إسلام ويب

تفسير سورة القيامةللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في سورة القيامة تصوير بديع لمعاني هذا اليوم العظيم وأحداثه، يبدأ من الدنيا مروراً بالحياة فيها منذ الصغر إلى أن تأتي لحظة الفراق لكل شيء على ظهرها، ثم تذكر أن ما خلق أول مرة فإن الله قادر على أن يعيد خلقه مرة أخرى؛ ليحيا حياة النعيم والإكرام أو حياة الإهانة والإذلال. وهذه السورة أيضاً قد ذكرت مسألة كبيرة يختلف فيها أهل السنة مع المعتزلة، وهي مسألة رؤية الله يوم القيامة، وقد ذكر الشيخ أدلة أهل السنة ورد على المخالفين.

    1.   

    ضرورة تذكر اليوم الآخر

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    فقد جاء اسم يوم القيامة بأسماء متعددة في سور كثيرة، كالقارعة والواقعة إلى غير ذلك، وجاء اسم القيامة صريحاً في هذه السورة، وكما أسلفنا أنه ما من سورة من كتاب الله إلا وأومأ فيها إلى ذكر البعث والحساب والنشور تصريحاً أو تلميحاً، وهذا أمر يجعل كل مسلم يتذكر الآخرة؛ ولذا اختص الله سبحانه أنبياءه عليهم الصلاة والسلام بهذه الخاصية، التي قال فيها: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:45-46] أي: ميزناهم بميزة وخصصناهم بخاصية، فما هي هذه الميزة، وما هي هذه الخاصية؟ هي قوله تعالى: ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] أي: تذكر الدار الآخرة.

    فإذا تذكر العبد الدار الآخرة واعتقد حدوثها وكينونتها اعتقاداً يقينياً؛ حمله هذا الاعتقاد على إحسان العمل وإصلاحه، ثم سلامة العمل الذي هو فرع عن سلامة الاعتقاد، فلذلك يجدر الإكثار من التنبيه على الآخرة وأحداثها وأهوالها، وعلى الجنة والنار.

    والناظر والتالي لكتاب الله يرى هذا المعنى مكرراً في عدة سور، بل والناظر إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يراها مليئة بإيراد هذا المعنى: إيراد الجنة والنار والمواقف والحساب، ومن ثم لا يلام أبداً من ذكَّر بالجنة وبالنار، كما يفعل أهل الغباء مع بعض إخواننا من العلماء الأفاضل الذين يكثرون من التذكير بالجنة والنار والتذكير بالموت.

    يقول أهل الجهل وأهل الغباء: ما عندهم إلا التذكير بالجنة، وما عندهم إلا التذكير بالنار، وما عندهم إلا التذكير بالقبر!

    وفي الحقيقة أن هذا من أصول ديننا، نركز عليه في عموم سور القرآن، اللهم إلا يسير اليسير من السور التي لا يأتي له ذكر فيها صراحة.

    فعلى ذلك ينبغي ويلزم الواعظ أو العالم أن يكثر في ثنايا وعظه وفي ثنايا تعليمه للناس من التذكير بالجنة والنار، فإنك إذا أيقنت بها هانت عليك الدنيا، وسهلت عليك المصائب، وسهل عليك الفقر، ولم تغتر بالغنى، إلى غير ذلك من مستلزمات الإيمان بالآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة...)

    سورة القيامة يقول الله سبحانه وتعالى فيها: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة:1].

    (لا): لنفي شيء قد تقدم، فهو أقسم بيوم القيامة، فهذا كقوله: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1]، مع أن الله أقسم بالبلد. وقد تقدمت مباحث ذلك باتساع في تفسير جزء عم.

    فـ (لا) هنا نفي لشيء مستتر أو لشيء قد تقدم، فيقول الله سبحانه: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وقد أقسم به في موطن آخر فقال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج:1-2]، فأقسم الله باليوم الموعود وهو يوم القيامة فالله عز وجل يقسم بعظيم مخلوقاته، فلا يقسم بالنمل، ولا بالصراصير، ولا بالنحل مع أنها كلها من مخلوقات الله.

    قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة:1] ، ويوم القيامة كما وصفه تعالى في قوله: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [المزمل:17-18] .

    وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:2]، فما المراد بالنفس اللوامة؟

    لأهل العلم في تفسير النفس اللوامة أقوال:

    قال فريقٌ منهم: ما من نفس إلا وهي تلوم صاحبها، إن فعل خيراً تلومه يوم القيامة: لِمَ لَمْ تزدد من فعل هذا الخير؟ لم لَم تكثر من فعل هذا الخير؟ وإن عمل شراً لامته نفسه: لم عملت هذا الشر؟ فحملوا (اللوّامة) على أن وقت اللوم يكون يوم القيامة.

    ومنهم من قال: إن اللوم هذا يكون في الدنيا، فما من نفس إلا وهي تلوم صاحبها، فنفس المؤمن تلومه إن فعل المعاصي: لم فعلت هذه المعصية؟ ونفس الكافر، تلومه: لِمَ لم تكثر من فعل المعاصي؟ فكل نفسٍ تلوم صاحبها على هذا المعنى.

    والنفس لها درجات وأعمال ومراتب، ولها أقسام: كنفوس خيرة ونفوس شريرة، وقد قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:7-9]، فهناك أنفس فيها فجور وأنفس فيها تقوى، وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    توبيخ الله للإنسان الفاجر

    قال تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ [القيامة:3].

    أي: أيظن هذا الإنسان الكافر الملحد: أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ [القيامة:3]؟

    بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة:4]، البنان: هي أطراف الأصابع كما هو معروف، كما قال الله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12].

    ما معنى قوله تعالى: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ؟

    من العلماء من قال: إن معناها بلى قادرين على أن نجعل الأصابع كلها ملتصقة ببعضها، كخف البعير وحافر الفرس، فلا تستفيد منها حينئذٍ تلك الاستفادة التي تستفيدها بتفرق الأصابع.

    ومنهم من قال: إن المراد التسوية في الطول، أي: نحن قادرون على أن نجعلها كلها مقاساً واحداً.

    ومن العلماء من قال -وهو أيضاً قول لبعض الأوائل- تسويتها في البصمات ونحو ذلك.

    بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5].

    أي: يتمادى في المعاصي ويستمر فيها، والمعنى أنه يريد في أيامه القادمة أن يتمادى في معاصيه وفي غيه.

    قوله: (يسأل) أي: يسأل مستهزئاً قائلاً: أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ [القيامة:6].

    فيقول الله سبحانه: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة:8] أي: ذهب ضوؤه.

    وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة:11]، أي: لا ملتجأ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:13].

    من العلماء من حمل قوله تعالى: (ما قدم) أي: ما قدم من حسنات، (وأخر) أي: ما فعل من السيئات، كما في قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ [المدثر:37]، أي: بالحسنات، أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37]، أي: بالسيئات.

    قال تعالى: بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15].

    من العلماء من قال: إن المعاذير: هي الستور، أي: ولو أسدل على نفسه الستور بالاعتذارات فهو يعرف تماماً ما صنع، كما قال الله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    فمعنى الآية: إن الإنسان وإن جادل بالباطل، واعتذر عن نفسه باعتذارات؛ فهو يعرف تماماً ما صنع، وما ارتكب، وما اقترف، فهو في نفسه يعلم ذلك جيداً ولو حاول أن يستر نفسه أمام الناس، أو يلقي الاعتذارات.

    حفظ الله لكتابه في صدر نبيه

    لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16].

    الخطاب لرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك لسانه بالقرآن وجبريل يقرئه، فكان يقرأ القرآن مع جبريل أثناء قراءة جبريل، خشية أن يتفلت منه هذا القرآن، فيجتهد في حفظ القرآن مع جبريل، ويسرع بلسانه ويحركه حتى يأخذ ما ألقاه عليه جبريل.

