إسلام ويب

تفسير سورة الإنسانللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الإنسان من السور التي يعرض فيها الله حقيقة هذا الإنسان، وأين كان قبل أن يكون بشراً سوياً، ويعرض صورة مما أعده الله للمؤمنين في الجنة، من النعيم الدائم السرمدي، وما أعده الله للكافرين في النار من صور العذاب الأليم، وفيها تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، وعرض لأساليب مجابهة الكفار التي تتمثل في الصبر وكثرة الذكر وقيام الليل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر...)

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الإنسان في الركعة الثانية من فجر يوم الجمعة، وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ في الركعة الأولى من فجر الجمعة بـ( الم تنزيل).

    قوله تعالى: (هَلْ أَتَى) قال كثير من المفسرين: (هل) هنا بمعنى قد، فالمعنى: قد أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1].

    أما المراد بالإنسان:

    فمن العلماء من قال: إن المراد بالإنسان هنا آدم صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي قال إن المراد بالإنسان هو آدم صلى الله عليه وسلم، فسر الحين المذكور في قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان:1] بأنه ما بين خلق آدم إلى أن نفخت فيه الروح.

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالإنسان هنا: بنو آدم، وهذا القائل فسر الحين من الدهر أنه الفترة التي كان فيها الإنسان نطفة إلى أن صُوِّر وشكل في بطن أمه.

    فهذان قولان مشهوران في تفسير هذه الآية.

    أحدهما: أن الإنسان هو آدم، والحين هو منذ خلق آدم إلى أن نفخت فيه الروح.

    والثاني: أن الإنسان عام، والحين هو ما بين كونه نطفة في رحم أمه إلى نفخت فيه الروح كذلك.

    لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1] أي: كان شيئاً مهملاً لا يذكر ولا يعرف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان...)

    إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ والإنسان هنا في قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ هم بنو آدم يقيناً؛ لأن آدم صلى الله عليه وسلم لم يخلق من نطفة، إنما خلق آدم عليه السلام من تراب.

    فقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ الإنسان هنا هم بنو آدم؛ لأن آدم ما خلق من نطفة، وهذا يجرنا إلى أن الكلمة تتعدد معانيها في كتاب الله سبحانه، فأحياناً يتسع معناها وأحياناً يضيق معناها، فكلمة الإنسان أحياناً تكون عامة يدخل فيها آدم وبنو آدم، وأحياناً تكون خاصة فيراد بها آدم وحده، أو بنوه فقط.

    فقوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ كما أسلفنا من العلماء من قال: هو آدم، وقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ هم بنو آدم.

    مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ الأمشاج: هي الأخلاط، والمشيج: هو الخليط، قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ أي: أخلاط، وما المراد بالأخلاط؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل ... )

    إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ [الإنسان:3]:

    الهداية هنا هداية الدلالة، وليست هداية التوفيق، فالهداية هدايتان: هداية دلالة ومنها: (هذا هادٍ يهديني السبيل) أي: يدلني على الطريق، ولكن قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] أي: لا توفق من أحببت، فالهداية هدايتان: هداية دلالة يملكها البشر بإذن الله، وهداية التوفيق لا يملكها إلا الله سبحانه.

    إذا علمت ذلك اندفعت عنك الإشكالات الواردة في الجمع بين الآيات كقوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] وقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، فقوله: (إِنَّكَ لَتَهْدِي) أي: لتدل، و(إِنَّكَ لا تَهْدِي) أي: لا توفق.

    قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ أي: بينا له الطريق، وأوضحنا له طريق الخير وطريق الشر كذلك، كما قال سبحانه في آية أخرى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] أي: بينا له طريق الخير، وبينا له طريق الشر، فكان حال الناس لما بينا لهم الطريق، أن منهم شاكراً ومنهم كافراً، إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3] فالمعنى: إنا بينا للإنسان الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، فآل أمر الناس إلى قسمين:

    منهم الشاكر، ومنهم الكافر، أي: منهم من سلك طريق الخير شاكراً لنعمة الله عليه في البيان، ومنهم من سلك طريق الشر كافراً بنعمة الله عليه في هذا البيان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أعتدنا للكافرين ... )

    إِنَّا أَعْتَدْنَا [الإنسان:4] أي: أعددنا، لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا أي: سلاسل توضع في الرقاب، ويسحبون بها في النار على وجوههم، سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا [الإنسان:4] وتقدم الكلام على ذلك.

