إسلام ويب

تفسير سورة التغابنللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة التغابن هي إحدى سور القرآن العظيمة، حيث افتتحت بتسبيح الله وتمجيده والثناء عليه، ثم عرجت على ذكر يوم القيامة وهو يوم التغابن الذين يغبن فيه أهل الجنة أهل النار، كما اشتملت هذه السورة على ذكر طاعة الله ورسوله وخطر التولي عنهما، وفي آخرها بينت أعداء الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأن الواجب على الإنسان أن يكون مع ربه ويتقيه حتى يسلم من شرور الأعداء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ...)

    يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن:1].

    هذه السورة هي سورة التغابن، وهي كما قال بعض العلماء: آخر سورة من المسبحات، وقد ورد في فضلها حديث ضعيف تالف الإسناد، ألا وهو: (ما من مولود يولد إلا وتشتبك عند رأسه خمس آيات من سورة التغابن) .

    يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [التغابن:1] أي: ينزه الله سبحانه وتعالى كلٌّ من في السموات ومن في الأرض، عن كل عيب وعن كل نقص، لَهُ الْمُلْكُ [التغابن:1] أي: ملك السموات والأرض وما بينهما، وَلَهُ الْحَمْدُ [التغابن:1] أي: الثناء من جميع الخلائق، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن:1].

    فإن قال قائل: هل يثني ربنا سبحانه وتعالى على نفسه في قوله سبحانه: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [التغابن:1]؟

    فالإجابة: نعم، إن الله سبحانه وتعالى يثني على نفسه وليس لنا أن نثني على أنفسنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لك الحمد أنت كما أثنيت على نفسك)، فربنا يثني على نفسه، أما نحن فقد قال الله سبحانه وتعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ...)

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِن [التغابن:2].

    قال جمهور المفسرين: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِن [التغابن:2] أي: خلقكم فمنكم كفار ومنكم مؤمنون وهم في بطون الأمهات، أو حتى قبل أن تخلقوا في بطون الأمهات، فإن الله سبحانه وتعالى قد مضى أمره وجرت سنته في الخلق، على أن من الخلق من خلق كافراً ومنهم من خلق مؤمناً، قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأعراف:179]، (ذرأنا) أي: خلقنا، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] أي: سبق في علمنا وفي كتابتنا أن لهم الحسنى، (أولئك) عن النار (مبعدون)، وقال الله سبحانه وتعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود المتفق عليه: (فيسبق عليه الكتاب -أي: المكتوب عليه- فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، أو يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، والشقاوة والسعادة مقدرتان.

    فمن أهل العلم من قال: إن قوله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ [التغابن:2] أي: خلق خلقاً هم في أصل خلقتهم كفار، قال عليه الصلاة والسلام عن الغلام الذي قتله الخضر: إنه طُبع كافراً، وخلق خلقاً آخرين في أصل خلقتهم، هم أهل إيمان، وهذا رأي جمهور المفسرين في هذا الباب.

    بينما اختار آخرون رأياً آخر، وقالوا إن معنى قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ [التغابن:2]، لما خلقكم اختار قوم منكم الكفر، واختار قوم منكم الإيمان، وأوردوا شاهداً لهذا، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور:45]، أي: لما خلقها من ماء بدأ بالتقسيمات فقال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور:45].

    واستشهد قائل هذه المقولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، إلا أن الاختلاف حدث في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) ، ما معنى الفطرة؟ وما المراد بها؟

    فرأى بعض أهل العلم: أن المراد بالفطرة: الإسلام.

    ورأى آخرون: أن الفطرة: هي الخلقة التي خلقه الله عليها، سواء كانت الإسلام أو غير الإسلام، وفي هذا تفصيلات أخرى لعلها تأتي في باب أوسع إن شاء الله.

    لكن رأي الأكثرين مبني على أن أصل الخلق منهم كافر في تقدير الله وفي علم الله سبحانه وتعالى، ومنهم مؤمن كذلك في علم الله وفي تقدير الله سبحانه.

    فإن قال قائل: فما فائدة العمل إذاً والأمور مقدرة؟

    قلنا: العمل امتثال لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم لما سأله الشابان الأنصاريان: (ففيم العمل إذاً يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ...)

    قال الله سبحانه وتعالى: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن:3].

    الباء في قوله تعالى: (بالحق)، من أهل العلم من قال: إنها بمعنى اللام، أي: خلق السموات والأرض للحق، فلم يخلقها عبثاً ولا لهواً، بدليل قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:16]، وقوله: مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الدخان:39]، وتقدم مزيد من التفسير لهذه الآية.

    (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) هذه الآية كقوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، ومن أهل العلم من جعل الضمير في قوله تعالى: وصوركم راجعاً إلى آدم صلى الله عليه وسلم؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف:11]، فآدم عليه السلام صور في أحسن تقويم وفي أتم خلق، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً خلق آدم: (خلق آدم وطوله في السماء ستون ذراعاً، فما زال الخلق في تناقص حتى الآن).

    ومنهم من قال: هو راجع إلى ذرية آدم، فربنا سبحانه وتعالى خلقها في أحسن الصور، ليست منكبة على وجوهها في الأرض، ولا تمشي على أربع، بل خلقها معتدلة حسنة الاستواء..

    وقوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن:3]: فيه دليل على أن الذي يصور هو الله سبحانه وتعالى، فليس لك من أمرك أيها الوسيم الجميل شيء، وليس لك من أمرك أيها الدميم شيء، فالذي صورك هو الله، والذي جملك هو الله، والذي خلقك على هذه الخلقة التي أنت عليها هو الله سبحانه وتعالى، فمن ثم لا يزدرى شخص لدمامته، ولا يغالى في حب شخص لوسامته وجماله؛ ولذلك يقول العلماء في تربية الأبناء: لا ينبغي أن تحتقر ولداً من أولادك لقلة جماله ودمامته، ولا أن تغالي في حب ولد لوسامته، فالذي يصور في الأرحام هو الله سبحانه وتعالى: يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران:6]، ثم إنه سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصور والأجساد، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن:3] أي: المرجع والمآب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ...)

    قال سبحانه وتعالى: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [التغابن:4].

