إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب قضاء الحاجة [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعلم الإسلام أبناءه مكارم الأخلاق، والتنزه عن النجاسات، وتنزيه ما يستحق التعظيم عن ذلك ومما أرشد إليه هذا الدين الحنيف كيفية قضاء الحاجة والأماكن التي تقضى فيها.

    1.   

    حديث أنس بن مالك في آداب دخول الخلاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) أخرجه الأربعة، وهو معلول ].

    أنس رضي الله تعالى عنه يروي هذا الحديث لأنه كان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه ملازمه في بيته، فهو أدرى بتلك الأمور الداخلية، فليس كل الناس سيحضرون دخوله صلى الله عليه وسلم الخلاء، وهنا لما كان أنس هو الذي يرويه -وأنس خادمه في بيته- يكون ذلك قرينة على أن هذا خلاء البيت.

    وتذكر كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عنده بيت خلاء فيما بين حجرة عائشة وحجرة فاطمة ، وكان يقضي حاجته فيه، وقيل: فوق السطوح.. إلى غير ذلك، والصحيح أنه كان أسفل ما بين حجرة عائشة وفاطمة داخل الحاجز الحديدي الأخضر الموجود الآن، وكان يقضي فيه حاجته.

    وكانوا العرب قبل ذلك تأنف أن تبني مراحيض أو تقضي الحاجة محل السكنى، وكانت تأخذ المناصع -كما يقال- وهو الخلاء البعيد عن البيوت، وإلى الآن ربما يوجد في بعض القرى في بعض البلاد الإسلامية أنهم يستقذرون أو يستبعدون أو يتحرجون أن يجعلوا بيوت خلاء في داخل البيوت، ويذهبون ويخرجون فيقضون حوائجهم في الخلاء، ثم اتخذت بيوت الخلاء في البيوت حفاظاً على القعود والتكشف وغير ذلك.

    نزع كل ما فيه ذكر الله عند دخول الخلاء

    فـأنس يروي لنا من صور آداب الخلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، ولفظه (كان) تدل على التكرار.

    (وإذا دخل) المراد بـ(دخل): أراد الدخول؛ لا أنه إذا دخل بالفعل، والمراد أن ينزع الخاتم، وسبب نزع الخاتم أنه منقوش عليه "محمد رسول الله" ثلاث كلمات في ثلاثة أسطر، فلو حملنا (إذا دخل نزع) على ظاهر لاقتضى إدخال هذا الذكر الذي فيه لفظ الجلالة بيت الخلاء، ولهذا قلنا: إن معنى (كان إذا دخل) أي: إذا أراد أن يدخل، وكما يقول المالكية: ما قارب الشيء فإنه يعطى حكمه، وفي القرآن الكريم فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل:98] والمعنى: إذا أردت القراءة، فكذلك هنا: إذا أراد خول الخلاء.

    قال: (نزع خاتمه).

    أول ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الخاتم كان يلبس خاتم الفضة، وكان له فص من العقيق، فلما أراد أن يراسل الملوك والأمراء ويدعوهم إلى الإسلام، قالوا له: يا رسول الله! إن الملوك لا تقبل خطاباً إلا إذا كان مختوماً بختم المرسل، أي: حتى يكون رسمياً كختم الدائرة أو ختم الدولة، فترك الخواتيم التي هي مزينة بفص العقيق -وهو فص من الأحجار الكريمة- والناس يتخذون الآن العقيق والفيروز والزمرد وغيرها من باب الحلية ومن باب الزينة، ويذكرون خواص في هذه الأشياء الله أعلم بحقائقها.

    فترك الخاتم الذي فيه فص العقيق، واتخذ خاتماً من فضة ونقش على فصه محل الحجر، فجعله مربعاً أو مستديراً أملس، وحفر فيه نقش "محمد رسول الله".

    قالوا: كان صفة النقش أن لفظ الجلالة في الوسط، ولفظ "محمد" ولفظ "رسول" في الطرفين، ومهما يكن من شيء ففيه لفظ "محمد" رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه الرسالة، وفيه لفظ الجلالة.

