إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب المياه [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المتعلقة بباب المياه: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وقد ذكر في هذا الباب لبيان أن الماء القليل إذا صب على النجاسة فإنه يطهرها، ولا يتنجس الماء؛ لأن الماء الذي أريق على بول الأعرابي كان قليلاً، ومع ذلك تطهرت به النجاسة. ومن أحاديث باب المياه: حديث حل السمك والجراد والكبد والطحال، فلو سقطت هذه الأشياء في الماء فإنها لا تنجسه؛ لأنها لا تعد في حكم الميتة ولا في حكم الدم المسفوح النجس.

    1.   

    شرح حديث الأعرابي الذي بال في المسجد

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه) متفق عليه ].

    حديث الأعرابي هذا يعطينا درساً عملياً في سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي معرفة طبيعة البشر، واختلاف العادات في البادية والحاضرة، ومراعاة الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسيات البشر، والمبادرة من الصحابة في إنكار المنكر، وأنه يجب أن يأمر الآمر بالمعروف بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر بغير المنكر، وسيأتي بيان ذلك في شرح هذا الحديث.

    جاء هذا الأعرابي، وكان المسجد مبنياً من الجريد وجذوع النخل، فأناخ ناقته على باب المسجد ودخل، ثم تنحى جانباً وبال فيه! لقد رأى عريشاً وجذوع نخل فظنه من ضمن الحضائر الموجودة في البادية للحيوانات، فلما حضره البول بال فيه.

    ومن هنا يستحب الفقهاء بناء الحمامات بجانب المساجد؛ لأن هذا الأعرابي حضره البول وضيق عليه، ولم يجد مكاناً ليبول فيه، فنظر إلى حالة المسجد، فترك الناس في جانب وذهب إلى جانب آخر، وجلس يبول، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم نظروا هذا المنكر فاستنكروه، ولو رأى الناس رجلاً متضايقاً خرج منه الريح في المسجد لاستنكروا ذلك منه استنكاراً شديداً، مع أنه ريح ذهب في الهواء وما حصل شيء، لكن الصحابة رأوا الرجل يبول في المسجد فبادروه بالإنكار بصورة منكرة حتى أفزعوه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تدارك الأمر، وقال: (لا تزرموه) أي: لا تحبسوا البول عليه؛ لأن هذا يضر بالمثانة والعضلات القابضة، وقد يحدث عنده سلس البول، فتركه حتى قضى بوله، وكما يقال: الخطأ قد وقع، وما هو الحل لتدارك هذا الخطأ؟ لو كان قبل أن يبول فسنقول: اذهب إلى مكان آخر، لكنه قد جلس وبدأ في البول، ونحن الآن بين أمرين: إما أن يكمل ما بدأ فيه من خطأ، ويستمر في خطئه، وإما أن نمنعه مما قد بدأ فيه، وهنا تتقابل مضرتان: مضرة استمراره على بوله، في المسجد، ومضرة ما يمكن أن يلحقه في صحته من مرض، وحينما يزجرونه ويطردونه وهو لم يقض بوله، إذا لم يستطع حبس البول فسيقوم وهو يبول، وسيقع البول على أماكن كثيرة، فبعد أن كان البول محصوراً في منطقة صغيرة سيصير في مكان كبير من المسجد، فالمصلحة أن نرتكب ما هو أخف ضرراً دفعاً لما هو أكبر ضرراً، فتركه على ما هو عليه؛ لأنه قد بدأ في خطئه، ودفعه يأتي بخطأ أكبر، ومن هنا يقول العلماء: بنبغي ارتكاب أخف الضررين، فكونه يكمل بوله فيه ضرر، وكوننا نمنعه فيه أيضاً ضرر، وأي الضررين أشد وأيهما أخف، فنرتكب أخف الضررين دفعاً لأشد الضررين، فمن الحكمة أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتركوه لا تزرموه)، فأكمل بوله على مهله.

