إسلام ويب

تفسير سورة الانشقاقللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة عن أحداث وأهوال عظام تحصل يوم القيامة، كانشقاق السماء واستماعها إلى ربها، وتمدد الأرض وإلقاء ما فيها. وأخبر سبحانه أن الإنسان في هذه الحياة كادح ثم هو ملاق عمله، وأن من أشد الأهوال التي يمر بها الإنسان يوم القيامة عندما يدعى لأخذ كتابه، فهل سيأخذ كتابه بيمينه فيسعد سعادة ما بعدها شقاوة، أم سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره فيصلى نار جهنم والعياذ بالله؟! ولهذا استنكر سبحانه وتعالى على المعرضين تكذيبهم وعدم إيمانهم، وأخبر أنه يعلم بما يعملون، وتوعدهم بالعذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انشقت...

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:1-2] .

    قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ انشَقَّتْ معناها: تصدعت وتشققت.

    لماذا تتصدع وتتشقق؟

    قد أسلفنا الإجابة على هذا: أنها تتشقق كي تنزل منها الملائكة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ أي: عن الغمام، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:25-26]، فتتشقق السماء كي تنزل منها الملائكة.

    إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ [الانشقاق:1-2] معنى (أذنت): استمعت، أما الدليل على أن المراد بها استمعت فقوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] أي: يقولون: هو سمّاع. أي: أننا نشتمه وإذا جئنا واعتذرنا إليه بأي عذر قبله فهو رجل سمّاع لكل ما يقال له.

    الشاهد: أن قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] أي: سمّاع.

    الشاهد الثاني: من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، أي: ما استمع الله لشيء استماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.

    ومن لغة العرب قول القائل:

    صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

    (أذنوا) أي: استمعوا.

    فدلت هذه الأدلة من الكتاب والسنة ولغة العرب على أن المراد بالأذن في قوله تعالى: (أَذِنَتْ) أي: استمعت.

    ما معنى استمعت؟! وهل السماء تفهم وتستمع؟!

    الإجابة: نعم. فالسماء استمعت لأمر الله سبحانه وتعالى، ولها فهم، لكن كيفيته يعلمها الله، والدليل على ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [الأحزاب:72]، فالسماوات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة، فدل ذلك على أن لهن فهم يعلمه الله، فمن ثم رفض قبول الأمانة وحملها وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    ودليل آخر على أن للسماء فهم يعلمه الله: قوله سبحانه وتعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ [الدخان:29] ، فدل ذلك على أن السماء لها بكاء.

    أي: تبكي على أهل الصلاح الذين كانت ترفع أعمالهم الصالحة من أبواب السماء فإذا ماتوا انقطعت الأعمال الصالحة فبكت عليهم السماء، أما أهل الفجور والعصيان فلا تبكي عليهم السماء، كما قال تعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ، وكذلك الأرض في نفس المعنى.

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا أي: استمعت السماء لقول ربها ولأمر.

    وَحُقَّتْ أي: حقق الله عليها الاستماع، حق عليها أن تستمع لله، وهناك قول آخر، أي: وجدير بها أن تستمع لأمر الله سبحانه وتعالى.

    ومن العلماء من قال: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ أي: سمعت لربها وأطاعت.

    وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق:3] أي: بسطت وزيد في مساحتها وطولها، فبعد أن كان يعتريها الأمت والجبال فيوم القيامة تزول الجبال وتفرض الأرض فلا يصبح فيها أمت -أي: لا يصبح فيها عوج- كما قال تعالى: لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:107] ، فتمد الأرض وتبسط فيزاد في مساحتها، وعلى رأي القائلين بأن الأرض كروية فإن معنى مدها: بسطها وفردها، قال سبحانه في الآية الأخرى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48] ، فهي أرض أخرى أو هي نفس الأرض لكن يعتريها أشياء فتصبح كأنها أرض أخرى، والقولان لأهل العلم لكن الظاهر أنها أرض أخرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: وإذا الأرض مدت...)

    قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ فإذا مدت -كما أسلفنا القول- أو فردت فما بداخلها وما بثناياها يطلع ويخرج على وجهها، كالشيء المنثني إذا فردته خرج ما بداخله ما بين الكسرات، وهكذا الأرض بداخلها أشياء أطبقت عليها فإذا فردت خرج ما بداخلها من أشياء.

