إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الوضوء [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حث رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام على ما يرفع الدرجات ويزيد في الأجر، فكان مما أرشد إليه إسباغ الوضوء وتخليل الأصابع واللحية، والمبالغة في الاستنشاق، وهذه الأفعال من أسباب كمال الوضوء وحسن النظافة وزيادة الأجر.

    1.   

    أحكام متعلقة بالوضوء

    إسباغ الوضوء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [ وعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة ] .

    وقوله: [وعن لقيط بن صبرة] يقال: (صبُرة) بالضم، وقيل : (صبِرة) بالكسر.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) هذا الحديث في جملته من أهم أحاديث الوضوء؛ لما فيه من الحث على إسباغ الوضوء، والإسباغ: التعميم، كما قال تعالى: أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:11] أي : دروعاً سابغات تغطي مواطن الخطر على الإنسان عند القتال، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن صلاة المرأة : (أتصلي المرأة في درع وخمار يا رسول الله؟ قال: نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور القدمين) وإسباغ الوضوء : هو تعميم العضو بالماء، حتى لا يبقى فيه جزء لم يمسه الماء.

    وجاء في المقابل في غزوة تبوك أنه صلى الله عليه وسلم نظر إليهم وهم يتوضأون سراعاً، فرأى في عقب واحد منهم لمعة -أي: لم يصلها الماء-، فقال : (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) والأعقاب : جمع عقب، وهو مؤخر القدم.

    فعرفنا أن الإسباغ هو التعميم، ومن هنا قالوا -كما تشدد في ذلك المالكية- تدليك الأعضاء شرط في الوضوء، وقال آخرون : إن التدليك ليس شرطاً، وإنما هو عامل تأكيد لوصول الماء إلى البشرة كلها، وجاءت السنة مبينة بأن يتوضأ الشخص ثلاثاً؛ فتثليث الغسل فيما عدا الرأس مظنة تعميم الماء على الأعضاء، أو تحقيق لإسباغ الوضوء.

    فهذا الحديث نص صريح: (أسبغوا الوضوء)، ومن هنا يقولون : من اطلع على لمعة في عضو من أعضاء الوضوء بعد أن صلى بهذا الوضوء عليه أن يعيد الصلاة؛ لأن وضوءه ناقص، والوضوء شرط في صحة الصلاة، ولهذا كانت أهمية هذا الحديث، وكان على الإنسان إذا أخذ يتوضأ أن يتمهل ويدلك، ويتأكد من وصول الماء إلى جميع أجزاء كل عضو من أعضاء الوضوء .

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (أسبغ الوضوء) في هذا استعمال اللغة المعنى المحسوس للمعنى المعنوي، فأصل الإسباغ للمحسوسات من الثوب والدرع ونحوه، فنقل إلى الوضوء ؛ لأن الوضوء أمر حادث بعد إيجاد اللغة ووضعها .

    تخليل الأصابع في الوضوء

    قال صلى الله عليه وسلم: (وخلل بين الأصابع) هذا مناسب لما قبله؛ لأن من عملية إسباغ الوضوء أن تخلل بين أصابع اليدين والرجلين ؛ لأن العادة أن الأصابع قد تنطبق على بعضها -لا سيما أصابع القدمين-، فتكون فرصة دخول الماء بين الأصابع قليلة، والتخليل مأخوذ أيضاً من معنى محسوس، وهو عود الخلال، وكان الناس سابقاً -خاصة من لم توجد في أرضهم أعواد الأراك لاستعمال السواك بكثرة- كانوا يستعملون أعواد الخلال، وهو نبات ينبت أحيانا مع القمح، وهو عبارة عن أعواد كأعواد الكبريت، وهي أدق منها، ولها ثمرة البذور في أطرافها يداوى بها الكلى والحالب ونحو ذلك، وتلك الأعواد ملساء ودقيقة مثل إبرة الخياطة، فكانوا يدخلونها خلال الأسنان في تلك الفجوات لتنظف الفم وتقوم مقام السواك، وكانوا يختارونها دون غيرها لكونها ملساء، ولدقتها ورائحتها، فكانت تعطر الفم مع النظافة.