    ولما انتهى من بوله جاءت الحكمة النبوية، فكيف نتدارك هذا الخطأ الذي وقع من شخص جاهل لا يعرف أحكام المساجد؟ فلابد أن نتدارك الأمر، فبوله نجّس المكان، وعلاج القضايا يكون من جذرها، إذاً: نطهر المكان؛ ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء، والذنوب هو الدلو الكبير، ولا يكون الدلو ذنوباً إلا إذا كان مليئاً بالماء، فجيء به وأريق على مكان البول، وانتهت المشكلة، ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن هذه المساجد لم تبن لهذا، إنما هي لذكر الله وما والاه)، وهذا الأعرابي رجل عاقل، وجد الفرق بين معاملة الصحابة له وبين معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام له، وحسن تعليمه، فلما رأى الفرق رفع يديه وقال: اللهم! ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً؛ لأنه ما رأى من الصحابة رحمة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد حجرت واسعاً)، أي: إن رحمة الله وسعت كل شيء، وليست لي ولك فقط.

    إن هذا رجل أعرابي يجهل أحكام المساجد، فعلى فطرته وجبلته رأى بناء المسجد ولم يهتم به، إذاً: علينا أن نهتم بالمساجد، وحضره البول ولم يجد مكاناً يبول فيه، إذاً: علينا أن نؤمّن دورات المياه عند المساجد، وسيأتينا -إن شاء الله- حديث: (أمر صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في البيوت وأن تطيب) ، وفي رواية: (وأن تبنى لها الميضآت أو المطاهر)، ويستحب الفقهاء أن يكون بجانب المسجد الميضآت؛ لحاجة الإنسان للوضوء، فهذه الفوائد نأخذها من هذا الحديث، فدراسة الحديث فيها فوائد مستنبطة وليس كالفقه قواعد وقوانين منضبطة، لا تدخل في الاجتماعيات ولا في الأمور الأخرى، فالحديث يؤخذ منه الشيء الكثير.

    الحكمة في إنكار المنكر

    الصحابة رضوان الله تعالى عليهم رأوا منكراً فبادروا بالإنكار، فبعض العلماء يقول: كيف يبادرون بالإنكار والرسول موجود؟! لماذا لم يسألوا رسول الله؟! والرسول رآه كما رأوه هم، فهل هذا من باب: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]؟ وهل يجوز لهم أن يتقدموا بالإنكار على هذا المنكر بين يدي رسول الله وهم لم يستأذنوه؟

    الجواب: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم وقال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، وهذا الأعرابي فعل منكراً، فهم عندهم إذن بتغيير المنكر، ولكن لم يأتوا بالطريقة الحكيمة التي كان ينبغي أن ينصح بها هذا الأعرابي، ويراعى لجهالته .

    على كل داعية، وعلى كل مسلم إذا رأى منكراً أن ينظر إلى جوانب متعددة، ويتبع البصر بالبصيرة، فينظر ماذا يترتب على هذا المنكر لو أنكره: هل سينتهي أم سيأتي منكر أشد؟ فإن كان سينتهي فليغيره بيده أو بلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، فإن علم بخبرته أو ببصيرته أن الإنكار لهذا المنكر سيأتي بمنكر أكبر، فيكتفي بالأقل، ولا يزيد المنكر منكراً، وعلى هذا قالوا: إن مبادرة الصحابة بين يدي رسول الله ليست تقدماً على بين يدي رسول الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم على إنكار المنكر، ولكنه أنكر عليهم الطريقة التي أنكروا بها، فقال: (لا تزرموه) يعني: علموه برفق؛ لأنه جاهل، ثم دعاه صلى الله عليه وسلم وأخبره برفق أن المساجد بنيت لذكر الله وما والاه.

    عناية الإسلام بالمساجد

    وقد اعتنى الإسلام -كما في كتب الحديث والفقه بل وفي القرآن الكريم- بالمساجد أيما عناية، فقال الله: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [البقرة:125]، وقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ [النور:36] أي: ترفع حساً ومعنى، وقال صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي أعمال أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)، وفي الحديث الآخر: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فمرضت، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا ماتت فآذنوني، فماتت بالليل فقبروها ليلاً ولم يخبروا رسول الله بها لئلا يزعجوه، فقال: دلوني على قبرها)، ولماذا قال: دلوني على قبرها؟ لخدمتها لمسجد رسول الله، والإسلام لا ينظر إلى الألوان، ولا إلى الأجناس، ولا إلى الصفات، فهي امرأة ولم تكن رجلاً، وكانت على هذا الوضع، ولكن كرمها الإسلام بخدمتها للمسجد.

