إسلام ويب

تفسير سورة التحريمللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتازت سورة التحريم عن غيرها من السور بأنها عالجت قضية أسرية حدثت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض أزواجه رضي الله عنهن، وعرضت الحل كيما يكون مثالاً يحتذى به لكل مؤمن ومؤمنة، ثم انتقلت هذه السورة لتخاطب أهل الإيمان والكفر فتبشر أقواماً وتنذر آخرين، إلى أن تنتهي بذكر وقائع لأنبياء الله ورسله، وتحكي كيف أن الأنبياء عليهم السلام قد ابتلي بعضهم حتى في أهل بيته، بينما وجد العكس من ذلك تماماً في طاغوت التاريخ الأكبر فرعون لعنه الله.

    1.   

    عتاب الجليل لنبيه الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فسورة التحريم سورة مدنية، يقول الله سبحانه وتعالى فيها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1].

    قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يراد به هو، وتراد به أمته من بعده، فلا ينبغي لأحد أن يحرم شيئاً أحله الله سبحانه وتعالى ابتغاء مرضاة أي شخص كان، وقد عاتب الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هذا العتاب، كما عاتبه في سورة عبس في قوله سبحانه وتعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3]، لما أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على صناديد قريش وترك عبد الله بن أم مكتوم، فعاتب الله النبي هذا العتاب، وهنا عتاب آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله فيه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

    فلا ينبغي أن تطغى العاطفة على ديننا، ولا ينبغي أن يطغى الحب على الشرع، بل الشرع فوق كل شيء، وفوق كل أحد، ومحبة الشرع فوق كل محبة، فلا ينبغي أن تحرص على مرضاة أزواجك وتحرم على نفسك شيئاً أحله الله سبحانه وتعالى لك، أو تحل شيئاً حرمه الله سبحانه وتعالى عليك.

    وفي تذييل الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) حث على الاستغفار، فإذا كان هذا قد صدر منك، وأحللت شيئاً أو حرمت شيئاً ابتغاء مرضاة أزواجك فباب التوبة مفتوح، فاستغفر الله من ذلك؛ فالله سبحانه غفور رحيم.

    سبب نزول أول آيات سورة التحريم

    لهذه الآية سببان في النزول: سبب أشهر، ولكنه من ناحية الصحة أقل صحة، وسبب أصح ولكنه أقل شهرة، أما السبب الأشهر فهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى جاريته مارية -أي: جامع جاريته مارية القبطية التي هي أم إبراهيم عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك في بيت حفصة وفي ليلة حفصة وعلى فراش حفصة رضي الله تعالى عنها، وكما هو معلوم فإن الرجل لا يقسم للإماء، إنما يأتيهن كيفما أراد ومتى ما أراد، أي: أن الزوج عليه أن يقسم بين الزوجة وبين الزوجة الأخرى، أما الإماء فلسن كذلك، فللسيد أن يطأ الأمة في أي وقت شاء؛ إذ ليست بمقسوم لها.

    فالذي حدث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى جاريته مارية في ليلة حفصة وعلى فراش حفصة؛ فعلمت بذلك حفصة رضي الله عنها، فدخلت محتدة قائلة: أفي بيتي وعلى فراشي؟! فقال عليه الصلاة والسلام: لا تخبري بذلك أحداً، وقد حرمتها على نفسي، ولن أقربها بعد ذلك، فنزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1])، وفي بعض الروايات: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هي عليَّ حرام)، هذا هو أشهر سبب لنزول الآية.

    لكن أصح سبب هو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فكان يدخل عند زينب ويمكث عندها طويلاً فتسقيه عسلاً، فتواطأ بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلن لبعضهن البعض: أيتنا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل له إذا أقبل عليها: إني أجد منك ريح مغافير، فتواطأت حفصة مع عائشة على ذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرب عسلاً من عند زينب قالت له حفصة : ما لك! أكلت مغافير؟! إني أجد منك ريح مغافير، قال: ما أكلت مغافير، بل شربت عسلاً، ولن أعود وقد حلفت، فنزلت الآية..). فهذا هو السبب الأصح للنزول.

    وعلى كلٍ فالمؤدى واحد، فالشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على نفسه أشياء ابتغاء مرضاة الأزواج، أو طلباً لمرضات الأزواج، فعاتبه ربه سبحانه وتعالى بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1]، فلا ينبغي أن تكون الزوجة حكماً على الشرع، بل الشرع يقضي عليها وعلى الزوج وعلى الأولاد، ويقضي على الجميع، ولا يليق بك أيها الرجل أن تجعل امرأة ناقصة العقل والدين حكماً على الشرع، فتحل ما تشاء وتحرم ما تشاء من أجلها.

    كيفية التحلل من الأيمان

    ثم قال الله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2]، أي: قد فرض الله لكم ما تتحللون به من هذه الأيمان حتى لا تقعوا في الإثم، وتحلة الأيمان هي الآية المذكورة في سورة المائدة: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [المائدة:89].

    فأخذ العلماء منها حكماً فقهياً ألا وهو: أن من قال لأي شيء أو لطعام أو لشراب: هذا الشيء عليَّ حرام، وإذا قال رجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام، أو لجاريته: أنتِ عليَّ حرام، أو تحرمي عليَّ، أو حرام عليَّ أن آكل هذا الطعام، أو تحرم عليَّ زيارتك، أو أي شيء من هذا التحريم؛ فكفارة هذا كله كفارة يمين، كمن قال: والله لا أفعل كذا وكذا ثم فعل.

    فذهب فريق من أهل العلم: إلى أن كفارة من قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام كفارة يمين: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89].

    وهذه المسألة قد تعددت فيها أقوال العلماء، وقد جمع القرطبي في تفسيره هذه الأقوال، فوصل بها إلى ثمانية عشر قولاً، لكن إذا أخذت الأقوال المعتمدة على الدليل فستجد أن الأقوى من هذه الأقوال قولين:

    القول الأول: قول من قال: إن الكفارة كفارة يمين.

    والقول الذي يليه في القوة: أنه لا شيء عليه، ومستند العلماء القائلين بهذا القول أن قوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] له مناسبة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (قد شربت عسلاً ولن أعود وقد حلفت)، فقالوا: إن الله قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] ؛ والرسول قد قال: (قد حلفت)، فإذا قال الشخص: أنتِ حرام عليَّ وقد حلفت على ذلك، فيكفر كفارة يمين، أما إذا قال: أنتِ حرام عليَّ ولم يحلف فلا كفارة عليه.

    لكن يقال من باب الاحتياط: إن الكفارة كفارة يمين، والتحلة هي كفارة اليمين المذكورة في قوله تعالى: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89].