    وهنا أخذ العلماء ضرورة تنزيه ما فيه ذكر الله عن مواطن الخبث:

    فإذا دخل ونسي الخاتم أن ينزعه فماذا يفعل؟ قالوا: إن أمكن نزعه وإخراجه وهو قريب من الباب بعيد عن الأقذار فعل، فينزعه ويجعله في فيه ويطبق شفتيه عليه، حتى يكون في حجاب عن مواجهة الأقذار، ولا مانع من ذلك.

    وإن لم يمكن أن ينزعه، وصعب عليه أن يخلع الخاتم، كأن تطول مدة الخاتم في يده ويصبح الخاتم ضيقاً فيحتاج في نزعه إلى مجهود أو آلام، قالوا: يدير الفص إلى داخل الكف ويطبق الكف عليه، فيصبح اسم الله أو ذكر الله محفوظاً بداخل الكف لا معرضاً لمواجهة الأقذار؛ لأنه لا يؤمن أن يكون في محله عارياً عن ستر، ربما مع استعمال الماء أو مع أي شيء يحصل هناك رذاذ من تلك المياه الموجودة، فتصل النجاسة إلى ما فيه ذكر الله، فيقع المحظور.

    وقياساً على الذكر الموجود في الخاتم يشمل الحكم كل ما فيه ذكر الله، سواء كان خاتماً، أو كان حلية، أو كان قرطاساً، أو كان جهازاً أو آلة، فمهما يكن من شيء يشتمل على ذكر الله فإنه يجب تنزيهه عن بيت الخلاء، فإن تذكر قبل الدخول فبها ونعمت، وإن لم يتذكر فعليه أن يحتاط، فإن استطاع أن يبعده وهو على جلسته فعل، وإن لم يحتط فعليه بإخفائه عن مواجهة النجاسات، قالوا: حتى لو يضعه في عمامته، وذلك عندما كان الناس يلبسون العمائم.

    وعلى هذا فالأمور تختلف من حيث هي، فـمالك رحمه الله يكره إدخال شيء مكتوب بالعربية ولو لم يكن فيه ذكر الله، لو أن هناك كتاب هندسة -زوايا وأضلاع ومقاييس موجودة- أو أشكال هندسية يعبر عنها بكلام عربي قال: لا ينبغي إدخالها ولا التمسح بها ولو لم يكن فيها ذكر الله؛ لأن تلك الكلمات والحروف عربية، والقرآن الكريم إنما هو بلسان عربي نطقاً وكتابة، فتحترم الحروف التي بها كتب القرآن الكريم عن تلك الأماكن.

    أما اللغات غير العربية فإنه إن وجد فيها ما تعرف ترجمته بذكر الله فهي تأخذ حكم العربية؛ للمعنى الذي تحمله، كما قيل: الألفاظ قوالب المعاني، أما إذا كان بلغة غير عربية، وليس فيها ذكر الله فهذه لا قيمة لها، كنقوش ليس لها حرمة.

    حرمة دخول الخلاء بالمصحف

    من هنا نعلم يقيناً بأن أشد ما يكون في هذا الباب التجرؤ في الدخول بالمصحف الشريف إلى بيت الخلاء، ولو تطور وأصبح معطراً ومرخماً و.. و.. إلخ كما يتصور بعض الناس، وسبق أن نبهت على ذلك.

    وقد سأل بعض الطلاب في الفصل وقال: شريط (كاسيت) مسجل وليس فيه حروف، هل يكون له حرمة القرآن المكتوب بالأحرف في أوراق؟

    فقلت: نعم؛ لأنه يحمل في طياته القرآن الكريم، وكما قيل: (النار كامنة في الحجر) فإذا قدحت به الزند خرجت النار، وكذلك هنا المعنى والصوت موجود في هذا الشريط، وملصق على المادة المغناطيسية على هذا الحديد بأمور فنية لا ندركها، وهي تمسك هذا القول على الشريط كما يمسك على القالب الشمعي الذي يسمى الأسطوانات.. إلى غير ذلك، فمعناه أن القرآن موجود، وإن كنا بحواسنا العادية لا نستطيع أن ندركه لا بالسماع ولا بالرؤية، لكن إذا وضع في جهازه أخرج لنا هذا الصوت وسمعناه طبق ما قرأه القارئ وسجل عليه.

