إسلام ويب

تفسير سورة عبسللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في سورة عبس الكثير من الآيات التي تحتوي على الكثير من المعاني العظيمة، منها: ما جاء فيها من عتاب الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم في شأن الأعمى، ومنها تذكير الإنسان بنعم الله تعالى التي قد يقف الإنسان تجاهها موقف الكفران، ثم ختم الله السورة بذكر موقف القيامة وما فيه من الأهوال وانقسام الناس فيه بحسب أعمالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عبس وتولى...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

    وبعد:

    فبمشيئة الله تعالى نتناول تفسير سورة عبس، يقول الله سبحانه وتعالى فيها: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3].

    من الذي عبس وتولى؟ وما معنى عبس؟ ولماذا عبس؟

    الذي عبس وتولى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لماذا عبس ولماذا تولى؟

    قال الله سبحانه وتعالى: أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:2] يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبس وتولى لمجيء الأعمى، ومعنى (عبس) قطب وجهه وجبينه تكرهاً، أي: تكرهاً لمجيء الأعمى إليه.

    للآية سبب نزول بمجموع الطرق، ولسياق آيات الكتاب العزيز يصح ألا وهو: أن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو قوماً إلى الإسلام منهم كبراء قريش، وكان صلى الله عليه وسلم منشغلاً في دعوتهم إلى الإسلام راغباً في هدايتهم إليه، فأقبل ابن أم مكتوم وهو يقول: أرشدني يا رسول الله! والنبي صلى الله عليه وسلم مقبل على الحديث مع أئمة الكفر يدعوهم إلى الإسلام، وابن أم مكتوم يكرر: أرشدني يا رسول الله! والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إليه، ثم التفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم متضايقاً قاطباً وجهه، كارهاً لمقالته ولمجيئه، وقال ابن أم مكتوم : أترى بما أقول بأساً يا رسول الله؟! فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2] أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم عبس وتولى لمجيء الأعمى.

    ثم قال تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ [عبس:3] أي: وما يعلمك يا محمد، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3] أي: لعل هذا الأعمى يزكى، يعني: يتطهر من ذنوبه، فالتزكية تطلق على التطهير من الذنوب، ومنه قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، ومنه قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    قال سبحانه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:3] ، من العلماء من فرق بين قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ)، وقوله: وَمَا أَدْرَاكَ [الحاقة:3] ، فقالوا: إن قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ) فلم يدره الله عز وجل، أما: ( وَمَا أَدْرَاكَ ) فإن الله أدراه، كما قال تعالى: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-3] ، فأخبره الله بالحاقة وتفاصيل ما في الحاقة.

    أما ( وَمَا يُدْرِيكَ ) كما في قوله: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى:17] ، فلم يدره بوقتها سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو يذكر فتنفعه الذكرى...)

    وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ [عبس:3-4] والتذكرة: الاتعاظ والاعتبار، فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:4].

    أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى [عبس:5] أي: من استغنى عن الدخول في الإسلام بأمواله وأولاده وجاهه وسلطانه وثرائه، أما من استغنى بهذه الأشياء عن الدخول في الإسلام، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس:6] أي: تتعرض له رجاء أن يسلم.

    أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:5-7] يعني: ليس عليك إثم إذا تولى وأعرض، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:7] يعني: ما عليك ضرر من عدم تزكيته لنفسه، إنما عليك فقط البلاغ كما قال تعالى: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة:99]، وكما قال سبحانه: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ [الغاشية:21-33] الآيات.

    فيقول سبحانه: وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:7-10].

    (أما من جاءك يسعى): يجتهد في المجيء إليك وفي مقابلتك، وهو خائف وجل من الله سبحانه: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:10] أي: تنشغل عنه.

    كَلَّا [عبس:11] ليس التصرف كما تصرفت يا رسول الله! ليس هذا هو التصرف، فكلمة: (كلا) تحمل معنى النفي لما تقدم مع الردع والزجر، هذا في حق البشر، كلمة: (كلا) تنفي الكلام المتقدم أو المعاني المتقدمة أو التصرفات المتقدمة مع تضمنها للزجر والردع.

