إسلام ويب

كتاب الطهارة [المقدمة]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه المقدمة هي فاتحة كتاب المؤلف رحمه الله، ذكر فيها منهجه واصطلاحاته في تأليف الكتاب لأجل الاختصار وعدم التطويل في ذكر الرواة، وتكرارهم نهاية كل حديث.

    1.   

    مقدمة الإمام ابن حجر لبلوغ المرام

    بسم الله الرحم الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف الحافظ ابن حجر رحمه الله:

    [ بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيراً حثيثاً، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم -والعلماء ورثة الأنبياء- أكرم بهم وارثاً وموروثاً.

    أما بعد:

    فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حررته تحريراً بالغاً، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً، ويستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي، وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادة نصح الأمة ].

    الشرح:

    تقدم طرف من الكلام على أوائل هذه المقدمة، وبيان أن المؤلف رحمه الله تعالى جمع هذا المختصر، وسيبين من أين اختصره، وقد حرره تحريراً بالغاً، وتحرى فيه الأحاديث التي تبنى عليها الأحكام، فليس في هذا الكتاب المبارك حديث موضوع ولا متهم راوية بكذب، وأقل درجات أحاديثه في الجملة أن يكون حسناً لغيره، أي: فيه بعض الضعف ولكنه يجبر بغيره، وقد يسوقه مع ضعفه؛ لأنه أراد أن يبين أدلة الأحكام في المسائل الفقهية من عبادات ومعاملات فيما ذهب إليه العلماء رحمهم الله.

    قال: (ليصبر من يحفظه بين أقرانه نابغاً) حفظ هذا الكتاب في الواقع يورث علماً جماً، ويعطي ملكة في الحديث والفقه، وقل أن يأتي من حفظه إلى باب من أبواب الفقه في أي كتاب من كتب الحديث إلا وكان له سبيل فيها. وهذا الكتاب بمثابة التمهيد -كما قال- للمبتدئ، ولا يستغني عنه المنتهي، أي: الذي درس مجاميع السنة مثل: كتب المسانيد والصحاح والسنن، فمهما كان قد قرأها فإنه لا يستغني عن هذا الكتاب؛ لأنه ملخص ومحرر، بخلاف المسانيد تحتاج إلى تحر في أسانيدها على ما ستأتي الإشارة إليها إن شاء الله عند بيان ممن اختصر هذا الكتاب.

    1.   

    اصطلاحات ابن حجر في بلوغ المرام

    وقد جعل له اصطلاحاً خاصاً من باب الاختصار، فبدلاً من أن يقول: رواه البخاري ومسلم ، يقول: متفق عليه، وبدلاً من أن يقول: رواه البخاري ومسلم وأحمد يقول: رواه الثلاثة.. رواه الأربعة.. رواه الخمسة.. رواه الستة.. رواه السبعة.. ويكتفي بالعدد، وقد بين لنا معنى هذا كله وما هي هذه الأعداد التي يقصدها.

    فبين هذا المنهج كله في المقدمة ليسهل عليك، ويختصر لك الكلام في تسمية العلماء وأصحاب السنن عند كل حديث، وإذا ذكر زيادة عن كتب السنن فإنه يذكر عمن أخذها، فمثلاً: البيهقي لم يكن كتابه من كتب السنن التي اعتمد عليها، فإذا ذكر حديثاً عن البيهقي قال: رواه البيهقي، وسماه باسمهِ، وكذلك غيره من علماء الحديث، وسنمضي معه رحمه الله لنرى من هم العلماء وأصحاب السنن الذين اختصر هذا الكتاب وحرره عنهم تحريراً بليغاً.

    قال رحمه الله: [ وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادة نصح الأمة ].

    بين لك -أيها الطالب- عقب كل حديث من أخرجه، حتى تقف على درجة الحديث من قوة الصحة أو ضعفها، وحتى يخفف عليك المئونة أن تذهب وتبحث عن هذا الحديث، ومن الذي أخرجه؟ وعن سنده ورجاله، فقد بين لك عند آخر كل حديث من الذي خرجه، وقد يشير إلى تحسين أو تضعيف.

    قال رحمه الله: [ فالمراد بالسبعة أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ] .

