إسلام ويب

تفسير سورة الماعونللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من خصال الكافرين الذين يكذبون بيوم الدين أنهم يطردون الأيتام ويصرفونهم عن الأبواب، ولا يحثون على إطعام المساكين والمحتاجين، أما المراءون في الصلاة والساهون عنها فقد توعدهم تعالى بالويل وهو العذاب الشديد.

    1.   

    اتصاف المكذبين بظلم الأيتام والمساكين

    قال الله سبحانه وتعالى في سورة الماعون: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون:1-2] (الدين)، الدين هو البعث والجزاء، فالذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم، لكن هل كل من يدع اليتيم يكذب بالدين؟

    لا يكاد ينعكس لما سيأتي، فالذي يكذب بيوم القيامة، وبالجزاء، وبالحساب، لماذا سيعطف على اليتيم؟ فإذا كان الشخص غير مقر بالبعث ولا بالجزاء، فلماذا إذاً سيكرم اليتيم؟

    لذلك أذكّر دائماً بأن تقرير البعث في قلوب العباد، وتذكير الناس بالبعث وبيوم القيامة أصل في صلاح الناس، وفي حسن تصرفاتهم؛ لأن هذا المعتقد ينعكس على أفعال العباد: يمنعهم من السرقة والزنا والغش والخداع.

    يقول الله سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ [الماعون:1] أي: بالجزاء والحساب، هذا الذي يكذب بالدين يدع اليتيم، أي: يقهر اليتيم ويطرده طرداً شديداً.

    فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون:2]: فالدع هو الطرد والدفع بشدة، ومنه قوله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور:13]، وقوله: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ [الماعون:2] أي: يطرد اليتيم ويصرفه عن الأبواب.

    قال الله: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:3]، هذه الآية فيها إشارة إلى أن دفع اليتيم وزجره من أعمال المكذبين بالدين، أي: من أعمال الكفار.

    وإذا كانت هذه الخصلة من أعمال الكفار، وأنت مأمور ابتداءً أن لا تتشبه بالكفار ولا بأفعالهم، فعليك أن ترحم اليتيم، ولا تدفعه عن الأبواب، فالذي يدفع اليتيم عن الأبواب هو الكافر.

    فعلى ذلك عليك أيها المسلم أن لا تطرد يتيماً عن بابك، ولا تستعمل العنف والشدة مع الأيتام، لأن ذلك من فعل الكفار، وهذا من محاسن ديننا، ومن أصول ديننا؛ فقد جاءت جملة أحاديث وآيات في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد.

    فقد أتت امرأة معها ابنتان إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تسألها الصدقة، فما وجدت عائشة في بيتها إلا تمرة، فأعطتها إياها، فأخذت المرأة التمرة فقسمتها بين ابنتيها، فتعجبت عائشة من صنعها، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن، كن ستراً له من النار).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وفرق بين أصبعيه).

    وقد قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220].

    وقال الله في شأن اليتامى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220]، فإذا كنت قائماً على أيتام أو على أموالهم فأدبت الأولاد، واستثمرت لهم الأموال، فمن الصحابة من كان يتحرج عن التعاملات مع الأيتام تماماً خشية أن يقع في ظلمهم، فالله قال رفعاً للحرج عن هذه الأمة: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220] أي: يعلم هل نيتك إصلاح للأيتام، ويعلم نيتك وأنت تضرب اليتيم هل تضربه للتأديب، أم تضربه استضعافاً له وإذلالاً له؟

    قال تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:3] أي: هذا الكافر من صفاته أنه لا يحث غيره على طعام المسكين، لأن الحض على أفعال الخير من خصال أهل الصلاح، أفعال الخير بصفة عامة والتحريض عليها من أفعال أهل الخير وأهل الصلاح، قال الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال:65]، وقال تعالى في آية الفجر: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر:18]، فمن خصال المؤمن أنه يحث غيره على فعل الخير، والذي لا يحث غيره على فعل الخير مذموم.