    فليس الأمر كما تصرفت يا محمد! لكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمعاني شأن آخر.

    أرشدت الآيات إلى أنه ينبغي الإقبال على المقبلين على الله وإن كانوا فقراء، وفي هذا نزل قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:52-54].

    وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: فيّ نزلت هذه الآيات: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]: أنا وابن مسعود وبلال ورجلين من قريش لم يسمهما، نزلت هذه الآيات: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52] في ستة: جاء المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد! اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا، فكيف نجلس نحن وهؤلاء أمامك؟ فإننا إذا جلسنا أمامك تجرئوا علينا، فاطردهم لعلنا نفكر في الدخول في الإسلام، فنزل قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52]، وقوله تعالى أيضاً: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

    ففي هذه الآيات تأديب للدعاة إلى الله، صحيح أننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، لكن مع إنزال الناس منازلهم لا نضيع حق الفقراء وحق الضعفاء أمام المناصب الزائلة، والوجاهات التي ستزول وتفنى، فكل له حق يؤدى إليه.

    في صحيح مسلم أن أبا سفيان مر على ملأ فيهم بلال وصهيب وعمار وسلمان ، فلما رأوه -وكان ذلك عام الفتح- يمشي في الناس، وكان قبل ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: (والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، ما زال هذا الرجل يمشي على وجه الأرض؟ فقال أبو بكر : أتقولون هذا لسيد قريش؟ ثم انطلق أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بالذي كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أغضبتهم يا أبا بكر ؟ إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك عز وجل، فرجع أبو بكر وقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: غفر الله لك يا أبا بكر ).

    فلا ينبغي أبداً أن تبتعد عن الفقراء المقبلين على الله، فإن الله سبحانه وتعالى عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    قوله تعالى: أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:2] أي: بمجيء الأعمى، إن قال قائل: كيف قال الله سبحانه وتعالى: أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:2] ووصفه بالعمى، وهو سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ [الحجرات:11]؟

    فالإجابة على هذا من وجهين:

    الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى ذكره بالأعمى لبيان عذره في مقاطعته للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنه صحيح أنه جاء وقاطعك يا محمد! وأنت تدعو القوم إلى الإسلام، ولكن معه عذره، فهو أعمى، وكما قال سبحانه: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61] فليس على الأعمى حرج فيما لا يدرك إلا بالبصر، هذا وجه.

    والوجه الثاني: أن الشخص إذا عرف بصفة من الصفات، واشتهر بها في الناس ولم يكن يتضايق من ذكره بها فلا بأس أن يدعى بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة الظهر ركعتين وانصرف بعد الركعتين قال رجل في يديه طول : (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لا هذا ولا ذاك، قال: بل قد حدث شيء من ذلك يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: أحقاً ما يقول ذو اليدين ؟!) فلقبه النبي عليه الصلاة والسلام بـذي اليدين لطول في يديه.

    وقد درج على ذلك السلف، فمن اشتهر بلقب يكره عند عموم الناس، ولم يتبرم من دعوته به، نادوه به، وكلكم يعرف الأعمش ؛ فـالأعمش هو سليمان بن مهران وكان في عينيه عمش، وكان دميم الخلقة، وكان يقول: لو كنت بقالاً ما اشترى مني أحد، ومع ذلك لم يكن يتبرم من هذه الصفة، فكان الناس ينادونه بـالأعمش دوماً.

    كذلك الأعرج ، وكذلك المقبري ؛ لأن بيته كان قريباً من المقابر، وكذلك ابن دقيق العيد لقب بـابن دقيق العيد لشدة بياضه، وكذلك الدراوردي كان من بلاد إذا طرق أحدهم طارق يقول: اندر، يعني: ادخل، فلما ذهب إلى المدينة وأقام بها كانوا إذا جاءوا عليه قال لهم: اندروا اندروا، يعني: ادخلوا ادخلوا، فلقب بـالاندراوردي ثم حذفت النون تخفيفاً فقيل: الدراوردي .. إلى غير ذلك.