    فتخليل الأصابع إدخال الأصبع بين الأصبعين، مأخوذ من تخليل الأسنان، فالتخليل والخلة أخذا منها، فلم يبق بين الأسنان ما يسع مع عود الخلال عوداً آخر، وكذلك تخليل الأصابع، فإذا أدخلت الأصبع بين الأصبعين لم يترك مجالاً لأصبع آخر؛ لأن الأصبع وصل إلى الفجوات بين الأصبعين.

    ومن هنا قيل: الخليل: هو الصديق الوحيد للذي اتخذه خليلاً وحيداً لنفسه ؛ لأن الخلة لا تسمح لصداقة غيره معه، كما أن عود التخليل بين الأسنان لا يسمح لعود آخر معه، ومنه الحديث : (لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر ، ولكن الله اتخذني خليلاً)، والأنبياء كثر، وسيدهم وخاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن لما جاءت الخلة لإبراهيم لم يكن هناك خليل آخر لخليل آخر، وهكذا العادة بين البشر، فإذا اتخذ الإنسان خليلا لم يبق في قلبه مكان لخليل آخر، إنما هو واحد فقط.

    والتنبيه على التخليل على ما بين الأصابع مع إسباغ الوضوء هو لأن نعومة الأصابع -وهي تلك المناطق اللينة- ربما يتراكم فيها شيء من العرق، أو ما يخرج من الجسم، أو الدهون، خاصة أصابع القدمين، وإذا تراكم شيء من ذلك كانت فيه مضرة على الجسم بسد المسام في هذه المناطق، فكان من فطرة الإسلام ومن عناية النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبه على تلك الأماكن، وأن يؤكد على أن نظافتها جزءٌ من الوضوء، وإسباغٌ وتكميل للوضوء.

    وذكر الفقهاء في كيفية التخليل صوراً هندسية الله أعلم بها.

    قالوا : يجب أن يكون تخليل أصابع القدمين بخنصر اليد اليسرى لا باليمنى، أما أصابع اليدين فكيفما كان، ولو أن يدخل الأصابع بعضها في بعض، وسواءٌ أكان ببطن الكف أم بظاهره، فعلى أي صورة كانت فقد حصل التخليل، إلا أنه في القدمين الغالب والعادة -خاصة لمن يلبس الحذاء الساتر للقدم، أو الشراب- أن يكون بين أصابع القدمين روائح، فقالوا: نظافة القذارة أو ما يعلق في الجسم مختص باليد اليسرى، وأما ما عدا ذلك فهو لليد اليمنى، ولهذا قالوا: يكون تخليل أصابع القدمين باليد اليسرى، وبالخنصر؛ لأنه أرفع الأصابع وأدقها، وأيسر أن يمر وأن يخلل بين أصابع القدمين لتقاربها وتناسقها.

    المبالغة في الاستنشاق عند الوضوء

    قال صلى الله عليه وسلم: (وبالغ في الاستنشاق).

    يضيف صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بمدخل من مداخل الجسم، وهو الاستنشاق، وضابطه: جذب الماء بالأنف إلى داخله، والاستنثار :هو إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه، أي : بالغ في نظافة الأنف.

    ومعلوم عند الناس أن الله سبحانه جعل الأنف طريقاً للهواء، ويقولون : التنفس الصحي السليم أن يتنفس الإنسان بأنفه لا بفمه، والفرق بين التنفس بالأنف وبين التنفس بالفم واضح عملياً؛ لأن المتنفس بفمه يأتي بالهواء من الخارج عن طريق الفم إلى الرئة مباشرة، فإن كان في الحر فهو حاراً، وإن كان في البرد فهو بارداً، وإن كان الجو فيه غبار فهو هواء بغباره، ولكن الأنف نجد أنه مفتوح، وليس له مغلاق كالشفتين على الفم، فالهواء داخل وخارج على مر الوقت، فجعل الله سبحانه -من حكمته- في مداخل الأنف شعيرات، وهي عبارة عن مصفاة أولية لرد الأجرام المحسوسة، ووراء الشعيرات المادة المخاطية ترد ما تجاور منها ولو كان ضئيلاً فيلصق بتلك المادة، وما تعدى تلك المادة يأتي إلى الخياشيم، والخياشيم لا تسمح لشيء يدخل إلا الهواء الصافي فقط.