    (ذات الصدور) أي: الأمور التي تكنها الصدور ولا تكاد تخرجها حتى لأنفسها، فهي أمور ملاصقة للصدور لا تفارقها، فالله سبحانه وتعالى عليم بها، فثم أمور تسرها أنت وتبالغ في الإسرار بها حتى لا تريد أن تحدث بها نفسك، فالله عليم بهذه الذوات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا...)

    قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التغابن:5].

    النبأ: هو الخبر، أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبل، قوله: فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [التغابن:5] أي: سوء عاقبتهم وعملهم، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التغابن:5] أي: مؤلم موجع.

    قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6]، أي: بسبب تعجبهم لكون الرسول من البشر، ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر:24]، وقوله: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47].

    فكان اعتراضهم على إرسال الرسول من البشر، وقد أجاب الله سبحانه وتعالى على هذا الاعتراض، فقال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9]، قال سبحانه: فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا...)

    زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7]. قوله: (زعم) بمعنى: ظن، والزعم يأتي في كتاب الله وفي سنة رسول الله وفي لغة العرب على معانٍ متعددة: فأحياناً يأتي (الزعم) ويراد به الكذب الصراح، وأحياناً يأتي (الزعم) ويراد به مطلق القول صدقاً كان أو كذباً، وأحياناً يأتي (الزعم) ويراد به القول المشوب بالكذب.

    قالت أم هانئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (زعم ابن أمي -أي: علي رضي الله عنه- أنه قاتل رجلاً قد أجرته يا رسول الله، قال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ).

    فالزعم هنا بمعنى: الظن، وقد ورد في الأثر وبعضهم رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس مطية الرجل زعمه، يعلق عليها كل شيء).

    قوله: أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7] أي: أن لن يكون هناك بعث ولا جمع ولا حساب.

    قال تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي [التغابن:7]:

    هذه إحدى ثلاث آيات أمر الله فيها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه، ألا وهي قوله تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي [التغابن:7] فالواو: واو القسم، والآية الثانية: هي قوله تعالى في سورة يونس: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:53]، والآية الثالثة: هي قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3]، فهي ثلاث آيات في كتاب الله أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقسم فيها بربه.

    قال تعالى: ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    أي: لتخبرن بما صنعتم في دنياكم، وهذا في حق المؤمن، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يدني الله المؤمن يوم القيامة ويضع عليه كنفه ويستره من الناس، ثم يقرره بذنوبه، أعملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا؟ فيقول: بلى يا رب، أعملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا؟ فيقول: بلى يا رب، حتى يظن أنه قد هلك، فيقول الله له: أنا سترتها لك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم).

    وأما الكفار والمنافقون فقال تعالى عنهم: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقال للعبد يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا، فيختم على فيه بعد أن يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم، فيقول الله له: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً منها، فيختم على فيه فتنطق فخذه بما أحدث).

    وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:21].

    فالكل ينبأ بما عمل يوم القيامة، أهل الإيمان ينبئون بما عملوا يوم القيامة، وأهل الكفر ينبئون بما عملوا يوم القيامة، كما قال الله سبحانه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وكما قال سبحانه: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ...)

    قال سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:8-9].

    أما يوم الجمع: فهو يوم القيامة بالاتفاق، ففيه يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجمع نوح ويجمع آدم ويجمع رسولنا ويجمع المسيح ابن مريم ويجمع الخلق كلهم في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، أي: المنادي الواحد يسمع جميع الخلق هؤلاء.

    معنى الغبن

    يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9]:

    التغابن: من قوله: غُبن فلان: أي: خسر، غبن فلان فلاناً، أي: انتقصه من حقه، وجدير بنا هنا أن نبين بعض أحكام الغبن في التجارات؛ إذ هذا محلها.

    فالغبن: أن تشتري سلعة لها ثمن معين، فتشتريها بثمن شديد البخس، مثل سلعة قيمتها مائة، فتشتريها إما بعشرة أو بألف، فإن اشتريتها بألف فقد غبنت أنت، وإن اشتريتها بعشرة فقد غبنت صاحبها، فهذا يرد البيع به عند أكثر الفقهاء، بل ادعى فريق منهم الإجماع على رد السلعة بالغبن الفاحش.

    فمثلاً: متعارف على أن الكيلو السكر بجنيه ونصف أو باثنين، ذهبت إلى بقال فباع منك الكيلو بعشرة جنيهات، فيكون قد غبنك غبناً فاحشاً، فترد السلعة بهذا الغبن الفاحش.

    مثال آخر: طبيب تعارف الناس على أن الكشف الطبي بعشرة جنيهات، فكشف عليك بمائة جنيه، فهذا يسمى غبناً فاحشاً، ولك أن تطالبه شرعاً بالمبلغ الذي زاد على المعتاد، وهذه صورة مستثناة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).

    وكذلك لو أن بيتاً من البيوت قيمته تقدر بمائة ألف فباعه بمليون، فترد هذه البيعة بسبب هذا الغبن الفاحش، إذ هو نوع من أنواع الغش.

    تَرِدْ علينا مسألة هنا أيضاً: هل لتحديد الكسب شيء في كتاب الله، أو في سنة رسول الله؟ هل هناك نسبة للربح في الكتاب أو في السنة؟

    فالجواب: أنه ليس هناك نسبة للربح في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الأمر في هذه المسائل يردُّ إلى الأعراف وإلى تقديرات الناس، فاعتبار الأعراف وتقديرات الناس له جملة من الأدلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأحياناً تبيع السلع وتكسب فيها عشرة أضعافها ولا تكون قد غبنت المشتري، فمثلاً: اشتريت قطعة أرض (الآن) المتر بمائة جنيه، ثم صدر قانون فارتفعت أسعار الأراضي فجأة، فالذي بمائة أصبح بعشرة آلاف، فبعتها بعشرة آلاف للمتر الواحد، فكسبت فيها مائة ضعف، وفي نفس الوقت لم تغش ولم تظلم أحداً.

    أما إذا غررت بشخص، وبعت له السلعة التي هي بواحد فبعتها باثنين، في أحوال معتادة، فتكون قد غبنته، ويرد البيع بسبب هذا الغبن الفاحش.

    فالمسألة إذاً نسبية لا تطرد، بل على حسب الأعراف السائدة، ولتقرير مسألة الأعراف نورد جملة من الأدلة لعلها تنفع في هذا الباب.

