إسلام ويب

تفسير سورة المجادلة [2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين سبحانه وتعالى في سورة المجادلة أنه يعلم ما يتناجى به الناس، سواء كانوا ثلاثة أو أقل أو أكثر، وهذا دليل على سعة علم الله وإحاطته بخلقه. وبين كذلك أن النجوى من الشيطان، وأن الهدف منها إحزان المؤمنين وهمهم وغمهم، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن النجوى، لكن اليهود والمنافقين لم ينتهوا عنها، وتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وأمر الله سبحانه المؤمنين بأن يتناجوا بالبر والتقوى. ثم بين سبحانه وتعالى أدب المجالس والإفساح لأهل العلم والفضل، وذلك لمكانتهم العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، حيث رفع درجاتهم في الآخرة، وبوأهم المكانة العظيمة في الدنيا، وأمرنا الشرع أن ننزل الناس منازلهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات...)

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] .

    قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ [المجادلة:7]، وفي ختام الآية: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] ، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: بدأت الآية بالعلم، وختمت بالعلم: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [المجادلة:7] فحمل فريق من المفسرين قوله تعالى: وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] على أن المعية في الآية الكريمة معية علم، أي: يعلم أحوالهم، فيكون التأويل: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم يعلم أحوالهم، وليس المراد: (معهم) أو (رابعهم) بذاته سبحانه وتعالى، فقد قال الله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال سبحانه: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:16]، ولما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية قائلاً لها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة).

    فبعض أهل البدع من شبههم التي يثبتون بها أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان هذه الآية: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:84].

    فقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] أي: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود، أي: معبود في السماء، ومعبود في الأرض، أي: يعبده أهل الأرض، ويعبده أهل السماء، وهذا من قولهم: ألهت إلى فلان، فعلى ذلك فهذه الآية التي بين أيدينا لا دليل فيها لمن ذهب إلى أن الله في كل مكان، كما هو مذهب طائفة من المعتزلة والمبتدعة.

    ثم إن قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] أي: يعلم مناجاتهم التي يتناجون بها.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [المجادلة:7]، تقدم أن الرؤية أحياناً تأتي بمعنى العلم، نحو: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة:243]، ليس المراد: رؤيا البصر، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ير الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وكذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [البقرة:246]، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما رأى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، فالمراد بالرؤيا هنا: العلم، أي: ألم يأتك خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؟ وثم أقوال أخر.

    حقيقة المعية في الآية وأقسامها

    قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] أي: يعلم الشيء الذي يتناجون فيه، ومن العلماء من ضم إلى معية العلم معية الرؤية والإحاطة والسمع كذلك، فالله يعلم سرهم ويعلم نجواهم ويراهم، ويعلم ما تكنه صدورهم وما يعلنون.

    والمعية معيتان: معية نصر وتأييد، ومعية علم وإحاطة.

    فمعية العلم والإحاطة عامة، فبهذا المفهوم الله سبحانه وتعالى مع كل من يتناجى أو لا يتناجى، يعلم سره ويعلم حاله، لكن قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] المعية هنا معية نصر وتأييد، وكذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر رضي الله عنه في الغار: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، فـ (لا تحزن إن الله معنا) معية نصر وتأييد وعلم وإحاطة أيضاً، لكن في شأن الكفار تنتفي معية النصر والتأييد، فلا يقال: إن الله مع الكافرين، ولا إن الله مع الظالمين، وبهذا تتضح معاني المعية، فهي معيتان: معية نصر وتأييد وهي لأهل الإيمان، ومعية علم وإحاطة وهي عامة لأهل الإيمان وأهل الكفر، والله سبحانه أعلم.

    حقيقة النجوى وتفسيرها

    قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ [المجادلة:7]، النجوى: هي التناجي وهي الحديث في السر، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن النجوى فذكر: أن أقرب ما تفسر به النجوى هو ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يدني الله سبحانه وتعالى المؤمن يوم القيامة -أي: يقرب الله المؤمن منه يوم القيامة- ، ويضع عليه كنفه ويستره عن الناس، ثم يقرره بذنوبه: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! فيقول الله سبحانه: أنا سترتها لك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، وأما الكفار والمنافقون فكما قال الله: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18].