    وإطعام عشرة مساكين يكون وجبة واحدة، قال الجمهور: والقيمة لا تجزئ في كفارة اليمين؛ لأن الله قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، وقال الجمهور أيضاً: إنه يلزم أن يكون العدد عشرة، إلا إذا تعذر الحصول على العشرة فيجوز أن تخرج العشر وجبات لأهل بيت من خمسة أفراد مثلاً، أو لشخص واحد إذا لم تجد المساكين العشرة، أي: فلا يصار إلى إعطاء الشخص أكثر من وجبة إلا إذا تعذر الحصول على العشرة، أما إذا وجد العشرة فالجمهور يقولون: عليك أن تعطي عشرة؛ لأن الله قال: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ).

    قال الله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، فلا تلجأ إلى الصيام إلا إذا فقدت الإطعام، أما إذا كنت تستطيع الإطعام فالصيام منك غير مقبول ولا مجزئ؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89].

    قال الله سبحانه: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2]، أي: قد بيّن الله لكم تحلة اليمين، وأوجبها عليكم.

    وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ [التحريم:2] أي: ناصركم ومتولي أمركم سبحانه وتعالى، وهذا أيضاً ينبغي أن يدرجه العبد في دعائه؛ فتطلب من الله سبحانه وتعالى أن يتولاك ويتولى إخوانك ويتولى ذراريك، فهو سبحانه وتعالى يتولى الصالحين، وقد كان هذا ضمن دعاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).

    وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:2]، (العليم) بقلوبكم وبنياتكم، (الحكيم) بما شرع.

    موقف الزوج من إفشاء الزوجة لأسراره

    قال الله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا [التحريم:3] أي: قال قولاً في السر لبعض أزواجه، فيجوز للرجل الذي عنده أكثر من امرأة أن يسر إلى بعض الأزواج بحديث ولا يسر بهذا الحديث للأخرى؛ فالنسوة يختلفن في الأمانات والضبط، وقد يستفاد الحديث منه عند امرأة ولا يستفاد منه عند الأخرى، فيجوز أن يؤثر الرجل بعض أزواجه بالسر دون البعض، وليس في هذا ظلم ولا إجحاف.

    وما هو هذا الحديث؟

    فيه أقوال للعلماء:

    أحدهما: أنه قول الرسول في شأن مارية : (والله لا أقربها ولا أعود).

    والثاني: في شأن العسل: (والله لن أشرب العسل ولن أعود).

    والثالث: أن الله سبحانه لم يبين ذلك، وأنه حديث الله أعلم به.

    (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ): نأخذ من هذه الآية فقهاً للتعامل مع النساء، ولتتعز نساؤنا في هذه الآية، فنساؤنا لسن بخير من نساء رسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يستكتم امرأته على سر، وهي من أمهات المؤمنين، اللائي يفترض فيهن أنهن أعقل النساء، وهن طيبات بلا شك، قانتات بلا شك، صالحات بلا شك، ومع ذلك لم يكن الذي أسر إليهن برجل عادي، بل الذي أسر إليهن هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فمع أنه أسر إليها بالحديث وقال: لا تخبري بذلك أحداً من الناس، خرجت وأفشت سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا كان هذا قد صدر منهن، فنساؤنا من باب أولى أن يصدر منهن ذلك، فإذا كان النبي لم يثرب عليهن هذا التثريب الشديد، فنحن كذلك لا نثرب عليهن التثريب الشديد، فإذا كان الأمر سري جداً فلا تخبرها به من الأصل، خاصة إذا كنت تخشى من إفشائه، فادخره لنفسك، أما إذا لم تستطع أن تدخر السر لنفسك وأفشيته للزوجة فهي أضعف منك وناقصة عقل ودين فستفشيه هي الأخرى.

    فالشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيفية التصرف مع النساء في هذا الباب.

    قال تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ [التحريم:3]، أي: أخبرت به، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [التحريم:3]، أي: أطلعه الله عليه، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم:3]، أي: لم يعاتبها في الحديث كله، إنما عاتبها في بعض الحديث، ولم يسرد لها الأخطاء كلها، وإنما سرد لها ما يشعرها أنها أخرجت هذا الحديث وأفشته.

    فيأخذ منه العلماء أيضاً فقهاً للتعامل مع النساء: وهو أن المرأة إذا أخطأت في عشرة أخطاء أن لا نؤاخذها بالأخطاء العشرة، وإنما نؤاخذها بخمسة منها مثلاً أو أربعة، ونتغاضى عن الباقي، ومستندهم قوله تعالى: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم:3]، ومستندهم أيضاً قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، قال ابن عباس : (إني لا أحب أن أستنصف جميع حقي على امرأتي؛ لأن الله يقول: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228])، أي: فأنا إذا ساويت عقلي بعقل امرأتي فحاسبتها بكل خطأ أصبح عقلي مثل عقلها، فما هو الفارق بيني وبينها؟

    لابد أن يكون هناك فارق بيننا، فالرجل هو أشد ديناً وأحكم عقلاً من المرأة؛ ولأن الرسول قال في شأن النساء: (ناقصات عقل ودين) فهذا الفاضل لابد أن يتعامل بمقتضى الفضل الذي آتاه الله إياه.

    وكما قدمنا مراراً أنك إذا عاملت الطفل بعقليته لامك الناس؛ لأن عقله صغير، فإذا جئت تحاسب الطفل على كل صغيرة وكبيرة أصبح عقلك مثل عقل الطفل، لكن إذا أخطأ الطفل مرة سامحه في هذه المرة، وإذا أخطأ المرة الثانية ضربته ضرباً خفيفاً، وإذا أخطأ مرة ثالثة فبحسب المقام وبحسب الحال، وبحسب الخطأ إن كان متعمداً أو غير متعمد؟ فلا تقف للطفل على كل خطأ؛ لأنه صغير وناقص العقل.

    وكذلك النساء، فقد قال فريق من أهل العلم بل جمهورهم في تفسير قول الله سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5]؛ قالوا: (السفهاء) النساء والصبيان، وأصل السفاهة الرقة، فثوب سفيه، أي: ثوب رقيق، فرقة العقل وقلة العقل جبل الله سبحانه وتعالى عليها النساء، وقال سبحانه: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282].

    وهذا كلام الله؛ فلا تطالب المرأة أن تكون كاملة مثل الرجل، ولا تحاسب المرأة على كل الأخطاء التي تصدر منها، فإنهن جبلن على النقص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع) وذكرهن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالشاهد: أن المرأة لا تؤاخذ بكل خطأ يصدر منها، بل تؤاخذ بالبعض ويترك لها البعض.

    عَرَّفَ بَعْضَهُ [التحريم:3] أي: بينه لها، (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)، تكرمة منه لها، وحلماً منه عليها، وتعليماً لنا منه صلى الله عليه وسلم.