    ولما رأى عليه الصلاة والسلام النخامة في جدار القبلة حكها برداءه.

    إذاً: العناية بالمساجد في الإسلام كبيرة جداً، وقد كثرت في ذلك النصوص.

    وأول ما بني مسجد رسول الله قال: (عريش كعريش أخي موسى)، وكان من جذوع النخل وجريده، وما بني بالحجارة والطين إلا بعد عودته صلى الله عليه وسلم من خيبر؛ لأنه كثر الناس وضاق المسجد على أهله، فوسع فيه للحاجة، وهكذا فعل عمر رضي الله تعالى عنه ومن بعده.

    مناسبة حديث الأعرابي لباب المياه

    لقد ساق المؤلف رحمه الله هذا الحديث في باب المياه، وهو صالح أن يكون في باب إزالة النجاسة، وصالح أن يكون في باب المياه، فلماذا أتى به في باب المياه؟ أتى به ليبين أن هذا بول رجل، وهذا ذنوب من ماء، فلو قدرنا أن الذنوب من الماء قدره (12 لتراً)، وقدرنا أن بول الأعرابي نصف لتر، فستكون نسبة البول إلى الماء واحد إلى أربعة وعشرين، وهذا الذنوب في حدود القلة؛ لأن الذين قالوا بالكثرة والقلة حددوا الكثرة بقلتين من قلال هجر، والقلة قربتان، والقربة خمسمائة رطل، فستكون القلة ألف رطل، والآخرون قالوا: عشرة أذرع في عشرة، إذاً: هو في حدود القليل بالنسبة لمن حدد الماء بالكثرة والقلة، فهذا الماء في حدود القلة، وقد أريق على بول الأعرابي لتطهير النجاسة التي أحدثها بول الأعرابي في أرض المسجد، وتطهرت الأرض بالذنوب.

    إذاً: هذا ماء في حدود القلة، وطهرت به الأرض من نجاستها، فيكون الماء القليل قد طهّر النجاسة وهو لم يتنجس، بمعنى: لو أن ماء الذنوب حينما لاقى البول على الأرض تنجس؛ فلن يطهرها؛ لأنه صار نجساً.

    وإذا كانت الأرض رخوة تشرب الماء، فهل نصب الماء تدريجياً بحيث تشرب الأرض الصبة الأولى فتخف نسبة البول في طبقة الأرض العليا، ثم نصب مرة ثانية فتذهب نسبة البول في التربة أكثر، ثم نصب مرة ثالثة فتذهب أثر البول بالكلية، ثم نصب بقية ماء الذنوب وقد طهرت التربة، ويكون الذنوب قد طهر التربة؟ أم نصب الماء مرة واحدة حتى ينتهي ماء الذنوب ويتلاقى الجميع على الطبقة الأولى من التربة؟

    قالوا: الحديث ليس فيه تفصيل لسكب الماء صبة بعد صبة، وهل الأرض تتشرب أو لا تتشرب، فإذا صب الذنوب مرة واحدة على موضع البول وتشربته الأرض فقد طهرت، ولكن الأول أدعى لطهارتها أكثر.

    وإذا كانت الأرض صلبة ليست رخوة تتشرب الماء فماذا نفعل؟ هل نأتي بالذنوب ونسكبه عليها؟ فلو بال أحد في الرخام، وجيء بماء ربع لتر، وصب على البول الذي في الرخام، فسوف تتسع النجاسة، ولو ترك البول لكان في مساحة مترين أو ثلاثة، فلو صببنا الذنوب فإنه سوف يوسع الدائرة حتى تصل إلى عشرين متراً مثلاً، فالطريقة المثلى لتطهير البول عندما يحصل من الأطفال أو من بعض العجائز المرضى: أن يؤخذ حالاً بالأسفنج ويفرغ في إناء، ثم يصب الماء الطاهر من الإبريق على الرخام، وينشف بالأسفنج، ثم يغسل في الطست، وكأنه يغسل إناءً من النحاس أو غيره، ولا يصب الذنوب حتى يتسع الأمر.

