إسلام ويب

تفسير سورة الحديد[3]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في سورة الحديد مواعظ وعبر ودروس، منها: حقيقة الدنيا، وفيها تنبيه على بعض أعمال الكافرين وأهل الكتاب -وخاصة اليهود-، كما تضمنت بعض أحوال الأنبياء مع أممهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة...)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فهناك من يتكلف لبيان التناسب بين الآيات تكلفاً شديداً، أو يحاول جاهداً أن يأتي بصلة بين كل آية والآية التي سبقتها وبينها وبين التي تليها، حتى جمع بعض أهل العلم كتباً في تناسب الآيات والسور، وقد انتقد هذا المنهج وهذا المبدأ بعض أهل العلم، كـالشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه فتح القدير، وذكر ما حاصله أنه لا يلزم أن تكون هناك صلات بين كل آية والآية التي سبقتها، فأحياناً تكون هناك مناسبات وروابط تربط بين الآية والتي تلتها، وأحياناً لا تكون هناك صلات ولا روابط بين الآية المتأخرة والآية التي تقدمت، فإن وجدت صلة ظاهرة فالحمد لله، وإن لم توجد صلة ظاهرة فالأمر في ذلك واسع، والله أعلم.

    ومن العلماء من ذكر هنا وجهاً للربط بين قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ .. [الحديد:20] إلى آخر الآية، وبين الآية التي تقدمتها في خاتمتها، وهي قوله تعالى: وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [الحديد:19]، فقال: لما كانت الدنيا تشغل أهلها عن الجهاد في سبيل الله وعن مقالات الحق والصدق التي بها يبلغ العبد مرتبة الربانيين؛ إذ العبد يضن بكلمة الحق حرصاً على الدنيا، ويضن بنفسه كذلك حرصاً على الدنيا جاءت الآية الكريمة: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) لكي يصرف العبد عن هذا التقاعس، ولكي يصرف العبد عن هذا الجبن الذي به يمتنع عن الجهاد، وبه يمتنع عن كلمة الحق إذا علم أن الدنيا فانية، وأن متاعها زائل وفان، فقال تعالى: (اعلموا) أي: يا من آثرتم دنياكم على أخراكم، ويا من آثرتم التعويق والتثبيط على الإقدام والبذل والجهاد (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم) أي: تفاخر بأمورها من مال وجاه ومنصب ونحو ذلك.

    قوله تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] الكفار: هم الزراع، وقوله تعالى: (نَبَاتُهُ) أي: النبات الذي نتج بسبب هذا الغيث أعجب الكفار وهم الزراع، وأطلق عليهم الكفار لكونهم يضعون البذرة في الأرض ويغطونها، فهذه التغطية تسمى الكفر، فالكُفر من معانيه التغطية قوله تعالى: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) أي: بعد أن ييبس ترى العود الأخضر قد تحول إلى عود أصفر، وقد اتجه إلى الذبول بعد النضرة والاخضرار، (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، فهذا مثل الحياة الدنيا بصفة عامة، ومثل الحياة الدنيا في الشخص نفسه كذلك، فكل شخص تنسحب عليه هذه الآية، وينطبق عليه هذا المتن، وتصديق ذلك في قول الله جل ذكره: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54] ، فهذه الآية توضح آية الحديد التي نحن بصددها، وكذلك آية الحج في هذا المعنى أيضاً: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج:5]، وكذلك قال سبحانه في آية الحج: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:5-6] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم...)

    قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]، أي: أخبرناكم بهذا -يا أهل الإيمان- : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد:23] ، وأيضاً: وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23] لا تغتروا بما آتاكم الله، فمن كان ذا مال فلا يغتر بهذا المال، فالمال قدره الله له، ومن كان في منصبٍ لا يغتر بهذا المنصب؛ فالمنصب قد قدره الله له، ومن كان له أولاد وذرية فلا يغتر بأولاده ولا بذريته؛ فالأولاد والذرية قدرها الله سبحانه وتعالى له، ومن كان في صحة وعافية لا يغتر بهذه الصحة والعافية؛ فالصحة والعافية قد قدرها الله سبحانه وتعالى له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل...)