    (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ) فوجئت وقالت: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا [التحريم:3]، والرسول ليس بثرثار، فما قال: نبأني فلان أو فلان أو فلان أو فلان، بل قال الحق: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم:3]، على فرض أن إحدى النساء نبأته، ولكن الذي نبأه هو الله سبحانه، كما هو في الآية صريحاً، لكن لا ينبغي أن توسع دائرة المشاكل، بل اختصر الأمر اختصاراً ولا تفتح على نفسك تحقيقات واجتماعات لا جدوى ولا طائل تحتها.

    قال الله سبحانه: قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم:3]، هنا قد يقول قائل: لماذا لم يقل: نبأني الله، ولكن أتى بلفظ: (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)؟

    والجواب: لأن اسم العليم وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى يقتضيه هذا المقام، ولذلك ينبغي في أسماء الله الحسنى أن يؤتى بالاسم من الأسماء الحسنى موافقاً للموقف الذي يثار ويراد.

    ولاية الله لنبيه

    قال تعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]: هذا حث منه تعالى على التوبة إليه، ولا يتصور أن جواب الشرط هو: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، إنما جواب الشرط محذوف، فالمعنى: إن تتوبا إلى الله فإن الله يتوب عليكما، ثم ابتُدئ كلام جديد: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، أي: مالت عن الحق في هذا الباب، أو في حبكما لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته على نفسه، فإن تتوبا إلى الله فإن الله يتوب عليكما.

    (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، أي: مالت قلوبكما عن الحق في هذا الباب، وأصغى أي: مال، (أصغى ليتاً وأمال ليتاً) كما في حديث أشراط الساعة، أي: مال.

    (وَإِنْ تَظَاهَرَا)، أي: إن تتعاونا أيتها الزوجتان على الرسول فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]؛ هذا كله في مقابل تظاهر امرأتين على الرسول، فالذي ينصر الرسول صلى الله عليه وسلم ويتولاه ضد هاتين المرأتين هم المذكورون في قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ [التحريم:4]، سيد الملائكة، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم:4]، كـأبي بكر وعمر وعموم الصالحين، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4].

    فانظر إلى تأييد الله لرسله، فقد يقول قائل: إن الله سبحانه وحده كافٍ عبده، فما هو المستفاد من قوله: وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]؟

    وهذا كما قال فريق من أهل العلم: كقوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:9-10]، فهو من باب طمأنة العبد، أعني أن تقاتل: الملائكة مع أهل الإيمان، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12]؟

    وقال: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [الأنفال:10].

    فالشخص المسلم، يعرف أن الله معه وأن الله ناصره، لكن قد يستحوذ عليه الفكر أحياناً ويقول: في البيت شياطين، وفي الطريق شياطين، والشيطان قد يفعل بي! فتذكر أن الله قادر على حفظك، وأن هناك أيضاً ملائكة يحفظ الله بهم أهل الإيمان، كما قال تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، أي: بأمر الله.

    فهذا إنما هو من أجل طمأنة النفوس، وإلا فكفى بالله سبحانه وتعالى معيناً، وكفى به ظهيراً، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وحسب نبينا ونعم الوكيل!

    قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم:4]، أي: متولي نصرته عليكما ومتولي حفظه منكما، وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4].

    فمن هاتان المرأتان اللتان تنتصران على الله، ثم على جبريل، وصالح المؤمنين، وعلى الملائكة؟

    قال ابن عباس رضي الله عنهما ما حاصله: كنت حريصاً على أن اسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]، حتى خرج عمر مسافراً، فسافرت معه وعدل فعدلت معه، فذكر الحديث وفيه: ( قلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟ فقال: واعجبا لك يا ابن عباس ! هما: عائشة وحفصة )... ثم ذكر الحديث مطولاً.

    فالمرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هما عائشة وحفصة، وهذا الحديث في صحيح البخاري .

    وهن رضي الله عنهن نساء حملهن على ما صنعن الغيرة والمحبة الزائدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التصرف منهما مغمور في بحر فضائلهما رضي الله تعالى عنهما، لا كما يقول الشيعة الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيطعنون في عائشة وحفصة لهذه الآية، وينسون أن الله قال في عائشة وفي زوجها رسول الله: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26]، وينسون أن الله أنزل عشر آيات في براءتها رضي الله تعالى عنها، وينسون أنها خُيرت بين الدار الآخرة والدنيا، فاختارت رسول الله والدار الآخرة، وينسون جملة مناقبها رضي الله تعالى عنها، فهذه منها مغمورة في بحر فضائلها.

    وليست هي فحسب، بل أهل الإيمان على وجه العموم، وقد قال الله تعالى في شأن أهل الإيمان: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، فالمغفرة للذنوب، وبنو آدم ليسوا بمعصومين، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    ولماذا قدم جبريل ولم يدخله في عداد الملائكة، إذ قال الله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]؟

    هذا التنصيص على جبريل لبيان منزلة جبريل عليه السلام، فهو سيد الملائكة كما قال كثير من أهل العلم.

    قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]، بمعنى: ظهراء ومعاونون، وكلمة (ظهير) وإن كان ظاهرها الإفراد إلا أنها تؤدي معنى الجمع، كما قال الله سبحانه: فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، أي: حسن أولئك رفقاء، فكلمة (رفيقاً) وإن كان ظاهرها الإفراد لكنها تؤدي معنى الجمع، ومنه قول الشاعر:

    إن العواذل لسن لي بأمير

    أي: لسن لي بأمراء، فأحياناً تأتي الكلمة المفردة وتؤدي معنى الجمع.

    وعد الله لنبيه باستبدال أزواجه

    قال تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ [التحريم:5]، هكذا قال عمر لما قال: ( وافقت ربي في ثلاث ).

    فمن موافقات عمر لربه أنه قال لـحفصة : (يا حفصة لا تسألي رسول الله ولا تستكثريه، سليني من مالي ما شئتِ)، وفي ثنايا حديثه معها قال: (كنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فأتينا إلى المدينة فإذا رجال تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم) فنساء بعض البلاد يغلبن الرجال، ورجال بعض البلاد يستضعفون النساء، ولا يعني أنها تغلبه بالضرب، بل برأيها كأهل المدينة، أما قريش فلم يكن رجالها كذلك.

    الشاهد: أن عمر قال لـحفصة ولأزواج النبي: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]، فنزلت الآية موافقة لقول عمر رضي الله تعالى عنه، فهذا يعد من مناقب عمر ، وموافقات عمر لربه رضي الله تعالى عنه.

