إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الوضوء [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من رحمة الله عز وجل بعباده أن أرشدهم إلى مافيه الخير لهم في الدنيا والآخرة، وما يعود عليهم بالنفع والفائدة في دينهم وأبدانهم، فكان مما شرع الله لهم مسح الأذنين، والاستنثار ثلاثاً عند الاستيقاظ من النوم، وغسل اليدين قبل غمسهما في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم.

    1.   

    المسح على الرأس وأحكامه

    عدد مرات المسح وكيفيته

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومسح برأسه واحدة) أخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح، بل قال الترمذي : إنه أصح شيء في الباب].

    في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه قال: (ثم مسح برأسه)، ولم يبين لنا العدد، فهل يكرر المسح ثلاثاً كبقية الأعضاء المغسولة أم لا؟

    فـالشافعي يرى أن مجمل كلام عثمان في مسح الرأس يحمل على بقية الأعضاء، ولكن الجمهور يقولون بمسحة واحدة؛ لأن المسح لا يتشرب معه الرأس الماء، فإذا مسحناه أكثر من مرة فسيكون كأننا غسلناه، ولهذا قال العلماء: لا يتكرر.

    فجاء المؤلف رحمه الله بحديث علي رضي الله عنه، وفيه النص على أنه مسح مرة واحدة، فنحمل ما سكت عنه عثمان رضي الله تعالى عنه على النص الوارد هنا على أن المسح مرة واحدة.

    قال: [وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما -في صفة الوضوء- قال: (ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فأقبل بيديه وأدبر) متفق عليه].

    هذا الحديث يماثل حديث عثمان رضي الله عنه في بيان كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء يجعله الأصل بدلاً من حديث عثمان ، ويبني عليه كل النصوص التي تأتي في باب الوضوء، فحديثي عثمان وعبد الله بن زيد كلاهما مستوف ومكتمل.

    فمما ذكره حديث عبد الله بن زيد بيان كيفية مسح الرأس، وقد أتى المؤلف بحديث علي في بيان مسح الرأس؛ لأن عثمان أجمله، ولم يبين العدد، ولا الكيفية والهيئة، فاضطر المؤلف أن يأتي بنصوص أخرى ليبين لنا كيف يكون مسح الرأس، أما من حيث العدد فأخذا من حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح مرة واحدة، وهذه المرة كيفيتها يبينها حديث عبد الله بن زيد .

    فقال: [وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما -في صفة الوضوء- قال: (ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فأقبل بيديه وأدبر) متفق عليه، وفي لفظ لهما: (بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه)].

    فقوله: (بدأ بمقدم رأسه) مقدمة الرأس هي الناصية، وجاء في بعض الآثار: (مفرداً أو مفرقاً أصابعه).

    وقوله: (ثم ذهب بهما إلى قفاه) أي: اليدين ذهب بهما إلى قفاه، والقفا ليس من الرأس، ونحن قلنا: الغاية إذا كانت من غير المغيَّا فليست بداخلة، فلا تذهب إلى القفا وتقول: هذا داخل في المسح. وإنما تمسح إلى أواخر الرأس؛ لأنه يريد أن يبين لنا استيعاب الرأس، فقال: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه)، وتكون السبابة على منتهى منابت الشعر من القفا.

    قال: (ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه)، وهذه بإجماع المسلمين أكمل صورة في مسح الرأس في الوضوء.

    خلاف العلماء فيما يصدق عليه مسح الرأس

    ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يمسح ولو ثلاث شعرات، والذي يقول بهذا القول الشافعي ، وقد نقل عنه هذا القول الشافعية وردوه، والنووي ذكر ذلك ورده؛ لأنه فيه بعد كثير.

    ومأخذ الشافعية في الاكتفاء ببعض الرأس أنهم قالوا: حرف الباء في قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] للتبعيض، وبعض الرأس يصدق على ثلاث شعرات.

    ونحن لا نناقش من ناحية مذهبية، ولكن نريد أن نعرف كيف أخذوا هذا الرأي، حتى لا نقول: هذا تفريط منهم، فهذا المنهج لنطمئن إلى ما ينقل من الأقوال عن الأئمة رحمهم الله.