    فقوله سبحانه: (إِنَّا أَعْتَدْنَا) يفيد أن النار مخلوقة الآن، لأن الله قال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا)، وهذا من معتقدات أهل السنة والجماعة أن النار مخلوقة الآن، وأشد ما تجدون من حرها في الصيف، وأشد ما تجدون من بردها وزمهريرها في الشتاء، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف) الحديث.

    (ولما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها ..) . الحديث. (وبينما رجل يمشي في حلة قد أعجبته نفسه إذ خسف به في نار جهنم فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) فقوله (إِنَّا أَعْتَدْنَا) فيه دليل على أن النار مخلوقة وموجودة الآن، وكذلك في حديث عذاب القبر، (افتحوا له باباً إلى النار، وأفرشوه له النار، فيأتيه من حرها وسمومها) أي: الميت الكافر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون...)

    إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان:5] والأبرار تأتي أحياناً بمعنى عام متسع، وأحياناً تأتي بمعنى خاص:

    فأحيانا تكون عامة فيدخل فيها أهل الجنة كلهم، سواء المقربون منهم، أو أصحاب اليمين, ومنه قول أهل الإيمان، وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193] فهي عامة.

    وأحياناً تأتي الأبرار ويراد بها صنف من أصناف الجنة، فنحن نعلم أن الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك المقربون، ففي الآخرة مقربون، وأصحاب يمين، وهذان الصنفان من أهل الجنة، وصنف ثالث وهم أصحاب المشأمة.

    فمن أهل العلم من يقول: إن المراد بالأبرار في هذه الآية التي بين أيدينا أصحاب اليمين، أي: إن أصحاب اليمين يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا أي: خليطها كافورا.

    إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ هذه الكأس ليست من مشروب صافٍ، إنما هي من شراب مخلوط بالكافور، وهذا الكافور عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا أي: يشرب منها (عِبَادُ اللَّهِ) أي: المقربون، فالمراد بعباد الله هنا: المقربون، يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6] وقد تقدم في سورة المطففين إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:22-24] * يُسْقَوْنَ أي: الأبرار مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ [المطففين:25] على قول من قال: إن المختوم هو الممزوج خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:26-28].

    وهنا كذلك إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ هذه الكأس التي يشرب منها الأبرار كان مزاجها، أي: خليطها، كافورا، فهي مخلوطة بالكافور، والكافور عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ الذين هم المقربون، يشربون من الكافور صرفاً، صافياً خالصاً -غير مخلوط بغيره-.

    أما أصحاب اليمين فيشربون الكافور الممزوج بغيره، فكما قال قائل السلف: يشرب منها المقربون صرفاً أي: صافية وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، أي: تخلط لأصحاب اليمين خلطاً، وكمثال تقريبي من حياتنا الدنيا: شاي على لبن، أصحاب اليمين يشربون شاياً مخلوط بلبن، اللبن شراب يشرب منه عباد الله -المقربون- يشربون من اللبن صرفاً، أي: خالصاً صافياً، وأصحاب اليمين يشربون الشاي المخلوط باللبن.

    وهنا كذلك: إِنَّ الأَبْرَارَ الذين هم أصحاب اليمين يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان:5] أي: خليطها كافور، والكافور: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ أي: يشرب منها، فـ(بها) بمعنى منها، وحروف الجر تتناوب.

    يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، أي: ينتقلون بها إلى حيث شاءوا وتصحبهم إلى حيث أرادوا، أي: إذا انتقلوا إلى مكان في الجنة، وأراد أحدهم أن يفجر هذه العين، فإنها تفجر له هذه العين، فهي ليست مثبتة في مكان، بل هي متنقلة معه إلى حيث أراد، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6] أي: في أي مكان شاءوا أن تنبع لهم هذه العين نبعت لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوفون بالنذر ... )

    يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] من صفات هؤلاء الأبرار أنهم يوفون بالنذر، والنذر هنا عام، لكن أريد به الخصوص، فالمراد بالنذر الذي يوفى به: نذر الطاعة والتبرر لا نذر المعصية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فلفظة النذر جاءت عامة، لكن أريد بها الخصوص.