    هذا مما لا بد منه لمن يقرأ هذا الكتاب أن يحفظ هؤلاء السبعة، فالمراد بالسبعة أحمد ، وهو أحمد بن حنبل في مسنده، والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

    وهنا بدأ بمسند أحمد ، وهناك مسانيد أخرى كمسند أبي داود الطيالسي وأبي عوانة ، وسنن الدارمي، وابن خزيمة، وموطأ مالك، فلماذا اقتصر في المسانيد على أحمد ولم يذكر هؤلاء؟

    المسند: هو أن يأتي العالم ويجمع كل ما وقف عليه من مرويات الصحابي تحت باب واحد، فيجمع مثلاً ما روي عن أبي هريرة تحت عنوان: مسند أبي هريرة ، فمرة نجده يروي عن أبي هريرة في الطهارة، ويليه مباشرة حديث في الجهاد، وآخر في الصيام، فليس هناك ترتيب لمرويات الصحابي حسب أبواب الفقه، ومهمة (المسنِد) بالكسر، أن يسند وأن يجمع ما أسنده هذا الصحابي إلى رسول الله، فلم تصنف المسانيد حسب الأبواب والمسائل الفقهية، فقالوا: أصحاب المسانيد كانت غايتهم جمع الأحاديث حتى لا تضيع، ومن هنا فعنايتهم بالصحة والتدقيق في سند الحديث ليست كعناية أصحاب السنن، إلا أن مسند أحمد تميز عن بقية المسانيد بأنه لا يمكن أن يثبت فيه حديثاً اتفق الناس على تركه، ولهذا فإنه يؤخذ عنه، أما بقية الكتب الأخرى من السنن فيقولون: عندهم تساهل في الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف، وليس هناك التحري والدقة التي نجدها عند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، فهؤلاء تحروا الصحة والدقة أكثر من غيرهم من أصحاب السنن.

    وأين موطأ مالك الذي يقول فيه الشافعي وينقلها عنه الذهبي : ( موطأ مالك أصح كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله)؟ قالوا: لم يذكره ابن حجر ولا أهل السنن لأن مالكاً في طبقة من نقل الحديث ورواه عن التابعين عن الصحابة، وليس ممن جمعوا مع أنه جمع الحديث.

    وبعضهم يقول: الموطأ لم يختص بالأحاديث المسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل فيه مسند لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه موقوف على الصحابة، وفيه مقطوع عن التابعي، وفيه آراء العلماء، وفيه آراء مالك بنفسه.

    فقالوا: هذا كتاب على نمط مستقل خاص بالإمام مالك ، وليس معنى ذلك أنه أضعف؛ من الكتب السابقة بل إنه أعلى مرتبة من كل من سماهم؛ لأن مالكاً من الذين روى عنهم البخاري، أي أنه يروي الحديث بسنده حتى يصل إلى مالك ، فيكون مالك من رجال الحديث عند البخاري .

    وقد اختار المؤلف مسند أحمد على غيره من المسانيد لأن أصحاب المسانيد كانت مهمتهم جمع الحديث، وبعد أن جمعت المسانيد كان أحمد متقدماً على البخاري ومسلم؛ لأن البخاري ومسلماً رحمهما الله لما رأوا أن عمل أصحاب المسانيد الجمع، والجمع قد يأتي فيه خلل، نهضوا إلى جمع ما صح من الأحاديث على شرطهما، فـالبخاري يشترط اللقيا، أي: أن يكون كل راوٍ قد لقي من روى عنه حتى لا تكون واسطة مجهولة، ومسلم نزل قليلاً وقال: إذا روى إنسان عمن يعاصره اكتفيت بذلك، والآخرون نزلوا أيضاً قليلاً، ولهذا يقول العلماء: أصح الروايات ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم تنزل الدرجة إلى أبي داود، ثم يليه الترمذي ، ثم يليه النسائي، ثم يليه ابن ماجة... وهكذا.

    المراد بقوله: أخرجه الستة

    قال رحمه الله: [ وبالستة من عدا أحمد ].

    وإذا قال: رواه الستة من دون الإمام أحمد، وهم: : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة .

    المراد بقوله: أخرجه الخمسة

    قال: [ وبالخمسة من عدا البخاري ومسلماً ].

    وإذا قال: رواه الخمسة، أخرج البخاري ومسلماً، ويبقى أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجة .

    قال: [ وقد أقول: الأربعة وأحمد ] .

    فحينما يقول: رواه الخمسة، إنما يريد كلهم ما عدا البخاري ومسلماً ، وقد يعبر عن الخمسة بالأربعة وأحمد .

