمعة؛ ولكن غسلاً عادياً كما لو اغتسل من الحر أو من غيره.

    حكم الاغتسال للجمعة

    قوله: (واجب ..)، الواجب هو: اللازم، فوجوب الغسل هنا مقيد على كل محتلم -أي بالغ-.

    ونظير ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بدرع وخمار)، وهل الحائض وقت الحيض تصلي؟

    لا تصلي، ولا تصح صلاتها، ولكن قوله: (حائض) أي: بلغت سن الحيض؛ لأنها أصبحت بالغة مكلفة، وعلامة بلوغها: أن يأتيها الحيض، وهنا كذلك: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) يعني: على كل من بلغ سن الحلم.

    نص الحديث يدل على أن غسل يوم الجمعة واجب، فهل يوجد صارف يصرف هذا الوجوب إلى الندب؟

    نجد المؤلف رحمه الله تعالى يسعفنا حالاً، ويأتي بحديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ..)، هل توضأ لصلاة الصبح أو لصلاة العصر؟ لو استثنينا الجمعة سيتوضأ أربع مرات، إذاً: من توضأ يوم الجمعة للجمعة، وهذا يؤيد ما ذكرناه: من أن الغسل للجمعة هو من أجل الجمعة.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت) لا مانع، أجزأه (ومن اغتسل فالغسل أفضل).

    إذاً: كون الغسل يوصف بالأفضلية يخرجه عن حد الوجوب، لكن قالوا: ماذا يمنع أن يكون واجباً وأفضل؟ لكن مقدمة الحديث: (من توضأ فبها ونعمت ..)، ونعم: من أفعال المدح، وبئس: من أفعال الذم، فالحديث امتدح من توضأ يوم الجمعة، ولكن أرشد إلى ما هو الأفضل، ومن هنا اختلف العلماء في حكم الغسل للجمعة لكل محتلم:

    أما الظاهرية فإنهم على وجوب الغسل على كل محتلم يوم الجمعة، ويجزئ عندهم الغسل ولو بعد العصر؛ لأنه يصح وينطبق عليه أنه اغتسل يوم الجمعة، فهم يرونه واجباً على الإنسان لليوم.

    أما الجمهور فقد اتفقوا على أن الغسل يوم الجمعة للجمعة ليس بواجب، والذي صرف حديث الوجوب عن وجوبه حديث: (فبها ونعمت ..).

    وإذا كان الأمر كذلك، فإن القضية قد جرى فيها الخلاف والنزاع، وجاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ما يحل هذا النزاع، وهو أن الغسل في بادئ الأمر كان واجباً، وإنما رخص في تركه فيما بعد.

    إذاً: الغسل ليوم الجمعة أخذ مرحلتين:

    المرحلة الأولى: مرحلة الإيجاب لزوماً.

    المرحلة الثانية: مرحلة الندب تفضيلاً.

    قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: كان المسلمون عملة أنفسهم، وكان المسجد ضيقاً، ويأتي الحر، ويأتي الناس من العالية يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذهم العرق، فتظهر منهم روائح يؤذي بعضهم بعضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو اغتسلتم لهذا اليوم)، ثم جزم فقال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، فلما وسع الله على المسلمين - هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها - وكفوا مئونة العمل بما أتاهم من العلوج من الأسارى، وتوسع المسجد، صار الغسل مندوباً، ورخص في تركه صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الأمر بالغسل كان في بادئ الأمر واجباً لعلة، ولما زالت العلة تحول الوجوب إلى الندب، هذا قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.