    وهناك من يقول: يمسح ربع الرأس وهم الأحناف، قالوا: وتقدر الناصية بربع الرأس.

    فإن قيل لهم: إذا كانت الناصية تجزئ فلماذا تمسح العمامة؟ يقولون: يجمع بين أقل ما يجزئ وأكمل ما ينبغي، فأقل ما يجزئ الربع، والتعميم على العمامة للتعميم والشمول. وهذه هي وجهة نظر الأحناف.

    أما الحنابلة والمالكية فقالوا بالتعميم، وقالوا: إذا كان المسح مجملاً في الآية، والباء مجملة أيضاً -لأن لها عدة معانٍ كالابتداء والإلصاق وغير ذلك- فإن السنة المبينة لم تنقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اكتفى بالربع أو بالثلث، بل أقبل بهما وأدبر.

    فقيل لهم: هذا للكمال، وهذا متفق عليه، فماذا تقولون في المسح على الناصية؟

    قالوا: مسح على الناصية، ولا يجزئ الربع لأنه أتم الواجب على العمامة، وأنتم تقولون: يكتفى بالناصية؛ لأنها أقل ما يجزئ، والمسح على العمامة تكملة للأفضل! مثل الذي يتوضأ فيغسل مرة مرة، والآخر يتوضأ فيغسل ثلاثاً ثلاثاً، فهذا أقل ما يجزئ، وذاك أفضل ما يعمل.

    ونحن نريد من هذا ناحية منهجية فقط، وهي تحقيق المسألة، والخلاف موجود من قبل، ولا نستطيع أن نرفعه، لكن عندما نمر على هذا الفعل ما الذي تطمئن إليه النفس في هذه المسألة، هل مسح ثلاث شعرات، أم ربع الرأس، أم الإقبال والإدبار بالكفين؟

    لاشك أنه الإقبال والإدبار باليدين؛ حيث إنه ليس في ذلك شك ولا تساؤل، فإن كان الربع يجزئ فالحمد لله، فالإقبال بهما فيه الربع وزيادة، ويكون الإنسان على طمأنينة بأنه نفذ صورة ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، ويكون مطمئنا إلى أقصى حد.

    وأما المسح على العمامة فإنهم يقولون: يشترط في العمامة التي يجوز المسح عليها -سواءٌ مع الناصية أو دونها- أن تكون عمامة محنكة، والمحنكة يكون لها طرف في اللفافة، والطرف الآخر يأتي من تحت الحنك إلى فوق الرأس، فتكون هذه محكمة، ويشق على صاحبها أن ينقضها، فقالوا: لوجود المشقة جاز المسح عليها، حتى إن بعض الناس قال: لو كان من عادة بعض البلاد أن النسوة يتعممن لجاز لهن أن يمسحن على العمامة، فبعض النسوة تتعمم بعمامة من نوع خمارها، فليست العمامة خاصة بالرجال، كما أن المسح على الخفين ليس خاصا بالرجال، وليس مقصوراً على الشتاء والبرد وغيره، وإنما على مشقة اللبس والنزع.

    والمسح على العمامة من حيث هو له مبحث مستقل في باب المسح على الخفين، ولكن ذكرناه لمناسبة قوله: (وأتم على العمامة)، فالعمامة التي يمكن أن يتم عليها هي المحنكة التي يشق على صاحبها نزعها ولبسها، وهناك بعض العمائم مثل (الطربوش) تنزع وتطرح، وتكون العمامة مربوطة على طاقية، فلا كلفة في نزعها، فهي ملفوفة جاهزة، فمثل هذه لا مشقة فيها، فالعمائم التي يتمم عليها المسح مع الناصية أو التي يقتصر على مسحها فقط هي التي يكون فيها نوع من المشقة عند حبكها على الرأس.

    1.   

    مسح الأذنين وحكمته

    قال: [وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه -في صفة الوضوء- قال: (ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهامه ظاهر أذنيه) أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة ].