    ومن خصال الكفار أنهم لا يحضون أو لا يتحاضون فيما بينهم على إطعام المسكين، فأنت يا مؤمن يستحب لك أن تحض غيرك على إطعام المسكين وعلى أفعال البر، فالمفهوم المخالف له اعتباراته في الاستدلال.

    1.   

    جمع الأدلة واستكمالها قبل الحكم

    قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].

    وقد أفرد بعض أهل العلم هنا فصلاً طويلاً في التأكيد على قاعدة وجوب الأخذ بعمومات الأدلة وعدم الاقتصار على دليل واحد عند تقرير الأحكام أو القضايا، فإذا جئت مثلاً وأخذت آية واحدة: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] كما قال أحدهم:

    ما قال ربك ويل للذي سكروا وإنما قال ويل للمصلينا

    وبنيت عليها العمل ضللت. لكن حتى يستقيم لك الحكم فلابد أن تأخذ بالأدلة التي وردت في الباب كلها: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5].

    (الويل) وادٍ في جهنم، أو هو التوعد بالهلاك والعذاب الشديد.

    فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] أصل يركز عليه، فعند البحث في مسألة عليك أن تأخذ مجمل الأدلة التي وردت فيها، وتصدر حكماً عاماً في شأنها، فمثلاً: في مسألة الشفاعة إذا أخذت دليلاً واحداً وقعت فيما وقع فيه المعتزلة حيث نفوا الشفاعة لأهل الكبائر، واستدلوا بقول الله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254]، وقال: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:70].

    لكن أهل السنة لما أتوا بالأدلة الأخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] أثبتوا الشفاعة؛ لكنها بإذن الله، فلا بد من الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة الواحدة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لنستخرج حكماً فقهياً ينتظم من هذه الأدلة جميعاً.

    فمثلاً أذكر أخوة كان أحدهم يضرب ابنه ضرباً شديداً إذا رآه يشرب قائماً، ولعل عدداً من إخواني يذكرون هذا، كانوا يضربون الولد ضرباً شديداً إذا شرب قائماً، ويستدلون بحديث: (زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً) والحديث صحيح، لكن ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرب قائماً، في البخاري وفي مسلم من حديث علي أنه قال بعد أن توضأ: (إن هناك أناساً يزعمون أن رسول الله لم يشرب قائماً، وإني رأيت النبي توضأ نحو وضوئي هذا ثم شرب قائماً) ثم شرب علي قائماً لتأكيد الفتيا.

    فقد يغيب عليك الدليل فتقع بسبب ذلك في تشدد وتزمت وظلم لنفسك وللعباد، فعليك إذا أردت أن تقرر الحكم في مسألة أن تأخذ المسألة وتدرس الأدلة التي وردت فيها عموماً، وبعد ذلك تستخرج حكماً فقهياً ينتظم به الأدلة مجتمعة، وهذا في جل المسائل، سواء كان في الأدب في الأخلاق أو في العقائد، حتى لا تقع في بدعة من البدع.

    والشيعة لما أخذوا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن علي : (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قالوا: هذا رسول الله قال لـعلي ذلك، فأي شخص حارب علياً فهو منافق عندهم؛ لأنه قال: القتال أشد من البغض.

    فقيل لهم: إن الذي قال لـعلي : (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قال في شأن الزبير الذي قاتل علياً (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير)، وقال: (الزبير في الجنة).

    فلابد إذاً أن نجمع بين الأدلة التي فيها (الزبير في الجنة)، وبين حديث: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، وهكذا فالجمع بينها يتعين.

    وقد فسر العلماء حديث: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) بأن الذي يبغضك يا علي بغضاً شرعياً؛ لكونك ناصرت رسول الله وجاهدت مع رسول الله، ونمت في فراش رسول الله، وكنت سبباً في نصرة الإسلام، الذي يبغضك لهذا السبب منافق، لأنه يبغض الدين، والذي يحبك يا علي لشجاعتك ولقرابتك لرسول الله ولسبقك للإسلام، فهو في الحقيقة مؤمن، لأنه يحب أعمالك الإيمانية، ولكن إذا حصلت مشكلة بينك يا علي وبين صحابي من أجل الدنيا، فما صلة هذه بالنفاق أو بالإيمان، فقد حدثت خلافات بين علي وبين عدد من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كـالعباس بن عبد المطلب في أموال، ومع ذلك لم يخرج العباس إلى حيز أهل النفاق رضي الله تعالى عنه.

