إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب قضاء الحاجة [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ديننا الإسلامي الحنيف دعا إلى النظافة والطهارة، وجعل لذلك آداباً يلتزم المؤمن بها، منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، ومن ذلك: الاستنـزاه من البول، وتنقية المكان من نجاسة البول والغائط، والجمع بين الحجارة والماء لأجل طهارة المحل ونظافته، ولا يعني ذلك أن يبالغ العبد حتى يصل إلى الوسوسة والشك، فإن هذا مذموم في الشرع، ومنهي عنه.

    1.   

    وجوب التنزه من البول

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدارقطني ].

    الاستنزاه من البول ومن جميع النجاسات واجب سواء كان للصلاة أو غيرها، والبعض يقول: الوجوب فيه من أجل الطهارة للصلاة، والجمهور على أن الواجب الاستنزاه من القذارات ولو لم تكن نجسة، ثم يجب التجنب لكل النجاسات قال تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] كما قيل في بعض أوجه التفسير في هذا اللفظ الكريم.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا) أخذ منه العلماء أن البول نجس ينبغي التنزه عنه، وكيف يكون التنزه من البول؟

    قالوا: بعدم مخالطته.

    وفي بعض الروايات: (استبرئوا من البول) كما في حديث عذاب القبر لرجلين، الذي جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ ثم قال: بلى إنه لكبير! أما أحدهما فكان لا يستتر -وفي رواية: فكان لا يستنزه، وفي رواية: فكان لا يستبرئ- من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس).، وهذا الحديث أطال الشوكاني في شرحه في نيل الأوطار.

    : (استتروا من البول أو استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).

    (عامة) من ألفاظ العموم، وبعضهم يقول: فإن عذاب القبر منه، وقالوا: مناسبة عذاب القبر من البول ليس في ذاته، فإنه لم يترتب العذاب على عدم التنزه من البول أو الاستبراء من البول، ولكن لأنه يؤدي الصلاة وهو على تلك الحالة، والصلاة يشترط فيها طهارة البدن والثوب والمكان، فهو حينئذ إذا لم يستنزه من البول وصلى سيكون فاقد شرط صحة الصلاة، فتكون الصلاة باطلة، ومن بطلت صلاته كان هذا مصيره، وسيأتي زيادة الإيضاح لذلك بعد الحديث الآتي إن شاء الله.

    الأدلة الواردة في إثبات عذاب القبر

    وهنا موضوع أساسي، وإن كان ليس من آداب قضاء الحاجة، ولكنه من لازم هذا الحديث، ألا وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن عامة عذاب القبر منه) فهذا الحديث نص صريح في وجود عذاب القبر، وهناك من أنكر ذلك كالمعتزلة ومن نحا نحوهم، ولكن الجمهور يثبتون عذاب القبر لنصوص متعددة منها هذا الحديث، ومنها قول المرأة اليهودية التي كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها وأكرمتها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: : (إن فلانة اليهودية قالت لي كذا، أيعذب الناس في قبورهم؟ قال: بلى يا عائشة) .

    وكذلك الحديث الذي جاء في البكاء على الميت: (إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه) هذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعائشة رضي الله تعالى عنها لما سمعت ذلك قالت: (رحم الله أبا عبد الرحمن ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يهودية ماتت، وهم يبكون عليها: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) أي: لكونها يهودية.

    ومهما يكن من شيء فقد ثبت عذاب القبر كما ثبت نعيمه، وذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (القبر إما حفرة من حفر النار وإما روضة من رياض الجنة، وإذا أسند العبد في قبره -أي: بعد السؤال- فالمؤمن أول ما يفتح له باب من النار، ويقال له: كان هذا مقعدك لو لم تكن مؤمناً، ثم يسد عنه ويفتح له باب من الجنة، ويقال له: ذاك مقعدك يوم القيامة، فالكافر يقول: رب! لا تقم الساعة. والمؤمن يقول: يا رب! أقم الساعة.. أقم الساعة) .

    وسمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: من العلماء من استدل على عذاب القبر من كتاب الله في حق آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا يعني: قبل أن تقوم الساعة غُدُوًّا وَعَشِيًّا أي: صباحاً ومساءً، إذاً: هذا استنتاج من كتاب الله يثبت وجود عذاب القبر لأصحابه غدواً وعشياً، ثم يكون لهم يوم القيامة شيئاً آخر.