    قال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:24]، وهذا كقوله سبحانه: وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:37].

    وأما وجه الربط بين هذه الآية والآيات التي تقدمت فمن العلماء من يجعل السياق هذا كله في اليهود، ويقول: إن اليهود أصيبوا بمصيبة كبرى، وخيبة أمل عظمى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل عليه السلام، فكانوا ينتظرون مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرفون صفته، ويعرفون ما سيأتي به في الجملة، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا به إذا بعث فيهم، كما قال تعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89]، فيقولون للذين كفروا: سيخرج منا نبي فنتبعه ونقتلكم نحن وهو قتل عاد وإرم، فلما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل، ولم يأتِ من بني إسرائيل شرقوا لذلك، وكفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيهم نزل سياق الآيات عند كثير من المفسرين.

    وهذه المصيبة التي حلت بهم لظنهم أن النبوة سلبت منهم وأعطيت لبني إسماعيل قد ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النساء في قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [النساء:54-55]، ولما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بخلوا -أي اليهود- بالعلم، ولذلك قال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ [النساء:37]، والمعنى عند فريق من المفسرين: يبخلون بالعلم، ويبخلون بإظهار صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، ولا يقتصرون على أنفسهم، بل ويأمرون الناس بالبخل، فكانوا يتواصون فيما بينهم بكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويتعاهدون فيما بينهم على أن لا يخبروا أحداً بصفة هذا النبي، ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:37] أي: من العلم الذي آتاهم الله إياه.

    فهذا وجهٌ من أوجه التأويل، ومن العلماء من حمل البخل على معناه الأشهر وهو البخل بالمال، وهذا أيضاً كان في اليهود -أعني البخل-، وكان البخل من عادتهم.

    قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدَُ [الحديد:24]، أي: يعرض عن الإيمان والهدى فإن الله هو الغني عنه وعن إيمانه، كما قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئاً) .

    فقوله تعالى: (هُوَ الْغَنِيُّ) أي: عن من أعرض عن الهداية.

    وقوله تعالى: (الْحَمِيدُ) أي: يحمد لكل مؤمن ولكل مقبل عليه صنيعه وإقباله وطاعته.

    قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25].

    قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: الأمور البينة الواضحة والدلائل البينة الواضحة.

    وقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، الكتاب هنا اسم جنسٍ، والألف واللام لبيان الجنس لا للعهد، أما قوله تعالى في شأن النبي محمد عليه الصلاة والسلام: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النساء:113] فالألف واللام في كلمة (الكتاب) للعهد، وتدل على كتاب معهود هو القرآن، أما قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، فالمراد بالكتاب هنا الجنس. أي: الكتب، وليس كتاباً مخصوصاً، بل عموم الكتب التي نزلت على الرسل عليهم الصلاة والسلام.

    قوله تعالى: (وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

    من العلماء من قال: المراد بالميزان: العدل، ومنهم من قال: إن الميزان نزل من السماء مع ما نزل على آدم صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6]، فمن العلماء من قال: إن هذه الأنعام خلقت. ومنهم من قال: نزلت. والله سبحانه وتعالى أعلم بتأويل كتابه.

    ومن العلماء من قال: نزل مع آدم لما نزل الميزانُ والسندانُ. وذكروا أشياء أخر، وليس في هذا خبرٌ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام، إنما هي أخبار إسرائيلية، وآثار على بعض التابعيين رحمهم الله تعالى.

    قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).

    هذه الآية استدل بها العلماء على الشدة إذا لم تُجدِ البينات والأقوال الحسنة والدلائل الظاهرة، وأساليب الإقناع، وأعرض الشخص عن هذا جدلاً ومراءً، وضرب بآيات الله عرض الحائط كما يقال، فلا يصلح مع مثل هذا إلا البطش والشدة، فلذا قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) فمن لم يتذكر بالبينات، ولا بالكتاب الذي أنزله الله سبحانه لا يصلح له إلا الحديد، ففيه بأسٌ شديد ومنافع للناس، فهذه قاعدة يسار عليها، فهي أن وسائل الإقناع تطرح أولاً ويُبدأ بها، ومن عاند وأصر على مواقف الشر فليس له إلا الحديد.