    المراد بقوله: أخرجه الأربعة

    قال: [ وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول ].

    أي: ما عدا البخاري ومسلماً وأحمد ؛ لأنه قال: ما عدا الثلاثة الأول، على الترتيب الذي ذكره، فإذا قال: (رواه الأربعة) خرج ثلاثة من السبعة وهم الثلاثة الأوائل: أحمد، والبخاري ، ومسلم، ويبقى : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة، فهؤلاء هم الأربعة.

    المراد بقوله: أخرجه الثلاثة

    قال: [ وبالثلاثة من عداهم وعدا الأخير ].

    أي: من عدا الثلاثة الأول وهم : أحمد، والبخاري، ومسلم، والأخير وهو ابن ماجة ، فيخرج: أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة ، ويبقى : أبو داود ، والترمذي، والنسائي .

    المراد بقوله: متفق عليه

    قال: [وبالمتفق عليه: البخاري ومسلم ]. فبدلاً من أن يذكر الاثنين -البخاري ومسلماً- يقول: متفق عليه.

    قال:[ وقد لا أذكر معهما غيرهما ].

    أي: إذا قال: متفق عليه، أي: رواه : البخاري ومسلم، اكتفى بذلك، ولم يذكر معهما غيرهما ممن روى ذلك الحديث.

    قال: [ وما عدا ذلك فهو مبين ].

    أي: ما عدا هذه الاصطلاحات وهي: السبعة والستة والخمسة والأربعة والثلاثة والاثنان، فهو مذكور عقب كل حديث، فإذا خرج عن هذا النظام فإنه يبين ذلك في موضعه.

    تسمية ابن حجر للكتاب

    قال: [وسميته بلوغ المرام من أدلة الأحكام].

    بلوغ الشيء: الوصول إليه، ومنه البلغة أي: الشيء الذي يوصلك إلى الغاية التي أنت مسافرٌ إليها، ومنه: البلاغة؛ لأن بلاغة البليغ هي: القدرة على أن ينقل لك ما في صدره أو في قلبه أو في علمه ويبلغه إليك، فإن كان فصيحاً ومتكلماً استطاع أن يعبر لك عما في نفسه، ويوصله إلى ذهنك، وإن لم يكن بليغاً فلن تستطيع أن تفهم منه شيئاً، ولن يستطيع أن يفهمك. والمرام: هو الذي يرومه الإنسان ويسعى إليه برغبةٍ عنده.

    وقوله: (من أدلة الأحكام) : لأن المرامات كثيرة، فهناك من يروم الدنيا، وهناك من يروم الآخرة، وهناك من يروم علم الميكانيك، وهناك من يروم علم الزراعة.. وهكذا، ولكنه بين القصد فقال: (سميته بلوغ المرام من أدلة الأحكام)، إذاً: لا تطلب فيه عقيدة ولا موضوع السيرة أو الغزوات؛ لأنه ليس موضوعها، ولا تطلب فيه مواضيع الزراعة أو الحث على أمور دنيوية، إنما موضوعه يدور في فلك الأحكام، والأحكام: إما عبادات حقٌ لله تعالى على العباد، وإما معاملات، ولم يتعرض للبعث والجزاء والجنة والنار وما فيها، والحوض وغير ذلك، فليس هذا من شأنه ولا من مقصده في هذا الكتاب، إنما مقصده هو أدلة الأحكام.

    1.   

    ختم ابن حجر المقدمة بدعاء الله العمل بالعلم

    قال: [ والله أسال أن لا يجعل ما علمنا علينا وبالاً ..].

    هذا دعاء خير نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن ينفعنا بما علمنا، وأن لا يجعل ما علمنا وبالاً علينا، وهذا عياذاً بالله من علم ولم يعمل، أو عمل بنقيض ما يعلم.

    والله سبحانه وتعالى قد بين أقسام الناس تجاه العلم والعمل في أعظم سورة في كتاب الله، وعند أعظم مسألة يسألها العبد ربه، وفي أعظم موقف يقفه الإنسان وهو في الصلاة بين يدي الله حينما يقرأ الفاتحة، ويقدم المقدمة العظيمة ويعلن فيها الحمد لله سبحانه، ويقر لله بربوبيته للعالمين، ثم يصفه بصفات الجلال والكمال: (الرحمن الرحيم) ثم يقر بالبعث والجزاء، وأن الملك في ذلك اليوم لله وحده، ثم يقر ويعترف ويذعن: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] بأنه لا يعبد غيره، ولا يستعين بسواه، وبعد هذا الثناء الجميل كله يسأل الله تعالى ويقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فهي أعظم مسألة في أعظم موقف بعد أعظم مقدمة.