    فالتناجي هو الحديث في السر، وأغلب ما يتناجى به الناس فيه إثم وعدوان، قال الله سبحانه: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114]، أكثر الأحاديث التي يتناجى بها الناس لا خير فيها، لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] أي: معية علم وإحاطة أيضاً.

    ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [المجادلة:7] أي: ثم يخبرهم بما صنعوا وما تحدثوا يوم القيامة، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى...)

    وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ [المجادلة:8]، من هؤلاء الذين نهوا عن النجوى؟ وما هي صورة النجوى التي نهوا عنها؟

    لأهل العلم في ذلك أقوال:

    من هذه الأقوال: أن هناك عمومَ نهي عن النجوى، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر؛ فإن ذلك يحزنه)، ويلتحق بذلك إذا كنتم أربعة فلا يتناجى ثلاثة دون الرابع، وكذلك إذا كنتم عشرة فلا يتناجى تسعة دون العاشر؛ لأن الحزن وارد بصورة أكبر في التسعة إذا تركوا الواحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر فإن ذلك يحزنه)، ونحن مأمورون بدفع كل ما يحزن المسلم، كل شيء فيه جلب الحزن للمسلمين أمرنا بالابتعاد عنه، وكل شيء فيه إدخال السرور على المسلمين أمرنا بفعله، وجاء الترغيب فيه والحث عليه، ومن ثم شرعت المواساة بعيادة المرضى وبالتعزية للجنائز، وبالزيارات ابتغاء وجه الله، وبالهدايا التي تدخل السرور، وبإفشاء السلام الذي يجلب المودة ويدفع الهموم ونحو ذلك.

    لقد كان أهل النفاق يجلسون مع بعضهم البعض يتحدثون جهراً، فإذا مر بهم مسلم من المسلمين تناجوا فيما بينهم وتركوا المسلم، فيغتم لذلك المسلم، ويظن أنهم يريدون به السوء، ويظن أنهم يتحدثون في أمر من الأمور التي ستجتاح المسلمين، فيصاب بالحزن وبالهمّ لهذه المناجاة، وكان اليهود أكثر من يستعمل ذلك على عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يجلسون مع بعضهم البعض وإذا مر بهم المسلم بدءوا في التناجي، ولا حاجة لهم إلى التناجي؛ ولكن يتناجون كي يغتم المسلم، ويجلبوا له الهم والنكد، فيفكر المسلم ويقول: ماذا يريدون بي؟! لعلهم يتآمرون لقتلي لما علموا بسفري! فيغير خط سيره في السفر، لعلهم يتحدثون عن مؤامرة ضد المسلمين فيغير أعماله، فكان قصدهم من التناجي هو إيذاء المسلمين بصورة من الصور.

    فعلى ذلك قد يتجه بعض إخواننا إلى هذا التناجي المذموم، وخاصة في أوساط النساء اللواتي يتحدثن سراً، وتريد امرأة أن تكيد أخرى فتجلس وتناجي ثالثة، فكل هذا سلفه اليهود، هم الذين بثوا هذا الأذى في المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    الفرق بين الإثم والعدوان

    قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة:8]، الإثم: هو الذنب الذي يقترفه الشخص في حق نفسه، والعدوان: هو الذنب الذي يقترفه الشخص في حق الآخرين، وهو من باب التعدي.

    ومنه قول الله سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    ولكن كما سمعتم آنفاً: أن اصطلاح الإثم قد يتسع ويحمل المعنيين: فيحمل معنى الذنوب التي يقترفها الشخص في حق نفسه، ويحمل معنى التعدي على الآخرين، ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32]، فكبائر الإثم تدخل فيها الجرائم التي فيها تعدٍ إلى الآخرين، من سطو ونصب وغش ونحو ذلك.

    وقوله: وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:8]، أي: يتواصون فيما بينهم بمعصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتواصون فيما بينهم بالتشويش على القرآن كما قال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، أي: شوشوا عليه حتى لا يستمع إليه.