    قال ابن عباس : (فأنا أحركها كما كان رسول الله يحركها)، قال سعيد بن جبير : (فأنا أحركها كما رأيت ابن عباس يحركها)، وهذا الحديث يسميه العلماء: حديثاً مسلسلاً.

    والحديث المسلسل: هو الحديث الذي يصحب القول فيه فعلٌ، مثل أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فيضحك، فيأتي الصحابي يذكر الشيء نفسه عن رسول الله فيضحك كما ضحك الرسول صلى الله عليه وسلم، فيأتي التابعي يروي الحديث عن الصحابي فيضحك كما ضحك الصحابي، فيكون الضحك قد تسلسل مع الكلام المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فمثلاً لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن رجلاً من أهل الجنة يشتهي الزرع، فيطلب من الله سبحانه وتعالى أن يزرع).

    فالشاهد فيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الحديث، فقال رجل من الأعراب: يا رسول الله هذا الرجل الذي يشتهي الزرع ليس منا، إنما هو أنصاري أو مهاجري، أما نحن فلسنا أهل زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فروى الصحابي الحديث فضحك ..، وهكذا.

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه بالقرآن، فقال الله له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16].

    إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ [القيامة:17] لك في صدرك، وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، أي: قراءته، فالمعنى: علينا نحن أن نجمعه لك في صدرك، وعلينا أيضاً أن نعينك على قراءته.

    ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19]، أي: إظهاره.

    كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [القيامة:20]، والعاجلة هي الدنيا.

    وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ [القيامة:21] أي: تتركون العمل للآخرة.

    1.   

    رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، في هذه الآية قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، وهي: رؤية الرب عز وجل يوم القيامة، فمن الأصول عند أهل السنة: أن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة، وهذا أصلٌ تخالف فيه عدة فرق من فرق الزيغ.

    أما الأدلة على هذا الأصل: فمن كتاب الله هذه الآية الكريمة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، أي: بهيجة حسنة علتها النضرة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .

    فقوله تعالى: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .

    من المفسرين من حاول أن يفسر الناظرة بمعنى: المنتظرة، حتى ينفي مسألة الرؤية يوم القيامة، وقال: إن ناظرة هنا معناها: منتظرة بدليل قوله تعالى في سورة النمل حكاية عن ملكة سبأ: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل:35]، فقالوا: إن قولها: (فناظرة) أي: منتظرة، قالوا: فكذلك هنا قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، ويرد عليهم أولاً: أن أهل اللغة فرقوا فقالوا: إن هناك فرقاً بين قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، وبين قولها: فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل:35].

    وخيرٌ من هذا أن يقال: إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فسرت ما أجمل من الكتاب، فقد ثبت في الصحيحين من عدة طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم عياناً).

    وسئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً صريحاً: (هل نرى ربنا يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله)، أي: هل يقع عليكم ضرر في رؤية القمر إذا كانت الليلة صحوة وليس هناك سحاب، قالوا: لا يا رسول الله، حتى وإن كان هناك زحام فإنك تنظر إلى الأعلى فترى القمر، قال: (هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترون ربكم كذلك سبحانه وتعالى).

    ومن الكتاب العزيز أيضاً: قال الله سبحانه وتعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتدرون ما الزيادة؟ إنها النظر إلى وجه الله تعالى).

    وهذا الحديث الذي فيه تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله قد انتقده بعض أهل العلم على الإمام مسلم كـالدارقطني رحمه الله، فقال ما حاصله: إن الصواب فيه أنه من كلام عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ولم يتعد به إلى صهيب ولا إلى رسول الله، والواصل هو حماد بن سلمة -على ما يحضرني- والذي أوقفه هو حماد بن زيد على ما أذكر، والله أعلم. إلا أن جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، على أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.

    واستدل أيضاً على هذه الرؤيا، بالمفهوم المخالف في قوله تعالى في شأن الكفار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، قالوا: فأهل الإيمان ليسوا بمحجوبين عن ربهم سبحانه وتعالى. فهذه أصول استدلالات أهل السنة في هذا الباب.

