إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [2]

كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مس المرأة وتقبيلها وأثر ذلك على الوضوء والصيام من المسائل المهمة التي ينبغي على المسلم معرفتها، حتى يبني عبادته على علم ويقين، وحتى لا يشك أو يشكك في أدائه لهذه العبادات.

    1.   

    الاختلاف في نقض الوضوء بملامسة النساء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

    أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) أخرجه أحمد وضعفه البخاري ].

    حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) .

    قولها: (بعض نسائه) جاء في بعض الروايات أنها هي المعنية ببعض نسائه، كما جاء في بعض الروايات أن الذي أخبرته قال: (ومن هي إلا أنت؟ فضحكت) فهذا يدل على أنها المعنية، فتكون قد أخبرت عن نفسها، وهذا مما يزيد الخبر قوة ثبوت لعدم وجود الواسطة.

    وجاء عنها رضي الله تعالى عنها في تقبيل الرجل امرأته: (أنه صلى الله عليه وسلم قبلها وهو صائم) فتعددت الروايات عنها في تقبيله صلى الله عليه وسلم إياها تارة في الصيام، وتارة من أجل الوضوء، فصلى ولم يتوضأ.

    حكم تقبيل الصائم لزوجته وما يترتب عليه

    أما قبلة الرجل لزوجه وهو صائم فيتفقون على أن القبلة من حيث هي لا تبطل الصوم، ولكن يخاف أن يتطور الأمر إلى ما يبطله؛ ولذا فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ في تقبيل زوجه وهو صائم، ومنع الشاب من التقبيل وهو صائم، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما تخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها وهو صائم تقول: (وأيكم أملك لإربه من رسول الله؟) أي: أنه كان باستطاعته أن يملك نفسه فلا يتطور أمر التقبيل إلى ما وراءه باختياره أو باضطرار عليه.

    الخلاف في انتقاض الوضوء بمس الرجل للمرأة

    والذي يهمنا في هذه الرواية: أنه صلى الله عليه وسلم قبلها وهو خارج إلى المسجد، ولم يتوضأ، وصلى بالوضوء الذي كان عليه قبل أن يقبلها، وهذا الحديث هو أصل الأحاديث النبوية في قضية الوضوء من لمس المرأة أو عدم الوضوء منه.

    وهناك أحاديث أخرى نرى المؤلف قد أعرض عنها، وإذا نظرنا إلى الأصل: فإنه إذا توضأ الإنسان وثبت الوضوء فهو يستصحب الأصل، وما كان ناقضاً فهو خلاف الأصل؛ إذاً: الأصل في المتوضئ أن يبقى على وضوئه حتى يأتي ما يبطل هذا الوضوء، ولكن المؤلف ساق هذا الحديث من أجل أن يبين أن من قال: في تقبيل المرأة الوضوء، مستنده على هذا الحديث، والقضية من حيث هي من المسائل التي يمكن أن يعتبرها طالب العلم نموذجاً لخلاف الأئمة الأربعة، وهذه المسألة لها أصل في كتاب الله وذلك في قوله سبحانه: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] فهذه الآية الكريمة ربطت مجيء الأحد من الغائط بملامسة النساء، والغائط في اللغة هو: المكان المنخفض، وسمي قضاء الحاجة باسم المكان؛ لأن الغالب في حق من أرد قضاء حاجته في الخلاء أنه لا يطلب مكاناً بارزاً يكون كالنار على علم، بل يطلب مكاناً منخفضاً حتى لا يراه أحد، فسمي الآتي من الغائط كناية عن أنه قضاء حاجته هناك، فأصبح الغائط حقيقة عرفية لا لغوية في من يقضي حاجته بغائط أو بول، حتى الخارج من أحد السبيلين يسمى غائطاً، باسم المكان الذي يُقضى فيه .

    وقوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] قالوا: ملامسة النساء مقترنة بالمجيء من الغائط، والمجيء من الغائط كناية عن قضاء حاجة الإنسان، وقضاء حاجة الإنسان فيها الوضوء بالإجماع، فيكون لامستم النساء فيها الوضوء كالغائط.