    فالشاهد: أن الجمع بين الأدلة متعين، وهذه الآية كما قال عطية محمد سالم في تتمته لأضواء البيان: إنها أصل في الجمع بين الأدلة عند مناقشة مسألة من المسائل، سواء كانت في الفقه أو في العقائد أو في الأحكام أو في الآداب أو في غير ذلك.

    1.   

    ذم الساهين عن الصلاة

    قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] وقد قال فريق من السلف: الحمد لله الذي لم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون؛ لأن السهو في الصلاة يعتري كل شخص.

    السهو عن الصلاة للعلماء فيه أقوال:

    أحدها: أن المراد بالسهو عن الصلاة تأخيرها عن وقتها، فلا يبالي الشخص أصلى أم لم يصل، دخل الوقت أم لم يدخل الوقت، إن تيسر له صلى في الوقت أو بعد أن فات الوقت، فهذا هو السهو عن الصلاة، كما قال بعض السلف: إنهم لم يتركوها بالكلية، وإنما أخروها عن وقتها، فتوعدهم الله بالويل.

    ومن العلماء من فسر السهو هنا بمعنى الترك.

    فإذا كان الله توعد الذين سهوا عن الصلاة وأهملوها حتى خرج وقتها، فمن باب أولى الذي لا يصلي، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].

    وفي قوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] دليل على أنهم يصلون، فهذا يضعف قول من قال: إن المراد بالترك بالكلية.

    1.   

    ذم الرياء والمرائين

    قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:6-7].

    (يراءون) أي: يعملون العمل كي يراهم الناس، ولا يبالون برؤية الله لهم، يأتون للصلاة ويصلون كي يراهم الناس فيثنون عليهم، ويعمدون إلى الصدقة فيأتون أمام الناس ويتصدقون عمداً كي يراهم الناس، وهكذا وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142] فهذه الآية في ذم المرائين.

    وهناك آيات أخر فيها ذم المرائين كما في مثل قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:47] وقوله: وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء:38].

    وأحاديث وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذم الرياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء) وفي بعض الزيادات: (إذا جاء الناس بأعمالهم يوم القيامة، يقول الله: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء)، وقال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ [الماعون:6] أي: يظهرون أعمالهم للناس، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7] (الماعون): للعلماء فيه أقوال: مدارها على أن الماعون كل ما يستعار كي تقضى به الحاجة، مثل الأمور التي يستعيرها الناس بعضهم من بعض، فمثلاً: طالب يذاكر في الكلية مع طالب، قال له: أعرني كتابك أذاكر فيه إذا لم تكن تذاكر فيه، أو تقول المرأة لجارتها: أريد الخلاط أخلط فيه بعض العصيرات إذا لم تكوني تستعملينه الآن، فكل هذا المنع فاعله مذموم.

    هل منع الماعون محرم أم مكروه؟

    ذهب فريق من العلماء إلى أنه محرم؛ لأن الله سبحانه وتعالى توعد الذين يمنعون الماعون.

    ومن أهل العلم من قال: إنه مكروه فقط؛ لأن الذم الذي في مانعي الماعون جاء مقروناً بقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7] فالمنع للماعون جاء مقروناً بترك الصلاة.

    وجمهور العلماء على أن الإعارة مستحبة وليست بواجبة، وهناك نصوص حملتهم على القول بأنها مستحبة وليست بواجبة، ومن هذه النصوص الأخذ بالعمومات، كما ورد في الحديث الذي بمجموع طرقه ممكن أن يحسن: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)، وقوله: (هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) هذه النصوص تحمل العلماء أحياناً على الحكم بأنها مستحبة وليست بواجبة، وهذا رأي جمهور أهل العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.