    الدلالة على كون الآية نزلت في اليهود وبيان مكرهم وسخفهم

    وقوله تعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8]وهذا يؤيد أن الآية في اليهود؛ لأن اليهود كانوا يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يحيه به ربه، كان أحدهم يأتي ويقول: السام عليك يامحمد! أي: الموت واللعنة والهلاك عليك يامحمد! فهذا مضمون قوله تعالى: وإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8]، وفي الصحيح (أن عائشة : كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه قوم من اليهود فقالوا: السام عليك يا محمد! فقالت: وعليكم السام واللعنة! فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قد سمعت، وقلت: وعليكم، فيستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا)، هكذا قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا معني قوله تعالى: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء:46]، فكانوا يلوون ألسنتهم بالسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحولون السلام إلى مقصد آخر ذميم وهو اللعن والهلاك.

    وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8] فيؤخذ من الآية: أنه ينبغي بل يتعين على المسلمين أن يحيي بعضهم بعضاً بما حياهم الله به، تحيتهم وتحية أبيهم آدم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهي أتم صيغة، وعليها ثلاثون حسنة، ودونها: السلام عليكم ورحمة الله، ودونها: السلام عليكم، هذه تحية المسلمين.

    وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8].

    هذه الآية فيها تسلية للمؤمنين، وتصبير لكل مبتلى، وما هو وجه ذلك؟

    وجهه أن الله سبحانه وتعالى ذكر مقالة اليهود إذ قالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، أي: أن اليهود يقولون في أنفسهم: نحن نسب محمداً وندعو عليه باللعنة، وندعو عليه بالهلاك، فإذا كان محمد نبياً فلماذا لم يعذبنا الله بسبنا لمحمد، وبشتمنا لمحمد، وبدعائنا على محمد باللعنة والهلاك؟! فهذا حاصل قولهم لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8]، فأجابهم الله بقوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]، أي: تكفيهم جهنم.

    مردّ تعجيل العذاب للمجرمين وتأخيره إلى الله سبحانه

    فالآية الكريمة أفادت أنه ليس كل مذنب يعذب في الدنيا، ولا يلزم أن يعذب كل مجرم في الدنيا على جرائمه، بل قد يدخر العذاب للمجرمين إلى يوم القيامة، فأنت -يا مسلم- قد يظلمك شخص، فتقول: ها هو جالس يظلمني، يضربني، ويأكل مالي، وينتهك عرضي، فلماذا لم يعذبه الله سبحانه وتعالى؟! ولماذا يتركه الله سبحانه وتعالى ويمد له من النعيم مداً؟!

    فالإجابة: أنه ليس كل ذنب تعجل عقوبته في الدنيا، بل هناك من الذنوب ذنوب تؤخر وتدخر لأصحابها العقوبات إلى الآخرة، ونحو ذلك ورد في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] قال كثير من المفسرين: إن الذين خدوا الأخاديد للمؤمنين، وأضرموا فيها النيران وقذفوهم فيها، لم يذكر أنهم عذبوا بعذاب صريح في الدنيا، فعلى ذلك فعذابهم مدخر في الآخرة.

    وقد قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] قولاً مرجوحاً مطروحاً وهو: أنهم بعد أن قذفوا المؤمنين في النار تطاير عليهم من شررها فأحرقهم وهم قعود ينظرون إلى أهل الإيمان، ولكنه قول مطرح، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    فالشاهد: أنه ليس كل مجرم يعذب في الدنيا، بل قد يدخر العذاب للمجرمين في الآخرة؛ ولذلك لما قالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، أجابهم الله بقوله:حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8].

    فليس للمسلم من أمره شيء، فقد يدخر الله العذاب لظالمه وقد يعجله، ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من ظلموه باللعنة فقال (اللهم! العن فلاناً وفلاناً، نزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128])، وكما في الآية الأخرى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46]، وقال تعالى في الآية الثالثة: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [غافر:77]، أي: قبل أن نرينك الذي وعدناهم من العذاب، فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر:77]، فقوله سبحانه: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [غافر:77]، أي: يا محمد! قد نشفي لك صدرك في الدنيا بأن نريك في عدوك ما يريحك ويذهب غيظ قلبك، ونريك فيه العذاب قبل مماتك، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [غافر:77] قبل أن ننزل العذاب عليهم، وقد كان هذا وذاك، فشفى الله صدر نبيه محمد من أقوام قد ظلموه وآذوه ولعنوه وسبوه، فهاهو يقف يوم بدر على بئر قد ألقيت فيه جيفُ المشركين: أبو جهل ، وعتبة ، وشيبة، فيناديهم: (يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا أبا جهل بن هشام! ويا أمية بن خلف! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً؟) الحديث.