    فمن هذه الأدلة: اعتبار الأعراف في مسألة مهر المثل، فمهر المثل له أدلته من كتاب الله ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، فقوله: (إن خفتم أن لا تقسطوا) أي: أن لا تعدلوا مع اليتامى إذا أردتم أن تتزوجوهن، والإقساط مع اليتيمة: أن تبلغ بها أعلى حد في الصداق، فللصداق سنة يقاس عليها.

    وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث بروع بنت واشق : (لها مهر مثلها من غير وكس ولا شطط)، ومهر المثل يقدر بالأعراف السائدة.

    وكذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسيح الدجال، قال: (إن يوماً من أيامه كسنة، وإن يوماً من أيامه كشهر، وإن يوماً من أيامه كجمعة، وإن سائر أيامه كأيامكم، فقالوا: يا رسول الله! هذا اليوم الذي من أيامه كسنة، هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد، قال: لا. اقدروا له قدره) أي: قيسوا الأمور قياساً، فاجعلوا كل زمان يوازي يومكم فيه خمس صلوات، فلا تكفي خمس صلوات في اليوم الذي هو كسنة.

    فاعتبار الأعراف والتقديرات له جملة أدلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ينعكس على مسائل الغبن في البيع أو الشراء.

    غبن أهل الجنة أهل النار في الآخرة

    لو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر التغابن في كتابه، فدل ذكره للتغابن في كتابه على جواز الغبن؟

    فالإجابة: هذا الفهم بعيد عن الصواب؛ لأن الله سبحانه وتعالى اختص يوم القيامة بأنه يوم التغابن، أي: الذي يغبن فيه أهل الجنة أهل النار.

    فكيف يغبن أهل الجنة أهل النار في هذا اليوم؟ قال فريق من المفسرين -وهذا أيضاً مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]- قالوا: إن للكافر مقعدين: مقعداً في الجنة ومقعداً في النار، وإن للمؤمن كذلك مقعدين: مقعداً في الجنة ومقعداً في النار، فإذا دخل المؤمن الجنة أخذ مقعده من الجنة، وبقي مقعد الكافر شاغراً فيأخذه المؤمن، ويأخذ الكافر مقعد المؤمن من النار، فهنا يحدث التغابن، أهل الجنة غبنوا أهل النار بأخذهم مقاعدهم من الجنة، واستيلائهم على مقاعدهم من الجنة، وأهل النار غُبنوا بأخذهم مقاعد أهل الإيمان في النار، فهذا أحد الأقوال.

    الغبن بين المظلوم والظالم في الآخرة

    كذلك يكون هناك تغابن بين أهل الإيمان وأهل المعاصي، وبين الظالمين والمظلومين، فالتعامل هناك بالحسنات والسيئات، فإذا شُتمت في الدنيا وسُببت وضُربت، فإنك تأخذ مقابل هذا السباب وهذا الشتم وهذا الضرب حسنات من شاتمك وحسنات من ضاربك، فترتفع فوقه درجات، وما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وكذلك المظلومون يغبنون الظلمة بأخذ أشياء من حسناتهم، وبأخذ المظالم التي ظلموهم بها حسنات ورفعة في الدرجات يوم القيامة، فالتغابن بين أهل الجنة وأهل النار من ناحية، وبين أهل الظلم والمظلومين من ناحية أخرى، وثم صور أخرى للتغابن يوم القيامة.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) أي: خاسر فيهما كثير من الناس، ومنقوص فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

    اجتماع الحسنات مع السيئات التي دون الكفر

    قال تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار [التغابن:9].

    هذه الآية فيها دليل على أن أهل الإيمان وأهل العمل الصالح لهم أيضاً مع الإيمان والعمل الصالح سيئات ترتكب، وهذا تصديق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم).

    وتصديق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر.. الحديث)، ومن القرآن قوله تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر:35] ففيه دليل على أنهم عملوا أعمالاً سيئة وهم من أهل الإيمان، فلا ينبغي أن يزكي شخص نفسه، والله سبحانه أعلم.

    الرد على المرجئة والمتصوفة

    قول الله سبحانه وتعالى: وَيَعْمَلْ صَالِحًا [التغابن:9] فيه رد على المرجئة الذين يقولون: يكفي قول: لا إله إلا الله بلا عمل، فالله ذكر هنا: (ويعمل صالحاً).

    وفيه أيضاً رد على الصوفية من وجوه: فإن الصوفية يسوون بين المجانين والعقلاء الذين يعملون الصالحات، بل بعضهم يرفع المجنون درجة فوق الذي يعمل الصالحات، ونصوص الكتاب والسنة تدل على خلاف ذلك، فإن جل الآيات في كتاب الله فيها: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ثم يذكر الجزاء بعدها، في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، والمجنون لم يعمل صالحات.

    ثم أمره إلى الله كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعة يدلون بحججهم عند الله يوم القيامة، فذكر النبي منهم: المجنون يقول: يا رب! أتاني الإسلام وأنا لا أعقل شيئاً، فيبتلى بالنار لاقتحامها) على ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهؤلاء المتصوفة الذين يزعمون أن المجانين أفضل من العقلاء، وأن المجانين مرفوع عنهم الحجب والحساب، ومن ثم فهو أفضل من العقلاء، هذا قول مردود بهذه الآية الكريمة.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التغابن:10].

    يلفت بعض العلماء النظر إلى كلمة: (أصحاب)، فالصاحب: هو من طالت مدة ملازمته لصاحبه، فأطلق على الكفار أنهم أصحاب للنار؛ لطول ملازمتهم لها، وكأنهم قد عقدوا صداقات بينهم وبين النار، لكنها صداقات لا تجلب رحمة.

    فكلمة (أصحاب النار) تفيد: طول الملازمة في النار، وكذلك: (أصحاب الجنة) أي: طول الملازمة في الجنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه)

    قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه [التغابن:11]:

    من العلماء من قال: هنا محذوف مقدر فهم من السياق: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) أي: وما أصاب من خير أيضاً إلا بإذن الله، وهي كقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل:81] أي: وجعل لكم كذلك سرابيل تقيكم البرد؛ فقال فريق من العلماء: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه) معها مقدر محذوف مدمج فيها، أي: وما أصاب من خير أيضاً فبإذن الله.