    قال تعالى: (بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فالشدة لها مواطن، والرفق واللين لهما مواطن، وقد تقدم شيءٌ من ذلك، كما قال ذو القرنين: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:87-88].

    وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:20-21].

    وقال الصديق يوسف صلى الله عليه وسلم: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ [يوسف:59-60]، فكل هذه أمور فيها شدة، وفيها رفق، فللرفق مواطن، وإذا لم يُجدِ الرفق فحينئذٍ يتجه إلى الشدة.

    فمن يعبث في الفصل -مثلاً-، أو يعبث في البيت تكلمه بالكلام الحسن وبالكلام الطيب، فإن كان لا يجدي معه ولا ينفع فحينئذٍ تترقى إلى شيء آخر، وهو الضرب بحسبه، وقد قال الله أيضاً في شأن النساء النواشز: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].

    قال تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ .

    بعد نزول الحديد يعلم الله من يجاهد بهذه السيوف في سبيله سبحانه وتعالى، علماً ينبني عليه الثواب.

    وحتى لا يتوهّم شخص كما توهم أهل الجهل من اليهود أن الله فقير لما حثهم الله على الصدقة دفع الله هذا التوهم هنا بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25]، فلا يحتاج إلى من ينصره، بل هو سبحانه وتعالى ناصرٌ لعباده، وهو سبحانه وتعالى القوي العزيز الذي لا يمانع، ولا يغلب سبحانه فهو القهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ [الحديد:26]. هذا عطفٌ للخاص على العام، فقد تقدم قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، وجاء هنا (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ)، ونوحٌ وإبراهيم من الرسل.

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد:26]، فالنبوة بعد نوح كانت من ذريّة نوح عليه الصلاة والسلام، فلذلك لقائل أن يقول: إن هوداً عليه الصلاة والسلام من ذرية نوح، وإن صالحاً عليه الصلاة والسلام من ذرية نوح كذلك، وإبراهيم كذلك من ذرية نوح صلى الله عليهم وسلم.

    قال تعالى: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون [الحديد:26] أي: من الذرية من هو مهتدٍ، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فالآية فيها تسلية وتعزيةٌ لمن ولد له ولدٌ شقي، ولمن نتج له نتاج شقي، فنوح وإبراهيم عليهما السلام كانت النبوة والكتاب في ذريتهما، لكن أكثر الذرية فسقة، كما قال تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، ويعقوب الذي هو إسرائيل عليه الصلاة والسلام كان من ذريته -كما ذكر الله سبحانه وتعالى- من مسخوا قردة وخنازير، فالهادي هو الله سبحانه وتعالى، والمهتدي من هداه الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا...)

    قال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا [الحديد:27].

    أي: أتبعناهم برسلنا، ثم قال تعالى: وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً [الحديد:27]، فمن الذي يجعل الرأفة والرحمة في القلوب؟

    الذي يجعلها في القلوب هو الله، فالله سبحانه يلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن والماء، ويختم على قلوب أقوامٍ آخرين حتى تكون أقسى من الحجارة والجبال والحديد، كما قال موسى عليه السلام: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88]، فإذا أردت أن يلين قلبك فعليك أن تطلب إلانته من الله سبحانه وتعالى، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع)، وكان يتعوذ بالله من قسوة القلب صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) والرأفة: الرقة، ثم قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، هنا يقال: هل الواو هنا عاطفة أو هي ابتدائية؟ أي: هل يقرأ بالعطف: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)، أو يقال: إن الابتداء من قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)، أي: جعلنا في قلوبهم رحمة، وهم ابتدعوا رهبانية، واخترعوا رهبانية، ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية، ولكنهم هم الذين كتبوها على أنفسهم، أي: ألزموا أنفسهم بها؟

    وقد ورد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في شأن عيسى أنه كان جالساً مع بني إسرائيل، أو كان جالساً مع بعض الحواريين، وقال لهم: من منكم -أو أيكم- يلقى عليه شبهي ويكون معي في الجنة؟ فقال شابٌ: أنا... إلخ.