    أقسام النذر:

    والنذر على خمسة أقسام:

    نذر الطاعة ويطلق على نذر الطاعة نذر التبرر، وينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نذر عوض أو مقابلة.

    القسم الثاني: نذر الابتداء.

    فنذر الابتداء: أن تقول: لله عليّ أن أحج، لله عليّ أن أصوم لله علي أن أعتمر، فهذا نذر ابتداء، ليس مقيداً بشيء.

    ونذر المقابلة أو العوض أو المجازاة، أن تقول: لله عليّ إن شفا الله ولدي أن أحج، فجعلت الحج هنا مرتباً على شفاء الولد، فهذا الأخير نهى عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ومن العلماء من يرى أن النهي من رسول الله عليه الصلاة والسلام عام، فإن الرسول نهى عن النذر وقال: (إن النذر لا يقدم شيئاً، ولا يؤخر شيئاً، إنما يستخرج به من البخيل) أي: يخرج به منه ما لا يريد إخراجه.

    ومن العلماء من حمل الحديث على نذر المقابلة أو نذر العوض.

    ومنهم من أطلق وقال: الأفضل ألا تنذر مطلقاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما نذر شيئاً، لكن إن نذرت نذر طاعة بأحد قسميه لزمك الوفاء بهذا النذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القرون المفضلة، ثم قال: (ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) وأثنى الله على الذين يوفون بالنذر في هذه الآية: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ، وفي قوله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270]. فهذا نذر العوض أو المقابلة ونذر الابتداء، وكلاهما يدخل تحت الطاعة.

    الثاني: نذر المعصية، كأن يقول القائل: لله عليّ أن أسرق، أو لله عليّ أن أفعل كذا وكذا من المحرمات، فهذا نذر معصية لا يوفى به.

    النوع الثالث: الذي يتنزل منزلة اليمين، كأن تقول: لله عليّ لأفعلنَّ كذا وكذا، وتنزل هذا النذر منزلة اليمين فهذا كفارته كفارة يمين إذا لم توف به؛ لأنه خرج مخرج اليمين.

    النوع الرابع: النذر المباح، كأن يقول الشخص: لله علي أن أطبخ كذا، أو آكل لحماً، أو أشرب شاياً، أو أي شيء من أمور النذر المباح، طبعاً الأحكام التفصيلة واسعة، تحتاج إلى محاضرة مختصرة.

    الشاهد: أن أهل الإيمان إذا نذروا نذر طاعة يوفون به، يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7] والمستطير هنا العام، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام، (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا هذا الفجر المستطير) فالفجر المستطير هو المستعرض بعرض السماء، وهو الذي يلمع، فالشر المستطير هو الشر العام، والفجر المستطير الفجر المنتشر عموما في السماء من ناحية الشروق.

    واستدل بهذه الآية على أن الشر يغطي الجميع يوم القيامة، ثم بعد ذلك ينجّي الله الذين اتقوا.

    قال الله سبحانه وتعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا هو يوم القيامة كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه...)

    وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [الإنسان:8].

    من أهل العلم من قال: (على) بمعنى مع، أي: مع حبهم للطعام فإنهم يبذلونه لوجه الله، واستدل هذا القائل بقوله تعالى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [البقرة:177] أي: مع حبه، وبقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].

    وقد اختلف العلماء في الضمير في قوله: (على حبه) إلى ماذا يرجع؟

    القول الأول: أنه يعود على الطعام، أي: مع حبهم للطعام.

    القول الثاني: أنه يعود على الله أي: على حبهم لله تعالى.

    والقول الأول أظهر، ولذلك كان كثير من السلف يعمدون إلى الأطعمة التي يحبونها، ويتصدقون بجزءٍ منها، وإلى الأمتعة التي يحبونها فيتصدقون بجزءٍ منها، وورد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يكثر من التصدق بالسكر، فقيل له: لماذا تكثر من التصدق بالسكر، قال: إني أحبه، والله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].