    أما المعترض على الرؤية فيقول: إن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه الصلاة والسلام: (لن تراني) وذلك لما سأله رؤيته فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فقالوا: إن (لن) تفيد التأبيد، فما دامت تفيد التأبيد إذاً لم تحدث الرؤيا ولن تحدث.

    فأجيب عليهم: إن سلمنا أنها تفيد التأبيد، فهذا التأبيد في الدنيا، فلم ير أحد ربه فيها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يحذر أمته من الدجال: (اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، فإذا قال شخص: هل نرى الرب؟ نقول له: نحن لا نرى الرب حتى نموت، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

    واحتج النافون بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، قالوا: فمن ثم لن يرى؟

    فأجاب أهل السنة على ذلك بما حاصله:

    إن الإدراك شيءٌ أخص من الرؤيا، فقد أراك من بعيد لكن لا أدركك، قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء:61]، أثبتت الرؤية، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا [الشعراء:62]، فحصلت الرؤية ولم يحصل الإدراك، فهناك فرقٌ بين الإدراك والرؤية.

    وقد دارت نادرة بين سني ومعتزلي في اليمن، لما قال: السني: نحن سنرى ربنا يوم القيامة، فقال المعتزلي: لم نر ربنا يوم القيامة؟ وطالت الإيرادات وطال الجدل بينهما، فقال: السني: نأتي إلى كلمةٍ سواءٍ فيما بيننا: نحنُ نرى ربنا وأنتم لا ترون ربكم! ونحل الإشكال على هذا.

    قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، ترى ما الذي جعلها ناضرة؟

    إنه إيمانها بالله، وتلاوتها لكتاب الله، وحملها أيضاً لسنة رسول الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها)، ونضرها أيضاً للوضوء كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: (كيف تعرف أمتك من بين الأمم يا رسول الله يوم القيامة؟ فقال: إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء).

    قال تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ [القيامة:24].

    أي: كالحة مسودة، كما في قوله تعالى: ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [المدثر:22]، أي: قطب جبينه، وبسر، وكلح بوجهه.

    قوله: تَظُنُّ [القيامة:25] أي: توقن، فالظن هنا: بمعنى اليقين، وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46]، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20]، أي: أيقنت.

    فمعنى قوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ، أي: كالحة سوداء، مقطبة الجبين، تَظُنُّ ، أي: توقن: أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة:25]، أي: أيقنت هذه الوجوه أنها فاقرةً، والفاقرة هي: المصيبة الكبرى التي تكاد تكسر فقار الظهر، فيظن أصحاب هذه الوجوه ويوقنون أن مصيبة من هذه المصائب ستحل بهم في هذا اليوم، أي: يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ)

    قال تعالى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [القيامة:26]، ما هي التي بلغت؟

    قدمنا أن العرب تحذف كلمات من السياق لدلالة السياق عليها، فهنا: (إِذَا بَلَغَتِ)، أي: الروح، كما في قوله: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة:83]، والتي بلغت الحلقوم هي الروح أيضاً، وقوله: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32]، أي الشمس، إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات:32]، أي: النار.

    فالعرب تحذف شيئاً من السياق إذا كان السياق يدلُ عليه وكان المخاطب يفهم هذا المحذوف، فيقول الله سبحانه: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [القيامة:26]، والتراقي: هي عظام الترقوة.

    قوله تعالى: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ، للعلماء فيه قولان:

    القول الأول: هل من شخصٍ يرقي هذا المريض، أو طبيب يداويه؟ وهذا معنى تقلده فريقٌ من المفسرين.

    جواز الرقية إذا كانت شرعية

    وعند هذا المعنى تثار قضية الرقية؛ لأن الآية الكريمة ذكرت الرقية ولم تأمر بالرقية ولم تنه عنها، ولكن غاية ما أفادته الآية: أن الرقية عند الموت لا تنفع، فما هو حكم الرقية إذاً؟

    حكم الرقية لا يؤخذ من حديث واحد، فالرقية منها رقية مشروعة وغير مشروعة، وتلحق بغير المشروعة أنواع الشعوذات والدجل الذي يفعله السحرة والكهان.

