إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب المياه [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه، وهذا من أحكام المياه التي بينها الفقهاء بأدلتها من الكتاب والسنة، وهي أحكام تدل على كمال الشريعة، وشمولها، وحكمتها.

    1.   

    شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي ، ورواه مالك والشافعي وأحمد ] .

    قال المؤلف: أخرجه الأربعة، والأربعة هم من عدا أحمد والبخاري ومسلماً، وهم: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

    قال: وابن أبي شيبة .

    ابن أبي شيبة ليس من السبعة، لكنه قد يذكر من غير السبعة، فـابن أبي شيبة أخرجه في مصنفه.

    وقوله: واللفظ لـابن أبي شيبة ، كأنه رآه أجمع من غيره، مع أن رواية الموطأ واسعة ووافية في هذا.

    وقوله: وصححه ابن خزيمة، ليس هو من السبعة، ولكن حتى لا يقول أحد: اصطلح على ذكر السبعة والآن ذكر لنا تسعة! لكن اختصاراً للأسماء اصطلح على السبعة، وإذا لزم الأمر أن يذكر غيرهم سماه، فسمى هنا ابن أبي شيبة ، وقال: صححه ابن خزيمة ، مع أنه لم يروه من السبعة غير المذكورين، وكذا صححه الترمذي .

    ورواه مالك ، ومالك لم يذكر في السبعة، ولكنه وجده في الموطأ فأراد أن يدعّم الحديث بمن صححه من علماء الحديث، وذكر من رواه سوى الأربعة، ويكفي أنه موجود في موطأ مالك.

    ورواه كذلك الشافعي، وهل له كتاب في الحديث وهو المسند، وكذلك أبو حنيفة رحمه الله له مسند، ولكنها مسانيد مختصرة صغيرة.

    ورواه أحمد، وقد ذكره لأن الأربعة هم من عدا الثلاثة، فأخرج أحمد من السبعة ثم ذكره.

    إذاً: عرفنا تخريج الحديث من اصطلاح المؤلف في الأربعة، وكذا من ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم.

    وهذا الحديث يقول عنه الشافعي رحمه الله: هو أصل أصيل في كتاب الطهارة.

    سبب حديث: (هو الطهور ماؤه...)

    وهذا الحديث قد ذكره المؤلف مختصراً، وهذا من الإيجاز الذي عناه المؤلف بالتحرير، وأصل الحديث هو ما ذكره مالك في الموطأ: أن رجلاً يدعى عبد الله بن المدلجي كان يصيد في البحر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هو -أي: البحر- الطهور ماؤه، الحل ميتته).

    من فوائد حديث: (هو الطهور ماؤه..)

    تكلم ابن عبد البر رحمه الله وغيره في شرح هذا الحديث ومدلولاته، وابن عبد البر تتبع رواياته التي أشار إليها المؤلف، ثم ذكر فوائد الحديث، وقد أشرنا إلى بعضها، ومن فوائده: أن قوله: (إنا نركب البحر) فيه إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركوب البحر، وفي هذا رد على من يقول: لا يجوز ركوب البحر إلا للضرورة، وهو مروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وابن عمر يقول ذلك مخافةً من الهلاك؛ لأن البحر غول كما يقول الناس، ولهذا لا ينبغي لإنسان أن يركب البحر عند الهيجان في شدة المد والجزر، ومعلوم أن شركات التأمين التجاري لا تسمح لباخرة تحمل بضاعة تحت تأمينها أن تبحر وقت هيجان البحر؛ لأنها إن غرقت السفينة ضمنتها شركة التأمين، فهي لا تسمح لسفينة تحت ضمانها أن تبحر إلا إذا أخبرتها هيئة الأرصاد الجوية أن البحر هادئ، ودائماً نسمعهم في النشرات الجوية يقولون: الموج ما بين مترين ومترين ونصف إلى ثلاثة أمتار أو أربعة أمتار، إلى غير ذلك من أحوال البحر، فإذا كان البحر في وقت هيجانه فلا ينبغي للإنسان أن يركبه؛ لأن هذا قمة التهلكة، أما وهو هادئ فلا بأس، وقد يفاجأ أهل السفينة بأمواج عاتية؛ فحينئذ يكون الأمر بقضاء الله وقدره.