    ولما سمع علي بن الحسين الملقب بـزين العابدين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق عبداً، أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار) عمد إلى أفضل عبد عنده فأعتقه وقال: أنت حر لوجه الله، كذلك فعل أبو طلحة لما نزلت هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] فعمد إلى أفضل ماله وهي بيرحاء -حديقة أو بستان- فتصدق بها لله سبحانه وتعالى.

    وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ، وهنا الآية الكريمة، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وهي عامة في المساكين، والذي يقيدها بالمسكين المسلم في باب الإطعام فعليه الدليل، ويشهد للتعميم، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في كل كبد رطبة أجر) والكبد الرطبة تشمل كبد الكافر وكبد والمسلم.

    فعليه: إذا كان في باب إطعام وليس في باب الأموال، فيجوز أن تطعم منه الكافر.

    أما حديث (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقيٌ) فالراجح عندي ضعفه، ثم إن هناك نصوصاً أخر أفادت أن الرسول عليه الصلاة والسلام أطعم الكفار في جملة مواطن، ثم هو إن صح فهو على التنزيه ليس على التحريم، ثم له صور معينة، كأن يكون من باب الموالاة ونحو ذلك، والله أعلم.

    وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8] فحتى الأسير الكافر يدخل في الآية، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما كان هناك أسرى في عهد الرسول إلا كفار، والرسول وأصحابه هم الذين خوطبوا بالآية: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8] وأوردوا بعض الآثار -وإن كان في إسنادها كلام- أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإكرام أسارى بدر في ناحية الإطعام، ولا شك أن الرسول وأصحابه كانوا يطعمون ثمامة بن أثال، عندما كان مربوطاً في المسجد أسيراً ثلاثة أيام، فإطعام الأسير محمود وإن كان الأسير من الكفار.

    ويدخل في هذا المساجين الذين هم في حجوزات الشرطة إذا جئت تتصدق عليهم، أو في أي مكان من الأماكن، فهم بمثابة الأسرى المقيدين.

    إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان:9] أي: لا نطعمكم رجاء لفائدة ولا لمصلحة تعود علينا منكم في الدنيا، وإنما الإطعام لوجه الله، كما قال تعالى في آية سورة الليل: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل:18-19] لا ينتظر ثواب أحد، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:20-21]، وكما قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً)

    قال الله سبحانه: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا [الإنسان:10] أي: إطعامنا لكم مخافة من ربنا، فنحن نريد وجه الله بالإطعام خوفاً من الله.

    إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيِراً ، قال بعض العلماء: العبوس هو الضيّق الشديد، والقمطرير: هو الطويل.

    ومن أهل العلم من قال: العبوس الذي تعبس فيه الوجوه، حتى توشك أن تتقطع ويتساقط منها صديد من شدّة عبوسها، والقمطرير: هو الذي تظهر فيه البثور على الوجوه من شدة العبوس، وثم أقوال أخر.

    فأهل الإيمان يخافون شدة هذا اليوم، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:10] وتخيل نفسك وأنت متضايق وعابس الوجه، ومقطب الجبين، كيف يكون حالك؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم...)

    فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ [الإنسان:11] عبر بالماضي عنه وكأنه قد وقع، لأن كل ما هو آت قريب، ووعد الله لا يخلف.

    وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً أي: في وجوههم، وَسُرُورًا [الإنسان:11]أيضاً على الجباه، مقابل العبوس القمطرير.

    وهناك وجوه عابسة، ووجوه نضرة، ووجوه مسرورة، ووجوه عليها القمطرير، ولهذا استنبط بعض أهل العلم تفسير العبوس القمطرير من المقابل وهو النضرة والسرور، فقال: النضرة قابلت العبوس، والسرور قابل القمطرير.

    وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان:12]: الصبر على الأوامر، والصبر أيضاً على النواهي، وعلى التكاليف، فقوله: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا أي: بصبرهم، ففيه فضل صبرهم، فالذي لا يصبر على طاعة الله ولا يصبر عن معاصيه يحرم هذا النعيم.

    جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان:12]، فالجنة كما قال البعض: لما صبروا على الطاعات نالوا الجنان، وصبروا عن المحرمات أيضاً فنالوا الحرير، فالحرير محرم عليهم في الدنيا، فألبسهم الله إياه وتوجهم به يوم القيامة، فالحرير حرام على الرجال، فمن امتنع عنه في الدنيا لبسه في الآخرة، وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا الباء سببية، أي: بسبب صبرهم: جَنَّةً وَحَرِيرًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك...)

    مُتَّكِئِينَ فِيهَا [الإنسان:13] الاتكاء: الميل بأحد الشقين عَلَى الأَرَائِكِ [الإنسان:13]، وهي الأسرة في الحجال، السرير في غرفة وعليه أشبه ما يكون بالناموسية لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا أي: ليس فيها شمس، (وَلا زَمْهَرِيرًا) أي: برداً ولا قمراً كذلك، فليس في الآخرة شمس ولا قمر، إنما الشمس والقمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة)، قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، وفي رواية خارج الصحيح: (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة).

    فقوله: لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا أي: ولا ما يتبعها من الحرارة (وَلا زَمْهَرِيرًا) أي: لا برداً ولا قمراً، إنما هي مضيئة من نفسها ومنيرة من بذاتها من عند الله سبحانه وتعالى.

    وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا [الإنسان:14] أي: قريبة الظلال منهم، وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ذللت القطوف أي: تدنو منهم من الثمار إذا أرادوها، فتأتيهم ذليلة إلى أيديهم حتى يقطفوها، فلا يتكلفون القيام لقطف الثمار، ولا يتكلفون تسلق الأشجار لقطف الثمار، بل : دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:14].

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:15-16]، ما المراد بقوله تعالى: قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ؟

    من أهل العلم من قال: يوضع الماء أو الشراب في القارورة على قدر حاجة الشارب فقط، لا يزيد ولا ينقص، يعني: قدر الشراب على قدر حاجة الشارب فلا يتبقى في الكوب شيء، ولا يحتاج بعد شربه إلى شيء.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:17-18] الكلام أيضاً على الأبرار أنهم يشربون من كأس كان خليطها زنجبيلاً، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويطوف عليهم والدان مخلدون...)

    وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الإنسان:19]، المخلدون: الذين لا يشيبون ولا يكبرون، بل أعمارهم ثابتة لا تزيد ولا تنقص، وأجساهم ثابتة لا يعتريها التغيّر إلى الأسوأ، وإن كان ثمّ تغير فهو إلى الأفضل والأحسن والأكمل، فهم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ من حسنهم، حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا [الإنسان:19] فمن كثرتهم كأنهم لؤلؤ منثور، أي: لؤلؤ منتشر كثير.

    وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [الإنسان:20] إذا رأيت ثمّ، أي: إذا رأيت هناك وأمعنت النظر ورميت ببصرك إلى بعيد، رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20] أي: رأيت ممالك عظيمة، فإذا نظرت ببصرك إلى هنا وهناك رأيت العظمة ورأيت الملك، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة من يقال له: تمن، فيتمنى، ثم يقال له: تمن، فيتمنى، حتى إذا انقطعت به الأماني، فيذكره ربه أيضاً: تمن كذا، حتى يتمنى مثل مُلك مَلِكٍ من ملوك الدنيا .. الحديث، وفي آخره يقول الله له: لك مثل ذلك وعشرة أمثاله) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهذا أدنى أهل الجنة منزلة.

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ [الإنسان:21] في الآية فضل الثياب الخضر، فالثياب منها ثياب محبوبة في ألوانها، ومنها ثياب أيضاً تكاد تذم في بعض المواطن ولبعض الأشخاص، فهناك مثلاً قوله تعالى: إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69] وهنا ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ .

    وأيضاً، في هذا الباب كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البياض، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (البسوها وكفنوا فيها موتاكم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    أما بالنسبة للنساء فالثوب الأسود لهن أفضل؛ لأن نساء الصحابة كن يخرجن إلى صلاة الفجر، أو لما نزلت آية الحجاب خرجن وكأن على رءوسهن الغربان من السواد، لكن لو لبست المرأة ثوباً آخر ليس فيه فتنة، فلا بأس به؛ قد ثبت أن أم المؤمنين عائشة طافت بثوب مورد، أي: بثوب وردي، وليس المعنى أن الثوب فاتن، إنما الشاهد أنه ليس بأسود، ما لم يكن الثوب ثوب شهرة والله تعالى أعلم.

    عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ إذ هم أصحاب اليمين، أما المقربون يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23] .

    إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22] أي: على أعمالكم في الدنيا، وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:22] أي: شَكَرَه ورضيه لكم سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن ...)

    إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا [الحجر:9]، أي على فترات وعلى مراحل وليس دفعة واحدة، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32] أي: شيئاً فشيئاً.

    قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الإنسان:24] أي: لقضاء ربك، وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا فالآية نهت رسول الله عن طاعة الآثمين وطاعة الكفار، وهي كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] وقال الله سبحانه وتعالى أيضاً: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، فالآية أيضاً نص في أن الذي يدعو إلى معصية الله لا يطاع.

    وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الإنسان:25] أي: صباحاً ومساءً، والمعنى: أكثر من الذكر وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ، فكأن ذكر الرب سبحانه مقوي على ما ينالك من بلاء بسبب عدم طاعتهم.

    وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:26-27] العاجلة: الدنيا، واليوم الثقيل: يوم القيامة.

    نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ [الإنسان:28] أي: قوينا خلقهم، وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا [الإنسان:28]

    إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ [الإنسان:29] أي: موعظة فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان:29] أي: طريقاً يقربه من الله، ولكن، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فالهادي هو الله إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان:30-31].

    1.   

    الأسئلة

    حكم صلاة الجماعة للمسافر المقيم

    السؤال: هل تسقط صلاة الجماعة على المسافر المقيم؟

    الجواب: لأهل العلم فيها قولان:

    الراجح منهما والله أعلم أنها تسقط عن المسافر المقيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره أو في منىً لم يرد أنه جمّع، وكان مقيماً في أيام منى في الحج عليه الصلاة والسلام.

    إلى كم يقصر المسافر؟

    السؤال: كم مدة الإقامة للمسافر؟

    الجواب: في مدة الإقامة نزاع، فمن أهل العلم من قال: إن مدة الإقامة ثلاثة أيام بلياليها وهم جمهور العلماء، وبعضهم أوصلها إلى أربعة أيام، ومنهم من فتح الباب وقال: ما دمت مسافراً وإن طالت المدة فإنك تأخذ حكم المسافر، وكأن الأخير أقرب للصواب، والله تعالى أعلم وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة.

    حكم تحديد الآيات في صلاة التراويح

    السؤال: هل يعتبر تحديد كماً معيناً من القرآن في صلاة التراويح نوعاً من البدع؟

    الجواب: ليس من البدع، لأن الله قال:فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20].

    هل حديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) صحيح؟

    السؤال: حديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) ما صحة هذا الحديث.

    الجواب: كل طرقه متكلم فيها، والذي يظهر أن النفس لا تطمئن إلى تحسينه، لأن كل الطرق فيها مقال، ومن نشط من العلماء وحسنه حسنه بمجموع الطرق ونفسه وجلة من تحسينه.

    حكم ادخار جزء من مال الزوج دون علمه

    السؤال: إذا ادخرت المرأة جزءاً من بعض الأموال التي يعطيها لها زوجها -كمصروف في يدها- لتساعد بها إخوتها ووالديها في معيشتهم، دون علم زوجها خوفاً أن يعيرها بذلك، فما هو حكم ذلك؟

    الجواب: إذا كان يعطيها هذه المصاريف كمصاريف شخصية خاصة بها، فلها أن تفعل ما ذكرت، وإن كان يعطيها هذه المصاريف لمصلحة وخدمة بيته، فلا يجوز لها أن تنقل شيئاً إلى بيت أهلها إلا بعد الإذن الصريح أو العرفي أو التلميح، لكن قد يجوز بالقدر الذي يتعارف عليه بين الناس، كامرأة مثلاً تذهب إلى بيت أبيها، تأخذ كالمعتاد مثلا:ً كيلو من الفاكهة أو اثنين كيلو من الحلوى، ونحو ذلك، فالمتعارف عليه بين الناس أنه ليس في ذلك شيء، والله أعلم.