    وثم أقوام آخرون كـمسيلمة الكذاب اغتم الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنه شيئاً ما، واطمأن لما رأى في يديه سوارين فنفخهما فطارا، فأولهما كذابين يخرجان من بعده، فكان صاحب صنعاء الأسود العنسي ، ومسيلمة الكذاب ، ولكن مسيلمة ما قتل إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك قوله تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر:77]، مع قوله سبحانه: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]، فيهما ما يعزى به المسلم الذي أصيب من ظالم، أو الذي انتهك عرضه ظالم، فلتقر عين كل مظلوم فإن الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر.

    قال تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]، أي: بئس المصير الذي يصيرون إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم...)

    ثم جاء الخطاب إلى أهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:9] يا أيها الذين آمنتم بي، وصدقتم برسلي، وأقررتم بكتابي.

    إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا [المجادلة:9] كما يتناجى اليهود وأهل النفاق.

    بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُول [المجادلة:9]، لا تتشبهوا بهم في هذه المناجاة السيئة، ولكن: وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9]، وهنا تذكير بالحشر، وما يتبع ذلك من أمور مهولة وعظيمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما النجوى من الشيطان...)

    قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10] أي: أن أصلها من الشيطان، هو الذي حرض عليها، وهو الذي دفع إليها، إذ هو يريد دائماً إحزان المسلم، لا يريدك سعيداً يوماً من الأيام، إنما دائماً يريد أن يجلب النكد والهم والغم لأهل الإيمان.

    كيفية الاحتراز من الشيطان وأعوانه

    قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10]، فالشيطان يدفع اثنين إلى التناجي ويذهب إلى الثالث يوسوس له، لم يتناجيان؟ هما يتآمران ضدك، فانتبه له واحذر منه، فالشيطان يفعل ذلك؛ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10].

    من العلماء من جعل من الحروز التي يحترز بها العبد من الحسد ومن عموم الأعداء، ألا يكثر الانشغال بهم والالتفات إليهم، فيقولون: من علاج الحسد ألا تنشغل كثيراً بالحاسد، فهو يريد شغلك والاستحواذ على فكرك حتى تفكر فيه، فأهمله واعتصم بالله وتوكل عليه، فهذا نوع من أنواع العلاج، لا تشغل نفسك كثيراً بعدوك، بل خذ ما شرع لك من الأخذ بالأسباب، وتوكل على الله وليطمئن خاطرك، قال تعالى: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10]، فإذا رأيت اثنين يتناجيان فلا تلتفت إلى المناجاة، وانصرف وأقبل على الله سبحانه وتعالى فهو خير حافظ يحفظك، لا تنشغل كثيراً ولا تهتم كثيراً بمناجاة من يتناجى، ولكن أقبل على الله، واعتصم بالله، واعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأن الله سبحانه وتعالى يحفظهم، وأنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فأقبل إليه وتوكل عليه، ولا تكثر من الانشغال بهذا الذي يتناجى كي يؤذيك وكي يغمك ويجلب لك النكد، وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُم [المجادلة:11]، وهذا من أدب المجالس، إذا قيل لك: تفسح في المجلس شيئاً ما، فتفسح، وليس للقادم أن يشق المجلس ويفرق بين اثنين إلا بإذنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)، ولكن يحث على التفسح مذكراً بآية من كتاب الله ويقول: افسح يفسح الله لك، فحينئذ تقبل بقلب طيب، وتفسح له أنت وأخوك، وكان الصحابة يجلسون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل يضن بمجلسه ولا يريد أن يفسح لأحد، كل منهم يريد أن يقترب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، فربما أحياناً تأخر بعض الفضلاء، فالناس مراتب ودرجات، فضل الله سبحانه وتعالى بعضهم على بعض، وإن كانوا في الخيرية من ناحية صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، لكن في الصحبة أيضاً تفاضل، فربما تأخر بعض الأفاضل أحياناً كـأبي بكر رضي الله عنه، أو عمر رضي الله عنه أو غير هؤلاء من كبار الصحابة، تأخروا شيئاً ما لعذر، فيأتون إلى مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سبقهم غيرهم، فيضن الناس بمجلسهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يريد أحد أن يفسح لإخوانه، فأرشدوا إلى هذا الأدب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة:11]، أي: افسحوا لهؤلاء كبار السن، ولما لهؤلاء السابقين الأولين من حق وقدر، فلكل كبير حق، ولكل سابق بالخيرات قدر، وديننا من أصوله إنزال الناس منازلهم، من الأصول التي دعت إليها وحثت عليها سنة رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ إنزال الناس منازلهم، الكبير له حق، والجار له حق، وكل له حق مشروع في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكون أحد هؤلاء الفضلاء، أحد هؤلاء السابقين الأولين، أحد هؤلاء كبار السن؛ يأتي وقد سبقه الصغار، فيطلب من الصغير أن يفسح له وهو لا يفسح فأدبه فيه خلل، ولذلك أُرشدوا إلى هذا الخلل كي يتقوه وكي يبتعدوا عنه.