    وقوله: (إنا نركب البحر)، أي: نركب السفن في البحر، وحذف ما يعلم جائز كما يقول ابن مالك.

    وقوله: (ونحمل معنا القليل من الماء)، وفي بعض الروايات: (القربة من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟) فقال صلى الله عليه وسلم : (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، يقول العلماء: من كان معه ماء في سفر أو في فلاة من الأرض، والماء على قدر حاجته؛ فلا يتوضأ به، بل يتيمم؛ لأن الرسول أرشدهم إلى ماء البحر مع وجود الماء العذب؛ لحاجتهم إليه في الشرب، وكذلك المسافر إذا احتاج إلى الماء في الشرب وفي صنع الطعام، قال العلماء: حتى ولو كان معه الدابة يركبها أو يسوقها، وهي في حاجة إلى هذا الماء لتشرب منه؛ فلا يجوز له أن يتوضأ، بل يوفر الماء للدابة كما يوفره لنفسه، ويتيمم؛ لأن الوضوء له بديل، وليس لماء الشرب بديل، فإذا قل الماء على مسافر أو على أحد في فلاة، واحتاج أن يوفر الماء لنفسه لشرابه أو طعامه، أو شراب ما معه من الحيوان المحترم الذي يصحبه معه؛ فليتيمم.

    قال: فإن توضأنا منه عطشنا؛ لأنه قليل، ولا يمكن أن نشرب من ماء البحر، فكان الجواب منه صلى الله عليه وسلم من جانبين:

    الجانب الأول: أنه أفتاهم بزيادة عما سألوا، فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، وهم لم يسألوا عن ميتة البحر.

    الجانب الثاني: عدم الإجابة بنعم أو لا، ولما قال: (هو الطهور ) كأنه ألغى صورة السؤال، وجعل الجواب مستقلاً، أي: سواء ركبتم ومعكم القليل من الماء، أو الكثير من الماء، أو لم تحملوا ماءً بالكلية، وسواء كنتم تحتاجون إلى ركوب البحر أو لا تحتاجون، فمن ركب البحر، واحتاج إلى الوضوء؛ فالبحر ماؤه طهور وميتته حلال، فلو قال: نعم؛ لكان الجواب محتملاً أن يكون مقصوراً على الذين يصطادون في البحر، أو حياتهم ترتبط بالبحر، ولا يشمل من ينزلون للنزهة، أو للسفر لأمر آخر، بل جاء بقضية مستقلة، بمبتدأ وخبره (هو -أي: البحر- الطهور ماؤه، الحل ميتته).