    حكم الصلاة في مسجد به قبر

    السؤال: ما حكم الصلاة في المسجد الذي به ضريح، علماً أن وقت الصلاة سينتهي إذا لم يصل في هذا المسجد؟

    الجواب: كأن السائل خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) و(جعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهور) فصل في الشارع.

    حكم قضاء صوم النافلة

    السؤال: كنت صائمة يوماً صيام نافلة، فجاءت الحيضة، هل أقضي هذا اليوم؟

    الجواب: ليس هناك دليل يلزم بالقضاء.

    حكم الحركات والصرع التي يفعلها البعض في الصلاة عند سماع القرآن

    السؤال: ما مدى صحة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: حينما سمع رجلاً شهق شهقة شديدة وهو يصلي بالناس، فقال: (من هذا الذي جاء يلبس علينا في ديننا، إن كان صادقاً شهر نفسه، وإن كان كاذباً محقه الله

    الجواب: لا يثبت، لكن ذكر القرطبي رحمه الله كلاماً طيباً في هذا الباب؛ لأنه يوجد في بعض المساجد حتى مساجد أهل السنة بعض الإخوة المخرفين، يتنطط أثناء الصلاة، ويقوم ويرتفع وينخفض، ويضرب أحياناً برجليه في الأرض، وأحياناً بعضهم يكاد يصرع.

    فأورد القرطبي مقولات -على ما يحضرني- عند تفسير قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر:23] أورد مقولات وشجب هذه الأفعال، وحاصل الشجب ينبني على أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم هم خير الناس وخير القرون، ولم تتفش فيهم هذه الأشياء، فلم يصرع أحد منهم عند الآية، أو يغش عليه، أو مثلاً يرتفع إلى السماء وينخفض ويضرب برجليه الأرض.

    أصحاب الرسول ما حصلت فيهم هذه الأشياء بأسانيد ثابتة صحيحة، فقد كانوا أورع الناس وما صدرت منهم هذه الخزعبلات، وأورد أثراً، قالوا إنه من طريق عمر بن عبد العزيز عن ابن سيرين ، وقد ذكر له رجل يغشى عليه عند تلاوة القرآن، قال: دعوه على سطح منزل، واتلوا عليه كتاب الله، فإن سقط فهو صادق. ومن المستحيل أن يسقط!

    وأيضاً: أورد عن ابن عمر آثاراً فيها: كنا أخشع الناس -أو كلمة بمعناها- وكان القرآن يتلى علينا ونحن أصحاب رسول الله، فما نصرع. رضي الله تعالى عنه.

    وما شاع هذه الأيام إنما يلبس به على أهل الجهل، لأن خير الناس هو رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن بعده أصحابه، إذا تليت عليهم آيات القرآن كانوا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109]، أما الخرافات التي تنشأ والأشياء التي تنسج في هذا الباب، كأحدهم يقوم في أثناء الصلاة يقفز إلى أعلى وينزل إلى أسفل، ويضرب برأسه من حوله، فهذا نوع من أنواع التخاريف والخداع والغش للناس، وأسوتنا هم أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فالذي وسعهم يسعنا، كانوا يبكون عند استماع القرآن، ولا يحدث لهم شيء من هذه الخرافات.

    أما فقدان الوعي الكامل، فمن من الصحابة فقد عقله عند تلاوة القرآن، أو هذى وخرف عند استماع القرآن، فليراجع من شاء المقولة القصيرة التي ذكرها القرطبي في تفسير سورة الزمر، والله تعالى أعلم.

