إسلام ويب

تفسير سورة الضحىللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الضحى من السور التي أنزلها الله سبحانه وتعالى تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وتطييباً لخاطره بسبب انقطاع الوحي عنه وشماتة الكفار به، وقد ذكره الله فيها بنعمه عليه؛ فقد آواه بعد يتمه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وأوصاه بمقابلة الناس بالحسنى، فلا يقهر اليتيم، ولا ينهر السائل، وأن يحدث بنعمة الله عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والضحى، والليل إذا سجى)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:1-5].

    المراد بالضحى

    يقسم الله سبحانه وتعالى بالضحى، فالواو: واو القسم.

    من العلماء من قال: إن المراد بالضحى: النهار كله، والقرينة التي حملت قائل هذا القول على أن يقول به هو قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:2] ، قال: فأقسم الله بالضحى الذي هو النهار، وبمقابله الليل، كما في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2].

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالضحى: صدر النهار، أي: أول النهار إلى وقت الزوال، والمراد بوقت الزوال: زوال الشمس عن منتصف السماء، ويكون ذلك قبيل صلاة الظهر بقريب من نصف ساعة.

    فالحاصل: أن لأهل العلم قولين في تحديد الضحى:

    أحدهما: أن المراد بالضحى النهار كله.

    والثاني: أن المراد بالضحى وقت الضحى المعروف، أي: وقت صلاة الضحى، الذي يبدأ بعد الشروق بقريب من عشر دقائق أو عشرين دقيقة، وينتهي إلى قبيل الزوال الذي هو قبل صلاة الظهر بما يقارب نصف ساعة.

    ويقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الآيات الكونية التي هي: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2] على شيء ألا وهو: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] .

    فضل صلاة الضحى

    قبل أن ندخل في تفسير قوله تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] سنورد بعض الأحاديث التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل صلاة الضحى.

    أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة: فأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما ابن آدم من الضحى).

    وأيضاً صح من حديث بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة) ، فذكر نحواً من حديث أبي ذر وفيه زيادة: (النخاعة في المسجد تدفنها والشىء تنحيه عن الطريق)، وفي بعض الطرق الأخرى: (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما ابن آدم من الضحى) .

    فالشاهد: أن الإنسان عليه أن يؤدي شكر نعم الله عليه في مفاصله، ويكون ذلك بتأدية ثلاثمائة وستين صدقة إما بتسبيح أو حمد أو تكبير أو تهليل أو أمر أو نهي، ويجزئ عن ذلك كله أن يركع ركعتين من الضحى، ففي مسند الإمام أحمد من حديث نعيم بن عمار الغطفاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله سبحانه وتعالى: يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات أول النهار؛ أكفك آخره)، فمن العلماء من حمل هذه الركعات على أنها من الضحى، فتكون هذه الركعات كالحرز يحفظك الله بها إلى آخر النهار.

    وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث: بأن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبركعتي الضحى). فمن الفضل الوارد في صلاة الضحى:

    الأول: أن صلاة الضحى تجزئ وتكفي وتقوم مقام ثلاثمائة وستين صدقة.

    الثاني: أن أربع ركعات من الضحى حرز لك حتى آخر اليوم.

    الثالث: أنها إمضاء لوصية رسول الله التي أوصى بها أبا هريرة رضي الله تعالى عنه. وثمّ فضائل أخر في صلاة الضحى.

    الرد على من أنكر صلاة الضحى

    من العلماء من أنكر صلاة الضحى، وقال: لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى، وأورد بعض الفقهاء هذا الرأي في كتبهم وسكت عنه، وكان من اللائق أن يسترسل في توجيهه إن استطاع أن يوجهه أو إبطاله إذا احتاج الأمر إلى إيقاف، أما توجيه هذا الكلام وتسنيده فيتلخص في أمور:

    أولها: أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم منها سنن قولية أو فعلية أو تقريرية، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها وحث عليها، سواء فعلها أو لم يفعلها، ما دام قد حث عليها، فثبتت بهذا الحث سنية ومشروعية صلاة الضحى.