    حكم ميتة البحر

    ولما رأى صلى الله عليه وسلم التباس الأمر عليهم في طهورية ماء البحر، أدرك أنه من باب أولى سيلتبس الأمر عليهم في ميتة البحر، وهم المخالطون للبحر ولميتته ولمائه، فأضاف إلى الجواب ما يرفع اللبس الذي أدركه في حقهم، فأضاف قوله: (الحل ميتته) يقول بعض العلماء: كل ميتة البحر حلال، والبعض يقول: ما عدا السمك الطافي، كما هو مذهب الأحناف، ولهم أدلة على ذلك، فمذهبهم المشهور عنهم عدم جواز أكل السمك الطافي على وجه الماء، وليس هذا لمعارضة الحديث، ولا لعدم العمل به؛ ولكن لأن السمك إذا مات، وأُخذ في أول موته؛ لم يكن فيه مضرة؛ لأن جسمه لم يتغير ولم يتعفن، ولكن إذا طال الوقت تعفن، ودخلت فيه البكتيرياء، ودخله الهواء، وصار جسمه خفيفاً فيطفو على وجه الماء، فإذا أكله الإنسان كان مضنة المضرة لمكثه مدة بعد موته، فقالوا: يكره أكل السمك الطافي على وجه الماء، وخالف الجمهور الأحناف في استثنائهم السمك الطافي، وهذا فيما يظهر ليس متفقاً عليه عندهم؛ لأنه جاء في كتاب (فتح القدير) أنهم لا يحلون للمحرم من صيد البحر إلا السمك، ولكن الله أباح للمحرم كل صيد البحر، واستدل الجمهور على ذلك بحديث العنبر، في قصة سرية أبي عبيدة بن الجراح، حينما نفد زادهم، وكان جراباً من تمر، حتى كانوا يتقوتون على تمرة تمرة، وهم ستمائة رجل! قال الراوي: فرأينا كثيباً عظيماً على الساحل، فلما دنونا منه إذا به حوت عظيم يقال له: العنبر، فمكثنا عليه شهراً.. وأخذوا يأكلون من لحمه، ويصيبون من ودكه، قال الراوي: ولقد رأيت ثلاثة عشر رجلاً يجلسون في عينه! ولقد أخذنا ضلعين من أضلاعه ونصبناهما، ثم نظرنا إلى أطول رجل فركب أطول بعير، ومر تحت الضلعين! فذكروا ذلك لرسول الله فقال: (هذا رزق ساقه الله إليكم)، والأحناف يقولون: إنما أكلوا منه للضرورة؛ لأن أبا عبيدة قال: إنه ميتة، ثم قال: نحن في سبيل الله، وأنتم مضطرون إليه، فكان على سبيل الاضطرار، ولكن قال الجمهور: في القصة أنهم لما رجعوا إلى المدينة ذكروا ذلك لرسول الله فقال: (هل بقي معكم منه شيء؟)، فالضرورة وهم على ساحل البحر لنفاد زادهم، لكن ليس في المدينة ضرورة، فالراجح والصحيح هو قول الجمهور؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الحل ميتته).

    لكنهم يستثنون بعض الأشياء، فقد استثنى مالك خنزير البحر، فعندما سئُل عنه قال: أنتم تسمونه الخنزير، والله قد حرم الخنزير، واستثنى كذلك كلب البحر، والبعض يحرم التمساح، أما الضفدع فقد جاء النهي عنه؛ لأن طبيباً استأذن رسول الله أن يجعله في الدواء فنهاه عن قتله، وعلى هذا نقول: نبقى على عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الحل ميتته)، وبعض العلماء يستثني الحيوانات التي يظن أنها ضارة كالسرطان ونحوه.

    وعلى هذا أضاف قوله: (الحل ميتته) إلى قوله: (الطهور ماؤه)؛ لأن راكب البحر قد يحتاج إلى السمك الميت، فقد ينفد طعامه ويحتاج إليه، والبعض يقول: ذكر ذلك ليعلم راكب البحر أن الميتة فيه لا تنجسه، وهذا أمر بعيد؛ فإنه لو رميت نجاسة الدنيا كلها في البحر فلن تؤثر فيه، والأرض بكاملها الربع منها يابس، وثلاثة أرباعها ماء، فما الذي ينجسه؟

    إذاً: العلة في ذلك ليرفع اللبس عن ركاب البحر، ويعلمهم بأن الميتة في البحر حلال، وقد جاء عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ما مات في البحر فقد ذكاه الله لكم)، أي: ذبحه لكم، فلا داعي إلى التحرز عنه فهو حلال.

    حكم ميتة البرمائيات

    الحيوان الذي يعيش في الماء، وتارة في البر، ما حكم ميتته؟

    فيه ثلاثة أقوال: قيل: يعتبر بحرياً، وقيل: يعتبر برياً، وقيل: العبرة بمكان موته، فإن وجدناه في البحر فهو ميتة بحر، وإن وجدناه في البر فهو ميتة بر.