    (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه): أفادت الآية الكريمة ما أفاد غيرها من الآيات، ألا وهو: أن المصائب التي يصاب بها الأشخاص في أبدانهم أو أولادهم أو أموالهم أو أراضيهم؛ كل ذلك مقدر ومكتوب، وقد قال الله ذلك في آيات أخر، ففي سورة الحديد يقول الله سبحانه وتعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]، ثم جاء التعليل من وراء هذا البيان: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23].

    وقوله جل ذكره: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) يفيد المعنى الذي أشرنا إليه: وهو أن الحسنات كذلك مقدرة، والخيرات كذلك مقدرة، وذلك لقوله تعالى: (وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) فما آتاكم مقدر كذلك.. فما آتاك الله من ذكاء، وما آتاك الله من نباهة ذكر، وما آتاك الله من جاه ومال وزوجات وأولاد؛ كل ذلك مقدر لك ومكتوب، فلا تفرح ولا تبالغ في الفرح، فإن الذي قدره لك هو الله، فقم بشكره وأداء حقه.

    قال الله سبحانه: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]:

    قال فريق من أهل العلم: إن المراد بالإيمان بالله هنا: الإيمان بقدر الله، وكما تقدم مراراً أن الاصطلاح الواحد من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتعدد معانيه، لكن يفهم المعنى من السياق الذي ورد فيه، فكلمة: (يؤمن بالله) معناها أعم وأوسع من الإيمان بالقدر، لكن عندما جاءت عقب قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) فهم أن المراد بها الإيمان بالقدر، فأريد بها معنى أخص من معاني الإيمان لكونها جاءت بعد التذكير بالمصائب وبأنها مقدرة، وهذا هو الذي رآه جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]، أي: ومن يؤمن أن المصائب مقدرة ومكتوبة، فيقول كما أمره الله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، ويقول كما علمه رسول الله: (قدر الله وما شاء فعل) ، فهذا يهدي الله سبحانه وتعالى قلبه.

    وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من مخالفة ذلك الهدي في آيات أخر، فقال جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:156] في تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم، وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]، فذكر الله حال الكفار الذين فارقهم إخوانهم وخرجوا غزاة أو مسافرين فماتوا، فيقولون إذا بلغهم خبر موت إخوانهم: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]، ويتأسفون ويتحسرون على ذلك الخروج، فيجلس الكافر مكتئباً يقول: يا ليت أخي ما خرج، يا ليته لم يسافر.

    فنهانا الله عن هذا الاعتقاد السيئ الرديء، فقال: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]، فالله جعل هذا التحسر عذاباً يعذب الله به أهل الكفر، قال: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)

    قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:12]: هذه الآية جاءت عقب قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن:11-12] ، فلقائل أن يقول: ما وجه الربط بين قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن:12] بعد قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن:11]؟

    أجاب بعض العلماء على الربط بين الآيتين من وجه حسن، فقالوا: قد يكسل شخص في العمل، ويقول: ما دامت الأمور والمصائب مقدرة فلا معنى للاحتراز وللاحتياط ولأخذ الحذر، قالوا: فالله سبحانه وتعالى يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن:12]، فأمرنا الله بالعمل بعد أن بيّن لنا أن الأمور مقدرة ومثبتة، ثم حثنا على السمع المصحوب بالطاعة، لا السمع المصحوب بالعصيان كما هو شأن بني إسرائيل.

    قال القرطبي رحمه الله تعالى وغيره من المفسرين: وقد جازف الحجاج بن يوسف الثقفي لما قصر هذه الآية على عبد الملك بن مروان فإنه -أي: الحجاج - تلا هذه الآية الكريمة: (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) وقال: (هذه خاصة بأمير المؤمنين وخليفة الله عبد الملك لا مثنوية فيها)، ففسرها بلا برهان ولا دليل، قال الحجاج بن يوسف الثقفي: (فلو أمرت رجلاً أن يخرج من باب المسجد هذا فخرج من الباب الآخر لاستحللت قتله)، وهكذا كان يفعل إذا أمر بأي أمر وخولف فيه، فكان يرى أن المخالف إما أنه كفر وعليه الرجوع عن كفره أو يقتل -والعياذ بالله-، فقرأ هذه الآية على عبد الملك بن مروان بلا أي مسحة من دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا القصر وهذا التخصيص.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ...)

    قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:12-14]:

    (من) هنا للتبعيض في قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]، فليس كل الأزواج أعداء، وليس كل الأبناء أعداء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير ما يكنز العبد المرأة الصالحة)، وقال: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة)، وقال زكريا عليه السلام: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:5-6]، وقوله: وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]، من أهل العلم من قال: ليست العداوة هنا أن ينصبوا لك العداء بالسيف ولا بالضرب، وإن كان هذا قد يرد في حق أقلية، لكن المراد بالعداوة هنا فعل ما يفعله الأعداء، فالعدو يطلق عليه عدو لفعله -عند بعض العلماء- وليس لذاته إلا في شأن الكفار.

    فقوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن:14] أي: إن من أزواجكم وأولادكم من يفعل بكم فعل أعدائكم من صرفكم عن طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأعداء يصرفوننا عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكذلك من الزوجات من تصرفنا عن طاعة الله وطاعة رسوله، فتتنزل حينئذٍ منزلة العدو، كذلك: إن من أبنائكم من يصرفكم عن طاعة الله وعن طاعة رسوله ، فيتنزل هذا الابن منزلة العدو؛ لصرفه لك عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمؤدى من العدو ومن الزوجة الصارفة لك عن الدين ومن الابن الصارف لك عن الدين؛ مؤدى واحد.

    فـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ [التغابن:14] من يصرفكم عن دين الله، ومن تفتنون به فتصرفون بسببه عن دين الله، ومن تقعون في المحرمات بسببه، فثم امرأة تحمل زوجها على الكسب الحرام إشباعاً لشهواتها وإرضاء لنزواتها، فتفعل بزوجها فعل الأعداء الذين يحملونه على فعل الحرام، وكذلك كم من ابن يحمل أباه على أن يكتسب له من الحرام ويطعمه، فيفعل بذلك فعل الأعداء مع أبيه.