    ثانيها: أنه قد ثبت عن رسول الله أنه صلى الضحى، فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: كان يصلي أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله له أن يزيد).

    وورد من حديث علي عند ابن خزيمة : (أن النبي كان يصلي الضحى).

    وورد أيضاً أن عتبان بن مالك رضي الله عنه: (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في بيته، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ضحى، فقال له: أين تريد أن أصلي في بيتك؟ فأشار إليه إلى المكان الذي يريد أن يصلي فيه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وصف الصحابة خلفه، وصلى بهم ركعتين، وكان ذلك ضحىً)، أخرجه البخاري ومسلم .

    وثبت من حديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح ثمان ركعات، وكان ذلك ضحىً).

    ومن المقرر أن المثبت مقدم على النافي، فإذا جاء صحابي ونفى شيئاً، وأثبته صحابي آخر، فالمقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي، فمثلاً قال بعض الصحابة: من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً. فهذا الحديث، فيه نفي من بعض الصحابة، ولكن ثبت من حديث حذيفة في صحيح البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً)، وهذا حديث آخر مقابل ذلك الحديث.

    فالصحابي قد يفتي بما يعلم أو أن ينقل ما رآه، لكن لا يكون علمه قد أحاط بكل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)، وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة)، فالمثبت يقدم قوله على قول من نفى، إذ مع المثبت زيادة علم.

    فيقال لمن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الضحى: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى الضحى.

    فالوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم حث عليها، وحثه كفعله أو أقوى من فعله، إذ الفعل قد يتجه إليه القول بأنه مخصوص، أي: أنه خاص برسول الله، لكن الحث وأمر الغير أو أمر الآخرين أقوى من مجرد الفعل.

    والثاني: أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك.

    أما قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الضحى، فيوجه قوله على الوجوه التالية:

    الوجه الأول: أن هذا القائل قد ينقل بناءً على ما علمه، فلما لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى، ظن أنه ما صلاها قط، فنقل هذا النقل، وتتبعه غيره فأثبته.

    والوجه الثاني: أنه قد يقال: إن هذا الصحابي الذي نقل ذلك أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحافظ على صلاة الضحى وإن كان قد صلاها.

    ومن العلماء من يجيب على ذلك أيضاً فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتزئ كثيراً لصلاة الليل عن صلاة الضحى، والله أعلم.

    عدد ركعات صلاة الضحى

    ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة أن يصلي ركعتين أو يركع ركعتين من الضحى، فصلاها ركعتين، أما أكثر ركعات صلاة الضحى فلم يرد نهي عن حد معين، أما السنة التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم أعني السنة الفعلية، فإنه قد صلى عام الفتح ثمان ركعات وكان ذلك ضحىً، ومن العلماء من يحمله على صلاة الفتح.

    وورد أنه كان إذا نام عن صلاته من الليل صلى من النهار ثنتا عشرة ركعة، لكن وإن كان قد فعل ذلك، لكنه ليس هناك حد لعدد الركعات لو تجاوز، بل الأمر مفتوح إلى قبيل الزوال.

    قسم الله بالضحى والليل إذا سجى

    يقسم الله سبحانه وتعالى بالضحى وبالليل إذا سجى، فهي أشياء متقابلة، فمن العلماء من قال: إن القرآن الكريم أطلق على آياته مثاني: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر:23]؛ لأنه يذكر فيه الشيء ويذكر مقابله، فالله يقسم بالضحى بما حواه من نهار وضياء ورؤية ووضوح، وبمقابله: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:2] ونحو ذلك: ذكر جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم يتبع بذكر جزاء الكافرين، وأيضاً: المتقابلات من أنواع العذاب والمتضادات كقوله: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ [ص:57] وهو الذي بلغ أعلى درجات الحرارة، وقوله: (وَغَسَّاقٌ) وهو الذي نزل إلى أقل درجات البرودة، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص:58].