    الحكمة من التفريق بين ميتة البحر والبر

    جاء في الحديث الآخر: (أحلت لنا مييتان: السمك والجراد)، يقول بعض العلماء: لماذا كانت ميتة السمك حلال، ولا تحتاج إلى تذكية؛ بينما الشاة والغزال والأرنب تحتاج إلى تذكية؟

    ليعلم أن جميع الحيوانات تعيش على الأكسجين الذي في الهواء، وتخرج ثاني أكسيد الكربون عند التنفس، فإذا ما خنقت أو ماتت حتف أنفها واحتبس الدم فيها؛ فنصف الدم مسمم بثاني أكسيد الكربون، والتذكية تخلص اللحم من هذا السم الذي في الدم، أما السمك فيتنفس الأكسجين من الماء، وليس هناك ثاني أكسيد الكربون، ولهذا إذا أخذت السمكة وهي حية وقطعت فسينزل منها دم أحمر، وإذا جف دم السمك صار أبيض، وأما دم الحيوان البري فإنه إذا جف صار أسود، فالسواد في دم حيوان البر هو بسبب ما فيه من ثاني أكسيد الكربون، وهو سام، والبياض الموجود في دم السمك لخلوه من هذا، ولهذا لو مات السمك ولم يخرج دمه، فدمه لا مضرة فيه على الإنسان، اللهم إلا ما طفا على وجه الماء فيرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يؤكل، حفاظاً على الإنسان، حتى لا تلحقه المضرة من هذا الذي طفا على الماء، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث بئر بضاعة

    قال رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد ].

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤتى له بالماء من بئر بضاعة ويتوضأ منه، وبئر بضاعة في الشمال الشرقي من المدينة على مسامتة سقيفة بني ساعدة إلى الشمال، وكانت هذه البئر موجودة إلى عهد قريب، وأقيمت على مزرعتها مدرسة تحفيظ القرآن، وبعد ذلك كان النادي الأدبي، ثم أزيل الجميع.

    وبئر بضاعة معلم من معالم السنة، ودراسة جغرافيتها نستفيد منها فوائد، وقد سبق إلى ذلك أبو داود رحمه الله، فعندما جاء إلى المدينة ذهب إلى هذا البئر، وقاس مساحتها.

    فكان صلى الله عليه وسلم يستقى له من هذه البئر، ولم تكن كل آبار المدينة عذبة صالحة للشرب، وقصة بئر رومة معلومة، وهي التي تسمى الآن: بئر عثمان، كانت هذه البئر يستقي منها أهل المدينة، وكان رومة رجلاً يهودياً يبيع الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومة وله الجنة)، فذهب إليه عثمان وثامنه، فأغلى الثمن جداً، فتكاثر عثمان الثمن، فقال: أنت حريص على الماء، فبعني نصفه، فباعه نصف البئر، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: نقسم البئر، فقال: كيف نقسمه؟

    قال: لك يوم، ولي يوم. وهذه قسمة عادلة.

    فأعلن عثمان رضي الله تعالى عنه لأهل المدينة أن الماء في يوم عثمان مجاناً في سبيل الله، وصار الذي يريد ماء يأخذ ليومين، فيأتي يوم رومة ولا يوجد أحد يشتري منه الماء؛ لأن الناس يأخذون الماء في يوم عثمان ، المهم أنه اشتراه منه، فكان الناس يستقون الماء من بئر عثمان في سوق كان هناك.

    وفي ذات يوم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا بكر وعمر فقال لهما : (ما الذي أخرجكما في هذه الساعة؟ قالا: أخرجنا الجوع، قال: وأنا والله ما أخرجني إلا الجوع، هلموا إلى فلان)، وذهبوا إليه في بستانه، فوجدوا زوجته فقالت: إنه ذهب يستعذب لنا الماء، ثم جاء الرجل، وأكرمهم بقنو من النخل فيه رطب وبسر وتمر، وذبح لهم ... إلخ، والشاهد: أنه ذهب يستعذب ماء للشرب.

    وكانت بئر بضاعة من الآبار التي يستعذب ماؤها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، تنبيهاً على الواقع، ليعلم حقيقة الأمر، وهذا أيضاً من حقه عليهم، كما في قصة الضب، عندما قدم في المائدة، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأكل منه فقيل له: إنه ضب، فرفع يده، فقالوا: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه)، فاجتره خالد بن الوليد فأكله.