    ومن مهمة تلك المادة وتلك الشعيرات والخياشيم تكييف الهواء، فإذا كان الهواء حاراً شديداً فإنه حين يمر بتلك المناطق يتكيف بالبرودة بما يلائم داخل الصدر، وإذا كان الهواء بارداً شديداً مشبعاً بالرطوبة والبرودة فعندما يمر بتلك المناطق فإنه يتكيف بالحرارة التي تناسب الرئة.

    ومن هنا -ومن حكمة الله- لما كان طريق الهواء -وهو الأنف- طريقاً مفتوحاً وفيه تلك العمليات من التصفية والتنقية والتكييف كان لابد من العناية به في نظافته؛ لأننا إذا لم ننظف الشعر والمادة والخياشيم انسدت تلك المسام، أو تعطلت فائدتها، وأصبح الهواء يمر ولا يرده شيء .

    فعلى هذا كانت عناية الإسلام بهذا المدخل الوحيد للهواء أشد ما تكون.

    ويقابل ذلك العناية بالمدخل للطعام والشراب ألا وهو الفم فأمر صلى الله عليه وسلم بإسباغ المضمضة، بل وشرع السواك، وقال : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، ونحن ننبه على محاسن الإسلام وشموله، ونقول :إن العالم الغربي كلما أمعن في الحضارة، وكلما ترقى في المدنية فإنه يعتدل المسار به إلى الإسلام.

    أنا لنسمع بالأسبوع الصحي، والعناية بالفم لأنه مدخل الطعام إلى الجسم، ومظهر صحة الفم مظهر من صحة الجسم وهذا بعد أربعة عشر قرناً، والرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يُعنى بذلك من أوائل البعثة، ويجعله جزءاً في الوضوء، ومع كل وضوء، والإنسان يتوضأ خمس مرات أو أكثر في اليوم والليلة .

    فعناية الإسلام بما انتبه إليه الغرب اليوم دليل شاهد قوي على قدم وسبق وسمو حضارتنا الإسلامية على ما توصل إليه الغرب بعد عشرات القرون، وعلى هذا يكون الحديث علما من أعلام السنة النبوية، فمن المعجزات كون النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى هذه الجزئية الدقيقة في جسم الإنسان من باب الطب الوقائي قبل أن يقع شيء من الأمراض بسبب الإهمال.

    ونجد هنا -من الناحية الأصولية- الاحتراز في قوله صلى الله عليه وسلم: (وبالغ في الاستشناق إلا أن تكون صائماً)، والمبالغة زيادة عن الحد المعتدل، كما يقولون : الفضيلة وسط بين طرفين، فما نقص عن الوسط كان تقصيراً، وما زاد عنه كان مبالغة.

    وهنا يحث صلى الله عليه وسلم على المبالغة، مع أنه لم يحث على المبالغة في أي عمل من الأعمال، وجعل غسل الوجه ثلاثاً، فليس هذا مبالغة بل هو تكرار، ويمكن أن يكون الاستنشاق ثلاثاً دون مبالغة، والمبالغة هنا: أن يحاول أن يدخل الماء إلى داخل الأنف ليستقصي نظافته، ولكن نجد الاحتراز، كما قيل : لكل مقام مقال، والفتوى والعمل يجب أن تراعى فيهما أحوال الإنسان، فقوله: (وبالغ في الاستنشاق) لأن هذا أدعى إلى النظافة أو استكمال الوضوء، كما أنه جاء أن الشيطان يبيت على خيشومه.