    ومن ثم قال تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:4].

    وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا أي ما بداخلها.

    وما هو الذي بداخلها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تقيء الأرض .. -تقيء من قاء يقيء- أفلاذ كبدها كأمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيأتي القاطع ويقول: -وهو ينظر إلى الذهب والفضة الذي ألقته الأرض على وجهها- في هذا قطعت رحمي، ويأتي القاتل ويقول: في هذا قتلت، ويأتي السارق ويقول: في هذا قطعت يدي) أي: في هذه الأشياء التي لا قيمة لها وأصبح لا وزن لها فالقاتل يستحقر نفسه كيف أنه قتل أخاه المسلم من أجل هذا الذهب الذي ألقته الأرض ولفظته، وهذا على قول من قال: إن قوله تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا أي: ما بداخلها من كنوز ومن معادن من ذهب وفضة وعلى القول الآخر: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق:4] أي: ألقت ما فيها من الأموات الذين كانوا بداخلها، كما قال الله سبحانه: يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق:44]، وكما قال سبحانه: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:4] أي: أثيرت واستخرج ما بداخلها.

    إذاً: القول الأول: أن (ألقت ما فيها)، أي: ما بداخلها من كنوز، على ما ورد في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، والقول الثاني: (ألقت ما فيها) أي: من الأموات، كما قال سبحانه: يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ فبعد أن كانت لهم كفاتاً أحياءً يمشون عليها وأمواتاً يدخلون في بطنها، يوم القيامة تلفظ كل من في بطنها وتتخلى عن المسئولية.

    (ألقت ما فيها وتخلت) أي: قائلة: يا رب! هذه المسئولية التي حملتني إياها فهؤلاء عبيدك الذين دفنوا في بطني هاهم بين يديك وهذه المعادن التي أودعتها فيّ هاهي بين يديك، وتفرغ تماماً وتتخلى عن كل مسئولية قد حملتها هذه الأرض.

    وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:4-5] استمعت ما يملى عليها وتؤمر به من الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ [الانشقاق:6] والخطاب لعموم الإنسان المؤمن والكافر.

    إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا [الانشقاق:6] (كادحٌ). أي: عامل، و(كدحاً) عملاً، فالمعنى: يا أيها الإنسان المؤمن! يا أيها الإنسان الكافر! يا أيها الإنسان العاصي! فهو لفظ عام إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا [الانشقاق:6] أي: عاملٌ إلى ربك عملاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فملاقٍ عملك يوم القيامة وإنك ساعٍ إلى ربك سعياً فملاقٍ سعيك، وكل أعمالك التي تعملها الآن ستلقاها يوم القيامة.

    وقد تواردت بذلك الآيات في كتاب الله والأحاديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] وكما قال عز وجل: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19] فإذا كان الشخص لابد أن يلقى عمله يوم القيامة فيجدر به أن يحسن العمل الذي سيقابله يوم القيامة.

    (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ): هل ملاقٍ كدحك أو ملاقٍ ربك؟

    الأقرب في هذه الآية أنه ملاق لكدحه وإن كان سيلاقي ربه أيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ملاقوا ربكم ..) والأحاديث ثابتة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بيمينه...)

    قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] في الآية فضل اليد اليمنى في الآخرة وتلقي الكتب بها، وأما فضلها في الدنيا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعطي أحدكم إلا بيمينه ولا يأخذ إلا بيمينه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يمسّن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها)، فاليد اليمنى مفضلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأيمنون الأيمنون) فكل ما هو على اليمين له فضل، وقد شرب النبي صلى الله عليه وسلم ماءً ثم ناول فضله من عن يمينه، وكان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.

    قال الله سبحانه وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] المراد بالكتاب الكتاب الذي أثبتت فيه أعمال العبد.

    فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عذب) أو (من حوسب عذب)، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (يا رسول الله! أوليس يقول الله سبحانه وتعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك العرض) أي: المراد بالحساب اليسير في هذه الآية العرض، وأما المراد بالعرض في هذا الحديث فمن العلماء من قال: عرض أعمال العبد على العبد نفسه، ومنهم من قال: عرض العبد على الله، والصواب من القول هو ما أيده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المراد بالعرض عرض أعمال العبد بين يديه أمام ربه سبحانه وتعالى، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله عز وجل يدني المؤمن يوم القيامة ويضع عليه كنفه ويستره عن الناس ويقرره بذنوبه، عملت يوم كذا وكذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! نعم يا رب! حتى يظن العبد أنه هلك، فيقول الله سبحانه وتعالى: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) ومن العلماء من جنح إلى تفسير العرض بالعرض على النار والمرور عليها والورود والله سبحانه أعلم.