    والذين يقولون ببقاء الوجوب يقولون: هذا اجتهاد منها، وهذا ربط للواجب بعلة ما ندري هل هي صحيحة أم لا؟

    أدلة الجمهور على نسخ حديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)

    ومما أرده الجمهور كدليل على النسخ وبقاء الندب:

    ما يرويه مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يخطب للجمعة، فدخل رجل، والرواية الأخرى تسميه: عثمان بن عفان، فقطع عمر الخطبة وقال: (أية ساعة هذه؟) ما الذي أخرك إلى هذا الوقت حتى جئت أثناء الخطبة؟ فقال: (يا أمير المؤمنين! انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت)، يعني: ليس واجباً علي أن آتي قبل أن ينادى لها، وإلى هنا احتجاج على ظاهره، فما أن سمع عمر رضي الله تعالى عنه قوله: إلا أن توضأت وجئت؛ قال: (والوضوء ؟!) يعني: تأخرت واكتفيت بالوضوء ولم تغتسل، (وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل).

    وهذا بعض من يقول بالوجوب يحتج به، ومن يقول بالندب يحتج به أيضاً.

    فالذين قالوا بالوجوب قالوا: لولا أن غسل يوم الجمعة واجب ما أباح عمر لنفسه أن يعاتب مثل عثمان على تركه.

    وأجاب الآخرون فقالوا: أترون عمر يترك عثمان يجلس للصلاة مع تركه لواجب ولا يأمره بالذهاب للاغتسال؟

    وقبل ذلك: أترون عثمان يترك واجباً عليه، ويأتي بالوضوء ويترك الغسل؟ ثم مجموع الصحابة الحاضرين يسمعون من الطرفين، فهل عابوا على عثمان، وقالوا له: ارجع فاغتسل.

    إذاً: عمر أقر عثمان على ترك الغسل، وعثمان جاء بغير اغتسال، والحاضرون من الصحابة أقروا عثمان على مجيئه بغير اغتسال، ولا يمكن لـعثمان ولا لـعمر ولا للحاضرين أن يقروا إنساناً عادياً على ترك واجب يتوقف عليه أمر الجمعة.

    إذاً: اعتبر كإجماع من الحاضرين على إقرار ما كان من عثمان رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    الأذان الأول للجمعة

    وتتمة لهذه القضية: لما تأخر عثمان واعتذر وقال: سمعت النداء فتوضأت وجئت، وكان مكانه وراء الزوراء، فتوضأ وجاء، ففاته جزء من الخطبة، ولما آلت إليه الخلافة أنشأ أذاناً جديداً قبل الوقت، وجعل المؤذن في السوق على الزوراء، وأين كانت الزوراء؟ الذين عاصروا المدينة قبل هذه التوسعة التي استوعبت المدينة بكاملها يعرفون الباب المصري، ويعرفون مسجد فاطمة الزهراء، وهذا محرف عن الزوراء، وقد اطلعت على صك في المحكمة للأشراف يحدد طريق الزوراء، ويحدد وقف الأشراف، وكان موجوداً داخل السور هناك.

    إذاً: الزوراء كانت خارج سور المدينة وراء الباب المصري إلى جهة سوق القفاصين، إلى تلك الجهة، أي: في الشمال الغربي عن المسجد.

    فعلى هذا: عثمان أوجد أذاناً قبل أذان الوقت الذي تصح فيه الصلاة في السوق؛ لينبه أصحاب السوق إلى أن الوقت قد دنا وقرب، ليرجعوا إلى بيوتهم ليغتسل المغتسل، ويتأهب المتأهب، فيصل إلى المسجد قبل أن يؤذن للوقت وقبل أن يشرع الإمام في الخطبة، وكانت هذه سنة سنها عثمان رضي الله تعالى عنه.

    والشيء بالشيء يذكر: الأذان الأول الذي أوجده عثمان رضي الله تعالى عنه كان ينادى به على المنائر، وكان الأذان الذي هو للوقت حينما يصعد الإمام المنبر، وهذا الأذان الذي هو للوقت تبتدأ بعده الخطبة.

    وقد تعبت في البحث عن الوقت بين الأذان الأول والثاني للجمعة، وأنسب ما يقال في ذلك: إنه يكون بما يكفي من كان في السوق أن ينقلب إلى بيته ويأتي إلى المسجد، لكن تحديده بالساعات والدقائق لم أقف عليه.