    وهنا يقع الخلاف في المراد بـ(لامستم) فمن قائل: هو مجرد التقاء البشرة بالبشرة، ومن قائل: إن الملامسة هي: كناية عن الجماع، وكما كني عن الخارج من الجسم بمكانه كني عن الجماع بالملامسة، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إن الله حيي كريم يكني ولا يسمي). وقد جاء في الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ [البقرة:187] ، وفي الآية الأخرى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ [البقرة:197] والرفث في الحج: كلام باللسان ويتناول أيضاً الجماع ويفسد الحج، ومثله في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ [البقرة:187] فهو أي: الرفث المداعبة والملامسة وكذلك يراد به الوطء الذي كان ممنوعاً.

    إذاً: (لامس) هناك من يقول: إن لامس (فاعل) من طرفين، كما تقول: قابل زيد عمراً، وزاحم زيد عمراً، فتكون هذه المادة مفاعلة من طرفين لا من طرف واحد، فيكون المراد بها الجماع، وتكون الآية شملت المريض والمسافر والذي جاء من الغائط والذي كان به جنابة ولم يجد ماءً أن يتيمم.

    والآخرون قالوا: إن (لامس) بمعنى اللمس. والملامسة هنا تكون بمجرد لمس البشرة لوجود قراءة أخرى سبعية: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لمَسْتُمُ [النساء:43] فقالوا: القراءتان سبعيتان صحيحتان، وتفسر إحداهما الأخرى، فـ(لامستم) التي تدل على المشاركة تفسرها (لمستم) التي ليس فيها مشاركة، كما يقال: لمست الجدار، أو لمست الدابة، أو لمست الكتاب، ويكون هذا من جانب واحد.

    إذاً: المسألة مبناها من الكتاب على الاختلاف في مدلول (لامس) أو (لمس)، وعندنا في كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لـابن تيمية رحمه الله؛ كتاب لا أعتقد أنه وجد في موضوعه ولا في بابه نظيره أبداً، ذكر أسباب الخلاف بين الأئمة، والخلاف الذي لا ينبغي أبداً الاعتراض عليه لوجود أسبابه شرعاً وذكر عشرة أسباب منها: الاختلاف في فهم النص، أو بلوغ النص لمن لم يبلغه، أو صحة النص عند شخص وعدم صحته عند غيره، أو سلامته من معارضة أو عدم معارضته... إلخ، وهنا وقع الاختلاف في فهم (لامستم)، وقد بحث هذه المسألة ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار وأطال فيها، ونقل الآثار عنه صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وعن التابعين وعمن قال بذلك.

    ونأتي إلى المسألة كتطبيق علمي شرعي لمسألة اختلف فيها الأئمة لنرى المنهج السليم في تحقيق مسائل الخلاف، والنتيجة بترجيح ما صح ترجيحه.

    فنأخذ المسألة من جهة الأئمة رحمهم الله، ونتتبع في ذلك (أقوالهم):

    نجد الشافعي رحمه الله يقول: (لامستم) بمعنى لمس، كما في قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ [الجن:8] ، وفي قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:237] جاءت (مس) بمعنى الجماع، وجاءت (لمس) بمعنى المقاربة أو الملاقاة، فهنا جاءت (لمس) و(لامس) وكل منهما في مكانها، فيقول الشافعي رحمه الله: مجرد التقاء بشرة رجل بامرأة بأي حالة أو على أي كيفية ذاكراً أو ناسياً أو قصداً أو بدون قصد، حدثت شهوة أو لم تحدث، والمراد بملامسة البشرة للبشرة سواء بكف اليد أو بظهرها، بالذراع أو بالفخذ أو بالقدم، أي مطلق لمس الرجل للمرأة يكون ناقضاً، هذا قول الشافعي .

    نجد في مقابل هذا القول: ما جاء عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: إذا وقع لمس الفرج بالفرج وليس هناك إيلاج كان فيه الوضوء، وما عدا ذلك من قبلة أو لمس أو جس بشهوة أو بغير شهوة فلا وضوء فيه.

    إذاً نستطيع أن نقول: الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: كل لمس بأي صفة لا وضوء فيه، وهذا القول مقابل لقول الشافعي رحمهما الله، فهذا يقول: مطلق اللمس ناقض، وهذا يقول: كل اللمس ليس بناقض، وأعتقد أنه خلاف قوي.

    وأما مالك وأحمد رحمهما الله: فاتخذا طريقاً وسطاً وقالا: اللمس الذي يكون ناقضاً هو اللمس بشهوة، واللمس العادي العابر عمداً أو سهواً هذا ليس فيه شيء وليس بناقض.