    وقوله: (إلا أن تكون صائماً)، أي: إن كنت صائماً لا تبالغ، ويكفيك الحد المعتدل بأن تستنشق الماء بسهولة بدون مبالغة؛ لئلا يصل الماء إلى درجة لا تستطيع معها أن تتحكم فيه، فيسبقك إلى الداخل وأنت صائم ممنوع من إدخال شيء إلى جوفك .

    فالمبالغة مع الصوم تؤدي إلى إبطال ما هو أعم وأفضل وألزم .

    وهذا الحديث أصل من أصول سد الذريعة، وهو أن تترك فعل الشيء الجائز مخافة أن تقع في فعل الشيء الذي ليس بجائز، أو تتسبب في حصول شيء أكثر ضرراً من ذلك، كما جاء في الحديث أيضا: (من الكبائر أن يسب الرجل أباه، قالوا: يا رسول الله! وهل يسب الرجل أباه؟! قال : نعم، يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه)، فسبك لأبي غيرك ذريعة لأن يسب أباك، فتكون كأنك سببت أباك.

    وجاء أيضاً في القرآن الكريم: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] أي : تكونون أنتم من سلطهم على سب الله عز وجل بسبكم لآلهتهم، وأنتم غير مكلفين بهذا، ولكن تمنعونهم وتنصحونهم، ولا تسبوا آلهتهم فتأخذهم الغيرة والحماس مما يجعلهم يسبون الله أيضاً.

    وهذا الحديث أصل من أصول سد الذرائع في أصول الفقه،وهذا الذي ينبغي على الإنسان أن يراعيه ولهذا قال العلماء فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إذا وجدت إنساناً على منكر، أو علمت بمنكر في مكان فتحمست وقلت : يجب تغيير المنكر، ثم غفلت عما يجب مراعاته في قواعد الأمر والنهي،فاقتحمت البيت بغير إذن - وليس لك حق في هذا؛ لقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، وجئته بشدة وحماس وقلت له : يا جاهل يا فاعل فعند ذلك ينتصر لنفسه ولو بالكذب، فيدخل حظ النفس هنا، فبدل أن كنت تريد نصحه لله في إنكار المنكر سمعت سبه لك فأردت أن ترد عن نفسك، فأصبحت القضية شخصية، وبعدت عن الأمر والنهي لله .

    وقال العلماء في هذا المعنى: على الآمر أو الناهي أن ينظر في نتيجة ما يأمر به أو ينهى عنه، فهل ستمنع هذا المنكر الموجود الذي يُنهى عنه، أو سيأتي بالفعل المأمور المراد فعله بأمرك إياه؟ أو أن من تنهاه سيأتي ويعتبر ذلك إهانة له؟ وخاصة إذا كانت أمام الناس، فتعتبر فضيحة وينتصر لنفسه، فيأتي بمنكر أكبر مما هو عليه، فيكون نصف من المنكر فجلب من المنكر أكثر من ذلك، فالأولى أن تتكره على نصف المنكر.

    من هنا قالوا : على الآمر الناهي المحتسب أن ينظر في عواقب الأمور، كما قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] فيدعو على بصيرة، وليس على البصر الذي يرى الأشياء المحسوسة بالفعل، ولكن أصحاب البصائر النيرة هم الذين يرون ببصائرهم ما وراء الواقع استنباطاً من الواقع، وليس علماً بالغيب، ولكن -كما قيل- بصيرة، كما في الأثر: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه يرى بنور الله)، فكذلك الداعي يجب أن يكون على بصيرة من أمره، فلو أنه ذهب إلى رجل ينهاه فهل يتحمل أذاه؟ فإن قال: أنا أتحمل الأذى نقول : وإن كنت تتحمل، فليس من اللازم أن تعرض نفسك لما تتحمله من غيرك.