    فيقسم الله بـ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، كما أقسم بـ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:1-4]، فيقسم بقدرته على تصريف الآيات للعباد، فهو القادر على ذلك، ولن يستطيع ذلك أحد من خلقه، فهو الذي يأتي بالليل ويتبعه بالنهار، وهو الذي يأتي بالضحى ويأتي بالليل، ويحرك الشمس والقمر، سبحانه وتعالى هو الذي يسير الأمور وهو يدبرها.

    ومعنى (سجى): غطى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة موسى مع الخضر: (فرجع موسى فوجد رجلاً مسجى بثوب أخضر)، أي: مغطى بثوب أخضر.

    فالليل إذا سجى، أي: أقبل وغطى على الأشياء بظلامه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى)

    قال تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]، ما ودعك أي: ما تركك، من التوديع، فودعت فلاناً إذا تركته، وَمَا قَلَى [الضحى:3] أي: وما أبغض، فالمعنى: ما ودعك ربك وما قلاك، أي: ما تركك ربك ولا أبغضك منذ أحبك، وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى، بمعنى: مرض، فلم يقم ليلة أو ليلتين ليصلي الليل، فقالت امرأة: إني أرجو أن يكون صاحبك وشيطانك قد قلاك، يعني: أبغضك، وفي بعض التفاسير أن امرأة أبي لهب قالت: إني أرجو يا محمد أن يكون هذا العفريت أو الشيطان الذي يأتيك قد قلاك وابتعد عنك، فنزل قوله تعالى: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]، أي: ما تركك ربك ولا أبغضك منذ أحبك سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وللآخرة خير لك من الأولى)

    قال تعالى: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:4] ما المراد بالآخرة؟ من العلماء من يقول: المراد بالآخرة: الدار الآخرة، والأولى: الحياة الدنيا، وقلة قليلة تذكر أن المراد بالآخرة: مرحلة ما بعد قول هذه المرأة أو ما بعد شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم، والأولى: حال النبي صلى الله عليه وسلم الأولى قبل نزول هذه السورة وقبل شكواه، أي: على هذا التأويل الثاني الذي تبناه قلة من المفسرين سيكون المعنى: حالك بعد انقطاع الوحي عنك سيكون أحسن من حالك قبل انقطاعه عنك، لكن التأويل الأول عليه الأكثرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى)

    قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] يخبر الله أنه سوف يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حتى يرضى، وقد وفى الله لنبيه ذلك، فأعطاه الله سبحانه وتعالى من خيري الدنيا والآخرة ما رضي به النبي صلى الله عليه وسلم.

    أعطي عليه الصلاة والسلام من المال مفاتح خزائن الأرض، كما قال صلى الله عليه وسلم، وفتحت له دول بعد أن كان فقيراً عليه الصلاة والسلام.

    وأثني عليه ثناء حسناً، فدائماً اسمه يردد في كل آذان: "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله" كما قال القائل:

    أغر عليه للنبوة خاتم إذا قال المؤذن عند الأذان أشهد

    أو كما قال الشاعر.

    ففي كل أذان يذكر اسمه مع اسم الله سبحانه وتعالى، وفي كل صلاة يذكر اسمه صلى الله عليه وسلم: "التحيات لله" إلى قوله: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".

    وفي الحج يذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله يذكر اسمه، وله سورة باسمه صلى الله عليه وسلم، وفي الملأ الأعلى يذكر اسمه عليه الصلاة والسلام، ويصلي عليه المصلون: صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بتشريفه كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ [الزخرف:44] أي: لشرف لك وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44]، فهذا كله من العطاء الذي أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أوتي من النعم ما لا يعلمه إلا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى)

    قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6] يمتن الله بنعمه على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، فيقول له: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ، أي: فآواك، وكان ذلك بضمه إلى عمه أبي طالب الذي كان يحوطه ويرعاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)

    قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، وهل كان الرسول عليه الصلاة والسلام ضالاً؟ فمن العلماء من قال: إنه قد ضل في شعب من شعاب مكة، وهو صغير، وكاد يهلك، فرده الله إلى أهله سالماً.