    عذاب البرزخ ونعيمه وتعلقه بالبدن أو الروح

    وهنا بحث طويل -بالنتيجة فيه والله تعالى أعلم- وهو: هل عذاب القبر للجسم وقد فني وصار تراباً أم أنه للروح، أو للروح مع الجسم؟

    ليس هناك نتيجة قطعية، لأن عالم البرزخ عالم غيب، ولا يستطيع عقل البشر أن يتصور حقيقة عالم البرزخ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم من الأخبار الأمر العجيب، جاء في حق نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر عليه وهو قائم في قبره يصلي، ثم لما وصل بيت المقدس فإذا هو مع الأنبياء في استقباله، ثم لما عرج به صلى الله عليه وسلم فإذا به في السماء السادسة، فإذاً موضوع البرزخ أمر لا يعلم حقيقته إلا الله.

    وجاء في حق الشهداء: أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] وأجسامهم في الأرض مدفونة، وقدمنا ما ثبت في حق شهداء أحد لما دفنوا في أرض المعركة على ما هو الأصل والسنة في ذلك: أن شهداء المعركة يدفنون في موطن مصرعهم ولا ينقلون، ولكن جاء سيل وجرف بعض القبور من شهداء أحد، منهم سيد الشهداء عم الرسول صلى الله عليه وسلم حمزة ؛ فنقلوه من مجرى السيل إلى الربوة المرتفعة التي هو فيها الآن، يقول مالك : لما جرف السيل الأرض عن قبورهم وجدوا أجسادهم طرية كأنهم دفنوا بالأمس، وذلك بعد أربعين سنة من دفنهم، فهذه حالة لا يمكن للإنسان أن يتصورها بعقله.

    وذكرت لكم القصة التي ذكرها لي بعض أعضاء الهيئة الذين كانوا في منطقة أحد، قالوا: توفيت لنا طفلة، فتباطأنا أن نذهب بها إلى البقيع، وقلنا: ندفنها هنا في مقبرة الشهداء، فذهب أبوها ليحفر لها في مقبرة الشهداء، فما لبث أن واجهه الدم في وجهه، فألقى بالمسحاة وتحسس، فإذا المسحاة قد مست فخذ رجل، وتطاير منه الدم على وجهه، نحن إذا قلنا: إنهم أحياء وهم في هذا التراب مقبورين، كيف نتصور حياة لهؤلاء؟ بماذا يتغذون؟ وكيف يتنفسون؟

    لكن هم أحياء عند ربهم يرزقون، كيف يرزقهم؟

    هذا شيء لا دخل لنا فيه، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في الوصال في الصوم أنه قال: (لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين) وقالوا: لو كان يطعمه ويسقيه كما نطعم نحن ونشرب لم يكن هذا صياماً، ولكن (عند ربي) والله سبحانه وتعالى أعلم بكيفية إطعامه وسقيه وهو في الحياة بين أظهرنا، فكيف يكون الحال في موضوع القبر؟!

    تحقيق الخلاف في طهارة أبوال وأرواث مأكول اللحم

    الرسول صلى الله عليه وسلم ينص هنا ويأمرنا ويرشدنا: (استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه) والحديث الآخر: (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول -واللفظ الآخر: من بوله-) فأخذ بعض العلماء كلمة: (من البول) على عمومها، وجعل كل بول من كل حيوان يجب أن نستنزه منه، والبعض أخذ هذا العام وخصصه بالخاص وهو لفظ (بوله) أي: بول الإنسان.

    ثم قسموا بول الحيوان إلى قسمين: ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، فما لا يؤكل لحمه فبوله نجس عند الجميع، وما يؤكل لحمه فبوله طاهر عند مالك وعند أحمد ، وقالالشافعي وأبو حنيفة : بوله أيضاً نجس كعامة الأبوال.

    والذين قالوا بطهارة بول مأكول اللحم قالوا بأنه جاءت نصوص تؤيد هذا، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء العرنيون واجتووا المدينة ومرضوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا مع رعاة إبل الصدقة، فيكونوا معهم في البادية، وليشربوا من ألبان الإبل ويغتسلوا من أبوالها، وكذلك الأمر (صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل) وإذا صلوا في مرابض الغنم، وفيها أبوالها وأبعرتها، فيكون قد صلى في موطن فيه بول مأكول اللحم، فإذاً: أبوالها طاهرة.