    وثم رقى مشروعة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)، أي: ما لم يكن فيه شرك جمعاً بين الروايتين، لكن هناك فرقٌ بين رقية الشخص لنفسه، ورقية الشخص للآخرين، وطلب الشخص من الناس أن يرقوه.

    فإذا أتى شخصٌ يرقيك بلا طلبٍ منك فلا تمنعه، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا محمد اشتكيت، باسم الله أرقيك من كل شيءٍ يؤذيك، ومن شر كل عين ومس حاسدٍ الله يشفيك)، فهنا جبريل رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى مريضاً قال: (أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً).

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ارقاه جبريل وهو أيضاً قد رقى، وأيضاً حث على طلب الرقية لكن لغيرك، فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فرأى عندها جارية ورأى في وجهها سفعة، والسفعة: التغير والسواد في الوجه: (فسأل: ما هذا؟ قالوا: إن بها النظرة يا رسول الله؟ قال: فاسترقوا لها)، أي: اطلبوا لها من يرقيها، والحديث في البخاري.

    وأيضاً ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت جعفر بعد مقتل جعفر ، ورأى أولاده كالأفراخ من شدة الضعف، فسأل أمهم أسماء : (ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ قالت: تسرع إليهم العين يا رسول الله، قال: استرقي لهم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة ممن يرقين من النساء: (ارقيها وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة).

    وأيضاً في الصحيح أن صحابياً رقى رجلاً على قطيع من الغنم، ولما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وكان قد رقاه بفاتحة الكتاب.

    فيؤخذ من هذه الأخيرة: جواز رقية الكفار.

    توضيح ما ورد في كراهية الرقية

    وهذه نصوص كلها تدل على مشروعية الرقية، لكن ما هو توجيه الوارد من كراهيةٍ في شأن الرقية؟

    الوارد من النهي في شأن الرقية، هو أن تطلب أنت لنفسك شخصاً يرقيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من اكتوى)، وإن كان للكي أيضاً حكم فيه تفصيل (أو استرقى)، أي: طلب الرقية لنفسه: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل)، أخرجه أحمد بإسناد حسن.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون)، وورد هذا الحديث بلفظ في إحدى روايات مسلم من طريق سعيد بن منصور : (هم الذين لا يرقون)، وقد حكم الحفاظ على هذه اللفظة في صحيح مسلم بأنها شاذة إسناداً؛ لأن جمهور الرواة رووا الحديث بلفظ: (لا يسترقون)، وشاذة أيضاً معنىً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام رقى غيره.

    فلفظة: (لا يرقون)، وهمٌ من سعيد بن منصور، وعلى هذا جمعٌ من العلماء كالحافظ ابن حجر رحمه الله، وكشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعدد من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون)، أي: لا يطلبون الرقية.

    ونحمل هذا الطلب على الرقية لأنفسهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأم سلمة : (استرقي لها)، أي: الجارية، وقال لـأسماء بنت عميس : (استرقي لهم) أي: للأطفال، فالحاصل: أن طلب الرقية للنفس مكروه، لحديثين الأول: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل).

    والثاني: في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب منها: أنهم (لا يسترقون).

    حكم التداوي من المرض

    وهل التطبيب يلحق بذلك؟ أعني: هل طلب العلاج من طبيب يأخذ حكم الرقية؟ لأن الرقية نوعٌ من أنواع العلاج، فهل أيضاً طلبُ العلاج والذهاب عند الأطباء يلحق بحكم الرقية؟ أي: هل يجوز لي أن أعالج غيري أو أطلب لغيري العلاج، لكن أنا في نفسي أتركه.

    من العلماء من يقول: إن الأولى إذا كان الشخص يتحمل المرض ولا يؤثر عليه في حقوقه مع ربه ولا حقوقه مع الخلق، فالأولى له أن يترك، واستدلوا بحديث المرأة التي كانت تصرع، وأتت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! إني أصرع فادع الله لي قال: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت: أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا الله لها أن لا تتكشف).

    وكذلك حديث الرجل الأعمى الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! إني رجل أعمى قد شق عليّ ذهاب بصري، فادع الله أن يرد عليّ بصري يا رسول الله؟ قال: إن شئت دعوت الله لك فشفاك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قال: بل ادعه يا رسول الله، فقال له الرسول: توضأ وصل، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة ..) الحديث إلى آخره.

    فمن العلماء من بنى على هذين الحديثين: أن الشخص إذا كان يتحمل المرض ولا يؤثر هذا المرض على حقوق الآخرين من البشر، ولا يعوقه على الكسب لأولاده وزوجته، ولا عن سائر تعلقاته بالبشر، ولا يؤثر على صلاته ولا صيامه؛ فتحمله أولى، هكذا ذكر عددٌ من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    ولا تعارض حينئذٍ بين هذا التقعيد، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء).

    وقالوا أيضاً: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما مرض وأتى الصحابة أو أهل بيته كي يلدّوه، أي: يضعوا الدواء في فمه رغماً عنه، أشار إليهم أن لا تفعلوا، فلما فعلوا رغماً عنه بعد أن عوفي قال: (لا يبقين أحدٌ في البيت إلا لدّ وأنا أنظر؛ إلا العباس فإنه لم يشهده).

    وهذا تحرير المسألة فيما علمت، والله أعلم.

    ثم إن رمي الأحمال دائماً على الأطباء، والاعتقاد أنهم هم الذين يشفون؛ يورث الشخص قلةً في التوكل على الله، فكلما أصابك صداعٌ أو شيء ذهبت إلى الطبيب مباشرةً، هذا يفقدك الثقة بالله، ويريك دائماً التطلع على أن الشفاء من عند الأطباء، والله أعلم.

    هذا قول، وهناك قول آخر لكن الأدلة عليه ضعيفة: وهو أن الملائكة تتأذى من الصعود مع هذا الكافر، إلى أن يكلف ملك الموت ملكاً، فمن نتن ريحه ومن قذارته يتمنع الكل إلى أن يقول: اصعد معه يا فلان. وهذا قول لبعض المفسرين، لكن الأدلة الواردة عن رسول الله معناها يرفضه، والله تعالى أعلم.

    وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:27]، أي: أيقن هذا الميت أنه الفراق، ولكنه في الحقيقة فراقٌ للأهل، لا لقاء بعده أبداً مع هذا الكافر إذا كان أهله مؤمنين، فلا يلتقيان أبداً إلا لقاءً يسمع فيه التوبيخ والتأنيب: قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر:50]، إلى غير ذلك من أوجه التأنيب والتعيير والتوبيخ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ...)

    وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29].

    أهل العلم لهم أقوال في تفسير قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29]:

    القول الأول: أن الآية على ظاهرها، وأن ساق الميت اليمنى تلتف بساقه اليسرى عند الموت، وأنها أيضاً تجمع إلى ساقه اليسرى عند التكفين، فإنه تضم هذه إلى تلك. هذا المعنى جار على تفسير الآية على ظاهرها، وقد قال به فئةٌ من السلف.

    القول الثاني: (والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) التقت الأهوال بالأهوال، فهو في هولٍ خروج الروح منه، وهول آخر وهو استقبال الملائكة السيئ الذي يستقبل به الكافر: أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93].

    فالقول الأول مبني على الظاهر، أي: ساق الميت اليمنى التفت على ساقه اليسرى عند الاحتضار، وكذلك ضمت إليها عند التكفين.

    والقول الثاني: أن الشدة التقت بالشدة، سواء كانت شدة خروج الروح وشدة الاستقبال المزعج من الملائكة الذين يستقبلون الكافر، أو أي شدائد أخر.

    إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:30]، أي: المسير إلى الله سبحانه وتعالى في هذه اللحظات.

    قال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة:31]، أي: لم نعهد منه صدقات ولا تصديقاً أيضاً، بمعنى: لا الإيمان ولا الصلاة، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:32]، أي: كذب بالقرآن وأعرض عن الإيمان.

    ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [القيامة:33]، أي: يختال ويفتخر.

    أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى [القيامة:34-35].

    من العلماء من قال: (أولى) هنا بمعنى ويلٌ؛ أي: ويلٌ لك، فالويل لك، ثم الويل لك، فالويل لك.

    ومنهم من قال معنى قوله: (أُوْلَى لَكَ)، أي: وليك العذاب، ثم أنت أولى به، ثم إن وليك العذاب، ثم أنت أولى به.

    فعلى كلٍ هي نوع من أنواع التهديد الشديد.

    أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]، أي: هملاً بلا حساب، فمعنى (أيحسب): أيظن الإنسان أنه خلق هكذا عبثاً كما في قوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]، فالله ينفي عن نفسه هذا العبث، فيقول في آية أخرى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:16-17].

    فالله يقول: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ [القيامة:36] أي: أيظن الإنسان الكافر، أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]، أي: هملاً بلا حساب.

    قال تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة:37]، أي: يراق ويسال، والمني هو المعروف، و(يمنى) أي: يراق.

    قال تعالى: ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [القيامة:38]، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:39-40].

    إذا تليت هذه الآية ماذا نقول؟ هل نقول: بلى، وربي قادر.

    الجواب: الأسانيد الواردة في هذا الباب أننا نقول: (بلى وربي قادر). كلها لا يثبت منها شيءٌ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي كل أسانيدها ضعف، لكن على العمل بها عند جمهور المفسرين، ولعل من أحسنها ما ورد عند تفسير قوله تعالى في سورة التين: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:8]، أن يقال: (بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين).

    وقد نقل محمد عطية سالم حفظه الله في تتمته لأضواء البيان إجماع المفسرين على أننا نقول: (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين)، وإن كان الإسناد فيه رجلٌ يقال له: أبو مدينة ، ومن الممكن أن يحسن حديثه، فهذا في سورة التين، ويجري أيضاً في سورة القيامة.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حديث: (حبب إلي من دنياكم...)

    السؤال: ما صحة حديث: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)؟.

    الجواب: هذا الحديث ورد بلفظ: (حبب إليّ من دنياكم ثلاث)، وهو بلفظ: (ثلاث)، ضعيف، لكن بلفظ: (حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، إسناده صحيح، لكن لبعض أهل العلم كلام في إعلاله، ولا يحضرني تفصيل هذا الكلام الآن، وقد أثبته في كتاب جامع إحكام النساء لمن شاء أن يراجعه، وهو موجود في بعض كتب العلماء.

    ضعف حديث: (صلوا وراء كل بر وفاجر)

    السؤال: ما صحة حديث: (صلوا وراء كل برٍ وفاجر

    الجواب: ضعيف، لا يثبت عن رسول الله، لكن في الباب حديث في شأن الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: (صلوا، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)، وهو صحيح.

    صحة حديث: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي)

    السؤال: ما صحة حديث: (استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي

    الجواب: الحديث في صحيح مسلم .

    صحة حديث: (نور أنى أراه)

    السؤال: ما صحة حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنّى أراه

    الجواب: حديث صحيح.

    المقصود بالتمرات التي يتقى بها السحر

    السؤال: ما صحة حديث: (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يصبه سمٌ ولا سحر)، وما المقصود: بسبع تمرات عجوة؟

    الجواب: العجوة في الحديث مقيدة (بعجوة العالية) أي: عجوة المدينة، وتمرات العجوة ليس كالعجوة التي في بلادنا العجوة المكبوسة، فهناك تمر اسمه العجوة، فعندنا مثلا بلح كباي وبلح معرش، وهناك بلح أيضاً اسمه العجوة، وهو بلح صغير أسود ويباع في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حكم صعق الذبيحة بالكهرباء

    السؤال: ما حكم الذبائح التي يحصل عليها الجزارون من المسلخ الآن؟

    الجواب: لا أعرف طبيعتها، لكن إذا كانت مذبوحة فسمِّ الله وكل، وهي فيها شبهة، والسائل يريد أن يقول: ماذا في شأنها؟ وهي جائزة إذا كانت مذبوحة، ولا أعرف أنها تصعق بالكهرباء.