    فهذا الحديث أصل في سد الذرائع، سواءٌ أكان في الأعمال العادية، أم في احتساب الأمر والنهي لوجه الله.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المضمضة والاستنشاق وحكمها

    قال رحمه الله تعالى: [ولـأبي داود في رواية: (إذا توضأت فمضمض)].

    حكم الاستنشاق في الوضوء في حديث لقيط، حيث قال صلى الله عليه وسلم : (أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق)

    وأعتقد أنه قد علم بالضرورة أنه إذا لم يسبغ الوضوء فالوضوء ناقص، وإذا كان الوضوء ناقصاً فالصلاة غير صحيحة، فإسباغ الوضوء واجب .

    وأما تخليل الأصابع فإنه قد اتفق العلماء على أن تخليل الأصابع سنة، فلو أنه توضأ ونسي -وقلنا: (نسي)؛ لأنه لا ينبغي لمسلم أن يعلم سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ويتعمد تركها ؛ لأن هذا تقصير وإهمال فإذا نسي أن يخلل أصابعه فالوضوء تام ومجزئ، لكن لا ينبغي أن يترك ذلك عمداً.

    وأما الاستنشاق فبعض العلماء يقول بأنه واجب؛ لأن الرسول أكد عليه بالمبالغة إلا في الصيام؛ لأن المحافظة على الصيام أهم منه، وبعضهم يقول: إنه سنة من سنن الوضوء وهناك من نظر إلى الآية الكريمة فقال كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : الآية الكريمة فيها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، قالوا: الوجه من المواجهة، والفم والأنف إن كانا من الوجه فالمضمضة والاستنشاق واجبان؛ لأنهما من تتمة الغسل للوجه، وإن كانا مستقلين فقد حصل غسل الوجه بدونهما.

    وقوم قالوا : هما من الوجه ولكن هل هما عضوان ظاهران كالخد والجبهة، أو أنهما خفيان لأننا لا نرى ما بداخلهما؟ فمن قال بوجوب الاستنشاق والمضمضة فلأنهما من تتمة الوجه، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، ومن قال بأنهما عضوان مستقلان ولهما اسمان متميزان قال : الوجه محدود بغيرهما .

    وعلى هذا يختلفون، ولكن الجمهور يتفقون على أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل غير واجبين في الوضوء قالوا : لأن هناك حديث علي رضي الله عنه: (تحت كل شعرة جنابة)، فكل موضع يمكن أن يصل الماء إليه يجب أن يعمم بالماء عند الغسل من الجنابة.

    ومن العلماء من فرق بين الغسل والوضوء، فجعل الاستنشاق واجباً وجزءاً من الغسل، وليس واجباً في الوضوء .

    ويأتي المؤلف رحمه الله بأثر بعد هذا، وهو: (إذا توضأت فمضمض)، فقوله: (بالغ في الاستنشاق) أمر وزيادة، أمر بالاستنشاق وزيادة المبالغة، والمضمضة ليس فيها مبالغة ؛ لأن حد المضمضة أن يأخذ الماء ويديره في فيه بلسانه أو بالهواء، ثم يمجه، والفم له حدوده، وليس هناك زيادات، ولكنه جاء بصيغة الأمر (إذا توضأت فمضمض)، فهذه صيغة أمر، ولهذا فمن قال: إن المضمضة واجبة في الوضوء فلصيغة الأمر الوارد، ومن قال: إنه لا تجب المضمضة قال: هذا الأمر للإرشاد والاستحباب.

    ولكن لا ينبغي للإنسان أن يترك المضمضة والاستنشاق للوضوء من وضوئه، واستدلوا على تأكيد فعلهما في الوضوء بفعله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل من نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر المضمضة والاستنشاق. والله تعالى أعلم.

    حكم تخليل اللحية في الوضوء

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن عثمان رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء) أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة ].

    بعد أن انتهى المؤلف رحمه الله من الأمور كالخفية الأنف والفم جاء إلى الظواهر، فذكر أنه كان صلى الله عليه وسلم -وهذا يدل على الدوام وعلى الاستمرار- يخلل لحيته).