    فالشخص إذا اشتهر بلقب إن كان هذا اللقب مكروهاً في الناس لكن تعارفوا عليه به، وهو لم يتضايق منه جاز لهم أن يدعوه به، وهذا هو الوجه الثاني، والله أعلم.

    من العلماء كـالقرطبي وقبله الرازي ونقلوه عن بعض علمائهم أنهم خطئوا ابن أم مكتوم في ذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما كان ينبغي أن يذهب إلى الرسول وهو منشغل بدعوة القوم إلى الإسلام، فإن هذا لا يليق، ومنهم من تحامل عليه تحاملاً شديداً، ولكن رب العزة سبحانه وتعالى وصفه بأنه جاء يسعى وهو يخشى، فلا معنى لكلام شخص فيه، بل كل ما قيل فيه مردود، والله سبحانه وتعالى يعلم المسلمين في صورة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن شاء ذكره...)

    قال سبحانه: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:8-9] تتشاغل كَلَّا [عبس:11] ليس الأمر كما ذكرت إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس:11-12] ذكر ماذا؟ من العلماء من قال: ذكر القرآن، أو انتفع بالتذكرة فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس:13-15].

    (صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) من العلماء من قال: هي اللوح المحفوظ: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:13-14] ما هو وجه الربط بين قوله: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى [عبس:8-9] وأَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس:5-6]، وبين قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ [عبس:11-13]؟

    وجه الربط كما قال بعض العلماء: فيه ......... للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: إذا أعرض هؤلاء المشركون يا محمد! عن القرآن وعن ما جئت به فهذا القرآن موجود بأيدي خلق كرام، وصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم سفرة كرام بررة، يعني: إن تولى هؤلاء الكفار عن القرآن فاعلم أن القرآن في اللوح المحفوظ مع ملائكة كرام مهطعين لله سبحانه وتعالى، يعني بمعنى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] يعني: لا يحزنك إعراضهم وتوليهم عن هذا القرآن فإنه موجود بأيدي خلق هم أكرم منهم وهم السفرة الكرام البررة، هذا وجه الربط، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:12-14] مطهرة من كل عيب ومن كل نقص ورذيلة، مطهرة من كل ما لا يليق بها، مطهرة من عبث الشيطان كما قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] على رأي من فسر الباطل بأنه الشيطان.

    فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس:13-15] والسفرة: الملائكة، ومن العلماء من قال: إن السفرة هم ملائكة مخصوصون؛ وهم القراء للقرآن، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة) الحديث.

    ومنهم من قال: إن السفرة هم الملائكة السفراء بين الله وبين خلقه، الذين يسفرون بين الله عز وجل وبين الأنبياء وبين سائر الخلائق، كما قال القائل:

    وما أدع السفارة بين قوم وما أمشي بغش إن مشيت

    (ما أدع السفارة بين قوم) السفارة: التنقل بين القوم للإصلاح، ومنه التسفير الذي يسفر الآن في الدول.

    وما أدع السفارة بين قوم وما أمشي بغش إن مشيت

    فقال العلماء: إن السفرة هم الملائكة الذين يسفرون بين الله سبحانه وبين الرسل.

    فالقرآن بأيدي هؤلاء السفرة: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:15-16] والبررة: هم المؤمنون، فالبر هو المطيع، وللأبرار معان أخرى تأتي في محلها إن شاء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره...)

    كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنْسَانُ [عبس:16-17] ما معنى قتل؟ قتل في أغلب آيات الكتاب العزيز معناها: لعن.

    قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10] أي: لعن الخراصون، قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4] أي: لعن أصحاب الأخدود، فالله يقول: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] ما المراد بالإنسان؟ هل المراد بالإنسان الإنسان عموماً أو الإنسان الكافر؟

    الظاهر أن المراد: الإنسان الكافر، فعليه: قتل أو لعن كل إنسان كافر؛ مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً وسواء كان أمريكياً أو إنجليزياً أو فرنسياً أو روسياً كلهم قال الله سبحانه وتعالى: قُتِلَ الإِنْسَانُ [عبس:17] لعن هذا الإنسان، مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17].

    في قوله تعالى: مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] ثلاثة أقوال للعلماء:

    القول الأول: أن (ما) تعجبية ( مَا أَكْفَرَهُ ).

    القول الثاني: (ما) استفهامية أي: ما الذي حمله على الكفر؟!.

    الثالث: ما أشد كفره!

    هذه الأقوال الثلاثة في: ( مَا أَكْفَرَهُ ).

    ثم يقول سبحانه: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس:18] ما هو الربط بين الآيتين: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] وقوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس:18]؟

    كما يقول لك القائل ولله المثل الأعلى: لماذا تستكبر أنت ابن من؟ أبوك من؟ وأمك من؟! لماذا هذا الكبر وهذا الغرور وهذه الغطرسة؟ أنت أبوك فلان وأمك فلانة، يعرفهم الناس جميعاً، كما قال الشاعر:

    كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه

    وهو منه وإليه وأخوه وربيعه

    يعني: كيف تفتخر وأنت ليل نهار والوسخ والبراز في جسمك، فبأي شيء تفتخر؟

    فقوله سبحانه: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:17-19] كما يقول الله في الحديث القدسي، عندما بصق النبي صلى الله عليه وسلم على كفه بصقة -تفل تفلة- وقال: (يقول الله: يا ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه -وأشار إلى البصاق-؟!) عليه الصلاة والسلام.

    مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس:18] كما قال القائل: خلق من ماء خلقة نكرة، ثم بعد ذلك يكون جيفة قذرة، الإنسان بعد أن يموت يكون في القبر جيفة قذرة، ورائحته كريهة، وهو بين ذلك يحمل العذرة.

    مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:18-19]..

    هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر، هذا أعور وهذا سليم العينين، هو سبحانه الذي يتصرف كيف يشاء، تخرج من بطن أمك ليس لك اختيار، لا تستطيع أن تتحكم لا في قدرك ولا في جمالك ولا في دمامتك، ولا كونك سوياً أو غير سوي، ولا في كونك غبياً أو ذكياً، أو قوي الذاكرة أو ضعيف الذاكرة، لا تستطيع أبداً أن تتحكم في نفسك على الإطلاق، ولا في نفس ولدك، فالذي يصور في الأرحام كيف يشاء هو الله سبحانه وتعالى.

    مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:19] وقدر له الأرزاق، وقدر له الشقاوة والسعادة مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:19-20] ما المراد بالسبيل هنا؟ للعلماء في السبيل قولان:

    أحدهما: أن المراد بالسبيل طريق الخير أو طريق الشر، كما قال سبحانه: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، وقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

    وقال تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، فهذا فيه أن سلوك طريق الخير مقدر، وسلوك طريق الشر مقدر.

    والقول الثاني: اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى أن المراد بالسبيل هنا سبيل الخروج من بطن أمك بعد أن خلقك، ولو شاء لأوقفك في فرجها وماتت أمك، لكن سبحانه وتعالى يسر لك سبيل الخروج.

    ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:20-21] قال ابن جرير الطبري : سياق الآيات في مراحل خلق الإنسان أي: قوله: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20] أي: سبيل الخروج من بطن أمه، فذكر الله سبحانه أنه خلقك من نطفة، ثم قدرك، ثم أخرجك من بطن أمك، ثم أماتك فأقبرك، ثم يوم القيامة يحييك، سياق الآيات في هذا الباب، هذا اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى.

    ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:20-21] أي: صيره إلى قبره، فالأشياء تموت ولا تدفن، أما ابن آدم فحين يموت يدفن، ويكرم بأن يغطى حتى ولو كان كافراً، فابن آدم يموت فيقبر، كما قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26] فأنت إذا مت دفنت في الأرض وغطيت، ويوم القيامة يتلاشى هذا، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:4-5].