    ومن العلماء من قال: إنه كان ضالاً عن الحق، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، وقال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف:3]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا القرآن غافلاً، وقد جاء في مستدرك الحاكم بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق هو وزيد بن حارثة إلى زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان زيد بن عمرو بن نفيل موحداً من الموحدين، ومسلماً من المسلمين، اعتنق ملة الحنيف إبراهيم صلى الله عليه وسلم، كما تقدم أن : زيد بن عمرو بن نفيل ذهب إلى اليهود وقال: يا معشر اليهود! أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال: أعوذ بالله من غضب الله، والله! لا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، إنما فررت من غضب الله، هل عندكم شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    فانطلق إلى النصارى وقال: يا معشر النصارى! أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: لا والله! ما أحمل شيئاً أبداً من لعنة الله، هل عندكم شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فخرج يقول: أشهدكم إني على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسلك سبيل المحسنين، فكان يمنع أن توأد البنات، وبه يفتخر الفرزدق ويقول:

    وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد

    فالشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة انطلقا إلى زيد بن عمرو بن نفيل فقربا إليه لحم شاة، فقال لهما زيد : إني لا آكل من لحومكم التي تذبحونها على أنصابكم. فالشاهد أن من العلماء من يقول: كان ضالاً عن طريق الهداية وعن القرآن لهذه النصوص.

    وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، والضلال: الذهاب عن القصد، وقد تقدم القول فيه:

    ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى)

    قال تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8] والعائل هنا بمعنى: الفقير، فمنه قول الشاعر:

    وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل

    أي: متى يفقر؟! ومنه قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28] أي: فقراً، ومن العلماء من قال: عائلاً، أي: يعول غيره، لكن الأكثرين على أن عائلاً بمعنى: فقيراً.

    وقوله: فَأَغْنَى [الضحى:8]، متى أغناه وهذه السورة مكية؟! من العلماء من قال: أغناه بالفتوح التي فتحت عليه، وبالجزية التي جلبت إليه عليه الصلاة والسلام، والغنائم التي حملت له، إلا أن هذا القول معترض عليه بأن السورة مكية، والفتوحات إنما كانت بعد أن هاجر إلى المدينة، فكيف وجده عائلاً فأغنى؟ من العلماء من أجاب عن ذلك فقال: الآية باعتبار ما سيئول إليه الأمر، كما في قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1] ثم قال: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، وكما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] أي: باعتبار ما ستئول إليه هذه الأموال.

    ومن العلماء من قال: إنه أغناه أيضاً في نفسه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام فقيراً لا يجد ما يتزود به ولا ما يعمل فيه من الأموال، فتزوج بـخديجة ، وكانت ذات مال وثراء، فأغناه الله سبحانه وتعالى بمال زوجته خديجة .

    ولا مانع أبداً أن تتزوج بامرأة ثيب إذا كنت فقيراً لا تستطيع الزواج، ولا ترهق نفسك ولا تتعب نفسك في أن تجمع الأموال من هنا ومن هنا، وأمامك نساء ثيبات يحتجن الزواج وهن صالحات، إما امرأة مات زوجها أو امرأة طلقت لفساد زوجها، أو امرأة مات زوجها بحادث، وعندها شقتها وعندها مالها، لا تكلفك شيئاً بل تحتاج إلى رجل تستظل به، فلتعف نفسك بها وتعفها هي الأخرى، وأنت مثاب، وإذا وسع الله عليك وأردت أن تتزوج بعد ذلك فالشرع يبيح لك ذلك.