    إذاً: هذا القول وسط بين قول من ذهب في طرف الإيجاب ومن ذهب في طرف المنع.

    والخلاصة: أن عندنا في المسألة ثلاثة أقوال: قول بالإيجاب مطلقاً، وقول بالمنع مطلقاً، وقول بالوسط، والقول الوسط تحقيقه عند المالكية والحنابلة: إن قصد اللذة ولو لم يجدها، أو لم يقصد اللذة ولكن وجدها، فهذا هو الناقض عندهم.

    بم استدل الشافعي رحمه الله؟ وبم استدل أبو حنيفة رحمه الله؟ وبم يجيب كل منهما على دليل الآخر لأنه مناقض لقوله؟ وما هو موقف الإمامين مالك وأحمد بين الطرفين؟

    كيفية الترجيح في المسائل الخلافية

    ونحن سبق أن قررنا بأن المسائل الخلافية لا يتأتى تحقيق الأمر فيها إلا بأربع خطوات:

    الخطوة الأولى: إدراك الخلاف على ما هو عليه الآن: فـالشافعي يقول: المس ينقض الوضوء. وأبو حنيفة يقول: لا ينقض، ومالك وأحمد يفصلان.

    الخطوة الثانية: معرفة دليل كل قائل، فنعرف الدليل الذي استدل به، ثم نعرف دليل أبي حنيفة ، ثم نعرف دليل مالك وأحمد ، ونترك دليل كل قول عند صاحبه.

    الخطوة الثالثة: نأتي ونتساءل: الشافعي حينما يرد على أبي حنيفة في استدلاله بعدم النقض، هل لديه شيء يرد به عليه؟ وأبو حنيفة هل عنده شيء يرد به على الشافعي على ما استدل به من عموم النقض؟ إن وجدنا رداً ونقداً من الشافعي لـأبي حنيفة وكان مقبولاً قبلناه، وإن وجدنا رداً من أبي حنيفة لأدلة الشافعي ، وكان مقبولاً قبلناه، وكذلك نقول لـمالك وأحمد : ما دليلكما على أدلة الشافعي وأبي حنيفة ؟ فإن وجدنا عندهما أدلة تكفي أخذنا بها، وإذا لم نجد في أقوال بعضهما في أدلة البعض الآخر ما يمكن أن يؤخذ به تركناه.

    فإذا تعادلت جهات الخلاف باعتدال وتوازي أدلتها تركناها معلقة، وذهبنا نطلب الترجيح من خارج تلك الأدلة إن وجدنا.

    وطرق الترجيح كثيرة كما يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: الترجيح بحر لا ساحل له. ولهذا يقول الشافعي : لا ينبغي لأحد أن يعترض على أحد رجح عنده حكم لم يرجح عنده هو؛ لأن لديه من المرجحات ما ليست عندك، ولو فرضت رأيك وكانت المسألة إلزامية ليس رأيك بأولى أن نفرضه من رأي الآخر، فمثلما تود أن تفرض رأيك فالآخر يود أن يفرض رأيه، والمسألة بالأدلة.

    إذاً: نخطو تلك الخطوات لتصور الخلاف، وهذه المسألة قد اخترناها فعلاً في كتاب: (موقف الأمة من اختلاف الأئمة)، لأنها مسألة عملية، فالناس في بيوتهم الرجال مع النساء، يصلون، ويطوفون بالبيت، ويذهبون ويجيئون، كل ذلك -كما يسميه العلماء- مما عمت به البلوى، فلا يمكن أن نعزل الرجال عن النساء خاصة في بيوتهم، إذاً: نحتاج إلى إمعان النظر في هذه المسألة، وإلى التأني والتمهل فيها.

    فنأتي أولاً إلى من يقول بأنه ناقض لأنه ناقل عن الأصل، فنقول: بم استدل الإمام الشافعي رحمه الله على أن مطلق اللمس ينقض الوضوء؟

    استدل رحمه الله بقوله سبحانه: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] فهذان متساويان في وجوب التيمم إذا لم تجدوا الماء، ومنها (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ).

    فقلنا له: إن (لامس) يرد عنها أبو حنيفة بأن المراد به الجماع.

    يرد الشافعي ويقول: جاءت القراءة الأخرى: لمستم فأنا أتمسك بنص الكتاب في (لمستم) وهي تبين القراءة الثانية: لامستم .

    هذا قول الشافعي رحمه الله.