    والشافعي -كما أشرنا- يعتمد على عموم الأمر بالتنزه من البول على أن (ال) للاستغراق فهي تستغرق جميع البول.

    وبعض العلماء يقول: (ال) هنا للعهد، أي: عهد الإنسان المخاطب، وهذا لعله الأرجح، والله تعالى أعلم.

    وجوب ارتياد المكان الصالح للبول

    وهناك أدب من آداب التخلي يساعد على الاستنزاه من البول، وهو ارتياد مكان البول، فمثلاً يقولون: من المواطن التي نهي عن البول فيها تحت الشجر المثمر، أو في ظل الناس، وموارد المياه، فهذه الأماكن نهى صلى الله عليه وسلم أن يقضي الإنسان حاجته فيها؛ لما فيه من مضرة للناس، وكذلك قارعة الطريق للحديث: (اتقوا الملاعن الثلاث) إلخ.

    ويقولون أيضاً: مما نهي عن البول فيه لحكم عديدة الجحر، فإذا وجدت جحراً في الأرض فلا تبل فيه؛ لأنه جاء في تفسير بعض الروايات أنها مساكن الجن، أو مأوى الحشرات، فإذا كان الجحر فيه ثعبان أو حشرة مؤذية وأحست ببول الإنسان فإنها تبادر بالخروج، وحينئذ يفزع منه، وربما أصابه من بوله في حالة الفزع.

    كذلك المكان الصلب، لا ينبغي للإنسان أن يبول فيه؛ لأن الأرض الصلبة ترد رذاذ البول على الإنسان، بل ينبغي أن يرتاد لبوله مكاناً رخواً مثل الرمل والتراب، ومثل هذه الأشياء اللينة؛ فإنها تتشرب البول ولا ترده على صاحبه.

    ومما يذكرون في باب طلب العلم: أن إنساناً توجه إلى طلب العلم وهو كبير السن، وكان قد كف بصره، فحضر مجلس علم ولم يستوعب كل ما قيل، فأخذ على نفسه عهداً أن يذهب ويحضر في مجلس العلم، وإذا استوعب مسألة اكتفى بها ورجع، هكذا يقولون، وكان معه ولده يقوده من بيته إلى مقر التعليم، وكان من قرية والمعلم الذي يتعلم عنده في قرية أخرى، فخرج مرة ثم احتاج أن يبول، فجلس وكان مجلسه وهو لا يرى على مكان صلب، فأحس برذاذ البول يرجع عليه، فلما انتهى قام وجاء قافلاً إلى بيته، فقال ولده: لماذا لا تذهب إلى مجلس العلم؟ قال: إني عاهدت نفسي أن أكتفي بفائدة واحدة في كل ليلة، وقد استفدت هذه الليلة. قال: ماذا استفدت؟ قال: استفدت أني لا أريق البول على أرض صلبة؛ لأن ذلك يعكس رذاذ البول على الإنسان. وجاء راجعاً!!

    وكذلك لا يستقبل بالبول مكاناً مرتفعاً؛ لأن المكان المرتفع يجعل البول يسيل عليه، فإذا كان مستتراً بثوبه فقد يصيبه من هذا البول النازل.

    فإذاً: يتجنب الإنسان مواضع أو هيئات لا يمكن أن يستنزه من البول فيها، أو أن يصيبه من بوله إذا فعل شيئاً من ذلك، وهكذا يرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى الاستنزاه من البول، ويخبرنا بأن عامة عذاب القبر منه.

    والله تعالى أعلم.

    [ وللحاكم: (أكثر عذاب القبر من البول) وهو صحيح الإسناد ].

    وهذه الزيادة تبين كلمة (عامة) فإنها قد تكون للشمول وقد تكون للمبالغة، وجاءت كلمة (أكثر) تبين المقصود، ولماذا كان أكثر؟

    قالوا: لأن بعض الناس ربما يتساهلون في ذلك.

    ومن هنا -أيها الإخوة- نعلم بأن عادات بعض الشعوب -وخاصة في الآونة المتأخرة عند من غلبتهم عادات وتقاليد ما يسمى بالحضارة فإنهم قد لا يتنزهون من البول، وقد يريق أحدهم بوله قائماً في مكان معين لذلك، ولا يستنزه منه؛ أي: لا يغتسل ولا ينشفه بمنديل ولا ورق ولا شيء، ويكتفي بأنه أراق بوله ثم ذهب! والإسلام يأتي بهذه التعليمات ويحث على النزاهة أو الاستنزاه من البول لقذارته ولنجاسته في وقت واحد.