    ومن هنا فرأي الجمهور أن ملاقاة الماء القليل للنجاسة في التربة يطهرها، والأحناف يروى عنهم أنهم يقولون بنقل التربة، ويذكرون في ذلك حديثاً، ولكن الأئمة رحمهم الله وعلماء الحديث لا يثبتون سند هذا الحديث، وهو أن تحفر التربة وتنقل، ثم بعد ذلك يصب الذنوب، وأجاب الجمهور عن ذلك أنه إذا حفرنا التربة وأخذنا التراب المتنجس فليس هناك حاجة إلى صب الماء وقد نقلنا التراب المتنجس.

    والمالكية الذين قالوا بعدم تحديد الماء بقليل أو كثير وإنما العبرة بالأوصاف، قالوا: هذا ماء قليل طهر النجاسة ولم ينجس، والجمهور قالوا: ليس لكم دليل على هذا، وهناك فرق بين ملاقاة الماء للنجاسة، وملاقاة النجاسة للماء، فما الفرق بينهما؟

    فمثلاً: إذا كان هناك طست فيه ماء، فوقعت النجاسة في الماء، فهذه ملاقاة النجاسة للماء، لكن إذا كان هناك ثوب متنجس، فجئت بالماء وصببته على محل النجاسة في الثوب، فهذه ملاقاة الماء للنجاسة، والفرق بينهما: أنه حينما تلاقي النجاسة الماء تتلاشى فيه أجزاؤها، ويبقى الماء حاملاً للنجاسة، لكن حينما يلاقي الماء النجاسة، فكلما جاء جزء من الماء على النجاسة تلاشت أمامه، ويستمر الصب على النجاسة من هذا الماء الذي خالط النجاسة في مكانها، فهو تنجس بها لكنه يزيلها ويخفف أثرها، إلى أن تأتي آخر دفعة من الماء على محل النجاسة وقد انتهت منه النجاسة وانمحت وذهبت مع الماء السابق.

    إذاً: أول الماء عند ملاقاته للنجاسة يكون مختلطاً بها، وحكمه حكم النجاسة، لكن آخر الماء -ولو كان لتراً واحداً- لا يأتي لمحل النجاسة إلا وقد زالت النجاسة، وقد يبقى في المكان آثار لا ترى بالعين ولا تشم بالأنف، فيكون آخر الماء قد أذهب آثار النجاسة في المحل، ولم تؤثر النجاسة في الماء.

    إذاً: هذا الحديث ساقه المؤلف رحمه الله دليلاً لمذهب من لا يرى التحديد بكثرة أو قلة، ولكن الذين يرون التحديد قالوا: فرق بين ملاقاة النجاسة للماء، وملاقاة الماء للنجاسة، وقالوا: نحن نعارض في ملاقاة النجاسة للماء، ولا نعارض في ملاقاة الماء للنجاسة.

    1.   

    شرح حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان...)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد) أخرجه أحمد وابن ماجة ، وفيه ضعف ].

    ما علاقة هذا الحديث بباب المياه؟ ساق المؤلف رحمه الله هذا الحديث هنا ليبين حكم ما لو سقطت هذه الأشياء في الماء أو ماتت فيه، فهل تفسد الماء أم لا تفسده؟ كما أنه ساق حكم سؤر الهرة إذا شربت من الماء ليبين هل تفسده أم لا تفسده؟

    وهنا ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلت)، وهذا فعل مبني للمجهول، والذي أحل هو الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (لنا) هل هو خاص بالأمة أم يشاركها غيرها؟ ظاهر النص أنه خاص بالأمة.

    وقد تقدم التنبيه على الحوت في حديث: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ، لكن هنا التنصيص على: (الحوت والجراد)، فلفظ الحوت استدل به الأحناف على أنه لا يحل من ميتة البحر إلا السمك لهذا الحديث: (أحلت لنا ميتتان)، وذكر أن أحد الميتتين الحوت، وأجاب الجمهور عن هذا بحديث العنبر الذي انحسر عنه البحر، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منهم أن يعطوه منه.

    ويهمنا في هذا الموطن أن الحوت إن وجد ميتاً فهو حلال عند الجمهور، وقد تقدم التفصيل في ذلك عند الأحناف رحمهم الله، فعندهم إن طال زمن موته حتى طفا على وجه الماء، فإنهم يكرهون أو يمنعون أكله، لا للتحريم ولا رداً للحديث، ولكن لطول زمن موته حتى طفا على وجه الماء، فإنه يكون فيه مضرة على الآكل، ونحن نهينا عن تناول ما يضر الإنسان.