    فهم قد أخبروا رسول الله بماذا سيأكل، وهذا كذلك هنا للتنبيه، فقد أخبروه بما يستقى له من الماء فقالوا: أيستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن؟ وفي بعض الروايات: الحِيَض -أي: قطع الخرق التي تستعملها الحائض-، فكانت خرق الدم تلقى في هذه البئر، فكان الجواب بعد هذا البيان: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فانظر إلى هذا السؤال وهذا الجواب، فالماء طهور لا ينجسه شيء؛ لأن الماء الذي استقي له، وجيء به إليه؛ ليس به شيء من هذه الأشياء الموجودة في البئر، فقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعتبر مطلقاً بدون قيد، فالماء من حيث هو طهور؛ لكن المؤلف بين التقييد بالحديث الثاني: (الماء طهور، إلا ما غلب على ريحه، أو لونه، أو طعمه بنجاسة)، وكلمة (بنجاسة) لها مفهوم، فلو تغير أحد أوصافه بطاهر فلا يضر.

    وهنا خلاف بين العلماء، فالجمهور حملوا المطلق على المقيد وقالوا: نجمع بين الحديثين فنقول: إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على أحد أوصافه الثلاثة، فنكون أعملنا القيد في المطلق، والقاعدة عند الأصوليين: حمل المطلق على المقيد، وبهذا يتم الجمع. وستأتينا أحاديث ليس فيها تغير الماء، ومع ذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن استعمالها، فمثلاً: قال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات)، قالوا: الإناء صغير، واليد ليس عليها شيء، وليس فيها ما يغير الطعم، ولا اللون، لكن منع من ذلك، وهذا ماء قليل انغمست فيه اليد، وكذا حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله)، وفي قضية بول الأعرابي الذي بال في المسجد فأتي بدلو كبير وأهريق على ذلك البول، فاختلط البول بالماء القليل وتطهر البول بهذا الماء.

    1.   

    أقسام المياه وأحكامها

    من مجموع الأحاديث نأتي إلى تقسيم الماء من حيث المجمع عليه والمختلف فيه، فنجد طرفين ووسطاً:

    الطرف الأول: الماء الكثير وهو: الطهور الذي لم يتغير بنجاسة، وهو طهور بالإجماع ولا نزاع فيه.

    الطرف الثاني: الماء القليل أو الكثير إذا خالطته نجاسة فغيرت أحد أوصافه، فهذا نجس لا يستعمل بالإجماع.

    إذاً: عندنا ماء كثير لم تتغير أوصافه وهو باق على طبيعته، ولم يتغير منه شيء مع الكثرة، فهو طاهر، وماء آخر كثير أو قليل تغير بالنجاسة فهو نجس.

    بقي الوسط وهو محل النزاع والخلاف عند الأئمة رحمهم الله، وهو الماء القليل الذي لاقته النجاسة ولم تغيره؛ لأنها إذا غيرته التحق بالقسم الثاني الذي هو نجس بالإجماع، لكنه قليل ولم تغيره النجاسة، بأن كانت قليلة نادرة، مثل إناء من ماء وقعت فيه خمس عشرة قطرة من البول، وهذه قطعاً نجاسة وقعت في هذا الماء ولم تغير أحد أوصافه، فما حكمه؟ هذا هو محل الإشكال عند العلماء، وكل ما سيمر بنا من خلاف في مباحث المياه فإنما هو في هذا القسم الوسط.

    إذاً: الماء على ثلاثة أقسام من حيث الطهورية والنجاسة:

    إن كان كثيراً -وسنذكر حد الكثرة من القلة- ولم تتغير أوصافه بنجاسة فهو طهور بالإجماع، (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، وإن تغيّر بنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً فهو نجس، حتى لو كانت عندنا بحيرة طولها كيلو في كيلو، وعمقها كيلو، وتسلطت عليها مياه المجاري حتى غيّرت ماءها، فهو ماء كثير تغير فهو نجس.