    حكم إزالة أو تسريح الشعر وقص الأظافر لمن كانت جنباً أو حائضاً

    السؤال: ما حكم إزالة الشعر أو تسريح الشعر وقص الأظافر أثناء الجنابة أو الحيض بالنسبة للمرأة؟

    الجواب: ليس هناك مانع مما ذكر، والذي يمنع فعليه بالدليل، أما الأقيسة التي تقول: إذا حلقت الشعر وأنت جنب، فالشعر يكون في جنابة، كل هذه وساوس، ولم تنقل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحكم لا يكون إلا بالدليل.

    كيفية التعامل مع غير المسلمين

    السؤال: كيف يكون التعامل مع غير المسلمين؟

    الجواب: يراجع كتاب أحكام أهل الذمة لـابن قيم الجوزية رحمه الله.

    رفع اليدين عند الدعاء

    السؤال: ما هي مواطن رفع اليدين في الدعاء؟

    الجواب: مواطن رفع اليدين في الدعاء متعددة لا تكاد تحصى، والأصل أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، وأنه من المتواتر تواتراً معنوياً، فقد ورد ما يزيد على خمسين نصاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تثبت مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وبعضها أو كم كبير منها صحيح.

    حكم لبس الثوب الأخضر

    السؤال: هل يجوز للرجل أن يلبس اللباس الأخضر؟

    الجواب: يجوز إن لم يكن ثوب شهرة، يعني: إذا لبست ثوباً أخضر أمام الناس وأشاروا إليك، هذا من؟! هذا كذا، فحينئذ دخلت في ثياب الشهرة، فيمنع إذا كان ثوب شهرة، والله تعالى أعلم.

    حكم إخراج قيمة الطعام في كفارة اليمين

    السؤال: هل يصح إخراج قيمة الطعام في كفارة اليمين؟

    الجواب: القيمة في كفارة اليمين لا تجزئ عند الجمهور أما الأحناف فأجازوها.

    ثم الجمهور من العلماء قالوا: القيمة لا تجزئ لأن الله يقول: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] فالقيمة عندهم لا تجزئ، فلا بد من إطعام عشرة مساكين على رأي الجماهير.

    حال حديث: (إذا بلغت السادسة عشرة فزوجوها)

    السؤال: حديث: (وإذا بلغت السادسة عشرة فزوجوها) ما مدى صحته؟

    الجواب: لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الخلوة بالمخطوبة هل يوجب المهر؟

    السؤال: هل صحيح أن اختلاء الخطيب بخطيبته يوجب النكاح، وإن حصل فسخ للخطبة فعلى الرجل دفع المهر أو نصفه؟

    الجواب: هذا نوع من أنواع التخريف أن كل من خلا بمخطوبته يجب عليه المهر، لعل الناقل نقل خطأ، إذ هو في المعقود عليها إذا خلا بها زوجها، فمن الفقهاء من يرى أن الخلوة وهي إرخاء الستور، وإغلاق الأبواب ملزم بدفع الصداق كاملاً، وهو قول منقول عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ مصيراً منه إلى أنه لم يكن يستطاع ضبط هل بنى بها أو لم يبن بها، لكن صريح الآيات يسعه، لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236] فالكلام المذكور في الخِطبة لا يثبت ولا يصح بحال.

    حكم من به سلس ريح

    السؤال: من أصيب بسلس ريح كيف يصلي؟

    الجواب: باختصار إذا كنت تستطيع الوضوء لكل صلاة فتوضأ لكل صلاة، وإذا كان الريح مستمراً دائماً والشخص مصاب بسلس ريح، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فيصلي على الحالة.

    حكم عدم طاعة الزوج في مسألة الإنجاب

    السؤال: امرأة تريد أن تنجب وزوجها يمنعها من ذلك، فهل عليها شيء إذا عصت زوجها؟

    الجواب: ليس عليها شيء إذا عصت الزوج في هذا، فلها أن تخالفه إذا أجبرها على استعمال اللولب، وليس من الواجب عليها طاعته في مثل هذا الأمر، إذ من حقها إنجاب الولد كما أن ذلك من حقه، وهي حرة ليست بأمة، وإن شاء هو أن يعزل عزل، والخلاف بين العلماء كائن في مسألة هل العزل عن الحرة بإذنها أو بغير إذنها؛ لكنها لا يجب عليها طاعته في مثل هذا الباب، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.