    فإذاً: أكثر عذاب القبر من البول مع رواية: (عامة عذاب القبر من البول) يدل على شدة خطره ووجوب التنزه منه.

    تفريق الشرع بين المتساويات لحكمة

    وتقدم لنا في باب إزالة النجاسة استثناء بعض الأبوال للآدميين، وهو حديث أبي السمح : (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) فليس معنى (يرش من بول الغلام) ألا يتعرض الإنسان إليه أو أن يتركه، ولكن من العلماء من قال: بول الغلام كبول الجارية نجس، ولكن في تطهيره تخفيف على بول الجارية، ولكن بعض المتأخرين كـالمتولي من الشافعية ذكر علة في ذلك وقال: إن طبيعة بول الجارية أشد كثافة من بول الغلام؛ لأن عنصر الأنوثة زائد في بول الجارية، يؤثر عليه أكثر من عنصر الذكورة في بول الغلام، فيكتفى في بول الغلام برشه فيزيل نجاسته؛ لأنها أخف من نجاسة بول الجارية، فيغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام.

    وقال بعض الناس: إنكم تفرقون بين متساويين، وهذا لا يجوز. فقيل لهم: الشرع هو الذي فرق وليس هذا من عندنا، فإذا كان الأمر كذلك ورجعنا إلى الأصل فإنهما ليسا متساويين، بل هناك فرق بينهما، وقد وجدنا تفريق الإسلام بين المتساويين فعلاً في غير هذا الموطن، كما في الحديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان...) فذكر الكبد والطحال وهو دم، ولكنه دم حلال، وغيره دم نجس حرام.

    إذاً إذا جاء الشرع بتفريق بين متساويين في نظرنا أو في علمنا فنأخذ بما جاء عن الحكيم العليم سبحانه، أو عنه صلى الله عليه وسلم فهو لا ينطق عن الهوى، وألغينا ما نتصوره نحن من أن ذلك لا يجوز عقلاً؛ لأن الشرع لا يخضع للعقل في الحكمة أو في حقائق الأمور، والله تعالى أعلم.

    قوله: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى! إنه لكبير) يذكر العلماء في هذا النص أنه جاء منه السلب والإيجاب في مكان واحد، فنفى أن يكون تعذيبهما من كبير، ثم أثبت أنه كبير.. كيف يكون ذلك؟

    فقالوا: كبير وليس كبير مع اختلاف الجهة، وانفكاك الجهة ينفي التعارض، كما قالوا: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى فيها) وجاءت رواية: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ولم يصل فيها) فهذان حديثان متغايران إثباتاً ونفياً، فإذا اختلف الزمان أو المكان فهنا ينتفي التعارض، فقالوا: نعم، دخل عام الفتح ولم يصل، ودخل في حجة الوداع فصلى، فالذي ذكر عدم الصلاة مع الدخول أراد وقتاً معيناً، والذي قال: دخل وصلى. أراد وقتاً آخر، فلا مانع من أن يدخل في وقت من الأوقات ولم يصل، ويدخل في وقت آخر ويصلي، ولا يكون هناك تعارض في الأخبار.

    وهنا قوله: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) فقوله: (بلى إنه كبير) أي: بالنسبة لحكمه عند الله، وقوله: (وما يعذبان في كبير) أي: بالنسبة للإنسان من حيث إمكان التحرز منه؛ لأن الاستتار والاستنزاه والتحفظ من البول هذا ليس بكبير على الإنسان، بل إنه ميسر له، وفي إمكانه أن يستتر ويستبرئ، وليس في ذلك كبير مشقة عليه. إذاً: (وما يعذبان في كبير) أي: لا يشق على المكلف أن يفعله.

    (بلى إنه لكبير) أي: كبير عند الله وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15] ، فالمعنى: ليس بكبير بالنسبة للمكلف، وإنه لكبير عند الله، إذاً ليس هناك تعارض بين إثبات أنه كبير وبين نفي أن يكون كبيراً؛ لأن نفي أن يكون كبيراً بالنسبة للإنسان؛ من حيث أنه يمكنه أن يتحفظ منه دون مشقة عليه، ولكنه من جهة أخرى عند الله كبير؛ لأن الله طيب ولا يقبل إلا ما كان طيباً، وإن الله جميل يحب الجمال، والصلاة من شرطها الأساسي الطهارة فهو يقف بين يدي الله، وهي عماد الدين، ويترتب عليها صحة الصلاة؛ إذاً: يكون أمره كبيراً.