    قال تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن:14]، ما وجه إيراد هذا عقب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]؟

    قال بعض العلماء: إن وجه الربط يتضح من سبب نزول هذه الآية، فإنه ورد في أسباب نزولها من طريق عن عكرمة عن ابن عباس -لكن فيها كلام-: (أن قوماً أرادوا الإسلام فخرجت لهم نساؤهم وخرج لهم أولادهم يرققون قلوبهم ويقولون: لم تفارقونا وتؤثرون علينا غيرنا؟ لم تذهبون إلى محمد هذا الذي به وبه؟ وطعنوا في رسول الله إلى أن أخروهم عن لقاء رسول الله، فلما التقى هؤلاء الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأوا أن إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان قد سبقوهم فحملوا فقهاً كبيراً وسبقوهم في هذا الطريق، قالوا: والله لنرجعن إلى أهالينا وأزواجنا ولنفعلن بهم ولنفعلن، وتوعدوا أهاليهم الذين تسببوا في تأخيرهم عن الإسلام، فأنزل الله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن:14].

    وهذا يتنزل على شخص انتظم مع جماعة من الجماعات التي لا تبني أعمالها على علم شرعي، جلس معها سنوات طويلة فما استفاد إلا القيل والقال، فلما اتجه إلى اتجاه يتعلم فيه كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: لأرجعن إلى من كان يضللني ويصرفني عن كتاب ربي وسنة نبيي صلى الله عليه وسلم فلأعاتبنه ولأزجرنه، كيف جعل غيري يسبقني في هذا المجال! كيف وغيري قد حمل كتاب الله وحمل سنة رسول الله! وأنا ما زلت في بداية طريقي وقد كبر سني ورق عظمي؛ فلأذهبن إليه ولألومنّه ولأستبدن عليه! فالله يقول: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:14-15] أي: اختبار وابتلاء، يبتليكم الله في الأموال ويختبركم فيها وكذلك في الأولاد، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15] فاتق الله في تربية الأولاد وافعل فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد كان رسولنا يسلك مسلكاً رشيداً في هذا الباب: حب وعطف وحنان مع حزم وعدل وإنصاف، صلوات الله وسلامه عليه.

    فلا تهلك نفسك من أجل أولادك، فقد كان رسولنا يحب الحسن أشد الحب، يراه مقبلاً وهو يخطب على المنبر يوم الجمعة، فينزل من على المنبر عندما يرى الحسن والحسين مقبلين وعليهما ثوبان أحمران؛ ينزل من على المنبر ويترك خطبة الجمعة ويحتضن الحسن والحسين ويعلمنا ويقول: (صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] رأيت هذين فلم أصبر)، ويرى الحسن فيحتضنه ويقول: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه).

    ومع هذا كله يرى في فم الحسن تمرة من تمر الصدقة فيستخرجها من فيه، ويقول: (كخ كخ، أما علمت أنَّا آل محمد لا نأكل الصدقة).

    وكان يحب فاطمة حباً جماً، كان إذا أقبل إليها قامت إليه فقبلته وأجلسته، وإذا أقبلت إليه قام إليها فقبلها وأجلسها، ومع ذلك يقول: (والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، هكذا يعلمنا نبينا محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم.

    وقد تعلم منه أصحابه هذا فلم يفتنوا بأولادهم، عمر رضي الله تعالى عنه العدل العادل، يسمع عن ولده أنه شرب الخمر وأقيم عليه الحد، ولكن أقيم عليه الحد سراً، فلا يقتنع بإقامة هذا الحد على ولده، فكما يقام الحد على الناس يقام الحد على ولده، فأرسل إلى عمرو بن العاص بمصر أن أرسل إليَّ ولدي، فأتى به إلى مدينة رسول الله، فأقام عليه الحد على رءوس الأشهاد.

    يقسم عمر الفيء والغنمية فيؤثر أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر ، فيقول ابن عمر رضي الله عنهما: يا أبتِ! كيف تؤثر أسامة عليَّ ولم يسبقني بمشهد في جاهلية ولا في إسلام، فيقول: إن رسول الله كان يحبه أكثر من حبه لك، فلذلك أوثر أسامة عليك!

    فهكذا العدل والإنصاف، لا تضيع نفسك من أجل ولدك، يا مدرس لا ترفع ولدك درجات وتبخس الأبناء الآخرين حقوقهم، فربك سبحانه وتعالى سائلك عما استرعاك؟ لا تجامل زملاءك من المدرسين ولا من الدكاترة في الجامعة، حتى يرفعوا ولدك درجات ويخرج ولدك معيداً وغيره أفضل منه ومتفوق عليه، فهذه من صور الفتن التي يبتلى بها الآباء مع أبنائهم، يحمل الابن أباه على الكسب المحرم من أجل إشباع الرغبات، آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا [النساء:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ..)

    قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16]:

    هذه إحدى الآيات في رفع الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي اختصها الله سبحانه وتعالى برفع الحرج عنها، وبعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لوضع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم من قبلنا، كما قال تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، فرسولنا بعث، ومن بعثته وضع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم من قبلنا، فالحرج موضوع عن أمة محمد.

    ومن العلماء من قال: إن هذه الآية ناسخة لقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    وبعضهم رام الجمع، ولذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلمنا فيما يعلمنا أن نرفع عن أنفسنا العنت والحرج، كما في دعاء سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)، فقد لا تستطيع أن تقوم على عهد الله وبعهد الله، ولا تستطيع أن تقوم بوعد الله كذلك، فتلقين رسولنا صلى الله عليه وسلم لنا: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)، حتى إذا صدر منا خلل يجبر بقولنا: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت).

    وقد بايع بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، قال: (فلقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما استطعت) ، أي: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطعت، وكذا قال ابن عمر عند بيعته لبعض خلفاء بني أمية: (أبايعك على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما استطعت)؛ فهذه الآية من الآيات التي ترفع الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    والآيات في هذا الباب متعددة وكثيرة، وفي الحقيقة أنها عمومات يعمل بها عند أي إشكال أو خارج عن حد الاستطاعة، فكل أمر أمرت به وخرج عن حد طاقتك واستطاعتك فانتقل إلى المرحلة التي بعده، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، وفي بعض الروايات: (فأومئ إيماءً) ، توضأ بالماء، فإن لم تجد الماء فتيمم صعيداً طيباً، فإن لم تجد الصعيد الطيب فصل صلاة فاقد الطهورين بلا ماء ولا صعيد.