    كذلك الرؤية: إذا أدخل شريط فيه صور، فعرض على جهاز يخرجه ويبرزه، فرأينا الصورة وسمعنا القول، فإنه يأخذ حكم المصحف.

    فإذا بإنسان -ما أدري هو يتمدح بهذا أو يتطاول أو يتجاهل- يخرج مصحفاً في جيبه على سحَّاب ويقول: أنا أدخل بهذا الخلاء! فقلت له: ماذا أفعل إذا حرمك الله توقير كتاب الله..؟! وهذا من المؤسف! فإذا به يتمادى ويقول: بيت الخلاء اليوم ليس كبيت الخلاء في القديم، أصبح الآن مرخماً ومعطراً ونظيفاً وكذا.. قلت: مرحباً.. حياك الله، لو وضع لك الغداء اليوم في بيت خلاء منظف من أحسن ما تحب، رخامه أبيض، وهو مطيب، وكل الخبز مثلما تشاء، وتفضل هناك الغداء. قال: كيف يصير هذا؟!

    قلت: عجيب.. أنت لست أفضل من كتاب الله.

    فيا إخوان: يؤسفني أن أورد مثل هذا، لكن حيث وجد بالفعل شباب مسلم ينتمي لكل معاني الإسلام، ويخرج المصحف من جيبه، مما يدل على أنه حريص ومكثر من التلاوة، والله أعلم بأمره، لكنه يقول: أنا أدخل بهذا بيت الخلاء.. فحذارِ يا إخوة..!

    أما من الناحية الفقهية فنجد المسائل إذا استجد لها صور عن الماضي ربما تدخل العقل والفكر، نجد بعض العلماء يذكر ما إذا كان يخشى ضياع المصحف قبل الدخول؛ ولذا تجدون أنتم في سبل السلام: أنه لا يجوز الدخول إلا عند الضرورة، وذلك بأن يخشى ضياعه. يا سبحان الله! والله لأن يضيع ألف مرة، أو يأخذه كافر ليس مسلماً ولا أدخل به بيت الخلاء! إذا أخذه إنسان مسلم أقل ما يفعله أنه سيقرأ فيه.. أو سيحطه في الرف، أو سيبيعه ويأكل ثمنه، وهذا أولى من أن ندخل بكلام رب العالمين بيت الخلاء.

    قال تعالى: : فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:75-80] إذاً: نتساهل نحن وندخل المصحف أو ما في معنى المصحف ولو أوراقاً صغيرة وفيها ألفاظ من القرآن أو نحو ذلك..! لا ينبغي أبداً.

    ثم ما وجدنا بيت خلاء خالياً من الناس؛ لأنه لا يكون الخلاء إلا في العمران، فأودعه عند إنسان خارج عن دورة المياه، فهناك دكان! أو إنسان جالس! أو شخص في الخارج ينتظرك! فتقول له: خذ هذا معك حتى أخرج، فإذا خرجت أخذته منه ودخل هو، إذاً: الإنسان يحتاط.

    أما ما نجده من بعض الأوجه والاجتهادات والآراء، ويقولون: حفظ المال واجب، وضياع الأموال ممنوع ومحرم، كل ذلك قد يقال في غير القرآن الكريم.

    والله تعالى أعلم.

    الحمامات العامة حكمها حكم بيوت الخلاء

    كذلك يلحق ببيت الخلاء الحمامات العامة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنها تحضرها الشياطين، وهي من المحلات التي لا ينبغي دخولها إلا لضرورة العلاج أو عدم وجود أماكن أخرى يستطيع أن يغتسل فيها، فلا ينبغي أن يدخل أيضاً المصحف في الحمام، اللهم إلا إذا كان للحمام إدارة -مكتب- فتضع ثيابك وتضع المصحف هناك، فلا بأس في ذلك.