    حكم الصلاة بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة

    مسألة: من كان جالساً في المسجد ثم يقوم ويصلي ركعتين بين الأذان الأول والثاني الذي تصح فيه الصلاة، هل هذا مشروع؟

    هذه المسألة مستجدة، وقد سئل ابن القيم عن ذلك، فقال كلمة أود ألا يستعملها طالب علم: من ظن أنها سنة فهو أجهل من حمار أهله، وسئل عنها ابن تيمية رحمه الله -وهو شيخه- فكتب فيها رسالة وهي موجودة ضمن المجموع، وكان جواب ابن تيمية رحمه الله جواب داعية، وأنا أقول: إن في هذه الرسالة فلسفة الدعوة، وحكمة الداعي؛ فقال رحمه الله: ليعلم كل إنسان أن تلك الصلاة لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عهد أبي بكر ولا عمر ، ولكنها وجدت في عهد عثمان؛ لأن عثمان هو أول من أنشأ هذا الأذان، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أذان واحد عند دخول الوقت، وكان بلال عندما يذهب يسوي الصفوف يقول للرسول صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة: لا تسبقني بآمين، وكان في يوم الجمعة يفرغ من الأذان على سطح المسجد أو البيت المقارب له، ويشرع الإمام في الخطبة، وجاء في صحيح البخاري في باب: رجم المرأة، أن عمر لما جلس على المنبر وفرغ المؤذن من الأذان قام يخطب.

    إذاً: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر وعمر كان أذاناً واحداً، وحينما يفرغ المؤذن وقبل أن ينزل من السطح يشرع الخطيب في الخطبة، فما كان هناك وقت يمكن لإنسان أن يصلي فيه، وإنما وجد الوقت حينما جاء عثمان رضي الله تعالى عنه وأوجد الأذان الأول، وأصبح هناك أذانان.

    فـابن تيمية رحمه الله تعالى ورضوان الله تعالى عليه، وجزاه الله أحسن الجزاء في هذه الحكمة في الدعوة قال: ينبغي لطالب العلم وقد علم ذلك ألا يفعلها في نفسه، وإذا رأى من يفعلها فماذا يكون الحال؟ لينظر: إن كان ممن يظن فيه قبول النصيحة بين له، وإن كان يخشى إن هو بين له أن يجفوه ويتهمه بمحاربة السنة أو الصلاة فالترك أولى، وليلتمس له عذراً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، والأذان الأول الذي شرعه عثمان دخل في حيز المشروعية؛ لأنه مشروع من خليفة راشد، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، فما أوجده عثمان رضي الله تعالى عنه أصبح مشروعاً لأنه سنة خليفة راشد.

    يهمنا في هذا التوجيه الكريم: أخذ العذر لمن يصلي في ذلك الوقت.

    حكم الأذان الأول يوم الجمعة

    يقول بعض العلماء: إن عثمان لم يأت بجديد، ولكن كرر صورة أصلها ثابت عن رسول الله، وذلك ما وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجود أذانين للصبح، وقوله: (إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)، فكان بلال يؤذن قبل الوقت، وبين صلى الله عليه وسلم علة ذلك: (ليرجع القائم، ويتسحر الصائم)، فعندما يسمع أذان بلال يعلم أن الوقت قد قرب؛ ولذا ينص الفقهاء على أن من أحيا تلك السنة، وجعل مؤذنين للفجر، فيجب ألا يتغايرا ولا يتبادلا، بل يكون الذي يؤذن أولاً شخصاً معروفاً، وصوته معروف؛ حتى إذا سمعه الناس عرفوا أنه الأذان الأول الذي لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام، وإذا جاء الأذان الثاني فهو الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم.