    إذا سافرت فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن صلاة النافلة على الراحلة حيثما توجهت بك، لكن إذا جاءت الفريضة فانزل، فإذا لم تستطع النزول فصل الفريضة على ما تيسر لك، وإذا كنت في قطار ولم تجد ماء تتوضأ به، فاضرب يديك على الكرسي وتيمم بالتراب الذي عليه، وإذا لم تجد تراباً ولم تجد ما تتيمم به فصل على حالك: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] والآيات في هذا الباب كثيرة متعددة.

    وكذلك الأحاديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وليس ذلك في أمر العبادات فحسب بل في سائر التكاليف، كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، قال فريق من أهل العلم: إن هذا في الأوامر ولا يتطرق إلى النواهي؛ لأن النواهي الأصل فيها الترك، لكن الأوامر تحمل التكاليف، فافعل منها ما استطعت.

    وفي الحقيقة هناك مسائل لا يفتى فيها بصفة خاصة بناءً على دليل خاص فيها، ولكن يعمل فيها بعمومات، فمثلاً: حد الإكراه وحد الاستطاعة يختلف من شخص إلى شخص آخر، فلذلك تجد فتاوى وأقوال العلماء تتنوع وتتعدد في كثير من المسائل، فقد تذهب إلى شخص من أهل العلم وتستفتيه في مسألة، وتذكر له من حالك وملابساتك ما يحمله على إعطائك فتيا تتناسب مع حالك، وتذهب إلى عالم آخر وتقصر في عرض المشكلة فيعطيك فتيا تتناسب مع حالك الذي قصرت في بيانه، فتذهب وتزعم أن الفتيا قد اختلفت من عالم إلى آخر، وأنت الذي قصرت في الإبراز، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    ولذلك تجد فتاوى الأئمة كـالشافعي وأحمد رحمهما الله تتنوع وتتعدد والسؤال الموجه واحد، لكن أحد الأشخاص يكون قد استرسل في بيان حاله والثاني قصر في بيان حاله، وهي مسائل دقيقة لا يعقلها إلا العالمون، والله أعلم.

    قال تعالى: وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن:16]، وهذه دعوة كان ابن عوف يدعو بها في طوافه، طاف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حول الكعبة، فكان يقول في دعائه: (رب قني شح نفسي، رب قني شح نفسي، فقال له قائل: يا عبد الرحمن ! لِمَ تكثر من هذه الدعوة؟ فقال: إنك إن وقيت شح نفسك فقد أفلحت كل الفلاح).

    قال فريق من المفسرين: إن الشح هو البخل، وقال آخرون: إن الشح هو أشد البخل؛ إذ هو البخل بما هو في يدك وبما في يد غيرك، فقد تبخل بمالك فيقول لك شخص: خذ هذا المال فأعطه لفلان، فأنت مكلف بإعطاء المال وليس هو مالك، فتبخل أيضاً بإعطاء المال للآخرين مع أنه ليس بمالك، وقد يأتيك شخص ويقول لك: أعط هذه الصدقة للفقراء، فتضن بها على الفقراء، صحيح أنك لا تأخذها لنفسك ولكن تضن بها، فتقول: كيف أعطي هؤلاء؟ وتماطل في العطاء.

    فمن العلماء من قال: إن الشح هو البخل، وقال آخرون: الشح هو البخل مع الحرص، وقال آخرون: هو البخل بما في يدك وما في يد غيرك، والله أعلم.

    كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى في حديث: (الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به له النصف)، أي: الخازن الأمين في بيوت أقوام أثرياء، يضعونه على مخزن البيت خازناً فيقال له: أعط فلاناً وأعط فلاناً، فمن هؤلاء الخزنة خازن يتضايق ويتبرم إذا قال له صاحب المال: أعط فلاناً وفلاناً، مع أنه لا يعطي من مال نفسه، ومنهم خازن ينشرح صدره، إذا قال له سيده: أعط فلاناً وفلاناً، فهذا تفسير ثالث للشح.

    ومن العلماء من وسع دائرة الشح فقال: إن الشح لا يقتصر على المال بل يمتد إلى غيره من سائر الحقوق والمتعلقات، كما قال الله في شأن الزوجين المتخاصمين على شيء: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، وهذا ليس في المال، بل في امرأة ورجل، امرأة كانت تحت رجل فتزوج عليها وآثر الزوجة الثانية عليها ولا حاجة له في الزوجة الأولى، فأراد أن يطلقها فقالت: لا تطلقني، أنت في حل من شأني.. لا تقسم لي أياماً، فهو يقول في نفسه: لماذا أمسكها ولا حاجة لي فيها؟ لماذا أنفق عليها ولا حاجة لي فيها؟ وهي الأخرى تقول: لماذا لا يعدل بيني وبين الزوجة الجديدة وأنا زوجته؟ فتشح بنصيبها منه، وهو يشح بالمال الذي ينفقه عليها، فيقول الله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، فمن العلماء من وسع تعريف الشح، فيقول: هو أعم من الشح بالمال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا...)

    قال تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17] أصل القرض: القطع والجز، فكما يقال مثلاً: فلان قرض شيئاً، أي: قطع شيئاً، ويقال في التعبير اللغوي: الفأر قرض كذا، أي: قطع منه شيئاً.

    فالقرض هو القطع، فمعنى: (إن تقرضوا الله) إن تقتطعوا من أموالكم شيئاً وتقرضونه لله، وهذا مقيد بالقرض الحسن، فلا تقرضوا قرضاً من الربا أو السرقة.

    قال: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [التغابن:17]، فلماذا قال: (تقرضوا)، والله سبحانه وتعالى صاحب الفضل وإنما جعلنا مستخلفين في هذا المال، وهو الذي يعطي ويهب؟

    قال فريق من أهل العلم: إن القرض أطلق هنا؛ لأن الله وعد برده مضاعفاً وبالإثابة عليه، فلذلك جرت الصدقة مجرى القرض، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    الشاهد: أن القرض قيد بأنه قرض حسن، وفي الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    قال تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ [التغابن:17]، كم حد هذا التضعيف؟

    بعض العلماء حاول أن يقيد التضعيف بسبعمائة ضعف، وقال: هذا أكثر ما ورد صريحاً في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن غيره من العلماء أطلق وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب كعدل التمرة، فإن الله يتقبلها ويربيها له حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم) والجبل بالنسبة للتمرة أكثر من مئات الألوف بل الملايين من الأحجام، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال تعالى: وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17] أي: شاكر لأفعالكم التي تصنعونها ابتغاء وجهه، شاكر لنفقاتكم التي تنفقونها ابتغاء وجهه سبحانه وتعالى.

    وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17]، لا يعاجل بالعقوبة، فإذا أخطأت لم يعاجلك ربك سبحانه وتعالى بالعقوبة، وقد ورد في هذا الباب حديث، وللعلماء في تحسينه وتضعيفه قولان، ألا وهو: (إن ملك السيئات يرفع يده عن كتابة السيئة ست ساعات، فإن فاء المذنب وإلا كتبها)، فبعض أهل العلم يورد هذا الحديث عند تفسير صفة الله سبحانه وتعالى الحليم، ولا يتعارض هذا مع قول الله سبحانه وتعالى -كما في الحديث القدسي- لملائكته: (إذا هم العبد بسيئة فارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له سيئة) فقوله: (فاكتبوها له): لا تفيد الكتابة المباشرة؛ فتحمل على الكتابة بعد هذا الوقت المحدد، جمعاً بين الدليلين، والله تعالى أعلم.

    وقوله: وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17] فيه إثبات صفة الحلم التي هي عدم المعاجلة بالعقوبة، وهي من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها العباد، فلله صفات ينبغي أن يتحلى بها العباد، وصفات لا يشاركه فيها غيره: (العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قذفته ناري).

    أما صفة الحلم فيحبها الله سبحانه وتعالى في عباده، فثم صفات لله يحبها في عباده: (إن الله جميل يحب الجمال)، الله كريم يحب الكرماء، الله رحيم يحب الرحماء، الله حليم يحب الحلماء من عباده.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأشج عبد القيس : (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: الحلم والأناة)، وهذا ثابت في صحيح مسلم وفي غير مسلم بعض الزيادات: (أنا جبلت عليهما يا رسول الله أم تخلقت بهما؟ قال: بل جبلت عليهما)، فالشاهد: أن صفة الحلم صفة يحبها الله سبحانه وتعالى في عباده، فلا تتعجل بإنزال العقوبات، بل تأنَّ وتريث، فالتؤدة في كل شيء خير، والله أعلم.

    قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [التغابن:18].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    صحة الصلاة في مسجد معزول عن القبر

    السؤال: بجوارنا مسجد كان يضم ضريحاً، ثم لما أرادوا هدم المسجد وبناءه من جديد، وقف بعض الإخوة وأقنعوا المهندس بنقل الضريح عن المسجد، فاقتنع بذلك ورفض الأهالي، فأقنعهم أن القبر قديم وسبَّب ضرراً للمسجد، ثم بني المسجد مفصولاً عن القبر، وأصبح لكل منهما بناء منفرد، وكان المسجد قديماً متخذاً على القبر، والآن أصبح مسجداً جديداً غير متخذ على القبر، فهل تجوز الصلاة فيه، علماً بأن الإخوة عادوا للصلاة فيه؟

    الجواب: تجوز الصلاة في المسجد، إذا أصبح المسجد مستقلاً عن القبر، والله أعلم.

    جماع الحائض والنفساء

    السؤال: رجل جامع زوجته أثناء نفاسها ولكنه لم يباشرها، مع العلم أنه كان حريصاً على أن لا يباشرها؟

    الجواب: إذا جامع الزوجة أثناء النفاس أو أثناء الحيض فهو آثم، وكفارة هذا الإثم: فعل ما استطاع من خيرات.

    أما كونه آثماً فلأن النفاس يجري مجرى الحيض، والله يقول في شأن الحيض: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، وقد جاءت أحاديث مضطربة تفيد أن الكفارة دينار أو نصف دينار أو ربع دينار، فنرجع إلى الأصل أن الإثم يكفر بعمل صالح؛ لقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).

    التفصيل في مسألة التورق

    السؤال: ما حكم من يشتري شيئاً بثمن غالٍ أو بثمنه الأصلي بالشيكات، ثم يبيعها بأقل من ثمنها ليأخذ ثمنها مالاً، وما حكم من اشترى من هذا الرجل الأخير؟

    الجواب: مثال هذا: رجل ذهب واشترى سيارة بمائة ألف جنية بالتقسيط، وأخذ السيارة وباعها بثمانين ألف جنيه نقداً كي يتصرف في الثمانين ألفاً، فليس عندنا دليل يمنع، إلا أن من العلماء من قال: هذه المسألة تسمى التورق، ومنعوها إلحاقاً ببعض أبواب الربا، لكن ليس عندنا دليل صريح بالمنع، ما دام لم يبعها للشخص الذي اشتراها منه، أما إذا باعها من الشخص الذي اشتراها منه، فتكون حينئذٍ بيعتين في بيعة، وهي التي حرمها جمهور العلماء، والله أعلم.

    السؤال: إذا كان هناك تواطؤ منهما؟

    الجواب: إن كانت هناك حيلة أو تواطؤ على الربا فهو حرام.

    جواز تنازل الزوجة عن قسمها للزوجة الأخرى

    السؤال: إذا أرادت امرأة أن تتزوج من رجل متزوج بأخرى، ورضيت أن يقسم لها يومين في الأسبوع وللأولى باقي الأسبوع كي ترضيه وترضيها، وهي أيضاً راضية، هل في ذلك إثم؟

    الجواب: ليس في ذلك إثم، فقد تنازلت سودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن يومها لـعائشة .

    حكم الملاكمة

    السؤال: ما حكم الملاكمة؟

    الجواب: الملاكمة فيها ضرب في الوجه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه)، وفيها تكشف وتعر كما هو واضح.

    حكم التماثيل

    السؤال: ما حكم تماثيل أبي الهول وغيره؟

    الجواب: هذه التماثيل من المفروض أن تهدم، ففي الحديث: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته)، لكن من الذي يهدمها؟ لا نستطيع ...

    حكم مباشرة المرأة العمل

    السؤال: تقول السائلة: مرتبها مائة وعشرون جنيهاً، وزوجها يأخذ للبيت ستين جنيهاً ويتبقى لها ستون جنيهاً، هي مواصلات، ولكنه الآن غضبان يريد أكثر من الستين، تقول: مع العلم بأن مبلغ الستين لا يكفيني وحدي، فماذا أفعل؟

    الجواب: الأصل أن العمل لا يجب عليها بالإجماع، والإجماع منعقد على أن نفقة المرأة واجبة على الرجل، فهي الآن تعمل وتنفق، وتعطيه ستين جنيهاً ولكنه طماع.