    إذاً: المراد بالحساب اليسير هنا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم: عرض أعمال العبد عليه بين يدي ربه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره...)

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:10] إن قال قائل: في هذه الآية أن كتاب بعض الناس يؤتى من وراء الظهر وآيات أخرى فيها أن الكتاب يؤتى بالشمال فكيف يجمع بين الآيات التي فيها أن الكتاب يؤتى بالشمال كما قال سبحانه: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:25] وغيرها من الآيات التي فيها أن الكتاب يؤتى من وراء الظهر كهذه الآية؟ أجاب عددٌ من العلماء: بأنه لا يمتنع أن يؤتى العبد كتابه بشماله وراء ظهره.

    أي: يأخذه بيده اليسرى من خلف ظهره، قال الله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ [الانشقاق:10] أي: كتاب أعماله وَرَاءَ ظَهْرِهِ أي: بشماله ويده الشمال موضوعة خلف ظهره ويتناول كتابه على هذا الوجه.

    فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:11] (ثبوراً). هلاكاً فيدعو على نفسه بالهلاك، كما قال تعالى: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40] وهذا الموقف من المواقف التي هي في غاية الحرج والرعب يوم القيامة، فمواقف يوم القيامة كلها أهوال إلا على من خفف الله عنه، ومن أشد هذه الأهوال: وقت تلقي الكتب وتطاير الصحف، وعرض الأعمال على الموازين، والمرور على الصراط، فدعوى المرسلين على جنبتي الصراط: (رب سلم سلم) فهذه كلها مواقف يواجهها العبد يوم القيامة فيأتي وقت استلام الكتاب والله أعلم هل يناول الكتاب باليد اليمنى ويمد يمينه لتلقي كتابه أو يتناوله باليد اليسرى من وراء الظهر؟ وهل يمر على الصراط كالبرق أو يتعثر على الصراط أو يسقط؟ هل ترجح كفة حسناته أم تطيش؟ كلها أهوال، والمعافى من عافاه الله، قال الله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:10-11] يدعو على نفسه بالهلاك؛ ولكن كما قال تعالى: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا [الفرقان:14] أي: هلاكاً واحداً وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:14] أي: لا تقولوا: يا رب الهلاك مرة ولكن قولوها مرات.

    فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا أي: يقول: واثبوراه وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:12] أي: يدخل السعير مصلياً بحرها إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:13] أي: كان في الدنيا مسروراً لا يخاف الآخرة ولا يرجو لها حساباً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14] (يحور) يرجع. والمعنى: يرجع حياً بعد موته بَلَى [الانشقاق:15] بلى ليحور، أي: بلى ليرجعن إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:15].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق...)

    قال الله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق:16] أي: فلا يظن هذا الظن السيئ: أنه لا بعث فَلا أكد هذا النفي قوله تعالى: أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق:16]. أي: أقسم أن البعث آتٍ بالشفق وأقسم على بطلان ظنه أنه لا بعث بالشفق، والمراد بالشفق شفقان شفق أحمر وشفق أبيض، والشفق هو الحمرة التي تكون في اتجاه غروب الشمس مستعرضة في السماء وهي التي بها يدخل وقت العشاء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وقت العشاء ما لم يغب الشفق) فالمراد بالشفق هنا الشفق الأحمر، أما الشفق الأبيض فقد يمتد إلى منتصف الليل أو إلى قريب الفجر، فالشفق المعول عليه في الحديث في انتهاء وقت المغرب هو الإحمرار الذي يكون في اتجاه غروب الشمس وإذا اختفى هذا الإحمرار دخل وقت صلاة العشاء، فرب العزة يقسم بهذا الشفق فيقول سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وقوله: فَلا نفيٌ للظن الذي تقدم ثم أكد هذا النفي بقوله تعالى: أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق:16-17].