    فقوله تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] امتنان من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه صيره إلى قبر يقبر فيه.

    ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:22] يعني: بعثه، والنشور يطلق على البعث والخروج: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور).

    ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا [عبس:22-23] ليس الأمر كما يظن الإنسان أنه قام بالتكاليف التي أمره الله بها، لا تتوهم ذلك أبداً أيها الإنسان، فإنك مقصر.

    كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ [عبس:23] أي: ما قام ابن آدم بالتكاليف التي كلف بها، فالآية تمنع من الاغترار، قد تظن أنك أديت ما عليك، فالآية تقول: لا تظن هذا الظن، فإنك لم تقم بالتكاليف التي كلفت بها والأوامر التي أمرت بها، ولم تنته عن النواهي التي نهيت عنها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه...)

    كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا [عبس:23-27] هناك ربط قوي بين قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24]، وبين قوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس:18-19]، فربط واضح غاية الوضوح، شق فرج المرأة فخرج منه الطفل، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:21-22].

    وقال سبحانه: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا [عبس:24-25] نزل الماء من السماء صباً على الأرض، كما أن المني دخل من الرجل على فرج المرأة.

    ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا [عبس:26] كما انشقت الأرض وأنبتت النبات، ففرج المرأة فتح وخرج منه الطفل.

    فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:27-31] أشكال وأصناف من النباتات، كذلك خرجت من الفروج أشكال وأصناف من البشر؛ القوي والضعيف، والدميم والجميل، والذكي والغبي، والأحمر والأبيض والأسود، وذو العين الزرقاء، وذو العين الخضراء، وذو العين السمراء، أشكال وألوان لا يعلمها إلا الله، كما خرجت من الأرض هذه الأصناف من النباتات.

    ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا [عبس:26-27] والحب: الحنطة والشعير ونحوه فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا [عبس:27-28] القضب هو: البرسيم.

    وَحَدَائِقَ غُلْبًا [عبس:30] والأغلب هو: غليظ الرقبة، فالشجرة الغلباء هي الشجرة غليظة الجذع، ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً .

    عوى فأثار أغلب ضيضمياً فويل ابن المراغة ما استثارا

    فالأغلب هو الغليظ، وَحَدَائِقَ غُلْبًا [عبس:30] أي: حدائق ذات أشكال غليظة، وأطلق على الحديقة حديقة لإحداقها بمن فيها، فلا يكاد يرى، أحدقت بهم الأشجار، أو أحدق الناس بالعدو أي: حاصروه والتفوا حوله وَحَدَائِقَ غُلْبًا [عبس:30].

    وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31] الأب توقف بعض العلماء في تفسيره وبيان المراد به، فكان عمر ينقش بعصاه في وسط أصحابه على الأرض، وقرأ: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31] فقال: (أما الفاكهة فقد عرفناها، أما الأب فما هو؟ ثم انطلق وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر ، ولم يفسرها رضي الله تعالى عنه).

    وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31] من العلماء من قال: إن الأب هو ما يأكله الحيوان لاقترانه بالفاكهة، ولقوله تعالى: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس:32].

    ونرجع قليلاً إلى الآية الكريمة: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] فكذلك النبات، تخرج كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24]، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [الحديد:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة...)

    يقول تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ [عبس:33] والصاخة: اسم من أسماء القيامة، وهي التي تصخ أسماع الناس، أي: تصيبهم بالصمم ولكن لا يصموا؛ لأن الله أراد لهم أن يسمعوا، فصوتها يصم أهل الدنيا لو كانوا يسمعون، لكن تأتيتهم الصاخة فيسمعون الصوت، والآذان كما هي تستمع أيضاً أشد وأشد.

    يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس:34] وقد أسلفنا في محاضرات سابقة لماذا يفر المرء من أخيه؟ لثلاثة أمور:

    لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37]، ولعدم مطالبته له بحقوقه: يا رب لي حق عند هذا، وخوف الفضيحة فقد كان مستوراً أمام إخوانه في الدنيا، وفضح في الآخرة فيخشى أن يرى، هذا قول والله أعلم.

    يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] قالت أم المؤمنين عائشة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديث: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده ، ألا إن أول الخلائق يؤتى هو إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ألا إنه يؤتى برجال من أمتي -أو بأقوام من أمتي- فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال إلى أن قالت: عائشة-: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة ! الأمر أشد من ذلك) الله سبحانه وتعالى يقول: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37].

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ [عبس:38] أسفر الصبح إذا طلع.

    ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:39] وجوه أهل الإيمان كوجوه قد أشرقت وأضاءت وابيضت كما قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ [آل عمران:106] ابيضت من آثار الوضوء، وقبل ذلك ابيضت بإيمانها بالله سبحانه وتعالى لم يرهقها قتر ولا ذلة كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:26].

    فمن أراد أن يبيض وجهه ويزداد بياضاً يوم القيامة فعليه بأمور بعد الإيمان بالله والوضوء، من هذه الأمور: الإكثار من حمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغها الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها) فالذي يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم حفظاً متقناً ويؤديه للناس فيبلغه للناس تحل عليه بركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: أن حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم سبب في بياض الوجوه.

    قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39] هؤلاء الذين كانوا خائفين في الدنيا، وكانوا وجلين في الدنيا من لقاء الله سبحانه، ومن القبر وظلماته، ومن هول المطلع يوم القيامة، لم يجمع الله عز وجل عليهم خوفين، بل كما قال تعالى: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55] بعد أن كانوا في الدنيا يؤذون، ويسخر بهم ويسخر منهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29]، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34] فأهل الإيمان يضحكون يوم القيامة.

    قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [عبس:38-40] أي: علاها الغبار والتراب، هي أصلها سوداء يوم القيامة، ومع ذلك تعلوها الغبرة، كما قال تعالى: تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [القلم:43] ومع أنها يعلوها الذل يعلوها أيضاً الغبار.

    يقول الله سبحانه: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا [عبس:40-41] أي: تعلوها قَتَرَةٌ [عبس:41] أي: ذلة أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:42] والعياذ بالله.

    بهذا ينتهي تفسير سورة عبس، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما فيها، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم رد المرأة لمن به عيب خلقي

    السؤال: هل يجوز لأخت أن ترفض أخاً نحسبه على خير من أجل أن فيه عيباً خلقياً؟

    الجواب: نعم، يجوز لها ذلك، فالمرأة تريد من الرجل كما يريد الرجل من المرأة، وتحب من الرجل كما يحب الرجل من المرأة، فإذا لم تكن نفسها منشرحة للرجل ستقصر في أداء الحقوق إليه، ومن ثم يلحقها الإثم.

    وعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! ما أعيب على ثابت في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام...) وردت في بعض الأسانيد التي فيها كلام أنها كانت تبغضه بغضاً شديداً لهيئته، حتى إنه جاء في بعض الروايات وإن كان في إسنادها بعض الكلام أنها قالت: لولا مخافة الله إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه.

    فعندما جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال لها: (أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ...).

    أما من ناحية الجواز فجائز.

    وفي هذا المقام نذكر أن حديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) هو حديث منازع في صحته، وكل أسانيده التي وقفت عليها ضعيفة، خاصة الزيادة الملحقة: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) من العلماء من حسنه أو صححه لكن كل طرقه واهية.