    ومن ثم كان أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه -كما في سنن النسائي بسند صحيح-: (يأتي إلى الصلاة وقد أخذ الناس مصافهم في الصفوف فيأتي ويسحب شخصاً من الصف شاباً ويقف مكانه -وقد فعل ذلك أثناء الصلاة- فلما انقضت الصلاة التفت إليه الشاب مغضباً، وأبي كما هو معلوم من سادات الأنصار، وأعلم الصحابة بكتاب الله، أعلمهم بالقراءات، قال عمر : أقرؤنا أبي بن كعب ، أضف إليه ما ورد فيه من الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، قال: أو قد سماني الله لك يا رسول الله؟! قال: نعم، فبكى أبي بن كعب، فشخص مثل هذا الذي سماه الله لنبيه، وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن على أبي بن كعب، جدير بأن يوقر، وجدير بأن يفضل، وجدير بأن يحترم، فقال لهذا الشاب: يا ابن أخي! لا يسوءك، إنه عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أن نليه في الصلاة).

    فإذا جاء وطلب منك يا صغير أو يا متأخر الإسلام أو يا حديث عهد بالإسلام أن تفسح له، فلا يليق بك أن ترده خائباً، وأن تكسر خاطره، فكما سمعتم أن مراعاة المشاعر والأحاسيس عليها أكثر من مائة دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أدلة متوافرة في مراعاة المشاعر وإنزال الناس منازلهم، وقد سمعتم طرفاً من ذلك فيما قبل.

    دلالة الآية على أن الجزاء من جنس العمل

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة:11]، في قوله: (تفسحوا في المجالس يفسح الله لكم) دليل على أن الجزاء من جنس العمل، فمن تفسح لأخيه فسح الله له يوم القيامة، وفي الدنيا كذلك، والأدلة على هذا كثيرة، حتى إن بعض المصنفين صنفوا كتباً أسموها: الجزاء من جنس العمل.

    وعلى ذلك جملة أدلة من كتاب الله ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فمن كتاب الله قال الله سبحانه: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60].

    ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقوله: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

    معنى النشوز الخاص والعام في الآية

    قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11]، النشوز في الأصل: هو العلو والارتفاع، ومنه قولهم للمرأة: امرأة ناشز، أي: مرتفعة ومتعالية على أمر زوجها، والأرض النشز: الأرض المرتفعة، وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128]، أي: كبراً عليها، أو تعالياً عليها، أو إعراضاً عنها.

    فقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11] ما المراد به؟

    من العلماء من فسره بتفسير عام، ومنهم من فسره بتفسير خاص.

    فالذين فسروه بتفسير خاص قالوا:

    قوله تعالى: إِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11]، أي: قوموا وانهضوا إلى الجهاد وإلى القتال مع نبيكم صلى الله عليه وسلم فقوموا ولا تترددوا.

    القول الثاني: إِذَا قِيلَ انشُزُوا [المجادلة:11]، أي: قوموا وانهضوا إلى الصلاة.

    القول الثالث: إِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11]، أي: قوموا وتفسحوا لإخوانكم.

    القول الرابع: إِذَا قِيلَ انشُزُوا [المجادلة:11]، أي: قوموا إلى فعل خير دعيتم إليه ولا تترددوا.