    قوله: (والآخر كان يمشي بالنميمة بين الناس)

    النميمة: من نم ينم، والنماء الزيادة، والنمام -عافانا الله وإياكم- يسمع الكلمة وينمها -أي: يزيدها- وينقلها إلى الآخرين، وهذا من أخطر ما يكون من أدواء المجتمعات وأمراضها، وكم يوقع من الفتن! ولهذا عظم الله أمر النميمة، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أنها من أسباب عذاب القبر؛ لما يترتب عليها من المفاسد وقطيعة الأرحام، ومن إفساد ما بين الأخوين أو الزوجين أو الولد وأبيه.

    وهناك أشخاص -عافانا الله وإياكم- لا يطيب لهم الحديث إلا أن ينموا بين الناس، ويقول بعض العلماء: النميمة من الكبائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب عليها العذاب.

    1.   

    كيفية القعود في الخلاء

    [ وعن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى) رواه البيهقي بسند ضعيف ].

    هذا الحديث وإن كان سنده ضعيفاً إلا أن معناه صحيح.

    تعلمون سراقة وقصته في الهجرة، فهو الذي لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وساخت فرسه في الأرض، وطلب الأمان... إلخ، وهو هنا يخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذا الأدب وتقدم الأثر بأنه صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا كالوالد لكم أعلمكم: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا ) فمن شفقته صلى الله عليه وسلم بالأمة أنه يعلمها كل ما ينفعها، وقد تقدم معنا في حديث سلمان الذي فيه ذكر آداب الخلاء، وكذا كما في حديث سراقة هنا.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس أحدكم في الخلاء فليجلس على رجله اليسرى ولينصب اليمنى) معناه: أن يجعل القدم من الأرض معتدلة كما لو كان واقفاً، وينصب قدم الرجل اليمنى ويكون مستنداً على رءوس أصابعها، فلا يمكن قدم الرجل اليمنى من الأرض كما يمكن اليسرى، واليسرى تكون متمكنة من الأرض كما لو كان يمشي، والرجل اليمنى تكون القدم فيها مرتفعة، ويستند على رءوس أصابع القدم.

    الحكمة في القعود على الرجل اليسرى ونصب اليمنى عند التغوط

    قوله: (أن ننصب اليمنى، ونقعد على اليسرى).

    يقول العلماء: ما السبب في هذا؟

    فأجاب بعض العلماء بأن هذا أمر شكلي؛ تكريماً لليمنى أن تكون متمكنة من الأرض كاليسرى في تلك الجلسة.

    والآخرون قالوا: هناك حكمة خلقية في خلقة الإنسان، وهي: أن هذا الجلوس يساعد على خروج الفضلات، ويقول الأطباء: بأن المستقيم الذي يخرج الفضلات إلى الخارج يأتي من جهة اليسار، فإذا ما نصب اليمنى وجلس على اليسرى سيميل -بطبيعة الحال- بارتفاع اليمنى إلى جهة اليسار، فيكون بميلانه إلى اليسار ويده منضمة هكذا بمثابة من يعتصر المستقيم ليساعد على خروج الخارج بيسر، وخاصة إذا كان هناك إمساك فإن هذه الهيئة على هذا الوضع تسهل عملية التبرز، وتساعد على إخراج ما في الجسم من فضلات، ويكون ذلك من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه فرق بين اليمنى واليسرى.

    ويقول بعض المستحدثين: كيف للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرى ذلك أو يعلم ذلك في تشريح الإنسان أو في وضع أعضائه الداخلية؟ وذكر في مواطن أخرى الأمور الخارجية كقوله: (كل سلامى من ابن آدم كل يوم عليه صدقة) وقالوا: ثلاثمائة وستون مفصلاً في الإنسان كيف عدها؟! إذاً علم التشريح يبين تلك المواضع والوظائف.

    وهذا عالم بحار غربي أسلم بسبب ما جاء في القرآن الكريم على صفة البحر ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40] ووجد ذلك فعلاً في البحر الأسود، وهو أشد البحار أمواجاً وخطورة، ولما سمع الآية قال: عجيب! محمد لم يخرج من الجزيرة، ولم يركب البحر، ولم يزاول أعمال البحارة، كيف استطاع أن يصف هذا الوصف..؟! لابد أن يكون ذلك بوحي من الله؛ إذاً: هذا دين صحيح، وهذا رسول صادق. فأسلم لهذه الآية الكريمة.

    فكذلك كثير من المسيحيين الذين سلموا من التعصب، أو طلبوا العلم والحقيقة بذاتها، كثيراً ما يتأملون في بعض الأحاديث فيما يتعلق بالإنسان في تركيبه أو تكوينه إلى غير ذلك، فيهديهم الله سبحانه وتعالى ببعض هذه النصوص إلى الإسلام وإلى حقيقته.

    وهاهنا عملية بسيطة علمنا فيها رسول الله إذا جلسنا إلى الخلاء أن نجلس على اليسرى وأن ننصب اليمنى، هذا إذا أمكن للإنسان، أما إذا كان شخصاً مريضاً أو بديناً لا يستطيع أن يجلس على رجل واحدة، فلا يستطيع أن يجلس على هذه الحالة، فلا نقول له: لابد من أن تفعل ذلك؛ لأن هذا يشق عليه، بل بقدر المستطاع ما دام أنه في مجرى التعليم، وأنه لأمر ترجع نتيجته إلى الإنسان في ذاته، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    بالمناسبة: ربما يقول إنسان: نحن المسلمين جاءت إلينا بعض المظاهر في الحياة عن غيرنا، كهذه المقاعد الإفرنجية، وهي فعلاً جاءتنا من الإفرنج، يجلس الشخص عليها جلوسه على الكرسي ويقضي حاجته، فلا يستطيع أن ينصب اليمنى ولا أن يجلس على اليسرى، بل إنه رافع لرجليه، فيكون هذا مخالفاً للسنة، فهو بدعة.

    نقول: لا، إذا كان للإنسان بديل، ويصعب عليه الجلوس على بيت الخلاء العادي والقيام عنه، ولكن هذه التي وجدت -كما قيل- إفرنجية تساعد على قضاء حاجته برفق فلا بأس، فإذا كان الأمر كذلك فالإنسان ينظر ما يمكن أن يستريح به، وكيف يمكن أن يقضي حاجته على راحته، وأن يتمكن من أداء طهارته، سواءً كان على كرسي عربي أو على إفرنجي، أو كان في الخلاء، أو ينصب اليمنى أو يجلس عليهما، إنما ذلك من باب الأفضلية وليس بواجب، ولا يعاب على إنسان استعمل هذه المقاعد الأخرى؛ لأنه ربما يكون أيسر له، ويعجز أن يستعمل غيرها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حديث النتر عند البول وكلام العلماء عليه

    [ قال: وعن عيسى بن يزداد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات) رواه ابن ماجة بسند ضعيف ].

    هذا أدب من الآداب، ولاحظوا هذا الترتيب فإن المؤلف دقيق جداً! فإنه ذكر لنا في حالة قضاء الحاجة أن نجلس على اليسرى وننصب اليمنى، وأن ذلك يساعد على إخراج الفضلات، ثم يعقبه بهذا الحديث -وإن كان ضعيفاً- (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره).

    (ينتر) بمعنى: يحرك طرف ذكره؛ لكي يخرج ما يمكن أن يكون في قصبة الذكر من بقايا البول، ولكن لما كان هذا الحديث ضعيفاً، وهذا الفعل فيه تكلف ولسنا مكلفين به في شيء، ولا يكون نجساً تجب طهارته إلا إذا خرج عن خارج الجسم، وقبل أن يكون خارج الجسم فالمثانة تكون مليئة بالبول وهو قائم يصلي، فهذا داخل الجسم لا تكليف في ذلك، ولذا قالوا: إن المبالغة في نتر الذكر قد تؤدي إلى سلس البول، وعند التحقيق نجد أن سلس البول سببه ضعف العضلة العاصرة، فالعضلة العاصرة عند البول، والعضلة العاصرة عند الغائط وظيفتها أنها تمسك ولا تخرج شيئاً إلا بإعطاء تعليمات لها من المخ بأن ترتخي ليخرج البول أو الغائط، فهي تعتصر وتمنع أن ينزل من البول شيء إلا إذا استرخاها العقل وقال لها: اتركي الاعتصار ليخرج البول في طريقه، وكذلك العضلة العاصرة للغائط تمسك المخرج حتى لا يخرج شيء إلا عند إرادة ورغبة الإنسان.

    وقالوا: إن استعمال نتر الذكر بكثرة قد يؤدي إلى ضعف تلك العضلة، فلا تقوى على الاعتصار، فيتفلت منها بعض قطرات البول، ويصبح مبتلى بالسلس.

    ويقولون: إن بعض السلف كان يفعل ذلك، فأصيب بهذا فترة، وبعضهم سمع حديث: (استنزهوا من البول) فكان يأخذ زجاجة، وإذا دخل الخلاء يفرغ بوله في تلك الزجاجة، ثم إذا خرج تخلص منها، فقال له ولده بلطف: يا أبت! لماذا تفعل ذلك؟ قال: تحفظاً من البول قال: هل فعل ذلك رسول الله؟ قال: لا. قال: هل فعل ذلك خلفاؤه الراشدون؟ قال: لا. قال: هل فعله أحد من أصحابه الكرام؟ قال: لا. قال: ألا يكفيك ما يكفيهم؟ قال: بلى -والله- وتركها وقال: الحمد لله الذي جعل هدايتي على يد ولدي.

    فالمبالغة في هذه الأمور قد تزيد عن حدها، فالذي يتحفظ من البول ليستنزه منه فوق العادة قد يؤدي به ذلك إلى الوسوسة، ويخرجه عن حد الطاقة العادية، والذي ينتر ذكره ليخرج ما بقي هذه أيضاً قد يكون فيها مبالغة، ولكن إذا كان الإنسان مبتلى بالسلس وبقي شيء ولا يمكن أن يخرج إلا بهذا الأمر فلا بأس.

    وهناك مسألة تتعلق بخروج المني بعد الغسل: إذا انفصل المني عن الصلب ولم يخرج إلى الخارج ثم خرج بعد الغسل، هل يعيد الغسل أم لا؟

    فقوم قالوا: لا غسل عليه لأنه لم يخرج من الخارج. وقوم قالوا: إذا تحرك من مكانه ففيه الغسل، ثم إذا خرج بعد ذلك هناك من يقول: يغتسل؛ لأنه خرج إلى الخارج. وهناك من يقول: لا يغتسل؛ لأنه اغتسل منه من قبل.

    ويتفقون على أن الإنسان بعد أن يخرج المني يستحسن له أن يريق البول؛ لأنه إذا كان في القصبة شيء من بقايا المني فإن البول يزيله، لا لأنه نجس يطهر محله؛ فالمني طاهر عند الجمهور، ولكن حتى لا يبقى في ذلك المكان، وربما يحصل التهاب في المكان الذي بقي فيه، وإذا جاء البول وأخرجه أخلى المحل من آثاره وسلم من آفاته.

    فماذا تعمل المرأة، وليس عندها طريق في الاستنتار، إذاً الغرض من هذا أن يتأكد الإنسان قبل أن يقوم من مكانه بأن بوله قد انتهى، ولاسيما الذين أصيبوا بمرض (البروستاتا) فقد تضغط على الحالب، أو تجعل البول ينزل ببطء، فيظن أن البول قد انتهى، وإذا قام فإذا بشيء يسبقه.

    إذاً: الغرض من أن ينتر الرجل ذكره هو التأكد من أنه قضى بوله وانتهى، وقد جاء في حديث الأعرابي: (لا تزرموه) أي: اتركوه لينزل البول بطبيعته.

    وعلى كل: فالحديث سنده ضعيف، والجمهور لم يأخذوا به، والغرض منه التأكد من إنهاء عملية إراقة البول كاملة؛ حتى لا يبقى شيء في الطريق إذا قام وتحرك نزل عليه وعلى ثيابه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    مسألة الجمع بين الحجارة والماء حال الاستنجاء وكلام العلماء فيها

    قال: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: إن الله يثني عليكم. فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء) رواه البزار بسند ضعيف، وأصله في أبي داود، وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر الحجارة ].

    هذا الحديث -يا إخوان- يأخذ حيزاً كبيراً، والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] والواقع أن تناول هذه الآية يرتبط بما قبلها فيما يتعلق بمسجد الضرار؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين فقال: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108] بخلاف مسجد الضرار فإنه أسس ليكون مأوى للذين يحاربون الله ورسوله، فهنا كانت مقارنة.

    وقد جاء في قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108] ( أنه تشاحَّ رجلان قال أحدهما: هو مسجد قباء. وقال الآخر: هو مسجد رسول الله. فأتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ من حصباء الأرض وضرب بها أرض المسجد، فقال: مسجدكم هذا، مسجدكم هذا (ثلاث مرات)) وهذه الآية نزلت في قباء قطعاً؛ لأنها في مقابلة مسجد الضرار، وبين سبحانه وتعالى أنه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه [التوبة:108] فلما ذكر سبحانه مسجد الضرار، ومنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه أبداً، وجاء بالمسجد الآخر وقال: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108] فهو المراد بذلك.

    وقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108] هذه الأولية هل هي أولية زمنية أم أولية أفضلية؟ إن كانت أولية الزمنية فمسجد قباء بني قبل هذا المسجد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بناه قبل أن يصل إلى المدينة، وقبل أن يشرع في بناء هذا المسجد، وإن كان من الأولولية والأفضلية فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والواقع الذي ترتضيه العقول والنصوص أن المقارنة تصلح لكل مسجد على وجه الأرض أسس من أول يوم على تقوى، لأن هناك مساجد تقام للرياء والسمعة، كمن يبني مسجداً ليجعل له ضريحاً فيه، يكون المسجد وسيلة إلى أن يدفن في هذا المسجد، وكمن يبني مسجداً لأجل أن يغتصب الأرض، وقد تكون هناك عوامل أخرى، فمعنى : أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108]: أنه ليس هناك دخل، وليس هناك غبن، وليس هناك غش ولا غرض آخر، فهو أحق من أن يقوم الإنسان في مسجد فيه شبهة أو تهمة مما يتجنب أمره، فهي عامة.

    إذاً على هذا: سبب النزول -كما يقول علماء الأصول- قطعي الدخول في النص، وسبب النزول هو مسجد قباء، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم وسألهم: (إن الله يثني عليكم -أي: في الطهارة- ماذا تفعلون؟) هناك تأتي بعض الروايات: (إنا نستنجي بالماء) وهناك الرواية المشهورة: (إنا نتبع الماء الحجارة) يعني: نستجمر بالحجارة أولاً ثم نغسل ونستنجي بالماء بعد ذلك، إذاً هذا هو السبب.

    ولهذا قال العلماء: أيها أفضل: الاستجمار فقط بالحجارة أم الغسل بالماء فقط، أم الجمع بينهما؟ واتفقوا على أن الجمع بينهما أفضل.

    وبعض العلماء يقول: لم ينقل لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الحجارة والماء، ففي قضية تبوك حديث المغيرة : (ائتني بثلاثة أحجار) وحديث ابن مسعود : (فأتيته بحجرين وروثة) وحديث المغيرة : (ثم جاء فصببت على يديه فتوضأ) وكانت الإداوة مع المغيرة فقالوا: الرسول لم يجمع بين الحجارة والماء في حديث عرفناه.

    والآخرون استدلوا بقوله: (إن الله يثني عليكم) فبينوا السبب في ثنائه عليهم ما هو، فقالوا: (نتبع الماء الحجارة) ولا شك أن استعمال طهورين أولى من استعمال طهور واحد، ولا شك أن الماء ينقي.

    وقد قيل لبعض السلف: تستنجي بالماء؟ قال: إذاً تظل يدي منتنة؛ لأنه يباشر النجوى باليد في غسل الماء، وأما استعمال الحجارة فإن اليد لا تباشر النجاسة، فكان البعض يكره استعمال الماء؛ لأنه يباشر النجاسة بيده عند الغسل.

    والبعض يقول: هذه طهارة، وينبغي استعمالها، واتفقوا على أن الجمع بين الطهورين أفضل، فيستجمر بالحجارة ولا يباشر النجوى بيده، ثم يغسل بالماء ما أبقت الحجارة في ذلك المحل، وهذا أخذاً من هذا الحديث: (إنا نتبع الماء الحجارة) يعني: نستعمل الحجارة أولاً بالاستجمار، ثم نتبع الاستجمار بالغسل بالماء، فنجمع بين الأمرين.

    والله تعالى أعلم.