    ثم نأتي إلى الإمام أبي حنيفة ونقول: بم استدل على أن اللمس لا ينقض الوضوء؟

    قال أبو حنيفة رحمه الله: الأصل عدم وجوب الوضوء، فمن أوجبه فليقم الدليل، ومن أدلتي: أن (لامس) بمعنى: جامع، وقد فسرها بذلك ابن عباس ، ومن أدلتي أن الرسول قبّل عائشة ولم يتوضأ.

    قال له الشافعي : قد جاء عن ابن عمر أنه قال: قبلة الرجل امرأته من الملامسة، وفيها الوضوء.

    أجاب أبو حنيفة وقال: هذا كلام ابن عمر ، وكلام ابن عمر لا يقضي على فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    واستدل أبو حنيفة رحمه الله أيضاً بما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل، تقول: وأنا نائمة معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يسجد لمسني بيده أو غمزني بقدمه فكففت قدمي عنه ليسجد) فهذا غمز ولمز ولم يكن هناك وضوء، وهو في الصلاة وليس لقصد، فماذا يقول الشافعي ؟

    قال: نعم، لكن لم تمس البشرة البشرة، بل كانت نائمة متغطية بملحفتها فغمزها من فوق الحائل.

    فماذا يقول أبو حنيفة ؟

    قال: إذا قلتم ذلك، فماذا تقولون في قولها: (قمت ذات ليلة فلم أجد رسول الله عندي، والحجرات آنذاك ليس فيها سرج، فقمت أبحث عنه بيدي، فوقعت بطن كفي على قدمه وهو ساجد في المسجد، وهو يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)، ففي هذا الحديث وقعت بطن كفها على بطن قدمه، فماذا تقولون؟

    قالوا: نعم، الإنسان قد يكون ساجداً والإزار ساتر على قدميه فبينهما حائل.

    فقال أبو حنيفة : قد جاء عنها رضي الله تعالى عنها: أنها انتظرته حتى قام من الركعة الأولى، وظنت أنه ذهب إلى جاريته مارية ، فقضى حاجته واغتسل وجاء يصلي، قالت: فقمت فأدخلت أصابعي في شعر رأسه أنظر هل هو مغتسل أو لا؟ فماذا تقولون في ذلك يا شافعية؟!

    قالوا: ليس فيه شيء؛ لأنها لامست الشعر، والشعر ليس فيه حرارة.

    إلى هنا تكون الكفة بين الشافعي وأبو حنيفة راجحة لـأبي حنيفة ، على ما فيها.

    وأما الذين قالوا بالتوسط فماذا يقولون في أدلة أبي حنيفة ؟

    قالوا: إنما استدل بأمور عادية، ولكنا نقول بالقول الوسط الذي لم يقله الشافعي ولا أبو حنيفة ، ودليلنا مستقل عنهما.

    وهو: الحديث الذي جاء فيه: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أنا أبيع التمر، وجاءتني امرأة تطلب تمراً، فأغواني الشيطان، فقلت لها: عندي في البيت خير من هذا، فذهبت معي لأعطيها تمراً من البيت، ولكن حدث أن كل ما يفعله الرجل مع امرأته قد فعلته معها غير أني لم أجامعها، فطهرني. قال: هل صليت معنا العصر؟ قال: لا. قال: توضأ وصلِ).

    فقال المالكية والحنابلة: هذا الرجل قد لمس ولامس وفعل ما يقصد به اللمس فعلاً، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء، بينما لم يتوضأ من مجرد القبلة، فقد تكون قبلة عاطفية كما يقبل الإنسان زوجه وهي مريضة، أو يقبل ابنته الصغيرة، أو يقبل أمه عاطفة وبراً، فالقبلة ليس فيها دعوى الشهوة، وكذلك الملامسات الأخرى، كقول عائشة : غمزني أو لمسني بيده... فكل هذه أمور عادية، فتركنا الوضوء من الأمور العادية، وأوجبنا الوضوء من الأمور غير العادية؛ لأنه قال للرجل: توضأ، وموجب وضوء الرجل هنا هو ما كان منه مع المرأة؛ لأنه لامسها بقصد الشهوة، ولذا شعر بالإثم فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وقال: طهرني!.

    قالوا: لا، من قال لكم: إن الرجل قبل أن يلقى المرأة كان متوضئاً حتى انتقض وضوءه بهذه الحالة.