    وهذه المسائل زائدة على ما جاء في صفة وضوء عثمان رضي الله تعالى عنه؛ لأن عثمان رضي الله تعالى عنه لم يذكر لنا في الأذنين شيئاً، وستأتي نصوص أخرى تبين الماء الذي تمسح به الأذن هل هو ماء مسح الرأس، أم يأخذ ماءً جديداً؟

    ويهمنا الآن في الكيفية، حيث قال: (أدخل أصبعيه السباحتين)، وهما الأصبعان اللتان تليان الإبهام، وتسمى الواحدة منهما: السباحة والسبابة، والتي تليها تسمى الوسطى، وبعدها الخنصر والبنصر.

    قوله: (أدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه) بعض علماء البلاغة يقولون: هنا المجاز اللغوي علاقته الكلية، فذكر الكل وأراد الجزء، بعكس العلاقة الجزئية، فإنه يذكر الجزء ويريد به الكل، مثل قولك: أرسل الأمير عيناً له، وكأن تذكر جزءاً من الإنسان وتريد كله، لكن العلاقة الجزئية يشترط فيها أن تكون هي المقصودة بالكل؛ لأن الذي يرسل إنسانا ليتجسس على الناس لا يتجسس برجله ولا بفمه، ولكن يتجسس بعينه.

    وهنا لم يدخل السباحة كلها، وإنما طرف الأنملة منها، فهنا لم يقل: أدخل طرف السباحة. بل قال: (السباحة)، وهذه مناقشة لغوية، فأدخلهما بقدر ما يسعهما من تجويف الأذن الخارجي، فالأذن ثلاثة أقسام: القسم الخارجي، والأوسط، والطبلة.

    ويقولون: كل عضو نافذ إلى الجسم له صمام، فالفم له الشفتان، والعينان لهما الرموش تحميهما من التراب والأذى، والشفتان يغلق بهما الفم فلا يدخل إليه شيء من الأوساخ، أما الأذن فإنها مفتوحة، فعندما ينام وهي مفتوحة فالذباب يمشي، والحشرات تمشي، فما هو الذي يمنع هذه الموذيات من الدخول إلى الأذن؟!

    فإن الله جعل الأذن تفرز مادة شديدة المرارة لا تقوى حشرة أن تقرب منها، فأحيانا هذه المادة قد تزيد، وقد ينزل منها بعض الشيء، أو لأن الأذن جوفية يأتي الغبار فيعلق في هذا التجويف، فكلما توضأ ومسح لا تبقى رواسب تعمل عفونة أو مرضا، أو أي شيء آخر يؤذي الأذن، ولا شك أنها تنظف دائماً، فلذلك أقل الناس الذين يصابون بأمراض الأذن هم المسلمون.

    وسيأتي نص بأنه أدار إبهامه خلف الأذن، وإذا كنا قد علمنا أن تنظيف السبابة للأذن يكون من الأوساخ، فما هي العلة في مسح خلف الأذن؟

    إن صلة الأذن بالرأس تجعلها أشد إفرازاً للعرق، وأشد حساسية، فلو جلست بعرقها وبالمادة الدهنية التي تفرزها ربما التهب الجلد وتآكل وانفصلت الأذن عن الرأس، فكلما توضأ ومسح بالسباحة المادة الدهنية، وجعل الإبهام تمر على الأذن الخارجي بقيت سليمة معافاة، ونحن لا نعلل للسنة، ولكن نقول: هذا من فضل الله علينا، ومن حكمة التشريع في مسحها.

    والحكمة من أن الفم والعينان عليهما غطاء والأذن ليس عليها غطاء هي أن الإنسان -كما قالوا- إذا نام، ومر إنسان بجواره لا يراه، وأراد أن يناديه أو يوقظه، فإنه يحتاج إلى أن يذهب إلى جواره ويلمسه بيده حتى يفتح الغطاء ويسمع منه، فعندما يكون نائما، وكل الحواس والأعصاب نائمة، وباب السمع مفتوح بلا غطاء يصل إليه الصوت من بعيد، ويأتيه من جميع الجهات الأربع فيسمع ويستيقظ، ونحن نجد أجهزة (الرادار) يصنع لها مظلة حتى تصطاد الصوت.

    1.   

    ما يفعله المستيقظ من نومه

    الاستنثار ثلاثاً

    قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه) متفق عليه].