    فالشاهد: أن القيود التي وضعها مجتمعنا في أمور الزواج ينبغي أن تكسر؛ لأن الفساد قد استشرى في زماننا، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج).

    فقوله تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8] توجيهه أن الله أغناه بتزويجه بـخديجة رضي الله عنها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)

    قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] أي: كما كنت يتيماً فآواك الله، كذلك فلتقابل هذه النعمة بإحسان، والإحسان يجازى بالإحسان، كما أن الله آواك وكنت يتيماً، فكذلك أنت بالنسبة لليتيم لا تقهر اليتيم، وكما أن الله أغناك فقد كنت فقيراً، فالسائل أيضاً لا تنهره، فيؤخذ من هذا منهج الدعوة إلى الله ألا وهو: هل يذكر الشخص بما كان فيه من حال قبل أن يصل إلى منصب أو يصل إلى حالة من الثراء حتى يفعل الخير أو أن هذا التذكير غير مرغوب فيه؟

    السؤال: لو ذهبت أدعو رجلاً، هل أذكره بما كان فيه قبل أن يصل إلى هذه الحال، ومن ثم أطلب منه طلبي أو لا؟ لكل وجهة، لكن أحياناً يستحب تذكير الشخص بالحال التي كان فيها قبل أن يصل إلى هذا الحال التي هو عليها، والدليل على ذلك هذه الآيات: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8] فكذلك فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] فأنت كنت يتيماً، والسائل أيضاً لا تنهره فأنت كنت أيضاً فقيراً، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، على ما سيأتي تأويله.

    ويستدل لهذا المبدأ أيضاً بحديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى، فالأبرص والأقرع والأعمى لما جاءهم الملك يسألهم: ماذا تريدون؟ كل طلب مطلباً، فقال أحدهم: أريد غنماً تملأ هذا الوادي، وأريد شعراً حسناً؛ فقد تقذرني الناس، فأعطاه الله الشعر الحسن، وأعطاه من المال ما شاء، والآخر أزال الله عنه البرص الذي كان يتأذى به أمام الناس، وأعطاه الله من البقر، والثالث أعطاه الله ما شاء من الإبل وأزال عنه العمى، الحديث إلى آخره.

    الشاهد: أن الملك لما جاء يسألهم مرة أخرى، قال لهم طالباً: لا بلاغ لي إلا بالله ثم بك، شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: إن الحقوق كثيرة، وجلس يتعلل بعلل، فحينئذ ذكره بالحال التي كان فيها: كأني بك كنت فقيراً فأغناك الله، وكنت أبرصاً فشفاك الله، كأني أنظر إليك، قال: لقد ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فما نفعته الذكرى، فقال: إن كنت كما تقول؛ فردك الله إلى ما كنت فيه، الحديث.

    فهل يستحب تذكير الشخص بالذي كان فيه أو يكره؟ هذه المسألة ليس فيها نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر صريح بفعل معين، إنما هي مجرد تصرفات صدرت، فإن رأيت أن تذكير الشخص بما كان فيه من فقر أو غنى أو مرض ينتفع به الشخص، فذكره حينئذ وتوكل على الله؛ لأن التذكير يهيج فيه شكر نعم الله، فيحمله هذا الشكر على فعل الإحسان، وإن كنت ترى أن الشخص الذي أمامك إذا ذُكر بالحالة التي كان فيها فسينفعل وسيغضب وسيثور؛ فحينئذ يترك التذكير، كقولك للشخص: اتق الله، فكلمة (اتق الله) كلمة طيبة، فيها غاية الحسن، لكن أحياناً لا تقال، فمثلاً: الله قال لنبيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، وتداول الصحابة فيما بينهم كلمة: (اتق الله)، لكن أحياناً يكون لها موطن تكره فيه، لا تكره لأنها كلمة: (اتق الله)، لكن كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يقسم القسمة بين أصحابه وجاءه رجل فقال: يا محمد! اتق الله واعدل في القسمة. صحيح كلمة (اتق الله) قوية، لكن ليس هذا هو موطن قولها، فإنك تضمنها اتهاماً للشخص، فقال الرسول: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟!).