    فلماذا قال له: توضأ؟

    قال له: توضأ. لأن الوضوء مكفر للذنوب (إذا غسل وجهه خرجت خطاياه ... إذا غسل يديه... إذا فعل... إذا فعل...) .

    قالوا: لا، الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الاستفصال من الرجل قبل أن تأتي تلك المرأة، فلم يقل له: كنت متوضئاً أم غير متوضئ؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة المقال في الحال، فكأن الرسول لم يعتبر وضوءاً قبل ذلك، وأمره بوضوء جديد لتلك الحالة.

    فقلنا: بأن مطلق اللمس لا ينقض، ولم نقل: كل لمس لا ينقض، وقلنا: اللمس بشهوة هو الذي ينقض. فما رأيكم الآن ما بين أحمد ومالك وأبي حنيفة ؟ أي الكفتين ترجح؟ مالك وأحمد .

    وعلى هذا -أيها الإخوة- نحن لا نطمع أن نزيل الخلاف في مسألة خلافية اختلف فيها الأئمة رحمهم الله؛ لأن لديهم من النصوص، ما يؤيد ما ذهبوا إليه، وهناك نصوص عديدة لا أستطيع أن أسردها كلها أو أحفظها كلها، ولكن هذه هي خلاصة البحث في هذا الموضوع، وهذا القدر يكفينا، فإذا كنت شافعياً أو حنفياً أو مالكياً أو حنبلياً أياً كان، وكنت من أهل النظر والترجيح ما الذي تطمئن نفسك إليه بصرف النظر عن المذهب الذي تأخذ به؟ كما يقال: الحال الوسط والذي يجمع بين الأدلة هو ما ذهب إليه مالك وأحمد ، ولو قال قائل: الأحوط ما قال الشافعي . ويكون أحوط للعبادة وأصح، ولكن الأحوط فيه تكليف وإفساد، فيه إبطال الوضوء السابق، وفيه تكليف بالوضوء من جديد، وهذا فيه أيضاً إحراج.

    إذاً: من حيث المنهج العلمي ومن حيث البحث في الأدلة على هذه الطريقة يكون قد ترجح عندنا ما ذهب إليه مالك وأحمد .

    عندنا جزئية يضطر إليها الشافعية فيقلدون فيها مالكاً وأحمد ، وهي أنه في حالة الطواف وشدة الزحام تجد بعض الإندونيسيات يلبسن القفازات، والمحرمة ممنوعة من لبس القفاز، فتأتي المحرمة وتلبس القفازين حتى لا ينتقض وضوءها، حتى إن من الرجال من يلبسهما حتى لا يلمس المرأة، ولبس القفازين ممنوع على المحرم، ومن هنا نجد الشافعية يقولون: من أراد أن يطوف بالبيت فيقلد مذهب مالك وأحمد أو مذهب أبي حنيفة في الطواف؛ حتى لا يبطل وضوءه، ويكون على اعتقاد بأخذ قول إمام معتبر ينجيه من الورطة، وإلا لو بقي شافعياً فليس بمكمل طوافه طوال عمره!

    فإذا قيل: إذا حصل اللمس يكون فلمن النقض: للامس أم للملموس؟

    هناك من يقول: النقض للامس؛ ولهذا بعض الشفاعية ما قالوا بوجود حجاب وغطاء في قصة عائشة، وإنما قالوا: هي التي لمست، الرسول ما لمس، وإذا كانت هي متوضئة ينتقض وضوءها أما الرسول فلا، بل يستمر في صلاته؛ لأن النقض للامس وليس للملموس.

    وإن قيل: باللمس حصلت شهوة عند الاثنين، فهل يكون النقص للامس أم للملموس أم للاثنين؟ نقول: للاثنين.

    على كل المسألة بهذا الوصف من وجود الاختلاف والاستدلال بأقوال، سواء كان مفهوم الآية الكريمة أو النصوص في الأحاديث، أو أقوال السلف، فقد جاء القول في مثل هذا عمر ، وجاء عن عبد الله بن عمر ، وعن ابن مسعود ، وعن طلحة ، وعن ابن عباس ، و... و... إذا جئت للاستذكار عند ابن عبد البر فستجد أن الخلاف في الطبقتين: طبقة الصحابة وطبقة التابعين على ما سمعنا، فمنهم من قال: ناقض، ومنهم من قال: ليس بناقض، والأدلة كلها تدور حول ما سمعنا تقريباً.

    والله تعالى أعلم.