    ويشهد لوهاء المعنى وضعف المعنى أن فاطمة بنت قيس جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (إن معاوية وأبا الجهم خطباني يا رسول الله ..) ، فاختار لها الرسول شخصاً ثالثاً غيرهما وهو أسامة بن زيد ، مع أن أسامة لم يكن قد خطبها في من خطب، وورد عند النسائي بسند رجاله ثقات -إلا أن في إسناده- علي بن الحسين بن واقد يقول الإمام أحمد : في أحاديثه بعض الزيادات لا أدري أيش هي، لكن أحمد وثقه-: (أن أبا بكر تقدم لـفاطمة فقال النبي: إنها صغيرة، ثم تقدم لها عمر فقال النبي: إنها صغيرة، ثم تقدم لها علي فزوجها إياه) رضي الله عنهم أجمعين.

    فإن قال قائل: إن رسول الله تزوج عائشة ، فنقول له: للرسول وضع خاص صلى الله عليه وسلم.

    فالشاهد: يجوز للمرأة أن ترد الرجل لعيب خلقي فيه، إذ لا دليل يوجب عليها أن تقبل كل من تقدم لها.

    ضوابط الهجر لأهل المعاصي

    السؤال: لنا إخوة يشربون الدخان، وأحدثوا فتنة بين الناس، هل يجوز لنا هجرهم في الله؟

    الجواب: من ناحية الجواز يجوز أن تهجرهم في الله، لكن الأمر في شأنهم مبني على مسألة المفسدة والمصلحة، إذا كنت تطمع أنك إذا امتنعت من إلقاء السلام عليهم رجعوا إلى الحق وفكروا فيما هم عليه، فاترك السلام عليهم، وإذا كنت ترى أن امتناعك من إلقاء السلام عليهم سيسبب مفسدة أعظم وأنهم بدل أن يشربوا الدخان سيشربون الخمر، فالله لا يحب الفساد، فاجعل بينك وبينهم خيوطاً لعل الله أن يهديهم، فالأمر مبني على المفسدة والمصلحة.

    حكم الدم الذي يكون بعد النفاس

    السؤال: بعد انقضاء مدة النفاس أربعين يوماً وتطهري من ذلك يوجد بعض النقاط من الدماء بين الحين والآخر، فهل يعتبر ذلك استحاضة، وماذا أفعل لكي أقوم بالصلاة والواجبات الشرعية المكلفة بها؟

    الجواب: الجمهور يقولون: بعد انقضاء الأربعين يوماً الدم الناتج بعد ذلك تغتسل منه وتصلي، ومن أهل العلم من يقول: ينظر إلى الدم إذا كانت المرأة متأكدة غاية التأكد أنه دم نفاس استمرت حتى تطهر منه.

    لكن الذي يحدث أن بعض النساء موسوسات، فتقوم وتدخل إصبعها في الفرج وتعبث بنفسها حتى تخرج لها قطرة دم فيشوش عليها الشيطان وتترك الصلاة، وهذا يمكن أن يحدث بعد انقضاء الأربعين بأسبوع، وإذا كانت ممن يميزن جيداً دم النفاس عن دم الاستحاضة، فعليها أن تبني على تمييزها، أما إذا كان الدم دم نفاس فلا تصلي ولا تصوم إلا إذا انتهى الدم، وإذا كان غير ذلك فلتأخذ برأي الجمهور القائلين: بأن أقصى مدة للنفاس أربعين يوماً، والله أعلم.

    حكم استماع النساء لشرائط العرس التي تكون بالدف وبأصوات الرجال

    السؤال: ما حكم تشغيل شرائط العرس التي بالدف للرجال في عرس النساء؟

    الجواب: إذا لم يكن هناك من الأخوات من تغني لها، لكن إذا كانت أصوات الرجال فتنة بالنسبة للنساء فلا يشرع ذلك، أما إذا كانت خالية من الفتنة فحينئذٍ يتنزل حديث عائشة : (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) ويستأنس للفتية بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري في صحيحه : (ويحك يا أنجشة ، رفقاً بالقوارير) فـأنجشة كان يغني والنساء كن يسمعن صوت أنجشة ، وكانت الإبل تسرع، فخشي النبي على النساء من السقوط، فيستأنس بهذا على الجواز مع حديث: (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو).

    وأصلي وأسلم على نبينا محمد.