    والذين فسروه بتفسير عام قالوا: إن هذه المفردات كلها تدخل في قوله تعالى إِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11]، أي: إذا دعيتم إلى أي عمل فيه بر أو فيه خير فقوموا إليه، وانهضوا إليه، وسارعوا إليه، واستبقوا إليه، وهذا المعنى العام أولى وأليق والله سبحانه وتعالى أعلم.

    رفع الله للمؤمنين وأهل العلم درجات

    وقوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، ما هو وجه إيراد هذه الفقرة من الآية في هذا الموطن بعد قوله: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]؟

    أولاً: الآية فيها منقبة كبرى لأهل العلم، ومثلها قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، أي: في الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن معاذ بن جبل يتقدم العلماء رمية بحجر يوم القيامة).

    فمن العلماء من قال: إن قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] خبر، ومع كونه خبراً يحمل معنى الأمر، وما هو وجه ذلك؟

    إن الله سبحانه وتعالى قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] أي: عليكم أن تفسحوا لهم في المجالس، وأن تجلسوهم في المجالس، هذا قول.

    القول الثاني: أن الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم هم الذين فهموا قوله تعالى: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11] أي: أنهم الذين عقلوا عن الله أمره، وامتثلوه؛ فتفسحوا في المجالس، ونشزوا حينما طلب منهم النشوز، هؤلاء أهل فقه، وأهل علم، وأهل امتثال لأمر الله، هؤلاء يرفعهم الله سبحانه وتعالى درجات.

    فهذان وجهان، وكل وجه منهما له قوته وله وجاهته، والله أعلم.

    هل يقدم الأعلم على كبير السن أو العكس؟

    وهل يقدم في المجالس ونحوها الذي آتاه الله علماً أم كبير السن؟

    فمن العلماء من قدم هذا، ومنهم من قدم ذاك، فالذين قالوا يقدم كبير السن حجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا)، ومن حججهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أراني الليلة أتسوك، فأتاني رجلان، فدفعت السواك إلى الأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر)، ومن أدلتهم: مجيء حويصة ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أصغرهما يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر، كبر)، أي: أكبرهما سناً هو الذي يتكلم، فهذه حجة من قال يقدم الكبير.

    ومن حجج الذين قالوا يقدم العالم: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد -عندما كان يجعل الثلاثة والأربعة في القبر الواحد-: (قدموا أكثرهم قرآناً)، ومن حججهم أيضاً هذه الآية: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، ومن حججهم أيضاً: أن عمر رضي الله عنه كان يقدم ابن عباس في مجلس الشورى على من هم أكبر منه سناً، والمسألة محتملة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من اشتهر وعرف باسم الأولى تغييره

    السؤال: اسمي عبد العال، فما وجه الحرمة فيه؟

    الجواب: عبد العال، العال أو العالي ليس من أسماء الله الحسنى، لكن إذا كنت قد سميت بهذا الاسم واشتهرت به فلا إثم عليك، وما دام الناس قد عرفوك به فلا إثم عليك، فقد عُرِفَ الرسول بأنه ابن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام، وكان من أصحابه رجل يقال له: عبد العزى بن قثم ، والعزى صنم أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19]، وثم أسماء أخر، فإن كان باستطاعتك أن تغيره فلتغيره، فإن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تغيير الأسماء إلى ما هو أحسن، فقد غير جملة أسماء: مثل حزن أمره أن يغير اسمه إلى سهل عليه الصلاة والسلام، وبرة غيرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زينب، وثم جملة أسماء غيرها النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    حقيقة جملة: المعية هنا معية العلم والإحاطة

    السؤال: المعية هنا معية العلم والإحاطة، هل هذه الجملة قول لأحد الصحابة أم قول لأحد التابعين؟

    الجواب: هي قول لبعض المفسرين، لا أعلمها عن صحابي، ولا عن تابعي، ولا أنفيها أيضاً، لكنها قول لكثير من أهل التفسير.