    فقالوا: إن عثمان رضي الله تعالى عنه وجد السنة النبوية أوجدت أذاناً قبل وقت الفجر لعلة؛ وهي: أن يرجع القائم؛ أي: الذي يقوم الليل إذا أراد أن يجدد طهارة، وإذا أراد أن يصوم يتسحر، فلما وجد الناس اشتغلوا في أسواقهم حتى وألهتهم عن الوقت، ولو انتظر الإنسان حتى ينادى للجمعة ربما فاتته نصف الخطبة أو الخطبة كلها؛ والله سبحانه يقول: إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا.. [الجمعة:9] فـعثمان عمل بهذا؛ كما في قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو أن إنساناً كان منزله بعيداً عن مسجد الجمعة ولو أنه تأخر حتى يسمع النداء ثم توجه، تفوته الصلاة، فيتعين عليه وجوباً أن يسعى إليها قبل أن ينادى لها، فلو أن إنساناً في العالية أو قباء- وكانوا يأتون إلى الجمعة هنا- جلس هناك حتى سمع الأذان، ثم أخذ يتوضأ ومشى على قدميه إلى أن يأتي، فهل يدرك الجمعة؟

    لا يدركها، إذاً: يتعين على من حاله كذلك أن يسعى إليها قبل وقت النداء إليها بما يكفيه أن يصل إلى المسجد، فلا ينادى إليها إلا وهو موجود فيه.

    ونرجع إلى موضوع الغسل ليوم الجمعة، وقد وجدنا فيه حديثين:

    الحديث الأول: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، والحديث الثاني: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) فبعضهم يقول: الأول نسخ بالثاني، نقول: لا، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: كان الغسل واجباً عليهم مراعاة لظروف حياتهم، فلما تغيرت الظروف تغيرت الفتوى، وتغير الحكم، فأصبح الغسل مندوباً إليه، ومن تركه صحت جمعته، كما استدلوا بقضية عثمان رضي الله تعالى عنه مع أمير المؤمنين عمر بحضرة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الوضوء لمن حمل ميتاً والغسل لمن غسله

    وأما حكم الوضوء لمن حمل ميتاً والغسل لمن غسله فجمهور العلماء على أن ذلك ليس بواجب عليه، وإنما هو مندوب إليه، وقالوا: حديث متكلم فيه: (من حمل ميتاً فليتوضأ، ومن غسله فليغتسل) متكلم فيه، وجاءت آثار عن السلف رضوان الله تعالى عليهم أنهم حنطوا موتى ولم يغتسلوا، ومن أشهر ذلك: ما جاء في موطأ مالك رحمه الله: أن أسماء زوج الصديق رضي الله تعالى عنهما يوم أن توفي رضي الله تعالى عنه هي التي تولت غسله، ثم خرجت على الناس وقالت: أيها الناس! لقد غسلت أبا بكر وأنا اليوم صائمة، وهذا اليوم شديد البرد، فهل تجدون علي من غسل؟

    إذاً: عندها خبر عن تغسيل الميت والغسل، وهذه قضية متداولة، لكنها لم تتأكد من الإيجاب على أن من غسل ميتاً يغتسل، فكلهم أجابوها: لا نرى وجوباً عليك.

    وقد عدد ابن عبد البر في الاستذكار آثاراً منها: (من غسل ميتاً فأصابه منه شيء فليغتسل، ومن غسل ميتاً فلم يصبه منه شيء فلا شيء عليه).

    وهكذا يستحب الوضوء لمن حمل ميتاً، لا لحمل الميت لأن الميت -أصلاً- طاهر، وهو لم يباشره، إنما يباشر خشب النعش وقالوا عن علة ذلك: ليكون على استعداد للصلاة عليه عندما توضع الجنازة، لكن إذا جاء وهو بغير وضوء ووقف الناس يصلون فهو يقف منعزلاً عنهم، وإن ذهب وتوضأ فقد تفوته الصلاة.

    إذاً: قوله: (من حمل ميتاً ..) أي: من أراد أن يحمل ميتاً فليتوضأ ليكون على استعداد للصلاة على الميت حينما يصلي عليه المصلون.