    (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ)، وما شاء الله أن يطلق أزواجه، اللهم إلا حفصة طلقها النبي وراجعها، وابنة الجون لم تكن من أزواجه عليه الصلاة والسلام، أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ [التحريم:5]، والقانتة هنا: هي كثيرة الطاعة والعبادة، المداومة عليهما، والقنوت في هذا الموطن معناه: المداومة على الطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا [الزمر:9] أي: مديماً للقيام ساعات الليل، يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9]، هذا حال أهل الإيمان، فاعرضوا أنفسكم أيها المؤمنون على كتاب الله.

    (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ)، أي: مديم للقيام، وللصلاة وللطاعة والخضوع لله، آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ [الزمر:9]، أي: ينتظر هذا المصير الذي هو مقدم عليه يقيناً بلا شك، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9].

    هذا مصيره.. طول ساعات الليل يقف على هذا المنوال، يستغلها في القيام والركوع والسجود، ويطيل الدعاء، يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9]، فهؤلاء عباد الرحمن وهؤلاء هم أولوا الألباب.

    ونفس المعنى مؤكد في قوله تعالى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان:64-65] فهكذا ينبغي أن يكون المسلم، فلا تتلذذ بالسماع، ولكن انظر إلى كتاب الله وامتثل أمر الله سبحانه وتعالى، اقرأ كتاب الله قراءة شخص يريد أن يعرف ماذا يريد منه ربه سبحانه وتعالى.

    فمعنى: (قَانِتَاتٍ): مديمات الطاعة والعبادة، ففيه حث للنساء على إدامة الطاعة والإكثار من العبادة، فهذا شأن النساء اللواتي عسى الله أن يبدلهن بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إن طلقهن، فالشاهد: أنه يستحب للمرأة كذلك أن تطيل قيام الليل، ويستحب لها كذلك أن تكثر من الطاعة ومن الدعاء بنيل الجنان وبالنجاة من النيران.

    (تَائِبَاتٍ)، كثيرات الاستغفار، وكثيرات الرجوع إلى الله بعد الزلات، عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ [التحريم:5]، أي: صائمات، فالسياحة هنا الصوم، لا كما يقول هذا الزنديق القصيمي الذي ألف كتاباً في الإلحاد بعد أن كان مهتدياً، ولكن أزاغ الله قلبه، وطفق يؤلف كتاباً جمع فيه بزعمه بين متناقضات، فطفق يأتي بقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، ويقول: أين القرار في البيوت يا عباد الله وهناك سائحات؟

    يعني قبحه الله: كيف يقول الله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، ويقول: (سَائِحَاتٍ)؟ ففهم -على جهله- أن السياحة هي السياحة إلى بلاد الكفر وأماكن الفسق والدعارة، ونسي أن السياحة تطلق على الصيام وعلى معانٍ أُخر، كما تطلق أيضاً على الهجرة في سبيل الله.

    والسياحة لها جملة من المعاني، أما أهل الغباء فيقصرونها على معنى واحد، ويريدون أن يحملوا الناس على اعتقاد هذا المعنى، فالسائحات هنا هن الصائمات على رأي أكثر المفسرين.

    (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)، أي: منهن الثيبات ومنهن الأبكار؛ لأن المرأة لا تكون ثيباً وبكراً في آن واحد، فهي إما ثيب وإما بكر، فالمعنى: أن بعضهن ثيبات وبعضهن أبكار، ولكن إن قال قائل: قد قدمت الثيبات على الأبكار، فدل هذا التقديم على استحباب نكاح الثيبات، فنقول: إن هذا المعنى مدفوع هنا لأشياء:

    أولها: أن الرسول قال: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك).

    ثانيها: أن الواو لا تقتضي الترتيب إنما تقتضي مطلق التشريك.

    ثالثها: أن الثيب قد تستحب وتفضل على البكر إذا كانت دينة، أو إذا كانت المصلحة تتأتى من وراء هذه الثيب، كما فعل جابر وتزوج ثيباً لتقوم على أخواته البنات، فقال له الرسول: (بارك الله لك)، وقد يقول قائل: إن الثيبات قدمن ههنا لكون أكثر نساء النبي كنّ ثيبات، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    أمر الله سبحانه بتقواه والتوبة إليه والغلظة على الكفار والمنافقين

    ثم اتجه الخطاب إلى عموم المؤمنين، فقال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    هذا حال هؤلاء الملائكة، قال بعض العلماء: إن الرحمة التي في قلوبهم تجاه أهل النار نزعت، فليس في قولبهم رحمة لأهل النار أبداً، لذلك لم يضحك مالك خازن النار منذ خلقه الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ)، كم هؤلاء الملائكة؟

    فُسروا بقوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30]، قال بعض العلماء: إن التسعة عشر هم الرءوس، يعني: القادة من خزنة النار، ولا يمنع هذا أن يكون هنالك ملائكة آخرون للعذاب، لما ورد في حديث الميت: (فيأتيه ملائكة معهم مسوح، وأكفان من النار...) إلى آخر الحديث.

    والآية فيها حث بل إلزام للرجل أن يتفقد أهل بيته، ولا يترك للمرأة الحبل على الغارب لتصنع ما تشاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)، والله قال: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، ولذلك قال الله سبحانه أيضاً في الباب: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]، وقال سبحانه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54-55].

    وكان النبي يحث أهل بيته على الطاعات كما في حديث: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، فيا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) أي: كم من نفس مكسوة مستورة في الدنيا تأتي مفضوحة يوم القيامة، لكونها عارية عن الأعمال الصالحة التي لم تجد ما تستتر به.

    فأنت مسئول عن أهلك أمام الله.. لا تطع المرأة في المحرم.. لا تسحبك امرأتك إلى حيث الفسق والفساد والشر، فأنت قيم عليها، ومسئول عنها في الآخرة أمام الله سبحانه وتعالى، لذلك قال بعض أهل العلم في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه).

    قال: لأنه يجب عليه أن يعلمهم حرمة هذه النياحة.

    لذا يلزم العبد التوبة التي لا رجعة معها إلى الذنب بحال من الأحوال، هذا وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، ونبيه عليه السلام يقول: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة..)، وأيضاً ذكر النبي: (عبداً أذنب فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب به! قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، فغفر الله له...) الحديث إلى آخره.

    وتعريف التوبة النصوح بأنها هي التوبة التي لا عودة معها إلى الذنب أبداً، كما لا يرجع اللبن إلى الضرع؛ فيه نظر. وقد ذكر العلماء ما يقرب من عشرين قولاً في ضوابط التوبة النصوح، منها: التوبة الصادقة، والتوبة الصالحة، ومنها: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية، لكن إن غلب على ذنب فيتوب أيضاً مع الذنب الجديد، والله أعلم.

    فقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [التحريم:8]، أصل التوبة الرجعة، تقول: تب إلى الله، أي: ارجع إلى الله سبحانه وتعالى يرجع عليك الله برحمته، ويرجع عليك بمغفرته سبحانه وتعالى.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ [التحريم:8]، قال فريق من أهل العلم: إن (عسى) في كتاب الله تفيد التحقق إن شاء الله، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]، أي: إن أنتم تبتم.

    وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وقوله في نفس الآية: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التحريم:8]، دليل على أن أهل الإيمان تصدر منهم سيئات.

    وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8] أي: نورهم يتقدمهم من كل اتجاه، من الأمام وعن اليمين، يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]، هذا النور كما تقدم تحريره يكون على قدر الأعمال وعلى قدر الصلاح، فمن كان على درجة عالية من الصلاح كان نوره أقوى وأشد، ومن كان على درجة من الشر والفساد كان نوره خافتاً، ومن كان على نفاق انطفأ نوره وهو في أشد الحاجة إليه.

    قال الله سبحانه: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]، أي: أهل الإيمان، لكن متى يقولون هذا الدعاء؟ يقولونه وقد اعتراهم الخوف الشديد، لأنه فجأة يحدث إطفاء لبعض الأنوار.. أقوام كلهم سائرون معهم نور، ثم فجأة تنطفئ أنوار أقوام منهم، وهم أهل النفاق، كما قال الله سبحانه: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، فقد كان معهم أنوار.

    فانطلقوا فإذا بنور أهل الإيمان يثبت وإذا بنور أهل النفاق يخفت، فينادي المنافقون أهل الإيمان: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، أي: نستضيئ بنوركم، قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، أي: هناك نور يوزع ويقسم في المكان الذي أخذنا جميعاً النور منه، فيذهبون يلتمسون نوراً فلا يجدون، فيرجعون كرة أخرى كي يدركوا أهل الإيمان، فيضرب بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14].

    فأهل الإيمان يتوسلون إلى الله ويرجون ربهم، فيقولون: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ [التوبة:73]، بالسيف والسلاح، وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:73]، بالحجة واللسان، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73].

    وهنا لا تعارض بين قوله تعالى: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وبين قوله تعالى لموسى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، فهناك فقه للخطاب -ولعله يأتي في محاضرة مستقلة إن شاء الله- فهناك أقوام تجدي معهم الكلمات اللينة، وأقوام لابد لهم من الغلظة والشدة حتى ينزجروا.

    قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9]، الذي يصيرون إليه.

    1.   

    ضرب الله مثلاً للذين كفروا في أنهم لا تنفعهم قرابتهم من المؤمنين

    ثم قال الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10].

    وصف نوح ووصف لوط بهذا الوصف: (عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ)، فيه رد على المغالين في الأشخاص ممن أطلقوا عليهم أولياء الله، وهذا التعبير سائد في كتاب الله، (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ)، أي: فليسا بإلاهين، وقال الله في شأن عيسى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]، وقال الله عن نبينا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، والآيات في هذا كثيرة متعددة.

    (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)، فالآية أفادت المقرر شرعاً: أن لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، فهذان مثلان لزوجتين كافرتين ولزوجين مسلمين.

    مثال آخر لوالد مؤمن مع ولد كافر، وهو نوح عليه السلام إذ يقول: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42] * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43].

    مثال آخر لولد مع والده، وهو إبراهيم إذ يقول: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:45].

    مثال ثالث للرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)، فيصر عمه على الكفر والعياذ بالله.

    وقول الرسول: (يا فاطمة! سليني من مالي ما شئت، فإني لا أغني عنكِ من الله شيئاً).

    يقول الله سبحانه وتعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)، قال جمهور العلماء: ليس المراد بالخيانة هنا خيانة الفراش، أي: الخيانة بالزنا، إنما المراد الخيانة في الدين، فكانتا تدلان الكفار على الأماكن التي يستطيعون منها الطعن في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فالخيانة هنا الكفر وإرشاد الكفار إلى مواطن يطعنون منها في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    فإن قال قائل: كيف ذلك والله يقول: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]؟

    فالإجابة: أن هذا كان سائغاً في شريعة من قبلنا، بل في أوائل شريعتنا وفي أوائل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان عمر متزوجاً بكافرة، وكان يجوز للشخص المسلم أن يتزوج الكافرة إلى أن أتى التحريم.

    سؤال آخر قد يرد: كيف والله يقول: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، فكيف بنوح الطيب مع امرأة خبيثة؟

    فالإجابة من وجهين:

    الوجه الأول: أن المراد بقوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ على قول لبعض المفسرين الأقوال الخبيثة لا تصدر إلا من الخبيثين، والخبيثون لا تصدر منهم إلا الأقوال والأعمال الخبيثة، كذلك الطيبون تصدر منهم الأقوال الطيبة، فليس ما هنا من ذلك، هذا أحد الأقوال في الآية، وهو الذي عليه أكثر المفسرين كما ذكره البغوي والقرطبي وصديق حسن خان وغيرهم.

    القول الثاني: أن الآية وإن حملناها على هذا الوجه: وهو أن الزوج الطيب يحرص على زوجة طيبة، والزوج الخبيث يحرص على زوجة خبيثة. فهذا في الغالب، لكن قد يأتي من لا يعلم الغيب فينتقي امرأة على أنها صالحة وقد تكون فاجرة من الفاجرات، والله أعلم بالعباد، فيكون حكماً أغلبياً استثنيت منه هاتان المرأتان، والله أعلم.

    1.   

    ضرب الله مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون

    قال الله تعالى: فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10].

    ثم يقول الله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]، هذا مثال آخر لامرأة صالحة تحت رجل كافر.

    والجواب عليها هو ما أُجيب به على ما سبق من أن هذا قبل أن تحرم المؤمنات على الكفار، فأفاد هذا المعنى أنه لا يتسلط أحدٌ على قلب أحد، وأن الإيمان وعكسه مرده إلى الله سبحانه وتعالى، ففرعون أطغى شخص عُرف على وجه الأرض لم يتسلط على قلب زوجته التي هي في بيته رضي الله تعالى عنها، مع أنه أظلم رجل عرفه التاريخ، وأظلم رجل ذكر في كتاب الله سبحانه وتعالى، وكان من البشاعة بمكان، ومع هذا لم يتسلط على قلب امرأة ضعيفة أسيرة في بيته!

    وكذلك نوح عليه السلام مع أنه من أولي العزم من الرسل، ولكنه لم يستطع أن يحيل قلب امرأته وولده من كفر إلى إيمان، فتؤكد لنا هذه الآيات معنى: ألا وهو الكامن في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس:100].

    وتؤكد لنا المعنى الموجود أيضاً في قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]، فحتى أنت وهو قلبك لا تملكه.