    وَسَقَ معناها: جمع وحوى ولف وضم. أي: والليل وما جمع. والليل يجمع أشياء، فالليل فيه تنتشر الشياطين وفيه تنزل الثريا، وفيه تخرج السباع والهوام من أماكنها وتنتشر الحشرات، وينتشر أهل الشر والفساد يسطون على العباد، وتحاك المؤامرات في الليل، فلهذا أستعيذ بالله منه في قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] إلى قوله: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3]، وهو الليل إذا دخل وهو القمر أيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ دل على أن الليل يجمع أشياء، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ)، وقال عليه الصلاة والسلام: (فأوكئوا القرب واذكروا اسم الله، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وخمروا الآنية واذكروا اسم الله، وأطفئوا المصابيح واذكروا اسم الله).

    وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ أي: وما جمع وحوى.

    وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق:18] أي: اكتمل واستوى، وهذا حينما يكون مكتملاً وذلك ليلة الرابع عشر، فيكون القمر متسعاً ومتسقاً، فقوله: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ أي: إذا اكتمل، فإن للقمر منازل، كما قال سبحانه: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39] فيتسق القمر في ليلة الرابع عشر والخامس عشر.

    وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ من العلماء من قال: إن هذا القسم مردود على ما سبق ونفي الظن أنه لا بعث، ومنهم من قال: إنه قسم مبتدأ لما سيأتي أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق:16-18] على ماذا هذه الأيمان؟ على الآتي ألا وهو لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19] فالمعنى: أقسم بالشفق، وبالليل وما وسق، والقمر إذا اتسق لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أي: أنكم سوف تركبون طبقاً عن طبق.

    وفي قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قراءتان: القراءة الأولى: لَتَرْكَََبَنَّ بالفتح، والقراءة الثانية: لَتَرْكَبُنَّ بالضم، وقول من قال: لَتَرْكَََبَنَّ قال فريق من العلماء: إن المخاطب بهذه الآية هو النبي عليه الصلاة والسلام، فالمعنى لتركبن يا محمد حالاً بعد حال، ولتتغيرن بك الأمور حالاً بعد حال، وللعلماء في هذه -الحال بعد الحال- جملة أقوال:

    القول الأول: لتركبن يا محمد سماءً بعد سماء -وهذا في المعراج- وتنتقل من سماء، إلى سماء واستدل لهذا القول بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا [نوح:15] فسماء بعد سماء. يعني: طبقاً عن طبق.

    القول الثاني: لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19] يا محمد! لتتغيرن أحوالك من حالٍ إلى حال فأنت في حالٍ مستضعف، وفي حالٍ قوي، في حال فقير، وفي حال غني، كما قال الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8] فتغيرت أحوالك يا محمد.

    والقول الثالث: لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:10]، أي: لتعلون منزلة بعد منزلة وشرفاً بعد شرف وقربة إلى الله سبحانه وتعالى بعد قربة، هذا إذا كان المراد في قوله: لَتَرْكَبُنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام، وهو قول تقلده كثيرٌ من المفسرين.

    القول الثاني: أن المراد بقوله: (لَتَرْكَََبَنَّ) أي: السماء. أي: لتتغيرن أحوال السماء حالاً بعد حال، فمرة تكون السماء كالمهل، ومرة تنشق، ومرة تنفطر، ومرة تصبح السماء وردة كالدهان، فتتغير أحوال السماء من حالٍ إلى حال، ومن لونٍ إلى لون آخر، هذا على تأويل: (لَتَرْكَََبَنَّ) لأن الكلام فيه يعود على السماء، وأنها تتغير أحوالها لما يعتريها من أمر ربها سبحانه وتعالى.

    القراءة الثانية: (لَتَرْكَبُنَّ) بضم الباء والمراد بها: الناس أو الإنسان، والمراد بالأحوال أو بالأطباق التي يركبها الناس طبقاً عن طبق جملة أقوال..

    أحد هذه الأقوال: أن طبقاً عن طبق: حالاً بعد حال، في بطن أمك نطفة، ثم بعد أن تكون نطفة تكون علقة، ثم تكون بعد ذلك مضغة، ثم بعد المضغة تخرج من بطن أمك، ثم تكون طفلاً، ثم تقوى، ثم بعد القوة يحصل لك الضعف والشيب، كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54].

    فقوله تعالى: طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أي: حالاً بعد حال، من النطفة، إلى العلقة، إلى المضغة، إلى الطفل، إلى الشباب، إلى الشيخوخة، إلى الموت.