    فذكر في آخر هذا الحديث أن فئةً من الفئات شهدت أن لا إله إلا الله وأن عيسى رسول الله، فتظاهرت عليها الفئات الكافرة فقاتلتها، فمنهم من صمد وصبر أمام القتال، ومنهم من اتجه إلى القفار والبراري يعبد الله فيها، وتعاقد مع أولئك الظلمة عقداً على أن يمكث في الصحراء والقفار والبراري لا ينزل إلى المدن ولا إلى البلدان، ويعيش فيها يعبد ربه في الصوامع حتى يأتيه الأجل، فأقر على ذلك، فأنشأوا لأنفسهم صوامع، وألزموا أنفسهم بأنواع من العبادات، فمنهم من ألزم نفسه أن يصوم الدهر، ومنهم من ألزم نفسه أن لا يأكل اللحم، ومنهم من ألزم نفسه أن لا يتزوج النساء، فهذه الرهبانية هم الذين اخترعوها وابتدعوها وألزموا أنفسهم بها بمثابة النذر في شرعنا، لكنهم اختلقوا هذه الرهبانية، فلما ألزموا أنفسهم بها ألزمهم بها ربنا سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)، فتكون (إلا) هنا من باب الاستثناء المنقطع، كما يقول القائل: جاء القوم إلا حماراً. فـ(إلا حماراً) هنا: استثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس المستثنى منه، و(إلا) هنا في الآية من باب الاستثناء المنقطع.

    قوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي: لكن كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله، أي الحرص على طلب رضوان الله سبحانه، فهم رأوا أن هذا الترهب يقربهم من الله سبحانه وتعالى.

    وهذه الرهبانية لم تكتب على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فقد جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في التبتل، أو في الانقطاع للعبادة، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الصحابة: لو أذن له الرسول لاختصينا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا رهبانية في الإسلام)، فهذا الترهب ليس في ديننا، وقد أنكر رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام على النفر الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأعتزل النساء. وقال الثالث: أما أنا فأقوم ولا أنام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخشاكم وأتقاكم وأعلمكم بالله أنا، ولكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي: لما ألزموا أنفسهم بها، فمنهم -مثلاً- من قال: لن أتزوج النساء، وليته لم يتزوج النساء، بل زنى والعياذ بالله.

    والرهبان الذين يبقون في الصوامع والكنائس ويدعون أنهم لا حاجة لهم في النساء، وأنهم ترهبوا وانقطعوا للعبادة، وبعد ذلك يفعلون الفواحش ويزنون يتركون المباح من الزواج الذي أباحه الله سبحانه أمام الناس (وإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)، قال تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ)، الذين وفوا بهذه الأمور آتيناهم أجرهم، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).

    فهذه شهادة الله سبحانه وتعالى في هؤلاء الذين ترهبوا، ولذلك قال ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34].

    فمنهم من أصبح مختلساً للأموال وهو في صورة الراهب، ومنهم من أصبح من الزناة وهو في صورة الراهب، ومنهن من أصبحت من البغايا وهي في صورة الراهبة المتبتلة.

    (وكثيرٌ منهم فاسقون) فهذا حالهم كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الحديد:28].

    من أهل العلم من حمل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) على أن المراد بالذين آمنوا هنا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيكون التأويل: يا أيها الذين آمنوا بعيسى وآمنوا بموسى آمنوا أيضاً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وشهد لهذا التأويل قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد:28]، والكفل هو النصيب، وإن كان الكفل يطلق على نصيب الشر في بعض الأحيان، لكن في أحيانٍ أُخر يطلق على النصيب، سواءٌ من الخير أو من الشر.

    أما إطلاقه على نصيب الخير فلهذه الآية: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، وأما إطلاقه على نصيب الشر فكقوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:85]، فعبر عن الحسنات بالنصيب، وعبر عن السيئات بالكفل.

    فقوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، يفسره حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: .. ورجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم)، فهذا يرجّح قول من قال: إن المراد بالذين آمنوا -هنا في الآية- هم اليهود والنصارى.

    ومنهم من قال: إن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، خطابٌ موجه لأهل الإيمان. أي: ليزدد إيمانكم بالله، وليزدد إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ازداد إيمانكم تضاعفت أجوركم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب...)