    إذاً: القسم الأول: طهور؛ وهو الكثير الذي لم تؤثر فيه النجاسة بشيء.

    القسم الثاني: غيّرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة، فمهما كانت كثرته ومهما كانت قلته؛ فهو نجس.

    والوسط وهو القسم الثالث: ماء قليل لاقته النجاسة ولم تغيره.

    إذا جئنا إلى الحديث الأول: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وحملناه على القليل لوجدنا منطوق هذا الحديث أنه ما لم تتغير أوصافه فهو طهور على هذا النص، إذاً: لم نحمله على الكثير؛ لأن النجاسة قليلة ولم تغيره، وهو تغلب عليها، ومن هنا قال مالك رحمه الله: الماء إذا لم تتغير أحد أوصافه بالنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً فهو طهور، وقال الأئمة الثلاثة: إذا كان الماء قليلاً ولم تغيره النجاسة؛ فإن النجاسة موجودة فيه، وقلته لا تحتمل النجاسة، لحديث: (إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث)، أي: فما دون القلتين يحمل الخبث.

    وقد مهدنا للأحاديث الآتية بهذا التقسيم الثلاثي حتى نطبق عليه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله تباعاً؛ لأنها كلها تشكل موضوعاً واحداً.

    نعيد مرة أخرى: الماء بالنسبة إلى الطهارة والنجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    طهور بالإجماع، وهو الكثير الذي لم تتغير أحد أوصافه.

    ونجس بالإجماع، وهو المتغير أحد أوصافه بنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً.

    والقسم الوسط وهو محل النظر والاجتهاد والخلاف، وهو الماء القليل الذي لاقته نجاسة لم تغيّره، فمذهب مالك ، ورواية عن أحمد وبعض آل البيت أن الأصل في الماء الطهورية، وإنما النجاسة تؤثر فيه إذا تغير أحد أوصافه؛ لحديث (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فأخذ مالك بالعموم، وعنده ما دام أن الماء لم تتغير أوصافه فهو طهور ولو كان قليلاً، لهذا الحديث.

    وقال الجمهور والأئمة الثلاثة: نحن نقيد المطلق بالقيد الذي جاء بعده: بنجاسة تحدث فيه.

    قال رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد . ] .

    نحن لا نناقش الطرفين المجمع عليهما، فالطرف المجمع على أنه طهور ليس لنا حاجة في نقاشه، والطرف المجمع على أنه نجس لا يوجد مجال للمناقشة، والمناقشة كلها في الماء القليل الذي لاقته نجاسة لم تغيّر أحد أوصافه، فالأصل فيه أنه طهور لا ينجسه شيء، وبهذا أخذ مالك ، والأئمة الثلاثة لم يأخذوا بهذا، ولكن قيدوا هذا المطلق بالقيد الآتي بعده.

    1.   

    متى ينجس الماء؟

    قال رحمه الله: [ وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) أخرجه ابن ماجة ، وضعفه أبو حاتم ] .

    قوله: (ما غلب) أي: لو جاءته نجاسة قليلة، قطرة أو قطرتان، ولم تغير أحد أوصافه، فيبقى على طهوريته، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه بنجاسة تحدث فيه، فهو طهور ما لم يتغير بما يغلب على أحد الأوصاف الثلاثة، وما يغلب على أحد الأوصاف الثلاثة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون نجساً أو طاهراً، فإن كان الغالب على أحد أوصافه نجساً فالماء نجس، وإن كان الغالب على أحد أوصافه طاهراً فماذا يكون حكمه؟