    وميتة الجراد حلال، قال المالكية: إذا أخذته حياً فيجب أن تُعمل السبب الذي يميته حتى يحل لك، وما هو السبب؟

    قالوا: مثلاً: تأخذه في كيس وهو حي، وتغمسه في الماء حتى يموت، فهذا سبب من عندك في إماتته، فيحل لك.

    وقوله: (وأما الدمان: فالكبد والطحال) بعض السلف كره الطحال، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه، ولكن ليست كراهية من جانب الشرع، بل قد يكون من جانب الصحة؛ لأن لحم الطحال ليس كالكبد، فالكبد غذاء صالح لكل إنسان، ويستعمل رطباً ويستعمل جافاً، فالكبد قد يجفف للرحلات الطويلة حينما يقلّ الطعام، فيؤخذ ويشرّح ويترك في الظل حتى ييبس، ثم يسحق حتى يصير مثل الدقيق، ثم يحفظ، وعند الحاجة يؤخذ منه قليل يصب عليه الماء الحار، فإذا به غذاء طبيعي يشرب من هذا الخليط.

    أما الطحال فمهمته تصفية الدم، فهو يتشبع بفضلات الدم الفاسدة، ويحولها إلى الجسم بعد تصفيتها، فهو بمثابة المرشح للدم في الجسم، وبسبب اختزاله لفضلات الدم غير الصالحة في دورة الدم؛ فإن طبيعته غير خالصة في الغذاء كخلوص الكبد، لكن من طابت نفسه لأكله فليأكله وبعض الأطباء يقولون: كل عضو في الحيوان يصلح لنظيره في الإنسان، فمثلاً: لو أن إنساناً مريضاً بالكبد أكل من كبد الحيوان فإنه يكون أنفع له، ولو أن مريضاً بالطحال أكل طحال الحيوان لكان أنفع له، ولو أن مريضاً بالرئة أكل رئة الحيوان لكان أنفع له، إلى غير ذلك مما يذكرونه.

    طهارة الكبد والطحال

    والذي يهمنا هو طهارة الكبد والطحال مع تحريم الدم، يقول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3]، والدم المحرم هو الدم المسفوح الذي يسفح ويجري، والكبد دم منعقد وليس مسفوحاً كالدم الذي يخرج من العروق، وكذلك الطحال، فهذان الدمان أحلا لنا، وكذلك الحوت والجراد، فإذا جاء رِجْل من جراد -والرجل يطلق على المجموعة من الجراد التي تزحف- ونزلت على بركة ماء، ثم ماتت فيها وغيرت رائحتها أو لونها، فهل تنجس هذا الماء أم لا تنجسه؟ لا تنجسه؛ لأن الجراد طاهر.

    حكم تغير الماء بالمجاورة

    إذا تغير الماء بمجاور له غير مخالط فهو طهور على الأصل، فمثلاً: لو كان على حافة بركة أو غدير شجر يتساقط منها الورق في الماء، والماء راكد، فتحلل الورق وتعفن فيه حتى أثر في الماء برائحة، فهذا يسمى تغير بمجاور؛ لأنه لم يذب في الماء ذوبان الملح والدقيق، ومثله لو وجد على حافة الغدير حيوان ميت، وطلعت رائحته ومرت على الماء، والتقط الماء رائحة هذا الحيوان الميت، فالميتة نجسة، وهذا الريح ظهر في الماء، فهذا تغير بمجاور وليس بمخالط، فهو باقٍ على طهوريته، وهكذا لو أن ماءً طال الوقت عليه سنة أو أكثر أو أقل، ومن طول المكث نبت فيه الطحلب، وجرت فيه الضفادع، وتغير لونه، وصارت التربة طيناً آسناً، فتغيرت رائحته؛ فهو طهور؛ لأنه لم يتغير بشيء من الخارج، بل بطبيعته في مكانه.

    والمؤلف رحمه الله ساق حديث الميتتين والدمين لبيان حكم لو خالط شيء من هذه الأصناف الأربعة الماء، فإنه لا يسلبه الطهورية، والله تعالى أعلم.