إسلام ويب

تفسير سورة النصرللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نعت سورة النصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله، وذلك بعد أن تحقق النصر المبين والفتح العظيم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فأمر الله نبيه بعد ذلك أن يستعد لملاقاة ربه، وذلك بالتسبيح والاستغفار.

    1.   

    سبب نزول سورة النصر

    سورة النصر آخر سورة نزلت في كتاب الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله، أي: أُخبر فيها أنه سيموت عليه الصلاة والسلام.

    كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يدخل كبار الصحابة من أهل العلم وأهل الفضل، وكبار الصحابة من البدريين الذين شهدوا بدراً؛ كان يدخلهم عمر إلى مجلسه ويستشيرهم في شئون المسلمين، وكان يدخل معهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان صغيراً، كان عمره عشرين سنة تقريباً، فقال الصحابة: لماذا تدخل هذا الغلام معنا، ولنا أبناء مثله أو أكبر من سنه ولا تدخلهم؟ قال: إنه من حيث علمت.

    أي: إنه ابن عم رسول الله، وله فقه واسع في الدين، فالرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين، إذ قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل).

    قال ابن عباس : فدعاني عمر يوماً، ورأيت أنه ما دعاني إلا ليريهم مني أشياء -أي: يسألني أمامهم- فسأل عمر رضي الله عنه الصحابة: ما تقولون في سورة: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]؟

    ففسروا الآيات على ظاهرها، وقالوا: أمرنا الله إذا انتصرنا ودخل الناس في الدين جماعات أن نسبح بحمد ربنا ونستغفره، قال: ما تقول أنت يا ابن عباس في هذه السورة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أما أنا فلا أقول كما قالوا، إنما هذه السورة نعت إلى رسول الله أجله، أي: أخبرت الرسول أنه سوف يموت، فيستعد للموت بالاستغفار.

    وقد استنبط عبد الله بن عباس ذلك من جملة نصوص:

    - أن الصلاة تختم بالاستغفار.

    - وأن نوحاً عليه السلام لما أغرق الله قومه قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28].

    - وأن المجالس تختم بالاستغفار: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) .

    - وأن الله قال في الحج: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198] إلى قوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199].

    فالأعمال تختم بالاستغفار، ففهم أن المراد أن السورة نعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أجله، أي يا محمد! استغفر؛ لأنك ستموت.

    فقال عمر : (والذي نفسي بيده ما أعلم منها إلا كما علمت يا ابن عباس ).

    فأقر المحدث الملهم عمر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على هذا الفهم، وكان كذلك، فلما مات لم تنزل سورة بعدها، مات الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يقول في ركوعه وسجوده بعد نزول هذه السورة عليه: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن.

    وكان يقول في مرض موته: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق)، وفي رواية أخرى: (وألحقني بالرفيق الأعلى)، والرفيق: هم الرفقاء من المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)

    قال الله سبحانه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، نقل عدد من المفسرين الإجماع على أن المراد بالفتح فتح مكة، وقد كان المشركون في الجزيرة العربية متوقفين في الإسلام، قالوا: محمد يحارب قومه، هو من أهل الحرم، وهم من أهل الحرم، هم قرشيون وهو قرشي، فكانت العرب تترقب من الذي سينتصر؟ إن انتصر المشركون على محمد فنحن باقون على ديننا لا نترك الدين، لأن الأمر لن يتغير، وإن انتصر محمد على المشركين وفتح مكة فسوف ندخل في هذا الدين.

    كان هذا موقف الجزيرة بصفة عامة، كانوا ينتظرون المعركة الحاسمة، فإذا انتصر محمد فنحن معه، وإن لم ينتصر محمد فهم مع المشركين، قالوا: فلما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم وفتح مكة جاءت الوفود تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل فج، وجاءت القبائل فوجاً فوجاً، كل فوج يبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخلوا في دين الله أفواجاً، وهم محسنون صحابة، لكن الذي أنفق في أوقات الشدة وجاهد قبل الفتح أفضل من الذي علق إيمانه على الفتح، فلذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية).

    فهناك أوقات درهم يسبق فيها ألف درهم، وعمل صالح يسبق فيها ألف عمل صالح، ولذلك فإن من أكثر الصحابة الذين أنفقوا مالاً عثمان رضي الله عنه، وإنفاق أبي بكر مع أنه أقل من إنفاق عثمان ، لكنه أعظم أجراً من إنفاق عثمان ، مع أن في الكل أجراً؛ لأن أبا بكر أنفق وقت شدة المسلمين وحاجتهم إلى المال، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر).