    والتخليل: هو إدخال شيء بين شيئين، وتخليل الأصابع: هو إدخال الأصبع بين فجوات الأصابع الأخرى، وكذلك تخليل اللحية بأن تدخل أصابعك خلال شعر الوجه، فقد كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وكان يخلل لحيته في الوضوء، وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم أقل ما يقال فيه قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    ولكن الفقهاء ناقشوا هذه المسألة، فعندما يكون الشخص أمرد لا لحية له، وغسل الوجه، فإن الماء سيعم بشرة الوجه من منبت الشعر في الجبهة إلى أسفل الذقن، ومن الأذن إلى الإذن، أي: أن الماء قد أسبغ على الوجه كاملاً.

    عندما تكون اللحية موجودة وكثة فلاشك أن اللحية ستحول دون ذلك، سواءٌ أكان الشعر جعداً، أم سبطاً، فإنه يحمل مادة دهنية، فيمنع الماء أن يدخل من خلاله إلا إذا خللته أنت.

    وهنا يأتي السؤال :مع وجود اللحية هل الفرض في غسل الوجه لا زال لبشرة الوجه، أم ينتقل من بشرة الوجه إلى اللحية؟ وهذا كقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، فإذا كان الإنسان أصلع ومسح فإنه سيمسح جلدة رأسه، فإذا كان الشعر كثيفاً ومسح فإنه سيمسح على شعره، والله تعالى يقول: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، فهو سيمسح شعر رأسه؛ لأن مسح جلدة الرأس أصبح متعذراً، يقول الأصوليون: من قارب الشيء يعطى حكمه، ووجدنا جواز مسح الخفين بدلاً عن غسل القدمين؛ لأنهما ساترين للقدمين، مع أن هذا مشروع مستقل، لكن كان هذا تنظيرياً للمسألة .

    وهنا الواجب غسل الوجه، والوجه أصبح مغطى بالشعر، فبعض العلماء يقول: يكفي مرور الماء على ظاهر اللحية، كما يكفي مرور الماء على شعر الرأس، وهذه بتلك، وبعضهم قال : لا، الوجه للغسل وهو آكد من المسح فعليك أن تعمل ما بوسعك،خلل اللحية بمعنى: أن تدخل الأصابع خلال الشعر وهي مبللة؛ لأن الماء - إن قلنا إن الشعر يجزئ عن بشرة الوجه -سيمر على الشعر الظاهر على اللحية وباطن اللحية يأته شيء، فعندما تكون الأصابع مبللة وتدخلها في خلال اللحية يتبلل من الشعر جزء أكبر، ولذا قالوا في تخليل اللحية: أن يدخل الأصابع من أسفلها ؛ لأنه إذا أدخل الأصابع من أسفلها تخلل الشعر، أما إذا أدخلها من أعلاها فيمكن أن ينثني الشعر مع أصابع يده ولا تنفذ الأصابع بين الشعر كما تتمكن من النفوذ إذا أدخلها من أسفلها.

    فيدخل الأصابع بين شعر اللحية من أعلى أو من أسفل بيد واحدة، فهذا كاف في تخليل اللحية، وإذا كانت اللحية شعيرات قليلة فليس هناك شيء يخلل، بل إن الماء سيصل إلى تحت اللحية بطبيعته، والله تعالى أعلم.

    دلك الأعضاء في الوضوء

    قال رحمه الله تعالى: [ وعن عبد الله بن زيد قال : (إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه) أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة ].

    يروي لنا عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه مما رأى من وضوء النبي صلى الله عليه وسلم بالماء القليل، قال : (أتي النبي صلى الله عليه وسلم بثلثي مد فأخذ يدلك ذراعيه)، وثلثا المد يبينه العلماء بأن المد ربع الصاع، وتقدم في الزكاة بأن الصاع خمسة أرطال وثلث على رأي الجمهور، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله ثمانية أرطال، وعلى قول الجمهور أنه خمسة أرطال وثلث فالصاع أربعة أمداد، فكم يكون مد الواحد؟

    يكون المد رطلاً وثلث رطل؛ فإن الرطل الباقي يقسم إلى ثلاثة أثلاث بالإضافة إلى الثلث الآخر، فيبقى عندنا أربعة أثلاث، فتوزع على الأربعة الأمداد، فيكون وزن المد رطل وثلث وأما المقدار الذي أتي به صلى الله عليه وسلم فهو -تقريباً- نصف لتر.