    قال تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد:28-29].

    قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ)، معناه: ليعلم ومن قال: إن (لا) صلة وتوكيد تفيد تقوية الكلام فـ(لـئلا يعلم) معناها: ليعلم، كما تقدم نظيره في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف:12] أي: ما منعك أن تسجد. وكما قال تعالى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95] أي: يرجعون.

    ففي الآية دخلت كلمة (لا) لتقوية الكلام.

    قال تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، فليسوا متحكمين في الخلق كما يقولون، قال تعالى: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ)، فهو الذي اختص النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، قال تعالى: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الصدقة على الكافر

    السؤال: هل يجوز التصدق على الجار النصراني إذا كان في ضائقة شديدة؟

    الجواب: إذا كنت تقصد بالصدقة صدقة غير الزكوات المفروضة فجائز، فالصدقة غير المفروضة جائزة، أما إذا كنت تقصد زكاة المال فزكاة المال لا تعطى للنصراني، إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعلمهم أن الله افترض عليهم زكاةً في أموالهم تؤخذ من غنيهم وترد على فقيرهم) أي: فقير المسلمين. والله أعلم.

    حكم توريث أبناء البنت

    السؤال: ماتت ابنتي في حياتي وتركت أولاداً، فهل هؤلاء الأولاد يرثون من تركتي بعد موتي، وأنا جدهم لأمهم، أم لا ميراث لهم؟

    الجواب: شرعاً لا أعلم لهم نصيباً في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الحكومة تقضي لهم بالوصية الواجبة، وهي أن لهم ثلث التركة مجتمعين.

    مسائل في زكاة الفطر

    السؤال: ما حكم إخراج زكاة الفطر نقوداً ؟

    زكاة الفطر لا تخرج مالاً؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من طعام على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين).

    ولا يجوز الإخراج قيمةً، وهذا رأي مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.

    لكن هناك اعتبارات لا بد من ملاحظتها، وهي أننا في الحرم المكي، وبعد أن ننتهي من صوم آخر يوم من رمضان نخرج لإخراج الزكاة، فنجد أمام الحرم أقواماً يبيعون أرزاً، كل كيس يحوي صاعاً، فأشتري كيس الأرز بثمانية ريالات، وأبحث عن فقير، فإذا بأناس فقراء بجوار البائع، فأُسلم الكيس لأحدهم، وبهذا برئت ذمتي.

    وأمام عيني يأخذ الفقير الكيس ويبيعه للتاجر الذي اشتريت أنا منه، ومن حق الفقير أن يبيع، فيأخذ التاجر الكيس منه بستة ريالات، ثم أرجع أشتري مرة ثانية لكي أتصدق عن زوجتي، أو عن أولادي، وأشتري من نفس التاجر، وأعطي الفقير يردها إلى التاجر، وهكذا، وفي كل حالة يستفيد التاجر.

    فلماذا لا أسلم للفقير الثمانية الريالات وانتهي؟ لأن التاجر ليس بحاجة إلى الصدقة، والفقير أحوج منه، فهذا وجه للنظر.

    وأنا موقرٌ لأقوال القائلين بأن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الأصناف التي ذكرها الرسول، لكن لهذا فقه ولهذا محل، وأحياناً القيمة لا تجزئ، فإذا كانت السيولة متوافرة والمطعومات شحيحة فقد أقول لك: لا تجزئ القيمة.

    لكن إذا كان الطعام متوافراً من كل الأصناف، وهو يستطيع أن يشتري الذي يناسبه ويتناسب مع أسرته، ألا يجزئ في هذه الحالة أن يأخذ برأي الأحناف؟

    صحيح أن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه رأى أن نصف صاع من بر الشام يعدل صاعاً من تمر المدينة، لكنه اجتهد في مصادمة نص صريح؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من طعام)، ومعلوم يقيناً أن قيمة الصاع من الزبيب تختلف عن قيمة الصاع من التمر، فالمسألة ليست مسألة قيمة؛ لأن صاع التمر يختلف عن صاع الزبيب من ناحية الثمن، فصاع الزبيب يمكن أن يأتي بخمسة وعشرين جنيهاً، وصاع التمر يمكن أن يأتي بخمسة جنيهات، أو بعشرة جنيهات.