    حكم إذا خالط الماء شيء طاهر فغيره

    جمهور الفقهاء على أن الماء على ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، فالطهور: هو الذي يطهر غيره، كالماء الذي يتوضأ ويغتسل منه، وتغسل به النجاسة، والطاهر: هو الذي يجوز استعماله فيما طابت به النفس، ولكن لا يتطهر به محدث، ولا تطهر به نجاسة، وهو الماء الذي تغيّر أحد أوصافه بطاهر، مثل ماء الورد، وهو ماء خالطه عطر الورد، فهل هذا الماء طهور نتوضأ منه؟ لا. وهل هو نجس؟ لا. إذاً: هو طاهر، يجوز أن تستعمله في ثيابك، وأن تضعه في شرابك، أو في طعامك، لكن لا يدخل في العبادات؛ لأن الماء الطهور هو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها، فإذا تغير بمضاف إليه خرج عن الحد الذي خلقه الله عليه، ولهذا قالوا: كل ماء طهور تغيّر بأصل طاهر؛ سلبه الطهورية، ولكن لم يسلبه كونه طاهراً، فلك أن تستعمله في العادات لا في العبادات، فمثلاً: عندك طست من الماء، فسقطت فيه قطرة من الحبر، والحبر أزرق أو أسود فظهر لونه في الماء، فهل هذا الماء طهور تتوضأ منه؟ الجواب: لا ، لكن يمكن أن تستعمله فيما يمكن أن تستعمله فيه، وفيما يصلح أن تضيفه إليه.

    إذاً: القيد -ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة- جاء بإطلاق، وجاء بنجاسة تحدث فيه، ولو تغير أحد أوصافه بطاهر فيسلبه الطهورية عن الوضوء وعن غسل الجنابة وغسل النجاسة، ويبقى حكم الطهارة فيه، فهو ماء طاهر، فإن شئت شربته، وإن شئت اغتسلت به لغير الجنابة، وإن شئت غسلت به إناءً ما لم يكن نجساً، إلى غير ذلك.

    وبعض العلماء يقول: إن تغير بنجس تنجس، وإن تغير بطاهر بقي على طهوريته؛ لأن هذا التغيير بطاهر فلا يسلبه طهوريته، ولكن هذا شاذ، وهذا القائل يستدل بحديث صفية رضي الله تعالى عنها قالت: (اغتسلت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من جفنة فيها أثر العجين)، فالجفنة كانوا يعجنون فيها، فجاءوا وصبوا الماء في الجفنة، واغتسلوا منها، ووجه الاستدلال: أن العجين اليابس في الجفنة إذا وقع عليه الماء فإنه يتحلل في الماء، وهذا سيغير لون الماء إلى بياض العجين، قالوا: فقد اغتسلوا من هذا الماء الذي تحلل فيه العجين، وأجاب غيرهم على هذا: بأنهم اغتسلوا بسرعة قبل أن يتحلل العجين.

    فمذهب الجمهور أن الماء الذي خالطه طاهر وغير أحد أوصافه فهو طاهر غير طهور، مثل إناء فيه ماء فصب فيه ماء الورد، فقد صار ماء ورد، أو سقط فيه زعفران، فيكون ماء زعفران، وهكذا لو سكبت فيه شيئاً من البر أو اللوبيا أو غيرهما، ونظرت فيه وقد تغير، فليس ماءً مطلقاً، ولهذا يقولون: الماء المطلق هو الطهور، فإذا ما أضيف إليه شيء وغير بعض أوصافه؛ خرج عن مسمى الماء المطلق، وأصبح ماء مقيداً، أما ماء ورد، أو ماء زعفران، أو ماء سكر، أو ماء ملح، إذا وضع الملح في الماء يجعله مالحاً، وإذا وضع السكر فيه فإنه يحليه، وكل هذا يسلب الماء الاسم المطلق، ويصير ماءً مضافاً إلى ما أضيف إليه، ماء مسكر، أو ماء مملح.. وهكذا، حتى ولو كان الذي خالطه طاهر، فإنه يسلبه اسم الماء الطلق، ولم يبق طهوراً، ومن هنا أخذ الجمهور أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وأضافوا إليه القيد الثاني: إلا ما غير لونه، أو ريحه، أو طعمه، فإن تغير بطاهر فهناك من يقول: هو باق على طهوريته، وأما إن تغير بنجس فقد خرج عن الطهورية إلى النجاسة، لتغير أحد أوصافه، وهذا هو رأي الأئمة الثلاثة.