    وذكروا عن عبد الله بن عمر أنه حنط طفلاً له؛ أي: غسله وكفنه، ودخل المسجد وصلى عليه، ولم يغتسل ولم يتوضأ، وكذلك سعيد بن العاص حنط فلاناً ولم يغتسل، بل ولم يتوضأ وصلى، فذكروا آثاراً عديدة تدل على أن الوضوء لحمل الميت، أو الغسل من تغسيله، إنما هو على سبيل الندب والتهيؤ للصلاة عليه مع المصلين، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الاغتسال لمن احتجم

    أما الحجامة: فلم يأت نص صحيح صريح في الغسل منها، وإنما جاءت النصوص بأنه غسل الدم، وجاءت النصوص بأنه احتجم وهو صائم، وجاءت النصوص بأنه توضأ، وقيل: الوضوء بمعنى الغسل، وقيل: لا ندري هل كان متوضأ قبل أن يحتجم أم لا؟ وهل كان وضوءه للحجامة؟ لم يأت من قوله عليه الصلاة والسلام نص قولي بأن من احتجم يغتسل، إنما اغتسل صلى الله عليه وسلم بعد الحجامة، فهل كان ذلك عن الحجامة أم لأمر غير ذلك؟

    جاء عن بعض السلف أنه غسل ميتاً فاغتسل، فقال: لا تظنوا أني اغتسلت لأني غسلت الميت، بل اغتسلت للحر.

    فهذه نصوص ترجح رأي الجمهور بأن من غسل ميتاً ليس بواجب عليه أن يغتسل كغسل الجنابة الذي جاء في هذا الحديث.

    وعلى هذا: يأخذ العلماء أن دلالة الاقتران ليست قوية، ولا تؤدي إلى الوجوب أو المساواة؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها جمعت بين الغسل للجمعة وللجنابة وللحجامة ولتغسيل الميت، فكلها قرنتها في سياق واحد، فهل الاقتران يدل على أن حكمها واحد؟ نجد الفرق بين الغسل للجنابة، والغسل للجمعة، والغسل للحجامة، والغسل للميت، فليس هناك غسل متفق على وجوبه إلا غسل الجنابة، وتقدم التنبيه على تلك الأنواع الأخرى المذكورة في الحديث، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (كان يقرئنا القرآن مالم يكن جنباً)

    قال رحمه الله: [وعن علي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) رواه الخمسة، وهذا لفظ الترمذي وصححه، وحسنه ابن حبان.]

    هذا الحديث يكثر السؤال عنه، وخاصة ممن يحفظن القرآن من النساء عندما تطرأ عليهن الدورة الشهرية؛ لأن الحيض والجنابة لهما نفس الحكم، فالجنب ممنوع من الصلاة، وممنوع من المكث في المسجد، وقد قرنهما صلى الله عليه وسلم في قوله: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، وساوى بينهما، وقد ذكرنا أن دلالة الاقتران لا تستوجب المساواة في الحكم، ولكن النصوص الأخرى تدل على أن الحائض تمنع من المكث في المسجد لا مجرد العبور.

    وهنا قال علي رضي الله تعالى عنه : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) .

    علي رضي الله تعالى عنه يحكي لنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرئنا ..) أي: يقرأ علينا ونسمع منه القرآن، ما لم يكن جنباً، إذاً: ما لم يكن جنباً يقرئنا، وإذا كان جنباً فلا يقرئنا. وقد يكون هذا حكاية فعل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقل علي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه توضأ وقرأ القرآن، ثم قال: هكذا من أراد أن يقرأ القرآن، أما إذا كان جنباً فلا ولا حرفاً) وكلمة: (ولا حرفاً) الحرف: يطلق على الجملة، وعلى الآية، وعلى الكلام الكثير من القرآن، يقول صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف)، أي: على هيئة من القراءة، ومثال حرف واحد في عرف هذا الحديث : ن وَالْقَلَمِ [القلم:1] ص وَالْقُرْآنِ [ص:1]، فلو قرأ حرفاً يقصد به التلاوة فهو آثم، ولكن إذا قرأ أو ذكر على لسانه لفظاً من القرآن كدعاء كقوله: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا. على أنه يدعو ويسأل الله، ولا يريد به تلاوة؛ فلا شيء عليه لأنه يعتبر ذكر، والجنب والحائض كل منهما يذكر الله بغير القرآن.