    العلماء الذين يتتبعون اللطائف في التفسير يقولون: اختارت الجار قبل الدار بقولها (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)، فيأخذ منها الفقهاء أشياءهم التي يأخذونها من اللطائف، فيقولون: قبل أن تشتري الدار اسأل عن الجار، فقد ترتفع قيمة المنزل أضعافاً مضاعفة مقابل تواجدك بجوار رجل صالح، فقد يكون جارك تاجر مخدرات، أو جاراً مؤذياً كل يوم وأنت معه في مشكلة، فالبيت الذي هو بمائة ألف لا يساوي بجوار مثل هذا عشرين ألفاً، تأتيه حملة للقبض عليه فيلقي المخدرات على بيتك.

    فقال العلماء: اختر الجار قبل الدار، كما اختارت آسية امرأة فرعون وقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    1.   

    ضرب الله مثلاً للذين آمنوا بمريم عليها السلام

    وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع؛ مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون ...) الحديث.

    فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يتوفانا وإياكم على الإيمان والإسلام.

    وصلى وسلم الله على نبينا محمد وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    حكم من يعمل في بيع الأغراض النسائية

    السؤال: عملي متعلق بالأغراض النسائية وبيعها، فماذا أفعل؟

    الجواب: أنت إذا استفتيت نفسك أولاً تجد الجواب، أعني: أنك أعرف بعملك منا. فإذا كان يقيس جسم المرأة، ويتحسس عورتها، ويفعل ويفعل ويفعل، بما هو أدرى به منا، فالعمل محرم.

    فالضوابط المحيطة بالعمل هي التي تفيدنا، لكن الذي نفهمه عن العمل الحريمي على الإجمال أنه عمل مذموم جداً، بل محرم إذا باشرت محرماً، أما إذا كانت هناك أشياء أُخر، كأن تكون مثلاً شخصاً محترماً وزوجتك هي التي تأخذ المقاس وأنت تنفذ، فسيبقى علينا الكلام عن التنفيذ، هل تنفذ شيئاً تتبرج به المرأة في الطريق، أم شيئاً محترماً موقراً؟

    ففيها أيضاً ملابسة، الملابسة الأولى: إمساكك المباشر لجسم المرأة، وخلوتك بالمرأة أثناء التفصيل. وعلى فرض أنك اتقيت هذه المسائل بزوجة تأخذ لك المقاسات وأنت تطبق وتنفذ، فالذي تنفذه تُسأل عنه: هل تنفذ ثياباً للمتبرجات يفتن بها الرجال، أو تنفذ ثياباً واسعة أو تلبس في البيت؟ فيأتي الحكم بناءً على طبيعة العمل، والله أعلم.

    حكم النافلة في حق المسافر

    السؤال: رجل يسافر إلى بلاد في عرفنا أن الذهاب إليها يطلق عليه سفر، ويدرك الجماعة في مساجد هذه البلاد، فهل تسقط عنه النافلة؟

    الجواب: النفل الراتب يسقط عن المسافر؛ لقول ابن عمر : (لو كنت مسبحاً لأتممت)، ولأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى النوافل في السفر إلا النفل المطلق، وهو راتبة الفجر والوتر، والله أعلم.

    قصر المسافر للصلاة وإن طالت مدة سفره

    السؤال: إذا كنت من المنصورة وسافرت إلى محافظة أخرى، وأستمر في العمل مدة عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً ثم أعود إلى بلدي، فهل أقصر الصلاة، أم أتم؟ وإذا سئلت عن كيفية الصلاة هل أنصح بالإتمام أم القصر؟

    الجواب: إذا استمر الشخص في العمل في بلدة أخرى وليس له بها دار إقامة فله القصر فيها، فتقصر طالما أنك لم تتخذ بيتاً، أما إذا رجعت إلى البلدة فتتم.

    حكم صلاة الفريضة على الراحلة إلى غير القبلة

    السؤال: كثيراً ما أتعرض للسفر ويأتي وقت الصلاة وأنا في الطريق، فهل أصلي وأنا جالس إلى غير القبلة أم أنتظر وأصليها قضاءً؟

    الجواب: إذا كانت الفريضة سينتهي وقتها تماماً وأنت ما زلت في السيارة، كأن تكون مسافراً قبل الفجر بنصف ساعة، وركبت السيارة والسائق لا يوافق أبداً على أن يوقف السيارة من أجلك، وإذا انتظرت إلى أن تصل لم تصل إلا بعد طلوع الشمس، فصلِّ على ما تيسر لك.. إن كنت متوضئاً صليت على حالك إلى أي اتجاه كنت، وإن كنت غير متوضئ فتتيمم وصل على أية حالة، فلا تترك فريضة كالفجر إلى خروج وقتها.

    أما إذا كانت الصلاة من الصلوات التي تجمع فلك أن تجمع، أما إذا كان الجمع أيضاً سيفوتك، أي: أخرت الظهر إلى العصر والسائق لم يقف إلا بعد المغرب فصلِ حينئذٍ الظهر والعصر على ما تيسر لك.

    وذلك لأدلة منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين : (صلِ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب)، وقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، وقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    حكم القنوت في صلاة الفجر

    السؤال: هل دعاء القنوت في صلاة الفجر بدعة؟

    الجواب: تقدم الحديث على ذلك باتساع، وأن للعلماء فيه أربعة أقوال مشهورة: فريق من العلماء يرى أنه مسنون ومشروع في صلاة الفجر، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله، ومنهم من يرى أنه بدعة، فالمسألة فيها أربعة أقوال، والأمر فيها واسع، والله أعلم.

    حكم الإعلان في الزواج

    السؤال: حدثت خطوبة بإشهار وإعلان بين الناس، وبعدها بعام تم عقد رسمي بدون إعلان أو علم الأهل أو الناس، فهل يصح الزواج؟

    الجواب: إذا كان الزواج بولي وشهود فالزواج صحيح، وبعد ذلك يخبر الناس، أما إذا كان بدون ولي فالزواج باطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل).

    حكم ما ورد من الآثار والقصص عن السلف في الزهد ونحوه وهي لا توافق السنة

    السؤال: بعض الآثار التي ترد عن السلف الصالح رحمهم الله يكون فيها أحياناً مصادمات لما ورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كآثار وردت عن بعض التابعين وبعض السلف الصالح أنه كان يختم القرآن في كل ليلة، أو يقرأ القرآن في ركعة، أو أن بعض الصحابة كانت على خدودهم خطوط من الدموع، يقول السائل: ماذا نفعل أمام هذه الآثار وأمام الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: في الحقيقة أنه سؤال حسن ومن الأهمية بمكان؛ لأن إخواننا الوعاظ والمحاضرين كثيراً منهم يتوسع في هذا الباب توسعات تؤخذ عليه لا له.

    هذه الآثار التي وردت عن السلف الصالح رحمهم الله هي جملة آثار في عدة أبواب: منها: أن بعض السلف كان يضع حصاة تحت لسانه حتى لا يكثر الكلام، وفي بعض الآثار أن بعض السلف كانت على وجهه خطوط من أثر الدموع، وأن واحداً مثلاً كان يجوع وما كان عنده وقت يأكل، ومثل هذا أشياء كثيرة جداً.