    وقد جاء عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، وهنا : (أتي بثلثي مد) فمن كان من عادته الاقتصاد في الماء، فيتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع -والصاع: ثلاثة لترات -وهذا مبدأ في لزوم الاقتصاد وترك التبذير، ولذا قال بعض الفقهاء: لا ينبغي للإنسان أن يزيد في غسلات الوضوء على الثلاث التي جاءت بها السنة ؛ لأنه يكون قد دخل في التبذير والمبالغة، والزيادة على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال رجل لـأنس حين حدث بأنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، فقال: والله لا يكفيني! فقال أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر منك شعراً) وهذا يمكن أن يتأتى بالطريقة التي أشار إليها عبد الله بن زيد، حيث قال: : (فأخذ يدلك)، والدلك أولاً يكون بقليل الماء ؛ لأن البشرة إذا كانت جافة فإن الماء لا يتخللها، وربما كان هناك هواء وفقاقيع، لكن حينما يمسحها ويدلكها بيده وهي مبللة فإنه إذا جاء أدنى ماء جرى على اليد، وتعتبر تلك غسلة ولو بحفنة صغيرة، فالدلك لأمرين:

    الأول: التأكد من غسل الذراع وشموله، وعدم وجود بياض ولمع في عضو الوضوء .

    الثاني: الدلك ييسر عملية الوضوء بقليل من الماء .

    والغرض من هذا الحديث أمران:

    الأمر الأول: الدلك في الوضوء، وبعض العلماء شدد في الدلك في الغسل كالمالكية، حتى إن بعضهم قال: إذا لم يستطع أن يعمم البدن بيديه يأخذ حبلاً. واليوم يوجد من أدوات الغسل الشيء الكثير، فإذا أخذها وحركها من خلفه تأكد من وصول الماء إلى بشرته، فالمالكية يؤكدون الدلك في الغسل؛ لأنه تقدم حديث علي رضي الله عنه : (تحت كل شعرة جنابة)، أما في الوضوء فإنهم يتساهلون في الدلك فيه.

    وهذا الحديث أصل في الدلك عند الوضوء، ولكن ليست كل الأعضاء صالحة للدلك، فالوجه صالح للدلك، والرأس غير صالح للدلك ولو بالغ في المسح لكان مكروهاً، ولذا قيل بأن المسح لا يكرر ثلاثاً؛ لأنه إذا تكرر ثلاثاً ترك بللاً على الشعر يشبه الغسل، والقدمان صالحتان للدلك، فقوله: (يدلك ذراعيه) نقيس عليه فنتبع الذراعين بالقدمين، وهذا أقل حد تبين من فعله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ به، فلو جاء إنسان -كما رأينا بعض الطوائف- وأخذ كأس الماء الذي فيه ماء قليل، فجعل يتوضأ به يبل أصابعه في الكأس ويمسح بهما على أعضاء الوضوء.

    فإن وضوءه لا يصح بهذا المسح، بل لابد من الغسل، والغسل لا بد فيه من جريان الماء على العضو، أما المسح فقد يجتزئ فيه بأن تكون الآلة التي يمسح بها مبللة، فيمرها على العضو المراد مسحه، ولذا قال العلماء في الباء في قوله سبحانه : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] قالوا: (مسح) تتعدى بنفسها وتتعدى بالحرف، فتقول: مسحت الزجاج، ومسحت رأس اليتيم.