    وأنا لا أقرر المسألة، لكن أذكر الأقوال في المسألة، أما أنا فلا أخرج إلا طعاماً،لكن لا أستطيع أن أقول: إن من أخرج الزكاة قيمة تبطل زكاته؛ لأنه أولاً بنى على اجتهاد علماء أفاضل، وعليه مذهب من المذاهب، لكن متى نحكم أن القيمة لا تجزئ؟ إذا لم يكن الطعام متوافراً؛ لأنها لم تفد الفقير بشيء.

    وأقول: نحن نخرج كما أخرج رسول الله عملاً بظاهر النص: (فرض رسول الله صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب).

    وأيضاً أراعي أحوال الناس من ناحية كون القيمة يستطاع الانتفاع بها، أو لا يستطاع؟

    وأمر ثالث: لا أثبت هذه القيمة بشيء ثابت، فمن شاء أن يخرج قيمة الزبيب أخرج، ومن شاء أن يخرج قيمة البر أخرج، لكن القطع ببطلان من أخرج القيمة وأن زكاته لا تجزئ لا أستطيعه، ولا أتحمله.

    وأنا آخذ برأي أكثر العلماء، وأخرج الأنفع للفقير، وهو ما نص عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن لا أستطيع القطع ببطلان من أخرج القيمة ولا أتحمله.

    وتحديد القيمة بـ(دينار) ليس بصحيح؛ لأن العملة تتغير من زمن إلى زمن، فأحياناً الأرز -مثلاً- يباع بدينار، وأحياناً الدينار لا يأتي بربع صاع الأرز، على حسب اختلاف العملات.

    وهب أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال -مثلاً-: صدقة الفطر دينار. والدينار يعادل -مثلاً- نصف ريال سعودي، فالريال السعودي كان إلى عهد قريب تستطيع أن تشتري به كميات هائلة من الطعام، أما الآن فما تستطيع أن تشتري الذي كنت تشتريه بالريال من قبل.

    فإذا أثبتنا القيمة يأتي زمن والقيمة لا تنفع الفقير بحال من الأحوال.

    أما وقت إخراج الزكاة فأنسب الأوقات وأنفعها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى صلاة العيد.

    أما الوقت المختار عند الأكثرين فهو قبل العيد بيوم أو يومين، ومن العلماء من أجازها طيلة رمضان.

    وهناك مسائل في الشرع ليس هناك أحد يفكر فيها، حتى أهل الإحسان، وهي كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فما هناك أحد يفكر أبداً أنه يكسو عشرة مساكين من أجل كفارة يمين.

    حتى الأثرياء يكفر أحدهم بإطعام عشرة مساكين، أما أن يكفر بتحرير رقبة عن يمين فهذا مستحيل، لكن ورد من تصرفات أم المؤمنين عائشة أنها كانت أقسمت أيماناً وعقدت الأيمان ألا تكلم عبد الله بن الزبير لأنه قال: لتنتهين أم المؤمنين عن كذا وكذا أو لأحجرن عليها، فأقسمت وعقدت أيماناً ألا تكلمه طيلة حياتها، ثم احتال عليها عبد الله بن الزبير بحيلة حتى يدخل عليها؛ إذ هي خالته، فجاء مع بعض أحد محارم أم المؤمنين من الرضاعة، فطرق عليها الباب فقالت له: من؟ قال: أنا فلان. قالت: ادخل، قال: أدخل ومن معي؟! قالت: أدخل ومن معك. فدخل عبد الله بن الزبير معه، ووثب على رأسها يقبل رأسها ويبكي؛ وهي تبكي وتقول: يميني ماذا أصنع بها؟ ثم إنها أعتقت في هذا اليمين عدة رقاب.

    فمن العلماء من يقول: يستحب مضاعفة الكفارة وليس إيجاباً. أي أن اليمين إذا كانت مغلظة تغليظا شديداً كفّر عنها بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم كما قال الله، ولكن لا مانع من أن تكفر عنها بما هو أفضل من ذلك، ولك ثواب.