    ضرورة نصيحة الغاصب قبل الإبلاغ عنه

    السؤال: اغتصب جار لنا قطعة أرض لجار لنا آخر، فهل من واجبي أن أبلغ صاحب الأرض المغتصبة، مع العلم بأن صاحب الأرض يسكن في المدينة ونحن نسكن في القرية؟

    الجواب: عليك أن تنصح المغتصب بالحسنى، وإن لم تستطع فبلغ صاحب الأرض أيضاً بالحسنى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: كيف ننصره ظالماً يا رسول الله؟! قال: تمنعه من الظلم).

    حكم تأخير بعض الصلوات عن أول وقتها للحاجة

    السؤال: تأخير وقت الصلاة في بعض الظروف هل هو جائز، كأن يؤذن لصلاة العصر ونحن في المحاضرة؟ فهل نترك المحاضرة فور سماع الأذان أم ننتظر إلى بعد المحاضرة، فهناك إخوة قالوا: ننتظر، واستدلوا على ذلك بتأخير صلاة العشاء مثلاً عندما تكون هناك محاضرة دينية؟!

    الجواب: بالنسبة لتأخير الصلاة عن وقتها في المسألة تفصيل، فإذا كنت تؤخر الظهر إلى آخر وقتها الذي هو قبيل وقت العصر فلا بأس بذلك عند الضرورة؛ لحديث عبد الله بن عباس في الصحيح: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء سبعاً وثمانياً، من غير عذر من خوف، ولا مرض، ولا مطر، ولا سفر) فقال له قائل: يا ابن عباس! لعله أراد ألا يحرج أحداً من أمته؟ قال: وأنا أظن ذلك، فيجوز لك أن تعمل بهذا الحديث في بعض الأحيان، سواء على رأي من قال: إنه جمع صوري، أو سواء على رأي من قالوا: إنه مطلق الجمع، فيجوز لك أن تستعمل هذا الحديث في وقت الضرورات، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وقد كان ابن عباس في درس، فجاءه رجل وقال: (الصلاة يا ابن عباس! الصلاة يا ابن عباس! وابن عباس لا يلتفت إليه، فلما كان في الثالثة قال له عبد الله بن عباس : أتعلمني بالسنة لا أم لك؟! لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء سبعاً وثمانياً، من غير عذر من خوف، ولا مرض، ولا سفر).

    حكم وضع اليدين بعد الرفع من الركوع على الصدر

    السؤال: ما حكم وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع؟

    الجواب: أمثل ما في ذلك قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إن شاء وضع اليمنى على اليسرى، وإن شاء أرسلهما.

    وفي الحقيقة أن هذا قول وجيه، وهو الذي تنتظم معه جملة الأدلة، فإن شاء وضع اليمنى على اليسرى وله من الأدلة ما يشهد له، وهو حديث وائل العام: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على اليسرى في الصلاة)، وحديث سهل بن سعد الساعدي العام كذلك: (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة).

    وقوله: وإن شاء أرسلهما له ما يشهد له: (كان إذا قام من الركوع رجع كل مفصل إلى موضعه)، فهذه وجاهة قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    حكم صيام الإثنين كل أسبوع

    السؤال: هل صيام يوم الإثنين من كل أسبوع بدعة؟

    الجواب: ليس ببدعة بل هو سنة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين، ولصومه الإثنين علتان: العلة الأولى: أنه ولد فيه، والعلة الثانية: أن الأعمال الصالحة ترفع فيه، فيحب أن يرفع عمله وهو صائم صلى الله عليه وسلم.

    حكم لبس الحرير الصناعي

    السؤال: هل يجوز لبس الحرير الصناعي؟

    الجواب: نعم يجوز لبس الحرير الصناعي؛ إذ هو ليس بحرير حقيقة، ولكن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، فاجعل بينك وبين الحرام حجباً، والله أعلم.

    حكم قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت

    السؤال: هل يجوز أن يقرأ الولد الصالح القرآن ليصل ثوابه إلى والده الميت؟

    الجواب: لم يرد هذا على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    حكم إقامة صلاة الفجر بعد ربع ساعة من الأذان

    السؤال: في مسجدي الذي أصلي فيه تقام صلاة الفجر بعد خمسة عشر دقيقة من الأذان، فهل يكون قد دخل الوقت الفعلي لصلاة الفجر؟

    الجواب: نعم، يكون قد دخل.