    فهي تعدت بنفسها فلا تحتاج إلى الحرف، لكن لما جاء الحرف، فكما يقول الزمخشري : دلت الباء هنا على أن هناك شيئاً يمسح به من دهن أو ماء أو نحوه فتكون اليد فيها شيء تمسحه بالرأس وهو الماء، وعلى هذا: فالاقتصار في الوضوء على هذا المقدار يخل بالوضوء، والزيادة، على المد الكامل وليس الثلثين يدخل في الزيادة والتعدي أو التبذير.

    وجاء المؤلف رحمه الله بهذا الحديث ليبين لنا أمرين:

    الأول : بيان أقل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ به.

    الثاني : بيان أن الدلك مشروع في الوضوء.

    وهذا مناسب لما ذكر أولاً في حديث لقيط بن صبرة : (أسبغ الوضوء) والإسباغ من ضرورياته الدلك، حتى لا تبقى لمعة أو محل يحول بين الماء وبين البشرة، والله أعلم.

    مسح الأذنين وبم يكون

    قال رحمه الله تعالى: [ وعنه رضي الله عنه (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه) أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ : (ومسحهما بماء غير قبض يديه)، وهو المحفوظ].

    هذه صورة أخرى يسوقها عبد الله بن زيد في صفة مسح النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه، وفي هذا الباب حديث عبد الله بن عمرو : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه وأدخل السباحتين)، وسميتا بالسباحتين لأنهما لتحركان عند التسبيح، وعند والتشهد، وعند لفظ (أشهد أن لا إله إلا الله)، وإن كان الأحناف يعادون تحريكها في التشهد معاداة شديدة؛ لأنهم يدخلونها في أبواب التوحيد والجهة وغير ذلك.

    فأدخل السباحة في أذنيه، وأدار الإبهام خلف الأذنين، وهذه الإدارة لأن خلف الأذن أسرع ما يتراكم فيه العرق، حتى تجد أن بعض الحيوانات ما يظهر العرق إلا حول أذنها وبعضهم يقول : خلف الأذن من الأسفل مقتل، فإذا أدار الإبهام خلف الأذنين أزال ما تبقى من العرق، ومن مواد دهنية في تلك المنطقة ؛ لأنها إذا تركت على ما هي عليه من العرق والمواد الدهنية، وحصل جرح فإنه أبطأ ما يكون شفاءً؛ لأنها منطقة ناعمة لا تتحمل، فالعلاج فيها بطيء، والجرح فيها سريع، وهذا من العناية. فعني بالأنف كمجرى للهواء، وعني بالفم كمجرى للطعام، وكذلك عني بتخليل نعومة الأصابع لليدين والرجلين، وكذلك عني بما وراء الأذنين.

    وقوله: (مسح برأسه وأدخل السباحتين في أذنيه) يفهم منه أنه أدخل السباحتين بماء مسح الرأس، ولم يأخذ لهما ماء جديداً ليدخلهما في الأذنين، فيكون مسح الأذنين مع الرأس عملية واحدة.

    وهنا عبد الله بن زيد يخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ماء جديداً لمسح أذنيه، غير الماء الذي مسح به رأسه، فالأذنان لهما ماء مستقل ومسحة مستقلة، وهنا يبحث الفقهاء في الحديثين، ويقولون: هل الأذنان من الرأس فيجزيهما مسحة واحدة، أو أن الأذنين خارجتان عن حدود الرأس، ولهما مسحة مستقلة؟

    والحديث الأول يشعر بأنه مسح الأذنين بماء مسح الرأس، وهذا الحديث ينص على أنه أخذ ماء جديداً، والعلماء رحمهم الله يجمعون بين الحديثين فيقولون: إن كان الماء وافراً في يديه عند مسح الرأس فإنه يمسح الأذنين بوفرة ماء الرأس، ولا يأخذ ماء جديداً، وإذا كان الماء ليس وافراً عند مسح الرأس، وظن أن المسح على الرأس استنفد الماء الذي في الأصابع أخذ ماء جديداً، وهذا هو الجمع بين الحديثين. والله أعلم.