    وهذه اليمين التي تكفر ليست اليمين الكاذبة، فاليمن الغموس لا كفارة لها عند الجمهور، واليمين الغموس: هي اليمين التي أقسمها رجل ليقتطع بها مال امرئ مسلم ولا كفارة لها إلا إذا ردت المظلمة إلى أهلها.

    وإذا أقسم كاذباً ليس لاقتطاع حق امرئٍ مسلم وإنما ستراً على شخص مثلاً، أو لأي سبب فهو آثم؛ لأنه كاذب، لكن كونه يكفر بكفارة مادية لإطعام عشرة مساكين، أو لا يكفر فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرى أنه يكفر؛ لعموم قوله تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [المائدة:89]، وجمهور العلماء يرون أن هذه لا كفارة لها.

    مواطن أداء المسافر زكاة الفطر

    السؤال: شخص يريد أن يسافر للعمرة، فهل يخرج الزكاة في الموطن الذي صام فيه وأفطر، أو يجوز له أن يخرج الزكاة في بلده التي هو منها؟! وهل يجوز له أن ينقلها إلى بلدة أخرى؟

    الجواب: الذي تطمئن إليه النفس -مع أن الأمر فيه سعة- أن تخرج في أي مكان تيسر لك فيه الإخراج؛ حملاً للضمير في قوله عليه الصلاة والسلام: (تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم)، على أنه يرجع إلى عموم المسلمين.

    تفاوت الكفارة في الثواب

    السؤال: هل الإطعام والكسوة في كفارة اليمين سواء؟

    الجواب: قال تعالى: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [آل عمران:115]، فلو كان هناك رجلان كلاهما ثري، فأخرج أحدهما زكاته أرزاً، والآخر أخرجها زبيباً، فمن ناحية الإجزاء كلاهما قد أجزأه فعله لكن هل الله يثيب هذا كما يثيب ذاك؟

    وإن كان الكل قد سقط عنه فرض زكاة، لكن هل من تيمم الطيب وتصدق به كمن تيمم الأدنى وتصدق به؟ قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7].

    وكذلك هل نقول: إن من كسا عشرة مساكين في كفارة اليمين كمن أطعمهم؟ فالإجزاء تم، لكن هل يستوي الثواب؟

    أما إخراج القيمة بدلاً عن الطعام فأفهام صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام تلقي ضوءاً على المسألة باتساع، والإمامالبخاري مع الذين يرون أن القيمة تجزئ، ومن الاستدلالات التي استدل بها البخاري أثر منقطع علقه البخاري : أن معاذاً لما ذهب إلى اليمن -وهذا ليس في زكاة الفطر، إنما في زكاة أخرى- قال لأهل اليمن: ائتوني بثياب خميصة -نوع من أنواع الثياب التي كانت تصنع في اليمن- أيسر عليكم، وأنفع لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فمن العلماء من بنى على هذا الأثر أنه يجوز إخراج القيمة..

    وفي سند الأثر: طاووس، وهو لم يدرك معاذاً ، لكن ما زلنا بصدد البحث عنه. وفي سنن النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر أن من لم يجد بنت لبون فليخرج كذا وكذا، وحدد أشياء، فالمسألة -إن شاء الله- نذكر منها أقوال للسلف الصالح، ليس -فقط- أصحاب المذاهب الأربعة رحمهم الله -وإن كان منهم الأحناف الذين قالوا بالجواز-، لكن من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم.

    والخلاصة أننا احتياطاً لديننا نخرج كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ونحتاط لديننا في ذلك. والله أعلم.

    حال حديث: (الذنب لا يكتب إلا بعد ست ساعات لكي يتوب المذنب)

    السؤال: حديث (الذنب لا يكتب إلا بعد ست ساعات لكي يتوب المذنب) هل هو صحيح؟

    الجواب: صححه الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى.

    المقصود بالمصلى في فضل الجلوس بعد الفجر حتى الشروق

    السؤال: حديث: (من جلس يذكر الله في مصلاه من بعد صلاة الفجر كان له أجر حجة وعمرة تامة)، هل المقصود بمصلاه مكانه الذي صلى فيه حيث لو انتقل داخل المسجد لسقط الأجر؟

    الجواب: المراد عموم المسجد؛ لأن الله قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، ومقام إبراهيم من المعلوم أنه الحجر الذي كان ملصقاً بالكعبة، ثم أبعد عنها وأحيط بالإكليل، فكل من صلى خلف المقام يكون متخذاً من مقام إبراهيم مصلى.