    حكم حديث: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها)

    السؤال: ما صحة حديث: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها

    الجواب: الذي يحضرني الآن أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.

    حكم من قال لزوجته: أنت طالق إن ذهبت إلى كذا

    السؤال: رجلٌ قال لزوجته: عليّ الطلاق ما أنت ذاهبه إلى المكان الفلاني، فهل يقع طلاقه؟

    الجواب: مسائل الطلاق على صاحبها أن يسأل على انفراد؛ لأن لها تبعات، ويستفصل فيها المفتي والسائل.

    أما هذه الحالة فهي محل نزاع، والنفس تطمئن إلى أنه لا يقع، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.

    تأخير التوبة عن المتخاصمين حتى يصطلحا

    السؤال: أمي ذاهبة هذا العام إلى عمرة في رمضان، وهي على خلاف مع أحد الأقارب، فأنصحها بالصلح معه لكي يكون لها أجر حج، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: يذكرها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (تفتح أبواب الجنة في يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا). وفي رواية: (حتى يفيئا)، فتؤخر التوبة عن الذين بينهم خصومة، وخاصةً إذا كانت خصومات في الدنيا، وأما إذا كانت الخصومات في الدين -وقليل من الناس من يخاصم بالله الآن- فلها شأنٌ آخر، فتنصح الوالدة التي هي على سفر إلى بيت الله الحرام أن تخفض جناحها للمؤمنين، والله يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].

    حكم من يسبق الإمام سهواً

    السؤال: ماذا يفعل المصلي الذي سبق الإمام في ركوعٍ مثلا أو سجود بدون قصد؟

    الجواب: إذا كان دون قصد، بأن كان خطأ، فإن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، ولما قال المؤمنون: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: (قد فعلت).

    صحة ما يذاع من نكاح الجني للمرأة الإنسية

    السؤال: كثر في الجرائد والمجلات مسألة الجن التي تجامع النساء والبنات، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: هل بالفعل الجن تجامع النساء؟ في الحقيقة ما رأيت جنياً أو سمعت عن هذا في عهد الرسول، والذي يثبت لنا ذلك يأتينا بأي دليل يثبت أن الجن كانوا يجامعون النساء.

    وقوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56] يفهم في ضوء أفعال الصحابة وفي ضوء الأحداث التي جرت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وغاية ما أفادته الآية أن الحوريات في الجنة، (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)، لكن هل الجني ممكن أن يطمث؟

    في حديث في إسناده -على ما يحضرني- عبد الله بن محمد بن عقيل وهو عندنا ضعيف الحديث، يقول النبي في شأن من الصحابة: (هذه ركضة من ركضات الشيطان)، لكن في إسناده ضعف، ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لكن الواقع الذي حدث على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا توجد امرأة من الصحابيات جامعها جني أبداً! وأما أن نتوسع في هذا الباب، والجرائد تأخذه موضوعاً تشنع به على الإسلام وتشنع به على المسلمين، ويثأر العلمانيون بسببه من أهل الإسلام، وهو مادة خصبة لهم بالطبع، لكن السؤال المطلوب، هل ورد عن امرأة من الصحابيات أنها حصل لها شيء من هذا؟ لا أعلم شيئاً في هذا.

    وأما حديث: (أن الرجل إذا جامع امرأته ولم يسم جامع معه الشيطان) فهو غير ثابت، بل هو ضعيف تالف، ولا يصح إلا حديث: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)، لكن لا يفيد أن الشيطان يزني معه، والله أعلم.

    وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.