    فالكلمة الطيبة إن ضمنت معنىً يحمل اتهاماً فحينئذ تذم، لكن لا تذم لأنها هي الكلمة ولكن لما تضمنته الكلمة من معاني أخر، فمثلاً: شخص يسألك عن شخص آخر، فقلت له: الله يهديه، "الله يهديه" كلمة طيبة جداً، وفي غاية الحسن، لكن (الله يهديه) توحي بها إلى أنه ضال وزائغ، وتسأل الله له الهداية، فحينئذ تكون نوعاً من أنواع الاغتياب واللمز، والله أعلم.

    فالشاهد: هل يشرع تذكير الشخص بالحال التي كان فيها قبل أن أطلب منه ما أطلب؟ هذا أمر مرده إلى حال الذي أمامي، إن رأيت أن الشخص ينتفع بهذه الموعظة قدمتها، وإن رأيت أنه سينفعل إذا ذكر بالذي كان فيه من حال! تركت هذا التذكير؛ لأنه سيكون من باب الإيذاء، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن سب الأموات؛ حتى لا يتأتى الأذى إلى الأحياء من ناحية، وأيضاً فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من عمل.

    منزلة اليتيم في الشريعة الإسلامية

    قال الله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9] من محاسن هذا الدين أن جاءت نصوص الكتاب العزيز ونصوص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بحفظ اليتيم، حفظه في ماله وفي عرضه وفي دمه، وفي كل شيء.

    ففي باب الأموال: قال الله سبحانه محذراً أشد التحذير: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، ذلك أن اليتيم ليس له من يدافع عن حقه غير الله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2]، ومهور النساء قد يتساهل فيها، لكن مهر الطفلة اليتيمة خاصة لا يتساهل فيه، ولا يجوز لك أن تأتي إلى طفلة يتيمة وتقول: أنا أزوجها من الأخ فلان بالقرآن، لا يجوز لك هذا أبداً، وإن ظننت أنك على سنة، بل أنت آكل لأموال اليتيمة بالباطل ومضيع لحقها، فالله يقول في شأن اليتيمة خاصة: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] أي: في صداق اليتامى: البنات الصغيرات، فلا تتزوجوهن، التقدير: فلا تتزوجوهن، أي: فالنساء سواهن كثير، فلا تقدموا على الزواج بهن إلا إذا أقسطتم لهن، ولا تقدموا على الزواج باليتيمات إلا إذا عدلتم معهن في الصداق، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3]، فالتقدير: فالنساء سواهن كثير، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    فجاءت الآيات بحفظ مال اليتيم، وكان بعض السلف إذا سئل عن شيء من أمر اليتيم؛ يرد ذلك إلى النيات لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220].

    وهل يجوز ضرب اليتيم لتأديبه؟ يعني: إذا كان يتيماً مشاغباً، أو يسرق، أو يسب ويستعمل ألفاظاً قبيحة، يجوز ضربه لمصلحته: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر)

    قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:10] السائل هنا عام، فيدخل في ذلك السائل عن العلم، فلا ينبغي لشيخ ولا لعالم ولا لأحد إخواننا الخطباء أو الدعاة أن يزجر سائله.

    وأيضاً يجدر بإخواننا الدعاة أن يرفعوا الأجهزة التي وضعت في بيوتهم للرد على التلفونات، ويردوا هم مباشرة على أسئلة السائلين، وكذلك الأطباء الذين يغيرون الأرقام يومياً فراراً من المسلمين الذين يحتاجون إلى نصائحهم، جدير بكل هؤلاء أن يفتحوا صدورهم للمسلمين، جدير بهم أن يفتحوا أبوابهم ولا يكونوا كالسلاطين، سلاطين الظلم الذين يجعلون لأنفسهم بوابين وحجبة يحجبون الناس عن الدخول إليهم.