    الجمع بين حديث: (لم يضره شيطان) لمن ذكر الدعاء المأثور عند الجماع، وحديث: (.. إلا وطعنه الشيطان في خاصرته، فيستهل صارخاً غير مريم وابنها)

    السؤال: كيف نوفق بين حديث الرسول في الدعاء عند الجماع أن من قاله فقدر له ولد لم يضره شيطان، وحديث: (ما من مولود يولد إلا ويطعنه الشيطان في خاصرته، فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها) ؟

    الجواب: الضرر في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مسلم يأتي أهله فيقول -كما أمره النبي عليه الصلاة والسلام-: باسم الله. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما ولد لم يضره شيطان)، المراد به: لم يضره شيطان بشرك، أو بكبيرة لا يتوب منها، لكن الضرر الواقع من المعاصي لابد منه، ولزاماً أن يذنب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة)، فالضرر المنفي في قوله: (لم يضره شيطان) أي: لم يضره شيطان بشرك أو بكبيرة لم يتب منها، كما قال كثير من أهل العلم، وقد استشهد بعضهم في ذلك بقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [آل عمران:111]، فقالوا: إنهم يضرون بأذى، لكن لا يضرون ضررا مخرجاً عن ديننا إن شاء الله. وقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:161-163].

    حكم العمل الحكومي

    السؤال: كيف نرد على من يقول: إن الدولة كافرة والعمل في وظائفها حرام؟

    الجواب: دولتنا مختلطة، فيها قوانين باطلة كفرية، وفيها قوانين شرعية، والمثال واضح في المحاكم، فقوانين الزنا التي في المحاكم قوانين كفرية، وقوانين الطلاق والأنكحة قوانين شرعية، فالدولة مختلطة، وأما بالنسبة للعمل فهو جائز -حتى عند الكفار- إذا لم تكن فيه مهانة لدينك، فقد قال يوسف الصديق عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، وقال خباب بن الأرت رضي الله عنه: كنت قيناً -أي: حداداً- بمكة، فعملت لـ للعاص بن وائل أسيافاً ثم جئت أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد.

    فالمرتب الذي تتقاضاه هو مقابل عملك.

    حكم استبدال الذهب مع دفع فارق

    السؤال: هل يجوز استبدال مائة جرام ذهب قديم بمائة جرام ذهب جديد مع دفع الفرق؟

    الجواب: لا يجوز. ولكن بع الجرامات القديمة وتسلم قيمتها، ثم اشتر كيف تشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ويداً بيد).

    حكم الطلاق عبر الهاتف

    السؤال: رجل قال في التلفون لأخته: زوجتي طالق فهل وقع الطلاق؟

    الجواب: نعم. فإذا كان يقصد الطلاق وقال لأخته: زوجتي طالق فالطلاق واقع.

    حكم قبول الهدية ممن يتعامل بالربا

    السؤال: هل تقبل الهدية مع من يتعامل بالربا حتى وإن كانت أكلاً؟

    الجواب: الذي يظهر أنها تقبل والإثم عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعته امرأة يهودية إلى شاة فأكل منها صلى الله عليه وسلم.

    حكم أخذ الرجل من وديعة لديه بغير إذن مودعها

    السؤال: رجلٌ أعطى رجلاً مالاً وديعة، فاحتاج الرجل إليها لشدة ألمت به، ولم يستأذن صاحب المال، وبعد أن فرج الله كربته وضع المال، ولم يشعر صاحب المال، فهل هذا جائز أم لا؟

    الجواب: إذا كنت متأكداً أنك عند طلب صاحب المال لماله أنك تؤديه إليه فلك أن تأخذ منه بقدر الحاجة وترده إليه، وإذا لم يكن بوسعك أن ترد فأد الأمانة ولا تعبث بها، واسأل منه إذا أردت أخذ شيء منه.

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه.