إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب قضاء الحاجة [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بعبده أنه أرشده إلى آداب تمنعه من التسبب في لعن الناس له، وتمنعه من إيذاء الناس، ومن هذه الآداب ألا يتخلى العبد في أماكن تجمع الناس أو تواجدهم كالظل والطريق وموارد الماء وأماكن التجمعات والأسواق، وأن يستر العبد نفسه عند التخلي ويترك الكلام مع نفسه أو مع الآخرين.

    1.   

    حديث المغيرة بن شعبة في قضاء النبي صلى الله عليه وسلم حاجته في غزوة تبوك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذ الإداوة، فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته) متفق عليه ].

    الألفاظ الواردة في حديث المغيرة لم يذكرها المصنف

    اقتصر المؤلف هنا على قوله: (فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته) يعني: الاستتار عن الناس عند قضاء الحاجة.

    وهذا الحديث تقدم جزء منه في باب المسح على الخفين؛ لأنه حديث طويل، ويشتمل على عدة مباحث فقهية تدخل في عدة أبواب، وعلماء الحديث ربما جزءوا الحديث في الأبواب على حسب الحاجة، وتتمة هذا الحديث قول المغيرة رضي الله تعالى عنه: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر) وجاء تعيين هذا السفر أنه في غزوة تبوك.

    قال: (فضرب عنق راحلتي فتبعته -أو قال:- خذ الإداوة واتبعني، فانطلق) وعرفنا الإداوة أنها إناء من جلد على هيئة الإبريق: (فانطلق حتى توارى عني) ثم يذكر ابن عبد البر عدة روايات في عدة مواطن من هذا الحديث.

    قال: (فقضى حاجته) وقال في بعض الروايات: (هل معك ماء؟ قلت: بلى. فأفرغت من قربة عندي ماء في كذا) وفي بعض الروايات (فأتاني فأفرغت على يديه من الإداوة فغسل يديه) وفي بعض الروايات: (مسح يده بالتراب) وفي بعض الروايات: (ثم توضأ فغسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه، فأراد أن يخرج يده من كم الجبة فلم يستطع لضيقها، فأخرجها من تحت الجبة، وغسل يديه إلى المرفقين.

    ومسح رأسه، فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني قد أدخلتهما طاهرتين، ومسح على الخفين، ثم جئنا إلى القوم فوجدناهم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يؤمهم في صلاة الصبح، فهممت أن أنبهه ليتأخر ويتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاني وكبر في الصف وكبرت معه، فلما قضى عبد الرحمن صلاته قام صلى الله عليه وسلم يصلي ما فاته من الصلاة، فلما رأى الناس ذلك فزعوا -أي: لكونهم تقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم- فلما رأى ما بهم من فزع، قال: أحسنتم) .

    وإلى هنا ينتهي لفظ الحديث، ثم يأتي بعد ذلك زيادة أنه قال لهم: (ما قبض الله نبياً إلا وقد صلى خلف رجل من أمته) فهذا هو تمام هذا الحديث.

    1.   

    بعض الآداب والأحكام الواردة في حديث المغيرة

    نريد الوقوف عند عباراته لما فيها من الفقه:

    الإبعاد عند قضاء الحاجة

    أولاً: الجزء الذي ساقه المؤلف هنا: (فانطلق حتى توارى عني).

    هذا من أدب قضاء الحاجة، وهو أنه إذا لم يكن في البنيان وكان في أرض فسيحة فيبعد حتى يتوارى، فإما أن يجد ما يستره كشجرة أو مكان منخفض مثلاً، وإما أن يبعد عن الأنظار، وخاصة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أيهما أفضل الاستنجاء بالحجارة أم بالماء؟

    (ثم أتاني فصببت عليه من إداوة معي).

    هنا لم يذكر المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم استجمر بالحجارة، ولكن ذكر لنا قال: (أتاني فأفرغت على يديه فغسل كفيه ثم توضأ) وهنا يقول ابن عبد البر : نقلاً عن كثير من العلماء: يجوز الاجتزاء بالأحجار مع وجود الماء.

    والجمهور وخاصة الشافعي رحمه الله يقول بالاجتزاء بالأحجار عند عدم وجود الماء، ويمكن أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتزأ بالحجارة لأنهم في سفر، وعادة المسافر وخاصة في الصحراء أن يكون الماء معه قليلاً، وإذا كانت إداوة فلربما لا تجزئ في الاستنجاء بها والوضوء، وإذا أمكن الاجتزاء بالحجارة فإنه يوفر الماء للوضوء، إذاً: لا ينبغي أن يكون هذا العمل دليلاً على ما ذهب إليه البعض.

    والجمهور انتهوا إلى أنه إذا فقد الماء فالاستجمار رخصة، والآخرون يقولون: سواء وجد الماء أو لم يوجد، في حضر أو في سفر، فإن الاستطابة بالأحجار مجزئة.

    وجاء عن بعض السلف أن الأحجار للرجال، وأن الماء من خواص النساء، وخاصة في البول، وقالوا: بأن البول من الرجل معلوم المكان ويمكن أن يجزئ فيه التمسح بالحجارة، بخلاف المرأة فإن خروج البول ليس محصوراً في مكان كالرجل، لأنه ينتشر فلذا لزم عليها استعمال الماء.

    حكم العمل اليسير أثناء الوضوء

    والذي يهمنا في هذه النقطة: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الحجارة مع وجود الإداوة مع المغيرة ، وقضى حاجته واستجمر وانتهى، ثم جاء إلى المغيرة ليتوضأ ، فأفرغ على يديه وغسل كفيه، ثم غسل وجهه، ثم أراد أن يخرج كفيه من كمي الجبة فلم يستطع لضيقها، فأخرج يديه من تحت الجبة.

    هنا يقول الفقهاء: العمل اليسير أثناء الوضوء لا يقطعه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اشتغل بإخراج يديه من الكمين فلم يستطع، فحاول إخراجهما من تحت الجبة، وهذا عمل في أثناء الوضوء، فقد كان موالياً في غسل الأعضاء لكن وقع بين غسل الوجه وغسل اليدين محاولة إخراج اليدين من الكمين ولم يستطع، فأخرجهما من تحت الجبة، وهذا عمل في أثناء الوضوء.

    فقالوا: إذا كان العمل قليلاً يسيراً فلا شيء في ذلك، ويبني على ما كان من وضوئه ويكمل الباقي، أما إذا كان الاشتغال طويلاً فإنه يستأنف الوضوء من جديد، وحددوا الطول والقصر في هذا بجفاف العضو الذي تشاغل عنده. فمثلاً: غسل وجهه، وأراد أن يغسل يديه فبحث عن كرسي ليجلس عليه، وذهب ليأتي به وجاء حتى جف ماء الوضوء عن الوجه، فيكون قد انقطع، فيبدأ الوضوء من جديد فيغسل وجهه استئنافاً للوضوء من جديد؛ لأنه بالعمل الكثير قد قطع الوضوء فيستأنف.

    لبس الثياب الضيقة الأكمام والواسعة

    ثم كون الرسول صلى الله عليه وسلم يلبس الجبة ضيقة الكمين، يقول ابن عبد البر : هذا أنسب للسفر، وخاصة للجهاد؛ لأن الكم الضيق لا يشغل صاحبه، ونستطيع أن نقول: لا ينبغي للإخوان أن يعيبوا على بعض الناس أن يلبس ثوباً في كمه (كبك) ويقولون: هذه بدعة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لبس الجبة ضيقة، وسواء كان الضيق (بالكبك) أو بالأزارير أو بالخياطة فكل ذلك جائز.

    ومن نوادر ما ذكر عن الشافعي رحمه الله أنه كان يتصف بالحلم وسعة الصدر إلى حد بعيد، فأراد بعض الناس أن يخرجه عن هذا الوقار أو عن هذا الحلم، فسمعوا بأنه ذهب بثوب إلى الخياط ليخيطه، فذهبوا إلى الخياط ودفعوا له أكثر من الأجرة وقالوا له: نريد أن تجعل الكم الأيمن للشافعي ضيقاً، والكم الأيسر واسعاً جداً؛ فأخذ الخياط الأجرة وفعل، فلما جاء الشافعي يستلم الثوب كانوا موجودين يتوقعون الغضب والتسخط، فلما لبسه وأدرك أن هناك شيئاً قال: جزاك الله خيراً، لقد يسرت لي أمري وساعدتني على طلب العلم. قال: لماذا؟ -الرجل متوقع خصومة- قال: أما ضيق الكم الأيمن فلكي لا يشغلني حال الكتابة، وأما سعة الكم الأيسر فإني أحمل فيه كتبي -يعني: بدل الحقيبة- فعجب الجماعة الذين تآمروا عليه!

    ولنعلم أن ضيق الكم قد يساعد على أداء بعض الأعمال، وسعة الكم قد يساعد على بعض الأعمال، وطبيعة الثياب -بصفة عامة- يمليها نظام البيئة والجو، ولذا تجدون الأعراب في البادية أكمامهم تكون بطول الرجل وربما تكون فتحة الكم أكثر من متر، وسعته تحت الإبط ثلث متر أو ربع متر أو شيء من هذا؛ لأن الجو حار، فهو بمثابة المراوح أو وسائل التهوية، وتجد في البلاد الباردة يصنعون كماً قصيراً وجبة وبنطلوناً ضيقاً أكثر من اللازم، إذاً: البيئة هي التي تملي على الإنسان نوع اللباس والثياب الذي يتلاءم مع طبيعة الجو.

    يهمنا في هذه الحالة ما كان عليه صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة، فهل كان هذا دائماً في الغزوات والأسفار أو كان هذا عارضاً في غزوة تبوك؟

    استحباب خدمة أهل الفضل

    وهنا بعد أن توضأ صلى الله عليه وسلم يقول المغيرة : (فأهويت لأنزع خفيه(، ولا مانع في مثل ذلك، أعني أن الفضلاء وأهل الفضل يخدمهم الآخرون ولو في خلع النعلين أو تقديمها إليهم، وقد جاء في قصة الأمين والمأمون أولاد هارون الرشيد لما جاء معلمهم وتذاكروا فيما بينهم، وأراد أن يخرج فقام الأمين والمأمون يقدما إليه النعل فتسابقا، فأخذ كل واحد فردة من النعل وقدمها إليه، فقهقه الرشيد وقال: والله ما رأيت أشرف منك اليوم؛ لأنهم لم يفعلوا هذا لي أنا، يعني: لم يفعلوه للخليفة ولكن فعلوه للمعلم.

    فلا مانع من خدمة أصحاب الفضل وخاصة العلماء وأصحاب النعم على أربابها أن يخدمهم الآخرون، ولاسيما إذا كان في جانب ديني ولوجه الله.

    لبس الخفين لا يكون إلا بعد طهارة كاملة

    فقال له صلى الله عليه وسلم: )دعهما -يعني: دع الخفين في قدمي- فقد أدخلتهما طاهرتي) وفي بعض الروايات: (أنسيت يا رسول الله -يعني: نسيت الغسل ومسحت-؟! قال: بل أنت نسيت، أما أنا فأمرني ربي) ومن هنا يدخل البحث في المسح على الخفين.

    وفي قوله: (أدخلتهما) أي: الثنتين، يقول العلماء استنتاجاً من ذلك: لو أن المتوضئ غسل إحدى القدمين اليمنى مثلاً فألبسها الخف، ثم غسل القدم اليسرى فألبسها الخف، لم يجز المسح على هذين الخفين بتلك الصفة؛ لأنه لما أدخل القدم اليمنى لم تكن اليسرى قد استكملت الطهارة؛ لأن كمال الطهارة بتمام الوضوء، وتمام الوضوء بغسل القدمين معاً، ولهذا أخذ الفقهاء رحمهم الله أن المسح على الخفين إذا أدخلهما معاً طاهرتين، أي: بعد تمام طهارة الوضوء.

    تعارض العاطفة مع العقل وأيهما يقدم

    أما مجيئهما إلى القوم وقد قدموا عبد الرحمن بن عوف فالبحث فيه من عدة جوانب:

    الجانب الأول: جاء أبو الحسن الندوي وحاضر في الجامعة الإسلامية وقال: قد يتعارض العقل مع العاطفة، وكان الوقت ضيقاً ولم يذكر أمثلة، فكان العادة أن نعلق على المحاضرات، فقلت:

    لعل من ذلك ما وقع للقوم في غزوة تبوك، لما غاب عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحان وقت الصلاة، وتأخر الوقت، فهم الآن في موقف بين العاطفة والعقل، العاطفة تناديهم: انتظروا رسول الله؛ لأن الصلاة خلف رسول الله جانب روحاني عاطفي، ودخول الوقت ومضي جزء منه يقول لهم: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] أدوا الصلاة قبل أن يخرج الوقت.

    فأداء الصلاة قبل أن يخرج الوقت حكم عقلي بالنسبة لتحديد الشرع، والانتظار إلى مجيء النبي صلى الله عليه وسلم أمر عاطفي لتعلقهم بالصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا جانب العقل على جانب العاطفة.

    وفي مواقف أخرى قد يقدم جانب العاطفة على جانب العقل، وذلك في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء وأبو بكر يؤم الناس، فلما شعر الناس بمجيء رسول الله أكثروا التصفيق أو أشاروا إلى أبي بكر إلى أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم ووقف في الصف، فأراد أبو بكر أن يتأخر ليتقدم رسول الله، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك، لكنه لم يمكث مكانه ورجع في الصف، وأمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم المصلين، فهنا العقل يؤدي إلى أن يبقى مكانه؛ لأنه أمر صادر عليه من رسول الله، والعاطفة والأدب واستعظام أبي بكر أن يؤم رسول الله، فغلب جانب العاطفة أو الأدب كما يقولون.

    إذاً: قد يقف الإنسان بعض المواقف، وجانب العقل ينادي بشيء، وجانب العاطفة ينادي بشيء، فننظر أيهما أصوب.

    فضل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

    الجانب الثاني: فضيلة عبد الرحمن بن عوف أن اختاره الموجودون في تلك الغزوة بأن يتقدمهم ويؤمهم في الصلاة مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وخطر في بالي أن غزوة تبوك حضرها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهم الخلفاء الراشدون أو المرشحون للخلافة، وابن عوف لم يكن منهم، نعم هو من المبشرين بالجنة ولكن لماذا قدموه وفي القوم هؤلاء؟

    مع أن أبا بكر قال فيه صلى الله عليه وسلم: (لو وزن أبو بكر في كفة والأمة في كفة لرجح عليها أبو بكر) وفضيلة أبي بكر وصلته برسول الله أمر مفروغ منه: (هل أنتم تاركوا لي صاحبي) وقال تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    يمكن أن يقال: لكل مقام مقال، فالخلافة وإدارة الأمة ومراعاة شئونها تصلح لـأبي بكر، الصلاة من حيث هي أداء، لقد عرف عن أبي بكر كما جاء من حديث عائشة : (مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قرأ لا يتمالك نفسه) أي أنه يبكي، وإذا قدمنا شخصاً يصلي بنا فلسنا في حاجة إلى أن نسمع بكاءه، نحن في حاجة إلى أن نسمع القراءة، فالصلاة مبناها على القراءة وليس على البكاء.

    إذاً: يكون ابن عوف مناسباً لإمامة الصلاة في هذا الوقت، ويمكن أن يروا بأنه أولى من غيره.

    ثم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاولة المغيرة أن ينبه الإمام ليتراجع، يقولون: إن الإمام الراتب إذا تغيب وقدم القوم رجلاً يصلي بهم، فحضر الإمام الراتب، فهو مخير بين أن يتقدم ويرد من قدموه، ويصبح بعد أن كان إماماً مأموماً، حتى ولو كان قد صلى ركعتين أو ركعة من الصلاة، وإما أن يترك حقه في الإمامة ويقف مع المصلين مأموماً كبقية الناس، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم له حق الإمامة على الأمة عامة، فترك هذا الحق وصلى خلف الإمام الذي اختاروه لأنفسهم مسبوقاً مأموماً ثم أتم صلاته.

    مراعاة اختيار أفضل الموجودين للإمامة

    ينبغي أيضاً اختيار الإمام بأن يكون من خيرة الموجودين، وعندكم حديث مكتوب على المحراب في مثلث من المثلثات الموجودة على جانبي المحراب (تخيروا من يؤمكم في الصلاة فإن أئمتكم وافدوكم إلى ربكم) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فالإمام وافد القوم إلى الله؛ لأننا نقدمه بين أيدينا ليناجي الله سبحانه وتعالى، فهو مقدم منا إلى الله كالوافد، أي: الذي نوفده ونرسله إلى بعض الملوك أو الأمراء ليسأل حاجة الأمة أو حاجة القوم، فكذلك الإمام وافد المؤمنين إلى الله سبحانه وتعالى.

    صحة صلاة الفاضل خلف المفضول

    ثم كونه صلى الله عليه وسلم -وهو سيد الرسل ونبي الأمة- يصلي خلف فرد من أفراد الأمة، يؤخذ منه صحة قالوا: تصح صلاة الفاضل خلف المفضول إذا كان المفضول أهلاً للصلاة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف في هذه الحالة، ثم لما سلم الإمام نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم ما كان باقياً عليه، وهذا تأييد لما جاء عن معاذ رضي الله عنه.

    وذلك أنهم إذا كانوا في الصلاة وجاء المسبوق سأل من في نهاية الصف: كم صليتم؟ فيشير إليه بيده، ركعة أو ركعتين، فيصلي وحده وهو قائم في الصف ما فاته من الصلاة، ثم يتابع الإمام فيما بقي، فإذا سلم الإمام سلم؛ لأنه أتى بما فاته ثم تابع الإمام فيما تبقى، فيكون قد أتم صلاته.

    فقال معاذ : لأن آتي فأجد النبي صلى الله عليه وسلم على حالة إلا وافقته فيها، فجاء مسبوقاً والنبي صلى الله عليه وسلم قد صلى من صلاته شيئاً، فتابعه على ما هو عليه، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قام معاذ وأتى بما كان قد فاته، وقد عرف من نفسه -دون أن يسأل أحداً- ما فاته من الصلاة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: (إن معاذاً قد سن لكم في الصلاة سنة فخذوها)، وأصبح من بعد تلك الحادثة أن المسبوق يأتي فيدخل مع الإمام على ما هو عليه، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم! دخل مع الإمام على ما هو عليه، ثم بعد أن سلم الإمام قام وأتم ما فاته من الصلاة، وهي الركعة الأولى؛ لأن الصلاة كانت صلاة الصبح.

    قوله: (فزعوا)، أي: لأن هذا أمر عاطفي كما أشرنا، وكانوا يحبون أن تكون الإمامة لرسول الله، وفزعوا أن يكون الرسول مأموماً لواحد منهم.

    استحسان فعل المحسن والثناء عليه

    قوله: (فلما رأى فزعهم).

    هذه نواح نفسية أدركها النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس القوم، فأراد أن يذهب عنهم دواعي الفزع فقال: )أحسنتم) أي: أتيتم عملاً محسنين فيه.

    إذاً: ليس هناك موجب لأن تفزعوا؛ لأنكم ما أتيتم بشيء يوجب الفزع، وهنا يقولون: على ولي الأمر أو المسئول أن يستحسن ما فُعل تحت أمره أو تحت رئاسته من فعل حسن، فيثنى على المحسن كما يعاتب المسيء؛ لأن في الثناء على المحسن تشجيع له على إحسانه، وهكذا كان قوله صلى الله عليه وسلم: )أحسنتم).

    ومن هنا قال الشافعي رحمه الله ومن وافقه: إن الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أرادوا الصلاة في أول وقتها، ولما لم يحضر الإمام الأحق بالإمامة قدموا غيره ليؤدوا الصلاة في وقت الفضيلة.

    نجاح الرسالات السماوية في تربية الأمم

    ثم بعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم تطييباً أو إخباراً بأمر مستقر جديد: (ما قبض الله روح نبي إلا وقد صلى خلف رجل من أمته).

    هذا اللفظ على وجازته واختصاره يعطينا معنى عظيماً جداً، وذلك: أن أي نبي بعث في أمة إنما بعث فيها وهي على جهالة، وجاءهم الله بما أوحى به إليه ليخرجهم من تلك الجهالة إلى المعرفة، ولينشئهم ويربيهم ويعلمهم إلى أن يصلحوا في أنفسهم، ويكونوا صالحين لإصلاح غيرهم.

    وهكذا هنا: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمة أمية، وكلنا يعلم ما كانوا فيه من عبادة الأوثان، وجاهلية جهلاء، كما ذكر جعفر رضي الله تعالى عنه للنجاشي : كنا يأكل قوينا ضعيفنا، ونأكل الميتة، وكنا نخفر الذمم وكنا... وكنا... إلخ، فبعث الله لنا رجلاً منا نعرف نسبه ونشأته، فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحقوق الجوار، وصلة الرحم، وأن نعبد الله وحده لا نشرك به... إلخ.

    فهنا كان العرب على تلك الحالة التي يعرفها الجميع، وجاءت الرسالة المحمدية بما يعرفه أيضاً الجميع، وأخرج الله به الأمة من الجهالة إلى المعرفة، ومن الضلال إلى الهداية، فكأنه يشير إلى أن الرسالة قد أدت مفعولها وأثمر غرسها، وأصبحت الأمة الأمية والأعراب في البادية قادة في أنفسهم، وصالحين لأن يؤم بعضهم بعضاً، وبالتالي كل واحد منهم أصبح صالحاً لأن يكون إماماً لغيرهم من الأمم والجماعات، وهذا بعد الهجرة بتسع سنوات؛ لأن تبوك كانت في السنة التاسعة، معناه أن الإسلام قد أعطى ثماراً، وأن الأمة التي تبعت الإسلام ودانت به أصبحت مستكملة ثقافياً وفكرياً وقيادياً، وأنها قد توفر فيها كل ما تتطلبه الأمة من عناصر الحضارة والتقدم.

    ويدل على ذلك أن الواحد منهم بعد أن كان يعبد الصنم، ويفعل القبائح، أصبح الآن صالحاً لأن يؤم العالم وقد أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل بعدها بسنة واحدة وهي السنة العاشرة في حجة الوداع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] فقوله صلى الله عليه وسلم: (ما قبض الله روح نبي إلا وقد صلى خلف رجل من أمته) دليل على أن الرسالات السماوية ناجحة في تربية الأمم، سواء كثر الأتباع أو قلوا؛ فإن نظام الوحي ومنهجه هو أن يوجد الإنسان الكامل الفاضل الذي يصلح لإمامة الدنيا بأسرها.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حديث أبي هريرة في النهي عن التخلي في الملاعن الثلاثة

    [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللعانين، الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) رواه مسلم .

    وزاد أبو داود عن معاذ رضي الله عنه: (والموارد) ولفظه: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) ].

    حكم لعن المعين

    هذا أدب جديد في تجنب مواضع معينة في قضاء الحاجة، وتلك الأماكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها نهياً مصحوباً بالعقوبة؛ لأن في ذلك إيذاء للناس، فمن أدب قضاء الحاجة ألا يؤذي الناس بحاجته، فقال: (اتقوا اللعانَيْن) بالتثنية، أو )اللعانِين( بالجمع.

    واللعن: هو الدعوة بالطرد من رحمة الله، ولا يجوز لعن المعين ولو كان كافراً؛ لأن اللعن معناه الطرد من رحمة الله، وما يدريك لعل عناية الله تدرك الكافر فيؤمن، فأين تذهب اللعنة حينئذ؟ ومما جاء من النهي عن اللعن أن اللعنة إذا خرجت من إنسان صعدت إلى السماء، فتغلق دونها أبواب السماء، فتعود إلى الأرض، فإن وجدت أن من توجهت إليه أهلاً لها وجبت عليه، وإن لم تجده أهلاً لها رجعت على من قالها فتبعته.

    ولهذا جاء النهي عن اللعن حتى في حق إبليس، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوا الشيطان واستعيذوا بالله منه؛ لأنكم إذا لعنتموه تعاظم في نفسه) يعني: أنه صار خطيراً عليهم حتى ناصبوه العداء باللعان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول هنا: (اتقوا اللعانين) بمعنى: اتخذوا منها وقاية وابتعدوا عنها.

    حكمة إسناد اللعن إلى الموطن المتخلى فيه

    ثم فسر اللعانين فقال: (الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم).

    الرسول صلى الله عليه وسلم أسند اللعن هنا للبراز في الطريق والظل، والطريق والظل ليسا محلاً للعن، قال العلماء: معنى ذلك أن المتسبب في ذلك جلب اللعنة على نفسه ممن يأتي تلك الأماكن بفعله؛ لأن قارعة الطريق محل للناس يقرعونها بأقدامهم، فإذا قضى حاجته على الطريق آذاهم.

    وكذلك الظل، والمراد به خصوص الظل الذي يستظل الناس فيه، بخلاف الظل في الخلاء، كأن تكون شجرة في الخلاء وظلها كثير، وليست طريقاً مطروقة فلا مانع أن يقضي حاجته تحتها؛ لأنه ليس موضعاً يأوي إليه الناس، أما إذا كان الظل على الطريق والمسافر يستظل فيه تحتها، فداخلة في معنى الظل.

    قال العلماء: إسناد اللعن إلى الطريق والظل من المجاز العقلي؛ لأنه بفعله تسبب في أن الغير هو الذي يلعنه، كما جاء الحديث في تقبيح أن يسب الرجل أباه وأماه: (قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه، ) فيكون كأنه هو الذي سب أباه؛ لأنه تسبب في ذلك.

    ومثله: : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] أي: أنتم تتسببون في أنهم يسبون الله؛ لأنكم سببتم آلهتهم أو سببتموهم.

    ولذا نقول في بعض المواقف السياسية التي تطرق أسماعنا: إن بعض الناس في بعض البلاد الإسلامية قد يأخذه الحماس إلى أن يوقع بالعدو مكيدة تساوي (10%) من الخسائر، فالعدو يتخذها ذريعة وينتقم بما يساوي (20%)، فيكون هذا الذي فعل ما هو جزئية بسيطة تسبب في إيقاع الإيذاء لقومه بمضاعفات الإساءة.

    ويؤخذ من قوله: (اتقوا اللاعنين) أنه لا يجوز قضاء الحاجة في موارد الناس كما جاء لفظ أبي داود.

    وكذلك قارعة الطريق: وهي الجزء المعين بقرع الأقدام في المسير.

    والظل: هو الظل الذي يحتاجه الناس ويستظلون به، سواء كان في الحضر أو السفر.

    والموارد: جمع مورد، وهو في الأصل: الأماكن التي توجد على ضفاف الأنهار أو السيول أو العيون التي يردها الناس ليستقوا من الماء، فهذا أيضاً مورد للناس، فإذا قضى إنسان حاجته في تلك الموارد تسبب في لعنه؛ لأنه آذى الناس.

    ما يلحق بالمواطن الثلاثة من المرافق العامة والأسواق

    وعلى هذا يكون من آداب قضاء الحاجة: ألا يؤذي الإنسان غيره بأن يقضي حاجته فيما يحتاجون إليه من مرافق عامة، كالطرق والظل وموارد المياه.

    وإذا كان هناك موارد أخرى كأن يكون هناك سوق يرده الناس في النهار، وفي الليل لا يوجد أحد، فلا يجوز له أن يقضي حاجته في هذا السوق، فمثلاً سوق الخضار الموجود هو عبارة عن محلات مشكوفة ليست محجوزة كالدكاكين، فلا يجوز لأحد أن يقضي حاجته فيها.

    كذلك مواقف السيارات، وإن كان في الليل لا يوجد فيها سيارة، لكن الصباح تكون الساحة مملوءة بالسيارات والمسافرين ونحو ذلك، فكل ما كان موضعاً لتجمع الناس فلا ينبغي لإنسان قط أن يقضي حاجته فيه.

    وبعضهم يزيد على ذلك موطناً وهو عند أبواب المساجد؛ لأن هذا أيضاً من ضمن الموارد، ونقول أيضاً: أمام المعارض، والدكاكين، والمحلات التي يردها الناس لقضاء حوائجهم.

    إذاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللاعنَين -أو اللاعنِين-) يشمل كل ما كان مرفقاً عاماً يرده الناس، سواء كان للسير أو للظل أو للماء أو للسفر أو غيرها، حتى ولو كان المكان خالياً وقت قضاء حاجته، لكن من شأنه أن يشغل بالناس فيما بعد، فلا يجوز له أن يقضي حاجته فيه؛ لأنه يتسبب لنفسه باللعن من الذين يتأذون من هذا العمل في هذا المكان.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حديث أبي ذر في النهي عن البراز في الموارد

    [ وزاد أبو داود عن معاذ رضي الله عنه: (والموارد) ولفظه: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) .

    وقال المصنف رحمه الله: ولـأحمد عن ابن عباس : (أو نقع ماء) وفيهما ضعف ].

    ذكر المؤلف هنا (نقع الماء): وهو الغدير الذي يتركه السيل، فلو كان هناك غدران ولو لم يردها الناس، فإن الماء الذي تجمع فيها ربما احتاجه الناس، أو أن السيل يأتي فيجرف ما فيه فيكون فيه إيذاء وتقذير للماء على الناس ولو لم يرده أحد، فما دام أنه مستنقع يجمع فيه الماء فلا يجوز، ولو كان هناك أحواض على الطريق فجاء السيل وملأها فلا يجوز لأحد أن يقضي حاجته في تلك الأحواض، فكذلك مناقع المياه وكل ما كان من هذا الباب.

    وذكر بعض العلماء البراز تحت الشجرة المثمرة، فلو كان في الخلاء نخلة تثمر، وليس هناك أحد، وليست محل ظل، ولكن أصحابها عند نضوج ثمرتها يأتون إليها، فكانت مثمرة في الوقت الحاضر أو ستثمر؛ فلا يجوز له التخلي تحتها؛ لأنه لو سقطت ثمرة من تلك الشجرة ربما تلوثت بالنجاسة فأفسدها على أهلها، أو إذا جاءوا إليها يستظلون بظلها كان ذلك ظلاً يستظل به، وزيادة على ذلك إفساد الثمرة التي تسقط من تلك الشجرة المثمرة.

    وذكر الفقهاء عدة أماكن، وكلها تندرج تحت قاعدة عامة: (كل موطن يتأذى منه الناس فلا يجوز قضاء الحاجة فيه).

    [ وأخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري من حديث ابن عمر بسند ضعيف ].

    فمثلاً: النهر أو السيل يجري وليس هناك مورد، ولكن يأتي شخص على ضفة النهر والسيل ويقضي حاجته، ربما أن النهر ارتفع منسوبه فوصل إليها، فيكون سبباً في إفساد الماء على الناس، كما تقدم لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يبول الرجل في الماء ثم يغتسل منه أو يغتسل فيه)؛ لأن كثرة البول في الماء وسيلة إلى إفساده أو تقذيره على الناس، فهذا من المواطن التي نهي عن قضاء الحاجة فيه، وهي حافة النهر أو حافة السيل أو حافة العين التي تضر بالماء.

    وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    النهي عن كشف العورة للآخر والتحدث معه في الغائط

    [ وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا؛ فإن الله يمقت على ذلك) رواه أحمد وصححه ابن السكن وابن القطان وهو معلول ].

    من آداب قضاء الحاجة: ما جاء هنا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تغوط الرجلان فلا يكلم أحدهما الآخر؛ فإن الله يمقت على ذلك) .

    يقولون: (تغوط) أي: دخل في الغائط، مثل تصبح وتمسى، والغائط: هو المكان المنخفض، وكانوا يقصدونه لأنه يستر صاحبه عن الناس، وجاء القرآن بهذا اللفظ: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] والإتيان من الغائط أو الذهاب إلى الغائط يراد به لازمه؛ لأنه ليس المراد مجرد كون الإنسان يأتي إلى مكان منخفض، بل المراد قضاء الحاجة؛ لأن العادة لا يذهب الناس إلى المكان المنخفض إلا لقضاء الحاجة المتقدم ذكرها في الأحاديث المتقدمة.

    (فإذا تغوط الرجلان) أي: ذهبا معاً للمكان المنخفض ليقضي كل منهما حاجته، يقول صلى الله عليه وسلم: (فلا يتحدثا) أي: لا يكلم كل واحد منهما صاحبه.

    وقوله: (الرجلان) خرج مخرج الغالب، ولكن لو ذهب رجل وامرأة كزوجين مثلاً وذهبا لقضاء الحاجة، أو امرأتان مثلاً ذهبتا لقضاء الحاجة؛ فالكل داخل في عموم المطلوب في هذا الحديث، أي: إذا تغوط اثنان: رجلان أو امرأتان أو رجل وامرأة، فلا يتحدثا عند قضاء الحاجة في الغائط.

    (فإن الله يمقت)

    والمقت: شدة الغضب، فهذا النهي مصحوب بالتوعد بالعقوبة، وبعض العلماء يقول: إن من علامات الكبائر أن يأتي المنهي عنه مصحوباً بعقوبة شديدة عليه، ولذا أكد كثير من العلماء بأن هذا من الكبائر، وبعض الناس يقول: إنه من المكروهات ومن الآداب في قضية التخلي، ولكن إذا كان هناك نهي فلا يتحدث، وهناك ترتيب عقوبة: (فإن الله يمقت على ذلك)، وهذا يدل على شيء أكبر من مجرد الكراهية، إلا إذا قلنا على بعض اصطلاح الفقهاء: كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، فيكون هذا من المكروه كراهة التحريم.

    ما هو تطلع العلماء إلى موجب المقت في هذا العمل؟

    في الواقع لم أقف على جواب كافٍ في ذلك، ولكن هناك عمومات وهي: أن الملائكة المكلفين بالعبد: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] لا يفارقون الإنسان إلا عند قضاء الحاجة وعند إتيانه أهله، فلو تكلم في المرحاض أو أذنب فإن الملائكة تشم رائحة الخطيئة وتعلمها ولو لم تكن حاضرة إياها فتكتبها عليه، فهنا وفي هذه الحالة كأنه يستدعي الملائكة من أجل أن تكتب ما يقول، وكان ينبغي له ألا يسيء إلى رفقائه أو قرنائه، ويكفينا مؤاذاة الناس.

    إذاً: إذا ذهب الإنسان مع زميل له إلى الغائط فإنه يجب أن يستتر كل منهما عن الآخر ولا يتحدث معه حتى ينتهيا من قضاء حاجتهما.

    مسألة: إذا كان وحده هل يجوز أن يتكلم ولو كلاماً عادياً؟ كأن ينشد شعراً -مثلاً- هجاء أو وصفاً أو غزلاً أوغيره، هل يجوز ذلك؟

    لا يجوز الكلام في ذلك؛ لأنه فيه استيجاد الملائكة لتكتب عليه ما يتلفظ به، وإذا كان في البنيان تكون الملائكة خارج المراحيض بعيداً عن النجاسة، فالخلاء ليس فيه تحديد.

    إذاً: لا ينبغي الكلام للشخص في نفسه أو مع غيره، اللهم إلا إذا انتهى من حاجته واحتاج إلى من يساعده، وطلب ماءً أو حجارةً أو طلب شيئاً من ذلك فحينئذ لا مانع، أي: بعد قضاء حاجته والفراغ منها.

    والله تعالى أعلم.