    لكن في مواجهة المغاسل أو المغطس أو الأماكن التي تكشف فيه العورات هذا منهي عنه، فإذا كان منهياً عن كشف العورات في الحمامات، وبسببها جاء النهي عنها إلا للضرورة، فلا ينبغي أن يعرض إليها أيضاً المصحف الشريف أو الأحاديث النبوية الشريفة.

    وكما نبعد وننزه ما فيه ذكر الله عن تلك الأماكن، فإن الإنسان كذلك لا ينبغي أن يدخلها إلا وقت الاضطرار، ولا يأتي إليها -كما قيل- إلا للحاجة التي دفعته إليها، ولولا الحاجة ما دخل هناك.

    1.   

    الذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول الخلاء

    [ وعنه رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أخرجه السبعة ].

    الأدب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء، أي: أراد الدخول أيضاً، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبْث) بالتسكين أو (من الخُبُث) بضم الباء، فالخبْث: بالتسكين جمع خبيث، ويشمل الجمادات كخبائث الطعام، وخبائث الماديات، والأشغال النتنة والقبيحة، والخبُث: جميع خبيث، وهم شياطين ومردة الجن، والخبائث: جمع خبيثة، فذكران الشياطين الخبُث، وإناث الشياطين خبائث.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم) يقول علماء العربية: (الميم) في (اللهم) عوضاً عن الياء في أول الكلمة، أصلها: يا ألله، فالأصل أن يؤتى بحرف النداء في الأول، فإذا لم يأت حرف النداء جاءت الميم في الآخر (اللهم).

    (إني أعوذ) قالوا: أعوذ وألوذ بمعنى أحتمي، والاستعاذة: هي الاستجارة والحماية والاحتماء بمن تستعيذ به، وعندنا صيغة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وهنا يستعيذ صلى الله عليه وسلم بالله من هذا الصنف من خبائث الجن ذكوراً وإناثاً؛ لأنه لا يعيذ الإنسان منها إلا الله، وبالاستعاذة بالله تكفي شرها؛ ولهذا كنا نسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: علمنا الله كيف نصانع أعداء الإنس ونتحفظ من أعداء الجن في الآية الكريمة: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ [فصلت:34] السيئة ستأتي من العدو: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] فيقول: إذا كنت تريد أن تكتفي شر عدو الإنس فقابل إساءته بالإحسان.

    وأظن أنه قيل لواحد واسمه شكسبير: نراك تصانع أعداءك، أهذا ضعف منك؟ قال: لا، أترونني حينما أصانعهم أكتفي شرهم أم لا؟ قالوا: بلى. قال: هذا خير من أن أجاهدهم وأواجههم.

    والقرآن الكريم يبين لنا بأنه لا تستوي الحسنة منك ولا السيئة من عدوك، فادفع سيئة العدو بالتي هي أحسن منك تكتفي شره، فإذا هذا العدو المعادي لك كأنه ولي حميم.

    ولكن لا ينالها كل أحد ينالها: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] فهذا الجانب هو الاكتفاء من شر عدو الإنس.

    والجانب الثاني: الاكتفاء من عدو الجن، وهو يأتي بعد ذلك مباشرة: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت:36] فهنا عدو الجن لا تستطيع أن تصانعه، ولا أن تدفع سيئته بأن تحسن إليه، ولا تراه ولا تستطيع أن تعامله معاملة الإنسي، فليس لك مفر ولا مهرب منه ولا سلامة من كيده وشره إلا أن تستعيذ بالله منه؛ لأنه الأقدر عليه والأعلم بحاله.

    وهنا: (اللهم إني أعوذ بك): أي: ألوذ بك، وأحتمي بك. (من الخبُث والخبائث)، أي: من ذكران الشياطين المتمردة ومن إناثهم.

    إذاً: الشياطين فيهم ذكور وإناث، وفيهم تزاوج وتناسل، وفيهم تكاتف، وهذا كما جاءت الأخبار في ذلك مستفيضة.