    وفي قصة أسماء لما حاضت عند أبيار علي، وسأل أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (مرها فلتغتسل وتفعل كل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر). والحاج يلبي، ويحمد الله، ويسبح، ويدعو، ويأتي إلى عرفات، ويذكر الله هناك وعند المشعر الحرام، ويرمي الجمرات.

    إذاً: الحاج له أذكار في مواطن متعينة، فالحائض تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت حتى تطهر.

    واتفقوا على أنها إن كانت طاهرة وطافت بالبيت وذهبت لتسعى، ثم على الصفا لأول وهلة فاجأتها الحيضة؛ فإنها تكمل سعيها عند الأئمة الثلاثة، ومالك يستحب أن يكون الساعي على طهارة، لكنهم أجمعوا على أنها لو سعت وهي حائض بعد أن طافت وهي طاهر فسعيها صحيح، وهي في سعيها تذكر الله.

    إذاً: الحائض لها حكم الجنب في هذا الأمر.

    أقوال العلماء في حكم قراءة الحائض والجنب للقرآن

    ما موقف العلماء من ذلك:

    أما الجنب فمتفق عليه، وأما الحائض فالأئمة الأربعة -عدا مالك- منعوها من قراءة القرآن، ومالك يقول: المنع للجنب باتفاق؛ لأن وقت الجنابة محدود، واغتسال الجنب في يده؛ وبإمكانه رفعه في أي وقت أحب، بخلاف الحائض: (حيضتك ليس في يدك) فأمرها ليس إليها حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ.. [البقرة:222].

    إذاً: مدة الحيض للحائض طويلة، فـمالك ينقل عنه أنها إذا كانت تحفظ من كتاب الله، ولها ورد يومي حتى لا تنساه؛ فلها أن تقرأ وردها ولو كانت في حيضتها؛ لأنه تعارض النهي عن قراءتها والنهي عن نسيان القرآن.

    والجمهور يقولون: لا.

    حكم مس القرآن للحائض

    الفتاة في المدرسة إذا كان عندها حصة قرآن، وكانت حائضاً، فهل لها أن تعتذر وألا تسمِّع ما عليها من حفظ؟

    أقول: لو فتح هذا الباب لاعتذر به أكثر الفتيات، ولهذا فلا بأس بأن تسمع الفتيات في المدرسة القرآن، لكن دون أن تمس المصحف، ولا بأس بأن تكون معها إحدى زميلاتها غير حائضة وتمسك لها المصحف، أو أن يُفتح لها وتنظر إليه بعينها دون أن تلمسه. وهي لا تقرأ ولا تمس المصحف، ولكن تنظر وتتابع، لكن الفتاة ماذا تفعل؟ إن قلنا: تعتذر وتسمِّع ما وجب عليها في الحصة الأولى أو في الحصة الثانية حينما يرتفع العذر، فهذه يمكن نعالجها.

    ولكن إذا صادف وقت حيضتها يوم اختبارها، وجاء اختبار القرآن وهي حائض، فلو اعتذرت ضيعت على نفسها سنة واعتبرت راسبة، وهي حافظة! فماذا تفعل؟

    الله تعالى أعلم قبل كل شيء، ولكن لو نظرنا إلى الضروريات، وأن مالكاً يرى أن التي تخشى النسيان لها أن تقرأ، وأيهما أشد عذراً. التي تخشى من النسيان مع أنها يمكن أن تتدارك ذلك في طهرها، فبدل أن تكرر وردها مرة تكرره عشراً، أم هذه التي ستقدم على الاختبار؟ هذه الأمور أعتقد لو اعتبرناها فيمكن القول بالسماح لها بأن تقرأ من حفظها دون أن تمس المصحف، فتقرأ موضع السؤال فحسب ولا تزد على ذلك، وقد وجدنا إمام دار الهجرة يجيز لها ذلك لعذر أقل من هذا، وأعتقد لو قيل بهذا لكان حلاً عملياً، ويرفع الحرج عن الناس، والله تعالى أعلم.