    القول الثاني: في طَبَقاً عَنْ طَبَق حالاً بعد حال؛ لكن المراد به: تعتريك أيها الإنسان أحوال، فيعتريك الموت، ثم بعد الموت البعث، والمرور على الصراط، والميزان، وتلقي الكتاب، والجنة أو النار، فكلها أحوالٌ تعتري الإنسان، وكلها أطباق تعتري الإنسان.

    والقول الثالث: أن لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيها الإنسان! إنك ستتغير أحوالك، من صحة إلى ضعف، ومن ضعف إلى مرض، أو من مرض إلى صحة، ومن صحة إلى مرض، ومن غنى إلى فقرٍ، ومن فقرٍ إلى غنى، ومن رفعة إلى ضعة وذلة، ومن ضعة وذلة إلى رفعة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

    هذه بعض الأقوال في تفسير قوله تعالى: لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:10]. والحاصل: أن أحوال الإنسان لا تثبت على شيء واحدٍ أبداً، فإنك الآن في حياة وسيأتيك الموت لا محالة، وبعد الموت البعث، وأنت الآن قوي وغداً ستضعف ولابد، وأنت الآن غني وقد تتقلب بك الأحوال، وهكذا.. فالشاهد أن قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أي: لتتغيرن أحوالكم أو أحوالك يا محمد حالاً بعد حال أياً كان هذا الحال.

    إذاً: المعنى: أن حال الإنسان لا يثبت على وضع واحد، فجدير بالإنسان إذا كان هذا شأنه، أن يكون شاكراً في السراء، صابراً على البلاء في الضراء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون...)

    قال الله: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الانشقاق:20] أي: ما لهم لا يؤمنون وهذه أحوالهم؟! وهذا استفهام المراد منه التوبيخ لهؤلاء المعرضين عن طريق الله سبحانه وتعالى.

    فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إذا كنت أيها الشاب لابد وأن تمر بك حالة تضعف فيها وتمرض فلم لا تؤمن فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:21] سجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية. قال أبو رافع رضي الله عنه: (صليت خلف أبي هريرة رضي الله عنه صلاة العشاء فقرأ: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ فسجد فيها، فقلت له في ذلك، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فجهر بها فسجد فيها فلم أزل أسجد حتى ألقاه عليه الصلاة والسلام) فسجود التلاوة مشروع عند هذه الآية، والأحاديث التي صحت في سجود النبي صلى الله عليه وسلم سجود التلاوة في أربعة مواقف: سجد النبي سجود التلاوة في النجم، وفي العلق، وفي الانشقاق، وفي (ص).

    قال سعيد بن جبير : (سألت ابن عباس عن سجدة (ص) فقرأ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الأنعام:84] الآيات إلى قوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90] فأمر نبيكم عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهم، وممن أمر نبيكم أن يقتدي به داود صلى الله عليه وسلم فسجدها داود -أي: أن داود سجد في قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص:24]- فسجدها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وما سوى هذه السجدات ففيها آثار موقوفة وبعض دعاوى الإجماع، أما سجدة (الم تنزيل) فقد قال عنها أمير المؤمنين علي : إنها من عزائم السجود، وكذلك القول في سجدة فصلت، أما سجدات الحجر والنحل والرعد والأعراف وغير ذلك من السجدات، فالوارد فيها آثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسجود التلاوة لا يشترط فيه الوضوء على الصحيح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قرأ آية النجم فسجد فيها سجد من معه من المسلمين والمشركين ويُبعد أن يكون كلهم على وضوء.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ *بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق:21-22] من العلماء من قال: (بل) بمعنى (لكن) فهذا عند بعض العلماء بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق:21-23] (يوعون) معناها: يكتمون ويسرون، وهي من الوعاء.

    فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق:24] فيه دليل على أن البشارة لا تكون في كل الأحوال بالخير، وقد تقدم الكلام على ذلك، فإن البشارة إذا أطلقت فهي بشارة بالخير وهذا إذا لم تكن مقيدة، لكن إذا قيدت قد تكون بالخير أو بالشر على حسب الوارد فيها، فقوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:17-18] بشرهم بالجنان، وقوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64] وبشرهم بالجنان أيضاً، أو كما قال الرسول: (هي الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن أو ترى له) ، لكن قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قيدت البشارة بالعذاب الأليم، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وحيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار).