    ولهذا جاء في الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ [الفاتحة:2] قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال الله: أثنى علي عبدي... فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل).

    (إياك نعبد) هذه لله سبحانه، (وإياك نستعين) هذه للعبد، (ولعبدي ما سأل) وهو قوله: (اهدنا)، وقد بين سبحانه هذا الصراط بقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، والاستقامة ليست مجرد الاعتدال على خط معتدل كالسهم، فكل من سار على منهج معين لتحقيق غاية فهو المستقيم.

    ويقول علماء الأدب والاجتماع: الاستقامة وسطٌ بين طرفين، وسطٌ بين طرفي الإفراط والتفريط، فقالوا مثلاً: الشجاعة وسطٌ بين التهور وإلقاء النفس إلى التهلكة وبين الجبن وعدم الإقدام، فإذا كان يلقى من هو أقوى منه أو أكثر منه ولا يجد طريقاً للعودة، فهذا متهور وليس بشجاع، فلم ينظر إلى العواقب؛ لأن الحرب كر وفر، والذي لا يقدم ولا يقاتل هذا جبان، والشجاعة أن يقدم وقت الإقدام، ويحجم وقت الإحجام.

    وقالوا مثلاً: الكرم وسطٌ بين التبذير وإلقاء المال على غير وجهه، وبين التقتير وألا ينفق ولا درهماً، فإذا ما أنفق المال قليلاً كان أو كثيراً في أوجه الإنفاق كان كريماً.

    ولهذا يقول الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، فلا إفراط ولا تفريط، والإفراط والتفريط هو الذي وقعت فيه الأمتان السابقتان: اليهود والنصارى، قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فهاتان الأمتان مفرطتان، والأمة وسطٌ بينهما، فاليهود فرطوا في كتاب الله، علموا ولم يعملوا: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46]، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:174]، ويحتالون على ما حرم الله، فلما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت ألقوا الشباك يوم الجمعة وسحبوها يوم الأحد وفيها الحيتان، وقالوا: ما عملنا يوم السبت شيئاً، ولما حرم الله عليهم شحوم الميتة جملوها ثم أذابوها وباعوها، وأخذوا الثمن وأكلوا به ما يريدون، فهذا يسمى تفريط في حق الله وفي أوامره.

    والإفراط الذي وقع فيه النصارى أنهم عملوا عن جهالة، ولهذا يقول العلماء: كل من ترك العمل بما علم ففيه شبه من اليهود، وكل من عمل على غير علم ففيه شبه من النصارى، أما هذه الأمة فإنها جاءت وسطاً، وقضية تحريم الصيد معلومة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة:94]، فحينما خرجوا في صلح الحديبية كان يأتي الصيد ويقع على ساق الفرس، وعلى سن الرمح، وتأتي الضباع وتتخلل بين أرجل الإبل، فما امتدت يد واحد إلى صيد شيء منها، أما اليهود فحينما قيل لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، قالوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:22] وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24]، وتأتي هذه الأمة لا يساوون مع العدو أكثر من الثلث، قوم خرجوا إلى عير في بدر، وجاءهم النفير بكامل العَدد والعُدد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

    فقالوا: والله لن نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، نقول: بل اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك.

    إذاً: كانت هذه الأمة وسطاً بين تلك الأمتين اللتين وقعت إحداهما في الإفراط والأخرى وقعت في التفريط، ولهذا لم تكن أمة من تلك الأمتين صالحة لدوام الرسالة فيها، فنقل الله الرسالة من بني إسرائيل من الشام إلى الحجاز، وجاء بإسماعيل عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وسلام، وكان من دعوة إبراهيم عليه السلام: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [البقرة:129] الآية، وكانت نشأة الدين من جديد في الجزيرة العربية.

    إذاً: في هذا الكتاب المبارك يدعو المؤلف في النهاية أن يجعل الله سبحانه وتعالى ما علمناه حجة لنا، لا أن يكون حجة علينا.

    قال: [ وأن يرزقنا العمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ].

    آمين.

    والله أسأل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح المتقبل، وبالله تعالى التوفيق.