    وإذا جئت تزن هذه الأشياء على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام تجد: أولاً: أن الرسول خير الخاشعين وخير البكائين لله سبحانه، فهو سيد ولد آدم، وهو أخشى الناس وأتقاهم لله، ومع ذلك لم يكن على خده خطوط من مجرى الدموع صلى الله عليه وسلم، أيضاً كان أشد الناس انشغالاً بالدعوة إلى الله، ومع ذلك لم يأت أنه ترك الطعام لعدم وجود الوقت، وكان كلامه من جوامع الكلم، ومع ذلك لم يأت بحصاة يضعها تحت لسانه حتى لا يتكلم، إلى غير ذلك مما ورد من أشياء يتعجب الشخص إذا سمعها، فهذه الأشياء على أقسام:

    منها أشياء ثبتت السنة على خلافها أو السنة تضادها في الأصل، فإذا كانت هذه الأشياء تخالفها السنة أو تضادها في الأصل فلا تعتبر من أي شخص كان، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل أبداً أي هدي بهدي رسول الله، فالرسول مثلاً قال في شأن القرآن: (اقرأه في ثلاث ولا تزد على ذلك) هنا نمتثل هذا الهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقرؤه في ثلاث ولا نزيد على ذلك، وإن ورد عن غيره أنه زاد فله اجتهاده الخاص به، ونعتذر له حتى لا يُنال منه، وحتى تحفظ له وجاهته ويحفظ له رأيه، لكن المتبع عندنا هو كلام رسولنا وهدي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالآثار التي فيها مخالفات صريحة لسنة الرسول، فنحن ابتداءً وانتهاءً مع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثانياً: أما الآثار الأخرى التي ليس فيها مصادمات مع السنة، فهذه ورد فيها كثير من هذه الآثار، ولا أعني الأثر بعينه، إنما أعني كثيراً من هذه الآثار: كمن كان له حصاة يضعها تحت لسانه حتى لا يتكلم، فهذه لا أعلم لها إسناداً صحيحاً أصلاً، ولا نعلم لها أسانيد ثابتة، فربما قرأها شخص في كتاب، وليس كل ما قُرئ في كتاب صحيحاً، فعلى شرط أهل الحديث نادراً ما يصح أثر من هذه الآثار، وإذا لم يصح فما فائدة الحديث به.

    ثالثاً: لابد من تخريج هذه الأعمال حتى على فرض صحتها، فأنا مثلاً ممكن في أي وقت من الأوقات آخذ مسألة علمية وأحرر هذه المسألة العلمية تحريراً، والمسألة شاغلة ذهني شغلاً زائداً، أجوع فآكل وعندما أكون في الأكل أذكر ما يخدمني في المسألة فأترك الأكل وأرجع، فأحياناً المرق أحسن لي من اللحم الذي يؤخرني، فتكون حالة عرضت لي فلا أجعلها تأسيساً يؤسس عليه العمل كله، ولا تكون قاعدة يسار عليها أبداً.

    فإذا جاء واحد من إخواننا الأفاضل أو العلماء يدرس هذه المسألة، أو يحث مثلاً على اغتنام الأوقات أو الحرص على الأوقات إذا به يذكر أن من السلف من كان يأكل السمكة بدون أن يطبخها!

    وهذه حالة حصلت وممكن أن تحصل، مثلاً: مهندس كان يرسم لوحة وذهنه مشغول جداً بها فربما يفعل هذا، لكن ليس معنى هذا أنه كل يوم يأكل السمك هكذا، أو طبيب يقوم بإجراء عملية جراحية، ومن الخطر أنه يترك العملية ويمشي، واستمرت معه عشر ساعات أو عشرين ساعة، فالشرع يجوز له أن يجمع بعض الصلوات عند الضرورات القصوى، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً).

    فلا تأخذ أي قول وتجعله قواعد تسير عليها، نحن عندنا سيرة الرسول خير سيرة، مثلاً: ذهب شخص إلى مجلس من المجالس وهو ذاهب متوقع أن هذا المجلس سيحدث به اغتياب مثلاً، أو تحدث به مشكلة أو أي شيء، فقال: ماذا أفعل حتى لا أتكلم في مثل هذا المجلس، وأنا ضعيف وأخشى أن أغلط؟ كما قالت عائشة رضي الله عنها لما خرجت مع الرسول عليه الصلاة والسلام مسافرة، فقالت لها حفصة من باب الاحتيال كي تمكث مع الرسول: (يا عائشة ! ألا تركبين بعيري وأركب بعيركِ تنظرين وأنظر -لأن الرسول كان يحب أن يركب مع عائشة - قالت: نعم أركب، فركبت عائشة بعير حفصة وحفصة ركبت بعير عائشة ، فجاء الرسول إلى بعير عائشة ودخل على الهودج فإذا بـحفصة ، فاستحى الرسول أن يخرج، فبقي مع حفصة في السفر كله، وعائشة تقول: ماذا أصنع؟

    فكانت تضع رجليها في الأرض وتقول: يا رب سلط عليَّ عقرباً تلدغني، نبيك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً، فكانت تنفعل وتدعو على نفسها بأي شيء يحدث لها حتى لا تؤذي الرسول، فأنا لا آخذ من فعلها مشروعية الدعاء على النفس.

    فلا تأخذ هذه الآثار وتؤسس عليها قواعد، فإنك إذا أسست عليها قواعد خالفت سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكثير من هذه الآثار مخارجها لا تتبين، فلابد أن تخرج هذه الأشياء وتوضح للناس حتى لا تفهم على غير وجهها، والله أعلم.

    أحياناً بعض إخواننا يفهم أشياء خطأ، ويطبق خطأ، مثلاً من الملاحظات التي رأيتها مع بعض الإخوة الحريصين على السنة في الظاهر: أنا خرجنا مرة إلى بعض البوادي في بعض الدول، ونحن نقرأ حديث النبي عليه الصلاة والسلام في شأن العرنيين الذين أتوا إلى المدينة وأمرهم الرسول عليه الصلاة بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها، فقام إخواننا الذين يشتكون البطون والذين لا يشتكون، وكلهم أتى بقدر ووضعه تحت الناقة وهي تبول، وأخذ البول وشرب.

    فالمريض معه عذر أنه مريض، ويمتثل حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (اشربوا من ألبانها وأبوالها)، لكن السليم المعافى لماذا يشرب من البول؟ الرسول عليه الصلاة والسلام كان معافى، فهل شرب من البول؟

    فأحياناً الأفهام تأتي على غير وجهها والله أعلم، وجزى الله الأخ السائل خيراً.