    قال الله سبحانه: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الانشقاق:24-25] (إلا) بمعنى: (لكن).

    لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق:25] أي: غير مقطوع، والله أعلم.

    وقد فاتنا في تفسير هذه السورة شيئين فلزم الرجوع إليهما:

    الشيء الأول: قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] أين جوابه؟ أم إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1] ماذا سيحدث؟

    من العلماء من قال: إن جوابه هو قوله: إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ، فالمعنى: يا عبد الله! إنك ستلاقي كدحك.

    الوجه الثاني: أن الجواب محذوف، إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ هنالك تعلم كل نفس ما قدمت وما أخرت.

    الشيء الثاني: قوله تعالى في شأن المؤمن: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9] ، من المراد بالأهل الذين ينقلب إليهم -أي: يرجع إليهم- المؤمن يوم القيامة مسروراً؟

    من أهل العلم من قال: إن المراد بالأهل هنا: الحور العين اللواتي أعدهن الله سبحانه وتعالى للمؤمن، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون).

    إذاً: من العلماء من قال إن قوله تعالى: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ أي: من حور العين اللواتي أعدهن الله سبحانه وتعالى للمؤمن.

    القول الثاني: أن قوله: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:9]، أي: إلى ذويه من أهل الصلاح الذين سبقوه في الجنان، فأنتم تعرفون أن دخول الجنة على مراحل، فهناك قوم يسبقون إلى الجنان، وقوم يتأخرون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)، وكما قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11]، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة) ، فدل ذلك على أن دخول الجنان على مراحل.

    فقوله: ويَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ أي: إلى أهله الذين سبقوه من أهل الصلاح إلى الجنان، وينقلب أيضاً إلى ذويه.

    وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.

    والسلام عليكم ورحمة الله.

    1.   

    الأسئلة

    المهدي بين الحقيقة والخيال

    السؤال: هل المهدي حقيقة أم خيال؟

    الجواب: المهدي توسع فيه المتوسعون، ونفاه أيضاً آخرون، والتوسط فيه: ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل الوارد فيه أحاديث محصورة محدودة جداً:

    منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجلاً يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه يواطئ اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً)، وهذا الحديث ليس فيه ذكر اسم المهدي .

    والحديث الثاني في صحيح مسلم : (كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم) ففي الحديث أن إمامنا يأتي يقدم عيسى عليه الصلاة والسلام للصلاة بالناس فيقول عيسى: لا، بعضكم على بعض أئمة، كرامة من الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة. وحديث ثالث في نفس المعنى. فهذا الذي يحضرني في شأن المهدي . وقد زاد ناس جملة أحاديث أخر في غاية الكثرة في شأن المهدي ولم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخرون نفوا كل الأحاديث متبعين الظن وتاركي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب التوسط فيه والوقوف مع الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: جاءت أوصاف في شأن المهدي (أنه أقنى الأنف، وأجلى الجبهة) لكن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الأوصاف التي وردت فيه لا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد حديث آخر: (إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من قبل خراسان، فاعلموا أن فيها خليفة الله المهدي ) الحديث من ناحية الإسناد، إسناده ثابت، لكن بعض أهل العلم يرى أن به بعض العلل، وقد نفاه بعض (الدكاترة) في الجامعات، وفي الحقيقة أن (دكاترة) الجامعات مشاربهم في أكثر أحوالها من المعتزلة، فهم يشربون من شراب المعتزلة الفكري والعقلي، ويتركون في أكثر أحوالهم وأحيانهم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    الإحرام من الميقات لمن نوى الحج أو العمرة

    السؤال: شخص يذهب لأداء العمرة إن شاء الله؛ ولكنه سيبيت ليلة أو ليلتين في جدة فهل إحرامه يكون من جدة أو من رابغ؟

    الجواب: إحرامه يكون من رابغ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في شأن المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة) فإذا خرجت تريد الحج أو العمرة فأحرم من الميقات الذي تمر به، أما إذا كنت خارجاً لشغل والعمرة أو الحج عرضاً في رحلتك فإذا نويت العمرة من أي مكان فأحرم، لكن لو كنت خارجاً بقصد العمرة، فأحرم من الميقات ولا بأس أن تبيت ليلة أو ليلتين في جدة في إحرامك.

    حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وحكم إعطاء الزوج منها

    السؤال: أقوم بتحفيظ بعض الأولاد القرآن الكريم في بيتي. فهل يجوز أن آخذ على ذلك أجراً؟ وهل لزوجي حق في هذا المال؟

    الجواب: نعم يجوز أن تأخذ على ذلك أجراً، وهو رأي الجمهور لحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) والأحاديث التي تقاومه إما ضعيفة، كحديث: (علمت رجلاً القرآن، فأهدى به قوساً) فالراجح أنه ضعيف.

    إذاً: الأحاديث التي تقاوم حديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن إما ضعيفة وإما موجهة.

    وإذا كانت السائلة امرأة فالأجرة لها، إلا إذا منعها الزوج من التدريس وبشرط عليها، فله ولها الشرط الذي اتفقا عليه.

    حكم تغسيل المرأة لزوجها والصلاة عليه

    السؤال: هل للمرأة أن تصلي على زوجها بعد موته وتغسله؟

    الجواب: نعم. لها أن تصلي عليه بعد موته وأن تغسله، أما الصلاة عليه فلأن سعد بن أبي وقاص لما مات أرادت أم المؤمنين عائشة أن يصلى عليه في المسجد حتى تصلي عليه من غرفتها، فكأن الناس أنكروا ذلك، فقالت: سبحان الله!! ما أسرع ما نسي الناس، وهل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء إلا في المسجد).

    أما تغسيل زوجها فلقول أم المؤمنين عائشة : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه).

    حكم تأخير قضاء رمضان للحامل إلى بعد رمضان الثاني

    السؤال: عليّ أيام من رمضان الماضي والآن حامل، وأجد مشقة في تحمل الجهد، فهل لي أن أرجئه إلى ما بعد الولادة؟

    الجواب: نعم. لكي أن ترجئي صيام الأيام إلى ما بعد الولادة، والصحيح أنه ليس عليكِ كفارة أيضاً.

    أفضلية ميامن الصفوف

    السؤال: هل يمين الصف الأول في الصلاة أفضل من يسار الصف الأول؟

    الجواب: بالنسبة لصفوف الصلاة، فقد ورد حديث يفضل اليمين على اليسار وهو حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) لكن هذا اللفظ معلول، والصحيح عند العلماء بلفظ: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) ولفظ (ميامن الصفوف) بعيد، فعلى ذلك يستوي الأمر في شأن الصلاة؛ لكن إذا كان الشخص فرداً واحداً فالرسول حوّل ابن عباس من على يساره فجعله عن يمينه، لكن إذا كانوا اثنين أو ثلاثة فالأمر واسع.

    صلاة الطفل يمين الإمام

    السؤال: هل يصف الولد بجانب أمه إذا كان أبوه إماماً؟

    الجواب: لا. الولد يتقدم عن يمين أبيه والأم تتأخر، لحديث أنس: (صليت عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم والعجوز خلفنا).

    المراد بالحمو

    السؤال: هل أبو الرجل يكون حمواً؟

    الجواب: من ناحية الاسم، أو التعريف اللغوي: الأحماء هم أقارب الزوج، لكن ليس هو الحمو المراد في حديث : (أرأيت الحمو؟) فإن الحمو في حديث : (أرأيت الحمو؟) هو أخو الزوج أو قريب الزوج الذي ليس محرماً لزوجة الابن.

    حكم الحج مع معارضة الوالد

    السؤال: من حج أو أراد أن يحج مع معارضة أبيه؟

    الجواب: ينظر إلى سبب معارضة أبيه، إن كان أبوه يعارضه على أصل الحج ويقول له: لا تحج أصلاً، فلا يطاع الأب، لكن إذا قال له الوالد: أنا لا أمنعك من الحج؛ لكن هذا العام صحتي لا تسمح أن أترك وحدي مثلاً فأخشى على نفسي الموت، أو أي سبب، فحينئذٍ يطاع الوالد إذا أخره عاماً لعلته -والله أعلم- وهذا مبني على الخلاف حول الحج على الفور أو على التراخي، أي: بمجرد ما تستطيع الحج: هل تحج فوراً أو يجوز لك أن تُؤخر الحج شيئاً ما؟! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..