    وعلى هذا: لماذا يقول ذلك عند دخول الخلاء ولم يقل ذلك حينما يأوي إلى فراشه لينام، ولم يقل ذلك حينما يريد أن يأكل أو يلبس ثيابه؟

    قالوا: لأن بيوت الخلاء هي مسكن هؤلاء الأشرار (الخبث والخبائث) أما الصالحون الذين لا يتمردون فلا يسكنون بيوت الخلاء، ولا يأوون إلى محلات النجاسات، ولكن: إما أن يسكنوا في البيوت الخربة، أو في بعض الآبار وخاصة المهجورة، أو حتى الآبار المستعملة.

    قصص واقعية للجن مع الإنس

    ومن غريب ما سمعت من أحد الأشخاص، سمى لي بيتاً -وأنا أعرفه وهو موجود- كان هذا البيت موجوداً إلى عهد قريب بجوار مبنى البريد الآلي الموجود، وأنتم تعرفون أن المدينة ليلة العيد يكون فيها حركة، فالنساء تغسل البيوت وتهيئ الفراش، والرجال في الأسواق يشترون، وفي حركة دائمة، فيذكر لي أناس من نفس هذا البيت، أنهم طوال الليل، وهم يسحبون الماء من البئر ويغسلون الحجر والبيت، فإذا هم يسمعون صوتاً من داخل البئر: يا جماعة! ألا تنامون! طلع الفجر ونحن نريد أن ننام، فالبنت قالت: نطلع دلوين فقط ونغلق. وقالت: نحن متعودون على ذلك من زمان يكلمونا ونكلمهم!

    ثم يحدثني رجل أنه كانت هناك زمالة وصداقة بين عمه وبين الجن وذهاب وإياب، فيقول: قال لي عمي: اجلس عند النافذة -وكان عمه يعمل في جمع المصاحف وتوزيعها في الروضة، ويعطيها الناس ليقرءوا فيها يوم الجمعة، وبعد أن يذهب الناس يجمعها ويرتبها في مكانها- حتى إذا دق الباب فتحت، يقول: كنت صغيراً ولم أكن كبيراً جداً، قال: وبينما أنا جالس أسمع الأذان فقبل أن ينتهي المؤذن من الأذان سمعت حركة في البئر، فقلت: ربما أنا أتخيل أو أن هذه حركة عند الجيران، وبينما أنا جالس عند النافذة إذ بي أسمع خفق نعال على الدرج كأن إنساناً لابس (قبقاباً) ويمشي في الحجر.

    قال: فتجمدت في مكاني! ثم نظرت فإذا بالباب ينفتح ثم يغلق! وبعد أن انتهى الإمام من خطبته وصلاته وقال: السلام عليكم، فما هي إلا لحظات وإذا بالباب ينفتح ثم يغلق، يقول: ثم جاء عمي فدق الباب، يقول: خذ المفتاح وافتح. لماذا لا تنزل؟ قلت: أنا لن أنزل، افتح أنت واصعد، فلما فتح الباب وصعد أراد أن يضربني، قلت له: اصبر.. اصبر.. فذكرت له القصة فضحك، يقول: أنا أحترق في نفسي وهو يضحك. ثم قلت: يا عم! لماذا تضحك؟ يقول: هؤلاء من زمان قديم وهم يسكنون عندنا، يذهبون ليصلوا الفجر، ويذهبون ليصلوا الجمعة، ونحن وهم مصطلحون وليس بيننا شيء.

    إذاً: الجن غير الخبائث والخبيثات، فإنهم لا يسكنون في مواطن النجاسات كالمراحيض، ولكن يسكنون في المحلات البعيدة عن النجاسة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (إن مؤمني الجن ليهاجرون إليها كما تهاجرون أنتم) وجاء ذلك في قصة وقعت أيام في غزوة الخندق، عندما جاء الصحابي الذي استأذن رسول الله أن يدخل بأهله، لأنه كان حديث عهد بعرس، فقال: (خذ سلاحك إني أخشى عليك يهود بني قريظة)، فلما وصل إلى باب البيت فإذا زوجه واقفة على باب البيت بدون حجاب وستر، فأراد أن يهوي إليها برمحه، قالت: لا تعجل! ادخل بيتك، وانظر فراشك ما فيه! فدخل فإذا حية على طول الفراش، فانتظمها بالرمح ولم يسم الله، تقول الزوجة: والله لا أدري أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الرجل! فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (هذا من الجن، قتله ولم يسم الله فانتقم له أصحابه فقتلوه، إذا رأى أحدكم شيئاً من هذه الحيات في البيوت فليؤذنها ثلاث مرات، فإن رآها بعد ذلك فليقتلها).

    ومن هذا يتبين أن الجن المؤمنين يهاجرون إلى المدينة كما يهاجر الإنس ويسكنونها، ويأتون إلى المسجد، ولكن: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].

    وسمعت من الشيخ ابن عثيمين -الله يغفر له ويرحمه- في مسجده في مدينة المجمعة يقول: أخبرني الشيخ بأنه كان في صلاة الضحى في بيته، فإذا بجماعة يسلمون عليه ولم ير أحداً، قال: من أنتم؟ قالوا: يا شيخ! نحن تلاميذك في المسجد، وجئنا ولم نستأذن منك، فنريد أن يكون حضورنا دروس الفقه بإذن منك، دروس الفقه. قال: لا بأس؛ بشرط: أن تظهروا للطلاب، فربما آذوكم أو تأذوا منكم. قالوا: نعم.

    إذاً: في هذا الحديث يبين لنا صلى الله عليه وسلم أن خبائث الجن تسكن في الأماكن القذرة ولهذا أيضاً فأعمال الشر من السحرة والفسقة لا تتم إلا في تلك الأماكن، ولا تتم أبداً في أماكن متنزهة كبستان، أو مجرى نهر، إنما تصلح معهم في تلك الأماكن حيث يسكنها خبائث الجن وخبيثاتهم، وهم اللذين يعينونهم على الشر.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    حديث أنس بن مالك في حمل الماء والعنزة للنبي صلى الله عليه وسلم

    [ وعن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء) متفق عليه ].

    العنزة وفائدة استصحابها

    ويأتي لنا أنس مرة أخرى فيروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان وغلام نحوه يحملان للنبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء إداوة من ماء وعنزة.

    ذكر العنزة وكونه يحمل إداوة من ماء وغلام نحوه كأنها قرينة على إرادة الخلاء الحقيقي وهو الفسيح من الأرض؛ لأنه في بيت الخلاء لا يحتاج إلى عنزة، وفي الفلاة يحتاج إلى العنزة حتى يركزها ويضع عليها رداءه، وتكون ستراً له من أعين الناس.

    وحقيقة العنزة: هي عود من الخشب من نوع قوي، في طرفها زج من الحديد، والعرب كانت تصحبها في أسفارهم، وكان إذا أراد الإنسان أن يبول والأرض قاسية يحرك الأرض برأسها الحديدي حتى تصبح رخوة، حتى لا يرتد البول عليه فيصيب ثوبه من رذاذه، فإذا كانت الأرض رملية فإنها تتقبل البول ولا يرتد منه شيئاً، بخلاف الأرض الصلبة فإنها ترد وتعكس البول على ما يقابلها، والعنزة كانوا يستعملونها في أشياء كثيرة، وكما قال موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18].

    وهناك سيرة أو قصة لعنزة، وهي: كان الزبير رضي الله تعالى عنه في غزوة بدر، وكان هناك رجل من المشركين يقال له: أبو ذات الكرش ، لديه بنت كرشها كبير، وكان يحملها فلقب بهذا، وكان في صفوف المشركين مجللاً بالحديد من أوله إلى آخره، ولم ير منه إلا فتحة العين، وكان مع الزبير عنزة، قال: فصوبتها على فتحة العين فأصابته وصرع منها، قال: فجئت لآخذ العنزة فما استطعت سحبها حتى وطئت على رأسه بقدمي، ثم انتزعت العنزة بالقوة حتى انثنى طرفاها.

    على كلٍ حكاية التصويب والإصابة وقوة الضربة هذا كله شيء معروف من فروسية المسلمين، فلما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم خبرها قال: أعطنيها، فأعطاها للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول القصة فيها: فكان صلى الله عليه وسلم يصحبها في السفر، فإذا أراد الصلاة في الخلاء ركزها أمامه -كما يقال- سترة للمصلي، وإذا أراد الخلاء ركزها ووضع عليها رداءه تستره من الناس.

    ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أخذها أبو بكر فكانت عنده، ولما توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه أخذها عمر فكانت عنده، وبعد وفاة عمر استرجعها صاحبها الأول.

    قوله: (كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء).

    الخلاء حقيقة وابتداءً: الأرض الواسعة الخالية من الأشجار، والخلاء يطلق على المرحاض الذي بني لقضاء الحاجة بدلاً من الخلاء في الأرض الواسعة، فـ(دخل الخلاء) تصدق على المرحاض، وتصدق على الأرض الواسعة، لكن ذكره للعنزة هنا، وأنه يحمل هو وغلام نحوه الماء يمنع أن يكون الخلاء هو المرحاض.

    ابن عباس لما كان عند ميمونة رضي الله تعالى عنها، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت الخلاء ذهب وأتى بإبريق وملأه ماء وطرحه عند باب المرحاض، فلما خرج صلى الله عليه وسلم ووجد الماء قال: (من وضع هذا؟ قالت له: ابن عباس . قال: لم وضعه؟ قال: علمت أنك حينما تدخل الخلاء تحتاج إلى الماء. قال: اللهم فقهه في الدين) وهذا هو الفقه -أي: الفهم- استنتج من دخول الخلاء الحاجة إلى الماء، فجهزها قبل أن يطلب منه.

    والإداوة: إناء من الجلد على هيئة الإبريق تماماً، وقد رأيتها مع جماعة يمنيين في منى، وهي عبارة عن جلد سخلة صغيرة مربوط من آخر النصف الأسفل، والرقبة هي فتحة الإبريق، وإحدى اليدين هي (البزبوز) الذي يخرج منه الماء واليد الثانية هي الأذن أو اليد التي يمسكون الإداوة بها كشكل الإبريق سواء بسواء، الرجلان الأماميتان واحدة بدلاً عن (البزبوز) والثانية محل اليد، والرقبة هي عنق الإبريق، ومن الوسط إلى تحت جعل له قاعدة من نفس الجلد على شكل مستدير كقاعدة توضع على الأرض، يعني: محيط قاعدة نحو (20سم).

    ولما رأيته تعجبت، وقلت له: ماذا تسمون هذا؟! قال: هذه الإداوة. قلت: جزاك الله خيراً، الحمد لله أننا رأيناها، كانوا يصفونها لنا في الكتاب وفي الدرس، والآن رأيناها بأعيننا طبق الأصل.

    فالإداوة: إناء من جلد بقدر الإبريق البلاستيك، وكانت في القديم تصنع من التنك -ما يسمى بالزنك- فكان إناء لحمل الماء.

    استحباب البعد عند إرادة الخلاء

    قوله: (أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة)

    كل شخص منهما يحمل شيئاً، وكلمة (غلام) تدل على أنه صغير، معنى ذلك أنه لا بأس باستخدام الصغار للمساعدة في مثل هذه الحالة.

    وقد كان من شأنه صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي في حديث المغيرة - إذا لم يكن هناك بيت للخلاء، وأراد الخلاء أن يبعد حتى لا يراه أحد، ولابد من الاستتار، ولو بكوم من رماد.

    وجاء في بعض خواصه ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أنه كان في أرض صلبة وما وجد شيئاً يستتر به، وكان هناك شجرتان متباعدتان، فناداهما وأشار لكل واحدة منهما أن تنضم إلى الأخرى، فشقتا الأرض والتقيتا حتى جلس وقضى حاجته، ثم أشار إليهما أن يرجعا، فرجعتا إلى ما كانا عليه.