    ما أعده الله للنساء في الجنة

    السؤال: يثاب الذي يقوم الليل ويفعل الصالحات بالحور العين، هذا بالنسبة للرجال، فماذا عند النساء؟

    الجواب: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، فكل شيء تشتهيه المرأة المؤمنة في الجنة يعطيها الله إياه، وقد يعفها الله سبحانه وتعالى بلا زوج.

    ضعف حديث (جنبوا أطفالكم المساجد)

    السؤال: ما صحة حديث: (جنبوا أطفالكم المساجد) ؟

    الجواب: حديث ضعيف.

    الآداب الواجبة على زائر قبر الرسول صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما الآداب التي يجب اتخاذها عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: بالنسبة لآداب زيارة المسجد النبوي وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالإجابة واسعة، لكن باختصار: لا تدعو الرسول هناك، لا تقل: يا رسول الله! افعل لي كذا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:5].

    إذا جئت عند قبر الرسول فلا ترفع صوتك: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]، وقل كما كان ابن عمر يفعل: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه)، ثم ينصرف، هذا الذي كان يفعله ابن عمر رضي الله عنهما.

    واحرص على أن تصلي الصلوات في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد، (والمدينة حرم كمكة) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

    حكم قراءة سورة يس على الميت وتوجيهه إلى القبلة

    السؤال: ذُكر في كتاب فقه السنة في أحكام الجنائز جواز قراءة سورة يس على الموتى، وتوجيه الميت إلى القبلة، فما الرأي؟

    الجواب: أما قراءة سورة يس على الموتى فلا يثبت فيها أي خبر عن رسول الله صلى عليه وسلم، ولم يثبت في فضل سورة يس أي حديث، إنما شأنها شأن سائر سور القرآن، كما في الحديث: (من قرأ حرفاً فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها)، إلى غير ذلك من الفضائل.

    أما توجيه المحتضر إلى القبلة، فجمهور الفقهاء على مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة، وبعض أهل العلم الأفاضل كالشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى يعد هذا من بدع الجنائز في كتابه أحكام الجنائز، فكأن الأخ السائل سأل السؤال من أجل هذا، فالشيخ ناصر رحمه الله تعالى استدل بأثر -على ما يحضرني- لـسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وأنه جيء به كيما يوجه إلى القبلة أثناء احتضاره، فقال: أو كنت على غير القبلة قبل ذلك؟ فكأن سعيداً ما أقر على أن يوجه إلى القبلة، فاعتبر الشيخ ناصر التوجيه إلى القبلة بدعة.

    أما الجمهور الذين ذهبوا إلى مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة، بل نقل بعضهم الإجماع على مشروعية ذلك واستحبابه كـالنووي ، إلا أنه استثنى سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، فمن حججهم أحاديث يرى البعض أنها حسنة بمجموع الطرق، كما في قصة البراء بن معرور أنه أوصى أن يوجه إلى القبلة عند موته، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصاب الفطرة)، وهو حديث قابل للأخذ والرد من ناحية الصحة والضعف، فالأمر فيه محتمل إذ له شاهد يجعله عند بعض العلماء يُحسَّن، ومن العلماء من يبقيه في حيز الضعف.

    لكن ورد أيضاً عن عطاء: (أنه سُئل عن توجيه المحتضر إلى القبلة، فقال: سبحان الله! وهل يترك ذلك أحد من المسلمين؟ قد كنا نأتي بالميت نوجهه إلى القبلة، فإذا لم نستطع توجيهه إلى القبلة أدرنا السرير كله إلى القبلة)، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق في المصنف، وأسانيده صحيحة.

    فالأمر في المسألة واسع؛ لكن رأي الجمهور هو التوجيه إلى القبلة، ولا ينبغي أن المسائل التي حدث فيها اختلاف بين أهل العلم نتيجة اختلافهم في تحسين حديث أو تضعيفه أن يحكم على الرأي الآخر بالتبديع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وقوع الطلاق الغيابي شرعاً

    السؤال: إذا طلق الرجل زوجته بلفظ: (أنتِ طالق) أمام رجل دون أن تسمع المرأة كلمة الطلاق؟

    الجواب: يعني الطلاق الغيابي، والطلاق الغيابي يقع؛ لأن فاطمة بنت قيس أرسل إليها زوجها بآخر ثلاث تطليقات من اليمن، فطلاق الغائب يقع.

    حكم إنشاد النساء في الأعراس

    السؤال: في حفلات عرس لأخوات، تقوم بعض الأخوات بإنشاد بعض الأبيات الجميلة، فهل للأخت منا أن تشارك معهن في الإنشاد، علماً بأن الحاضرات قد لا يكن كلهن ملتزمات، فتخرج وتصف ما حدث من أن الأخت فلانة فعلت وكان صوتها جميلاً، وكثيراً ما تتعرض الأخوات المنشدات لذلك؛ لكنها لا تستطيع أن تتأخر؟

    الجواب: فلتنشد الأخت؛ لأن الرسول قال: (يا عائشة ! ماذا كان معكم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو؟)، وعلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أهل المدينة منافقين من الرجال، قال الله سبحانه وتعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ [التوبة:101]، فكان فيها مسلمون في الظاهر وهم في الباطن أهل نفاق.

    وكذلك في أوساط النساء على عهد الرسول لم يكن كلهن صالحات، فمنهن التي تخرج تفشي سر الزوجية تقول: زوجي يفعل معي كذا وكذا، فإذا كانت هذه تفشي سر الزوجية، حتى يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (ذاك شيطان يجامع شيطانة)، أو كما قال: (إن شر الناس منزلة المرأة تفضي إلى الزوج أو الزوج يفضي إلى المرأة ثم ينشر سرها)، إذا كان هذا يحدث على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فأيضاً أخواتنا هنا لسن كلهن معصومات، فالمباح يباح والمحرم يحرم.

    على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثبت أن هناك نسوة كانت أصواتهن جميلة، وهناك نسوة جميلات وحسناوات، وكن يختلطن بنساء المسلمين، فإذا كانت المفسدة متوقعة فاترك الظن واتبع الوارد، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يا عائشة ماذا كان معكم من اللهو؛ فإن الأنصار يعجبهم اللهو؟ ولقنها الرسول هلا قلتِ: أتيناكم أتيناكم.. فحيونا نحييكم) إلى غير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حكم تقبيل المرأة لزوج ابنتها

    السؤال: هل يجوز للزوجة أن تقبل زوج ابنتها؟

    الجواب: كيف تقبله؟ هل تقبل رأسه وتراضيه، فيجوز لها وليس المجال مجال فتنة، أقصد أنه لن تكون هناك شهوة في مثل هذه الحالة، والأصل الإباحة؛ لأنه محرم لها والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.