    حكم حديث أبي أميمة في تفسير قوله تعالى: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)

    السؤال: عن أبي أميمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:16-17]، قال: يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعائه حتى يخرج من دبره).

    الجواب: إسناد الحديث ضعيف، لكن معناه قال به جمهور المفسرين.

    حكم الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم بتفسير المهل بعكر الزيت

    السؤال: ما صحة الحديث في معنى قوله تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:8]، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كعكر الزيت).

    الجواب: هذا الحديث حسنه كثير من العلماء.

    صحة حديث: (لا ضرر ولا ضرار)

    السؤال: ما حديث: (لا ضرر ولا ضرار).

    الجواب: صحيح.

    الطلاق بيد الزوج

    السؤال: هناك زوجة ثانية لأخ ملتزم، وكان زواجها خفية عن أهله؛ لأن زوجته الأولى قريبة له، ولما عرف أخوه الأكبر طلب منه أن يطلقها، وهي رافضة هذا الطلاق؟

    الجواب: إذا طلقها فقد وقعت؛ لأن الأمر بيده.

    نقض عقد الزواج بسبب سب الزوج دين الزوجة

    السؤال: زوجة سب زوجها الدين مرتين بلفظ: عند دينك، والآخر: بدين أهلك، فهل هذا السبب ينقض العقد؟

    الجواب: إذا تاب الزوج من هذا السباب فالعقد صحيح.

    حكم اقتناء الصور للذكرى

    السؤال: ما حكم تصوير الصور للذكرى دون حاجة؟

    الجواب: تصوير الصور للذكرى حرام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعن الله المصورين)، ويقول: (لا تدع صورة إلا طمستها)، ولم يتصور الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نتذكره، وكان الفنانون الذين يصنعون التماثيل موجودين على عهده صلى الله عليه وسلم ولم يصوروا له صورة، صلى الله عليه وسلم.

    بقاء الزوجة عند زوج يصلي أحياناً

    السؤال: زوج يصلي أحياناً ويترك الصلاة أحياناً، هل أفارقه أم لا؟

    الجواب: الزوج الذي يصلي أحياناً ويترك الصلاة أحياناً مسلم آثم، متوعد بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، وبقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله).

    لكنه في التقعيد الكلي مسلم؛ لأنه ليس بجاحد، وهذا رأي الجمهور فيه، فهل تبقى زوجته معه على هذا الوضع، أم تفارقه؟ فابتداءً: أصل المسألة فيها خلاف، فالحنابلة يرون الكفر، لكن الجمهور يرون أنه مسلم وهذا الذي ندين الله به.

    ويبقى: هل تفارقه أم لا تفارقه؟ هذا يتأتى على مسألة المفاسد والمصالح المترتبة على الزوجة، فإن كانت ترى أن من مصلحتها المفارقة، وأن لها أهلاً يقومون بها وتتزوج أفضل منه، ففي هذه الحالة تفارقه ولا تبالي فليس له كبير قيمة، أما إذا وجدت أن المفارقة فيها مفسدة لها، فلا تفارقه، فهو مسلم داخل في عداد المسلمين، ولتصبر ولتكثر من تذكيره ونصحه، والله أعلم.

    حديث الإعانة على حفظ القرآن

    السؤال: ما حال حديث الإعانة على حفظ القرآن الكريم: عن عبد الله بن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره بحديث حفظ القرآن

    الجواب: ضعيف.

    معنى حديث: من مات وليس في عنقه بيعة

    السؤال: ما حال حديث: (من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية

    الجواب: هذا في الإمام الذي اتفق عليه المسلمون وأشاروا عليه بالإصبع، وقوله: (مات ميتة جاهلية)، ليس معناها أنه مات على الكفر، إنما معناها: مات كما يموت أهل الجاهلية الذين كانوا يستنكفون من تأمير شخص عليهم، فأهل الجاهلية كانوا لا يحبون أن يكون عليهم أمير أو كبير، وكل واحد يحب أن يفعل الذي في رأسه، فالالتزام لم يكن عندهم، فمعنى: (مات ميتة جاهلية)، أي: كما يموت أهل الجاهلية الذين يأنفون من اتخاذ الأمراء، ولكن ليس معناه أنه يكفر.

    مراعاة المصالح والمفاسد في الزوجة مع زوج يصلي أحياناً

    السؤال: ما حكم المعيشة مع زوج يصلي بعض الأحيان؟

    الجواب: المسألة لا نستطيع أن نصدر فيها حكماً عاماً، إنما يختلف من حال امرأة إلى أخرى على حسب المفاسد والمصالح، فكل واقعة أوكل زوجة لها ملابساتها الخاصة، لكن التقعيد الكلي أنه مسلم، والمعيشة معه جائزة على رأي الجمهور مع اعتبار أنه جليس سوء، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير)، لكن فرق بين تحريم المعيشة معه وبين اختيار الأفضل والأولى، فالمسألة مبنية على المفاسد والمصالح، والله أعلم.

    رؤيا النبي في المنام بدون لحية

    السؤال: امرأة رأت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها ووصفته وصفاً دقيقاً، إلا أنها قالت: إنها لم تره بلحية، فهل هذا يكون من تلبيس إبليس، أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يرى ناقصاً منه بعض صفاته؟

    الجواب: إذا رأيت شخصاً ليس ملتحياً، قال فريق من المفسرين: ليست بمذمة؛ لأن أهل الجنة قال الله فيهم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية:8]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنهم يحشرون جرداً مرداً)، فأهل الجنة مرد ليس لهم لحى، وخاصة صفة اللحية إذا لم ترها في شخص، لكن استوفت سائر شروط الرسول صلى الله عليه وسلم، من ناحية الوصف أنه أبيض، ومن ناحية الطول، ومن ناحية الوصف العام الذي ورد في رسول الله، فمن العلماء من يتجوز في مسألة اللحية لهذه الصفة، يقول: إن أهل الجنة مرد، والله أعلم.

    استحضار النية عند الاغتسال

    السؤال: هل يلزم النية عند الغسل عموماً وعند الغسل من الجنابة خصوصاً؟

    الجواب: نعم (الأعمال بالنيات).