    هناك في حديث عثمان رضي الله عنه قال: (تمضمض واستنشق واستنثر)، ولم يقل (ثلاثا)، وهنا يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث ليبين أمرين:

    الأمر الأول: أن المضمضة والاستنشاق ثلاث مرات.

    الثاني: عند الاستيقاظ من النوم يستنثر ويستنشق ثلاثاً، وذلك لأن الشيطان يبيت على الخيشوم داخل الأنف، والشيطان اختار هذا المحل لأنه مفتوح. وبعض العلماء يقول: لأنه موضع المخاط والقذارة، فالشيطان يتتبع هذه الأشياء، وسيأتي نص أنه يبول في أذن النائم الذي ينام عن صلاة الصبح، وهل أحد يحس بثقل الشيطان في خيشومه؟ وما هي ماهية الشيطان؟ هل هو خشب، أم حديد، أم دم ولحم فالله أعلم به، والأصل فيهم أنهم عالم نيراني، ولكن الله أمكنهم أن يتكيفوا بما لا نراه نحن، قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]، وكم ذكر أن من مؤمنيهم وصالحيهم من يتلقون العلم مع الناس، ويجلسون في حلق الدروس، ولا يعلم الناس بهم ولا يشعرون بهم، وقد يتشكلون بشكل ما حيوان أو إنسان.

    وفي السنة في حديث أبي هريرة أنه أتي بمال الزكاة، وقام عليه أبو هريرة حارسا، فإذا بشخص يأتي خلسة ويسرق من الطعام، فيمسكه، فيتعذر عليه بالفقر والعيال، فتركه لوجه الله، وفي اليوم الثاني جاء فإذا به أيضا يعتذر بنفس العذر، فسأله صلى الله عليه وسلم: (ماذا فعل أسيرك البارحة؟ قال: اعتذر وشكى لي العيال، قال: سيعود فعاد في الليلة الثالثة فأمسكه أبو هريرة وقال له: لأسلمنك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا تفعل، وأعاهدك أني لن أعود، وأعلمك آية إذا قرأتها عند نومك لا يقربك شيطان، وأخبره أنها آية الكرسي، فتركه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: عاد، ولكن عاهدني وعلمني كذا، قال: صدقك وهو كذوب)، فهو صدق حين أخبره بأن من قرأ آية الكرسي لا يقربه شيطان، وهو كذوب لأنه ثلاث ليال يقول له: (لن أعود)، ولكنه عاد، فجاء في شكل إنسان إلى أبي هريرة.

    وفي حفر الخندق رجع رجل من الأنصار إلى بيته فووجد زوجه على الباب -وهو حديث عهد بعرس- فأراد أن يضربها بسيفه، فقالت: تعال وانظر إلى فراشك! فدخل فإذا حية ممددة على طول السرير، فالتقطها برمحه ثم ركز الرمح وسط البيت، فانتفضت عليه، فتقول الزوجة: فوالله لا أدري أيهما أسبق موتا. فلما أخبر صلى الله عليه وسلم قال: (أصابه ولم يسم، فانتقم له أصحابه...إلخ).

    وجاء في الحديث الآخر: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، ويوجد تحت كل شعرة عِرق يغذيها، ويقال: لو أن أوردة الإنسان وأوعيته الدموية أخذت على ما هي عليه ووصلت لدارت حول الكرة الأرضية، فهناك أوردة وعروق دقيقة جدا فالشيطان يمر فيها، قال صلى الله عليه وسلم: (فضيقوا مجاريه).

    فإذا كان يجري -وليس يمشي فقط- فلا غرابة أن يبيت على خيشومك.

    فنحن نستريح بقراءة هذه الآية، وكفانا خبر السيد المصدوق صلى الله عليه وسلم، ولكن بين لنا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان النائم ما عليه تكليف، فاتركه ينام، فإذا استيقظ واستنثر بالماء أخرج عنه الشيطان وآثاره في خيشومه.

    غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء

    قال: [وعنه (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده)متفق عليه، وهذا لفظ مسلم].

    هذا الحديث -كما يقول بعض العلماء- تكلم فيه بعض الناس، أولئك الذين يحشرون العقل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا يدركون الحكمة منه.

    قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه)، والليل صالح للاستيقاظ والنهار صالح للاستيقاظ، فهل كلما نام الإنسان واستيقظ يغسل يديه؟

    إن القرينة هنا هي قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، والبيتوتة تكون ليلاً.

    فقوله: (إذا استيقظ) عام مطلق لكل من ينام ويستيقظ، ولكن في آخر الحديث ما يحدد نوعية النوم.

    ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بالشفعة، فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، وهناك من قال: الجار بمعنى المجاور، ولكن آخر الحديث: (فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرق) بين أنها تكون بين الشركاء؛ لأن الجيران عندهم حدودهم وطرقهم من قبل.

    فلابد أن يؤخذ الحديث بمجموعه ولا يغفل فيه لفظ واحد، فلفظتي (فضربت) و(صرفت) بينتا لنا أن كلمة الجار التي هي حقيقة في المجاورة ومجاز في الشريك يراد بها الشريك.

    وعلى هذا فالحديث فيه قرينه تبين نوعية النوم الذي إذا استيقظ منه لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، وهي كلمة (باتت يده).

    وقد يقول قائل: لماذا يغسلها؟ فيقولون -والله تعالى أعلم، وهذا من باب الموعظة- إن رجلاً سمع هذا الحديث وقال: عجيب! كيف لا أعلم أين باتت يدي! واحدة تحت جنبي والأخرى فوق الجنب الآخر، فابتلاه الله أن جعله يستيقظ ويده في مكان يستقذره.

    وبعض الناس يقول: الحديث هنا معلل وظاهر العلة، فيقولون: إن الحديث قيل في المدينة وهي حجازية، والحجاز حارة، وكانوا يستجمرون ولا يستنجون، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى أهل قباء حين نزلت فيهم الآية: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] وقال: (إن الله أثنى عليكم، فماذا تفعلون؟ قالوا: نتبع الحجارة بالماء)، فما كان كل الناس يتبعون الحجارة الماء، بل يكتفون بالحجارة، فيقول بعض الناس: إن الإنسان إذا نام لا يدري أين تطيش يده، فلربما وصلت يده إلى ذلك المكان، وربما عرق، فالحجارة لا تنقي، فمن هنا يغسل يده.

    ولكن الجمهور يقولون: لو أنه بات ويده مغطاة بالكفوف واستيقظ من نومه فبمقتضى هذا الحديث لا يغمسها في الإناء حتى يغسلها.

    وهنا تنتج من الفقهاء أقوال هندسية تصيب وتخطئ.

    فإذا كان سيتوضأ من الصنبور فإنه لا يحتاج إلى أن يغمسها، وإن كان الإناء صغيراً فسيكفئه ويتوضأ، ولكن إذا كان الإناء كبيراً وليس عنده ما نعترف به ولا يستطيع أن يميله فماذا يفعل؟

    فبعض الفقهاء يقول: يأخذ الماء بفيه ويغسل يديه وبعضهم يقول: يأخذ من ثيابه ويغمسه في الماء، ثم يعصره على يده.

    فغسل اليدين للمستيقظ من نومه مستقل بذاته، فإذا استيقظ من النوم وأراد أن يتوضأ، فالحديث يقول: (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً).

    مسألة: هل غسل اليدين ثلاثاً لغمسها في الإناء يجزئ عن غسل الكفين في الوضوء، كما لو أراد أن يتوضأ للظهر أو العصر، أم لابد من غسل اليدين مرة لغمسها في الإناء ومرة للوضوء؟ فهذا حكم وذاك حكم.

    فلو قمت من نومك وأردت غسلهما تحت الصنبور فإنك تغسلهما ست مرات، ثلاثاً لاستيقاظك من النوم، وثلاثاً للوضوء، وهذا مقتضى نص هذا الحديث.

    والذين يقولون: إنها مسألة معللة. نقول لهم: لا دخل للتعليل في هذا، وكلما أخذ الإنسان السنة على عمومها واطمأنت نفسه إلى مقتضاها دون أن يدخل العقل فيها كلما كان ذلك أسلم له وأطيب للخاطر. والله تعالى أعلم.