    فلا يجدر بالعلماء أن يضعوا مسجلات على التلفونات، وكذلك الأطباء لا يجدر بهم أن يغيروا أرقام التلفونات يوماً بعد يوم، هذا يفر من سؤال السائل، وهذا يفر من استشارة المريض، وكل من كان في هذا المقام ينبغي له أن يفتح صدره وقلبه للمسلمين وإلا فالله قادر على أن يزيل ما به من نعمة، يقول الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء:86].

    وكذلك السائل المحتاج الذي يسأل الناس أموالاً لاحتياجه وفقره، أو السائل الذي ضل الطريق، أو السائل عن أي شيء، عن صحته أو أي شيء ينتفع به في دينه ودنياه ما لم يكن سائلاً تجاوز الحد الشرعي الذي شرع له في السؤال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)

    قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، ما المراد بالتحديث بنعمة الله؟ من العلماء من قال: إن المراد بالتحديث بنعمة الله: العمل بمقتضى نعمة الله عليك. فمثلاً، التحديث بنعمة المال: أن تنفقه في أوجه الخير، التحديث بنعمة الصحة: أن تستعملها في الخير، التحديث بنعمة المنصب: أن تساعد به أهل الاحتياج، التحديث بنعمة الزكاة: أن تفهم الأغنياء وترشدهم. فكل نعمة لها شكر.

    ومنهم من قال: اذكر نعمة الله عليك في نفسك، ولا تنساها، فإنك إذا ذكرت نعمة الله عليك في نفسك حملك هذا الذكر على فعل الخير.

    ومن العلماء من قال: أظهرها للناس وحدث الناس بما أنعم الله عليك، ولكن لهذه الفقرة الأخيرة ضابطاً فقهياً. فإذا كنت لا تخشى من الناس الحسد والمكر بك، حينئذ يستحب لك التحديث، تقول: إن الله أكرمني بكذا، أكرمني ربي بكذا، أكرمني ربي بكذا.

    ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، حتى في حياتنا الدنيا، فأنت مثلاً إذا جئت وأهديت لأخيك أو لجارك الفقير ثوباً، كم تسعد إذا رأيت هذا الفقير الذي كان يلبس ثوباً مقطعاً خرج وهو منشرح الصدر ويلبس الثوب الجديد ويمشي به في الناس، فصدرك ينشرح وتسعد غاية السعادة.

    إذا ذهبت إلى بيت فقير، ووجدته يتأوه ويتقلب على الفراش من البرد، وأهديته بطانية، وذهبت ورأيته يتقلب في البطانية ويحمد الله ويثني عليه، ويشكرك على صنيعك؛ لا شك أنك تفرح، وقلبك وصدرك ينشرحان لهذا الفعل الذي رأيته.

    فحدث بنعمة الله عليك ولير عليك أثر نعمة الله سبحانه وتعالى، ودع عنك أهل الجهل من أهل التصوف المقيت الذين يفترون أحاديث مكذوبة وموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحمل على لبس المرقع، ويروون أشياء لا أصل لها، منها أن ثوب عمر كان فيه ثلاث عشرة رقعة، إلى غير ذلك من التخاريف التي يروونها عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام قد خرج يوماً في حلة حمراء لم يُر على أحد مثلها.

    وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] هذا تفسيره، لكن إن خشيت من حسد الحاسدين، فحينئذ استر عن هذا الحاسد النعمة، كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5]، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم في منامه ما يحب، فليحدث به من يحب)، فقط تحدث الذي تحبه فقط، أما الذي تخشى من حسده فاكتم عنه هذه الرؤيا.

    أما حديث: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود)، فقد أطبق العلماء الأوائل: كـأحمد بن حنبل، ويحيى ين معين وابن المديني وغيرهم على تضعيفه وتوهينه، وبالغ بعضهم فحكم عليه بالوضع، لكن معناه يدخل في القضية فقهياً.

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.