    فجُعل الفتح فيصلاً بين المنفقين قبله والمجاهدين قبله، وبين المهاجرين والمنفقين فيما بعد، ولذلك كان الخلفاء الراشدون إذا قسموا أموالاً أو غنائم يعطون الذين هاجروا قبل الفتح أكثر من الذين هاجروا بعد الفتح؛ لأن هؤلاء بذلوا، وهؤلاء وإن بذلوا لكن بذلهم كان في وقت أقل احتياجاً من هؤلاء الذين بذلوا في أول الأمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره)

    يقول الله لنبيه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2] وقد أسلفنا أن النعم تحتاج إلى شكر فلذلك قال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].

    معنى (فسبح بحمد ربك) من العلماء من قال: قل: سبحان الله وبحمده على ظاهرها، وأيد هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه السورة كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

    ومن العلماء من قال: هذا أمر من الله لنبيه بالاستغفار؛ لأن الاستغفار في حد ذاته عبادة تثاب عليه كما تثاب على الذكر والصلاة، فإذا قلت: الحمد لله فأنت مثاب؛ لأنك حمدت الله وعبدته، إذا قلت: أستغفر الله، فهي عبادة أيضاً يثاب فاعلها.

    ومن العلماء من قال: إذا كان الأفضل والأورع وسيد ولد آدم أُمر بالاستغفار فهو حث لغيره من باب أولى، فكأنه يقول: إذا كان أفضلكم أمر أن يستغفر، فإذاً أنتم أيها المذنبون الأكثر ذنوباً من باب أولى أن تستغفروا.

    ومن العلماء من قال: إنها على بابها، لكن كما قال القائل: إن أهل الفضل والصلاح يرون صغار الهفوات ذنوباً كبيرة لأنها تتساقط عليهم، كما في الحديث: (إن المؤمن يرى صغار الذنوب كجبل يريد أن يسقط عليه)، فالمؤمن إذا أذنب ذنباً صغيراً يرى أن هذا الذنب جبل سيسقط عليه، وأما الفاجر فيرى كبار الذنوب كذبابة جاءت على أنفه فهشها فطارت.

    ولذلك يقول إبراهيم عليه السلام: ( نفسي نفسي! إني كذبت ثلاث كذبات) اثنتان منها في ذات الله: لما دعوه لعبادة الأصنام وقال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] ولم يخرج لعبادة الأصنام، ولكنه عدها كذبة.

    فعزز هؤلاء القوم قولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة)، وبقول الله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم)، وببعض النصوص الأخرى.

    وأوردوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار اختيارات غيرها أفضل منها، فعوتب فيها، كقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2] ، وكقوله تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68] ، وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم وقوله لـعمر : (لقد عرض علي عذاب أصحابك أدنى من هذه الشجرة يـابن الخطاب ، ولو نجا أحد لكان أنت يا عمر)، وبأنه مثلاً لما قيل له: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة:80] استغفر للمنافقين وبعد ذلك قيل له: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84].

    قال تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3] في كلمة (سبحان الله وبحمده) فضل، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) فكلمة (سبحان الله وبحمده) التي هي تأويل فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ من فضلها أنها تمحو الذنوب وتغسل الذنوب.

    قال عليه الصلاة والسلام أيضاً في نفس الباب: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

    قول الله: (وَاسْتَغْفِرْهُ) أمر بالاستغفار، وهذا الأمر امتثله عموم الأنبياء: فنوح عليه السلام كان يستغفر الله، قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:28]، وإبراهيم عليه السلام قال: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82]، وأبونا آدم عليه السلام يقول هو وزوجه: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، وموسى عليه السلام يقول: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأعراف:151]، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يعد له أصحابه في المجلس الواحد: ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور ) مائة مرة.

    قال الله: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]، التوبة هي الرجوع، فتب إلى الله، معناها: ارجع إلى الله، يتب الله عليك، أي: يرجع الله برحمته وفضله عليك، وتقول: تب علينا، أي: لا تحرمنا فضلك وتفضل علينا برحمتك وبفضلك.

    فالتوبة من معانيها الرجوع إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا أي: إذا تبتم إلى الله رجع عليكم فضل الله سبحانه وتعالى، ورجعت عليكم رحمة الله سبحانه وتعالى، وغفر لكم ربكم ذنوبكم.

    قال الله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]، فإذا أقبلت على الله فقد قال: (من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً) فالأئمة من العباد مذنبون، لذلك قيل في قصة سبأ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ [سبأ:15]، وأتبعت البلدة الطيبة بقوله تعالى: وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15]، فإنكم مع أكلكم وشكركم تصدر منكم زلات وهفوات ويصدر تقصير منكم، فاعلموا أن الرب غفور إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25].

    قال الله سبحانه: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3] أي: رجاعاً للعباد برحمته إذا هم تابوا وأقلعوا عن ذنوبهم.

    والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.