    وهذه الحادثة حدثت مرة أخرى لما كان صلى الله عليه وسلم في مكة، ولقي ركانة يرعى غنماً، وكان ركانة -كما يقولون- بطل المصارعة، فما كان أحد يصارعه إلا صرعه ركانة ، فجاء الرسول وقال له: (يا ركانة ! أما آن لك أن تسلم؟ قال: يا محمد! تصارعني؟ قال: نعم أصارعك. قال: إن غلبتني أعطيتك مائة شاة، فصارعه فغلبه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) يقول الصحابة: (كنا نحدث بأنه أوتي قوة أربعين رجلاً).

    وكانوا يحتمون به صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت المعركة، وفي حنين لما فوجئوا برمي النبل من هوازن نفروا، فثبت مكانه وقال: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وما بقي معه إلا العباس ، فقال: (نادِ : يا أهل بيعة الرضوان!) فرجعوا إليه وكروا على العدو ونصرهم الله، فكان صلى الله عليه وسلم -لا نقول مصارعاً- بل كان يصرع الصرعة، فهنا صرعه صلى الله عليه وسلم فغلبه، قال: واويلتاه! ما أحد قط وضع جنبي إلى الأرض قبلك، تعيدها؟ قال: نعم. فأعادها معه المرة الثانية، فقال: والله يا محمد هذا أمر! لابد من الثالثة، قال: الثالثة، فصرعه، فوقف يضرب يداً بيد: يا ويلتاه! ماذا أقول لأهلي في ثلاثمائة شاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والله لا أجمع عليك غبنين: غبن في الغلبة وغبن في الشياة، ثم قال: أتعجب من ذلك يا ركانة ؟! قال: إي -والله- يا محمد! قال: انظر إلى تلك الشجرة، فنظر إليها، فقال لها صلى الله عليه وسلم: إلي.. إلي.. فجاءت إليه تخط الأرض حتى وقفت بين يديه، ثم قال: عودي حيث كنت، فرجعت حيث كانت.

    ويقولون: كان صلى الله عليه وسلم يبعد جداً ويستتر لجهتين: جهة شخصيته كمروءة، وجهة الناس؛ لأنه لو قدر أن إنساناً رآه فقد بصره، هكذا يقولون والله تعالى أعلم، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها زوجة، ومع ذلك تقول: (والله ما رأى مني ولا رأيت منه) وهذه أخلاق عالية، فهما زوجان في فراشٍ واحد، ويغتسلان في مكان واحد، ثم لا يرى أحدهما من الآخر، فهذه مثالية عليا في آداب الحياة والمعاشرة.

    كان صلى الله عليه وسلم يبعد حتى يقضي حاجته، ثم يدنو من الناس ويطلب الماء ليستنجي، ويكون قد استعمل الحجارة هناك، وبعد أن قضى حاجته يطلب الماء ويستنجي بالماء، وهذا فيه إثبات استعمال الماء مبدئياً، وهو الأصل، وسيأتي استعمال الحجارة وأيهما أفضل، وسيأتي خبر أهل قباء: (إن الله أثنى عليكم في الطهارة ماذا تفعلون؟( ولكن يهمنا في هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل الخلاء ويستنجي بالماء.

    والاستنجاء: هو إزالة النجو، والنجو: هو الباقي بعد الاستجمار؛ لأن الاستجمار لا ينقي، ولابد أن يترك أثراً مكانه، فمهما استعملت عدداً من الحجارة أو نحوها فلابد أن يبقى في مكانه أثر، ويتفق الفقهاء على أن هذا الأثر الباقي بعد الاستجمار مادام في محله فهو معفو عنه، ولو وجد مثل ذلك أو أقل منه في غير محله على اليد أو على الفخذ لما صحت الصلاة به، ولوجب غسله؛ لأنه في غير محله.

    والله تعالى أعلم.