    الهدي النبوي في اليوم السابع للمولود

    السؤال: ما هو الهدي النبوي في اليوم السابع للمولود؟

    الجواب: من الهدي في اليوم السابع للمولود: أن يماط عنه الأذى، وأن تذبح له عقيقة، وإن شئت أن تسميه في اليوم السابع سميته، وإن شئت أن تسميه قبل ذلك سميته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، فهذا دليل على أنه سماه فور الولادة، وأما التسمية في اليوم السابع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعق عنه يوم سابعه ويسمى).

    بيان عورة المرأة عند المرأة والرجل عند الرجل

    السؤال: ما هي عورة المرأة بالنسبة للمرأة، والرجل بالنسبة للرجل؟

    الجواب: جمهور العلماء على أن عورة الرجل بالنسبة للرجل من السرة إلى الركبة؛ لحديث أبي داود : (إذا زوج أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن من سرته إلى ركبته من عورته)، احتج الجمهور بهذا على أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وأجرى البعض القياس على المرأة فقال: والمرأة كذلك بالنسبة للمرأة، وثم أقوال أخر: فمن العلماء من استثنى من الرجل الفخذ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس ، وكما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة دخول عثمان رضي الله تعالى عنه على الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وجمع بين هذه الأدلة بعض أهل العلم، فهناك حديث: (الفخذ عورة)، وهناك حديث عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً حاسراً عن فخذه فدخل الصحابة، فلما دخل عثمان غطى)، قال البخاري : حديث جرهد أحوط الذي هو (الفخذ عور) ، وحديث أنس أسند، أي: أصح إسناداً، فقال ابن القيم رحمه الله: العورة عورتان: عورة مخففة وهي الفخذ، وعورة مغلظة وهما السوأتان، والله أعلم.

    حكم إنجاز العمل في أقل من المدة المقررة له

    السؤال: امرأة تعمل في الحكومة وعملها مُعْظَمُهُ مأموريات، تأخذ المأمورية في عشرة أيام وتنهيها في خمسة أيام، كذلك ممكن يصرف لها بدل سفر عن العشرة أيام، فما حكم المأمورية؟

    الجواب: والله أعلم، إذا كانت تقوم بالمأمورية على أكمل وجه، وعلى وجه يرضي الله، فيجوز لها أن تنجزها في خمسة أيام، وتستريح الخمسة الأيام الأخرى، فمثال ذلك: شخص كلف أن يقرأ في كل يوم مثلاً عشرة عدادات فقرأ مائة عداد واجتهد كي يستريح اليوم الآخر، فالظاهر -والله أعلم- أن العمل مادام يؤدى على أكمل وجه فلا بأس بذلك، والله أعلم.

    حكم من فاتته الظهر وصلى مع جماعة العصر

    السؤال: رجل فاتته صلاة الظهر ثم وجد الناس يصلون العصر، فهل يدخل معهم بنية الظهر ثم يصلي العصر بعد ذلك أم يصلي معهم العصر ثم يصلي الظهر بعد ذلك؟

    الجواب: أسلفنا بأن الأئمة الأربعة رحمهم الله: مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأحمد يرون - كما نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى -: أنك تصلي معهم صلاتهم التي يصلون ثم تقضي ما فاتك، ولا يجب عليك الترتيب في مثل هذه الحالة؛ لأنك مأموم، فصلِّ معهم ثم ما فاتك فأتمه، هذا رأي الأئمة الأربعة في مثل هذا الموطن، والله أعلم.

    أما الترتيب فمحل تعينه إذا كنت تصلي منفرداً، أو كنت تصلي إماماً، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    حكم ما يسمى بالوكيرة

    السؤال: اشتريت شقة جديدة وعلمت أنه من السنة ذبح ذبيحة تسمى: وكيرة، وما هي شروط الذبيحة؟

    الجواب: ليست من السنة، بل هي من البدعة، ليس هناك دليل على أنك تذبح ذبيحة عند شراء الشقة الجديدة.

    كيفية رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام

    السؤال: كيف أرى رسول الله في منامي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: سل الله ذلك.

    حكم قراءة القرآن في الصلاة من المصحف

    السؤال: ماحكم قراءة القرآن من المصحف في الصلاة؟

    الجواب: سبقت الإجابة عليه. إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.