إسلام ويب

تفسير سورة النجمللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الضحك والبكاء من الصفات التي جبل الله عليها الخلق، وهناك أمور تكون أسباباً للضحك والبكاء. ولقد أهلك الله تبارك وتعالى الأمم المكذبة كعاد وثمود وقوم نوح والمؤتفكات، ومن فصاحة القرآن وبلاغته أنه عبر عن تدميرها بكلمة واحدة، ثم ضرب الذكر عنها صفحاً إلى أن تلقى ربها يوم القيامة.

    1.   

    مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه

    الحزونة والابتسامة والضحك صفات جبل الله سبحانه وتعالى عليها الخلق، فمن الناس من هو كثير الضحك، وأصل ذلك من الله سبحانه.

    وكذلك كثير الأحزان، (وقد جاء جد سعيد بن المسيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي، قال سعيد: فما زالت فينا الحزونة).

    فالذي يضحك كثيراً فذلك من الله، والذي يبكي كثيراً فالأصل أن ذلك من الله، فإنه سبحانه هو الذي أضحك وأبكى، ولكن ثم أمور تكون أسباباً للضحك وأخرى أسباباً للبكاء، وإلا فأصل الضحك وأصل البكاء من الله سبحانه وتعالى، فهذه الأمور كالتذكير مثلاً بالموت، والتذكير بالمصائب، والتذكير بالآخرة، كل ذلك يُحزن وإنما هو أسباب فقط، وإلا فهناك من الناس مهما أتته من أسباب الحزن لا يبكي، ومن الناس من إذا أتته كل أسباب السعادة لا يضحك؛ فهذه فقط أسباب.

    وهذه الآية الكريمة احتج بها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما مؤيداً لرأي أم المؤمنين عائشة، في مسألة عذاب القبر، فقد ذهبت أم المؤمنين عائشة إلى نفي عذاب القبر على من نيح عليه، فإنها لما بلغها رضي الله عنها أن عمر وابن عمر رضي الله عنهما يذكران الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، أو ببعض بكاء أهله عليه)، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن : إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في يهود، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ماتت لهم امرأة يهودية، فكانوا يبكون عليها، فقال: إنهم يبكون عليها وإنها لتعذب الآن في قبرها، واقرءوا إن شئتم: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    كذا قالت أم المؤمنين عائشة ، فاستطرد ابن عباس متماً لحديثها بقوله: وقد قال الله سبحانه، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43] يعني أن الضحك والبكاء لا يؤثران في الميت؛ لأن الضحك والبكاء أصلهما من الله سبحانه وتعالى.

    وفي الحقيقة أن لهذه المسألة فقهاً، وهي مسألة هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟

    فقد قال فريق من أهل العلم: إذا كان النوح من سنته، وأوصى الناس بالبكاء عليه بعد موته، فإنه يأثم بكون سنته البكاء على الأموات، ويأثم لوصيته بمخالفة السنة، كما كان قائل الجاهلية يقول:

    إذا أنا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد

    قال سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم:43]، ومن العلماء من قال: إن هذا الضحك والبكاء يكون يوم القيامة، لكن الأكثرين على أنه عام.

    1.   

    منشأ خلق الإنسان ووقت النشأة الأخرى

    قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم:44-46]:

    تُمنى؛ أي: تُسال وتُراق.

    قوله: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى [النجم:47]، قال كثير من أهل العلم: ذلك يوم القيامة.

    1.   

    الفرق بين قوله تعالى: (أغنى وأقنى)

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم:48]، أما الغنى فمعروف، وأما قوله تعالى: (وأقنى) فالإقناء أن تقتني شيئاً إضافياً فوق الغنى الذي أنت فيه، فتصبح مقتنياً لسيارة، أو مقتنياً لعمارة.

    فالغنى هو الاستغناء عن الناس، وفوق الغنى الاقتناء هو مزيد من الاستغناء عن الناس، بحيث يكون عندك أشياء فوق الاستغناء عن الناس، بل أنت الذي تعطي الناس وتتفضل عليهم، فمعنى (فأقنى): جعله يقتني ما اقتناه.

    1.   

    معنى الشعرى وسبب تخصيصه بالذكر

    قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:49].

    والشعرى: كوكب كبير في السماء، فلو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى هو رب كل الكواكب، ورب كل النجوم، فلماذا قال سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:49]؟

    فالجواب: أنه لا إشكال في هذا؛ فإن الشعرى خصت بالذكر لكونها من أكبر الكواكب وأكبر النجوم، فكونه سبحانه ربها فهو رب ما دونها من الكواكب؛ ولأن القوم كانوا يعظمونها، ومنهم من كان يتيامن بها أو يتشاءم بها إلى غير ذلك من المتعلقات بها.

    1.   

    أقوال العلماء في تعدد قبيلة عاد

    قوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى [النجم:50-51]، اختلف العلماء في عاد هل هما عادان أم عاد واحدة؟ من أهل العلم من قال: إن عاداً عادان: عاداً الأولى: وهي التي أُطلِق عليها إِرم كما قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:6-7]، فهي قبيلة إرم بن سام بن نوح؛ فعاد الأولى هي عاد التي أبوها إِرم.

    وأما عاد الثانية: فهي التي كانت تسكن الأحقاف، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ [الأحقاف:21]، وهي بلاد حضرموت باليمن.

    ومن العلماء من قال: إنها عاد واحدة، وليست هناك عاد أولى وعاد أخرى، إنما عاد قبيلة واحدة أُطلِق عليها (عاداً الأولى) باعتبار ترتيبها الزمني بالنسبة للأمم التي جاءت من بعدها.

    فليست هناك على هذا التأويل الثاني عاد أولى وعاد آخرة، إنما هي عاد واحدة، وهي المنسوبة إلى إِرم بن سام بن نوح، وهي نفسها التي كانت تسكن الأحقاف، وأُطلِق عليها الأولى باعتبار تقدمها على سائر الأمم التي ذكرت في كتاب الله سبحانه وتعالى، كثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع وغير ذلك من القبائل.

    1.   

    هلاك الأمم المكذبة

    وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى [النجم:50-51].

    أي: ما أبقاها هي الأخرى، فهذه كلمات موجزة دلت على إهلاك الله لأمم طاغية أشد الطغيان، فأُجمِل أمرها في كلمة واحدة.

    فعاد تلك القبيلة العاتية عبِّر عن تدميرها بكلمة واحدة فصيحة، وهذا من بلاغة القرآن الكريم: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى ، وقبيلة أخرى يُعبَّر عن تدميرها أيضاً بكلمة واحدة قال تعالى: وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى .

    وقبيلة ثالثة: وهي قبيلة نوح قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:52-53].

    فقبائل وشعوب وقرون عاتية في الظلم والجبروت، يُعبر عن إهلاكها بكلمة واحدة، ويضرب عنها الذكر صفحاً إلى أن تلقى ربها سبحانه وتعالى يوم القيامة.

    والقبيلة الرابعة: قوم لوط قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53].

    فالمؤتفكات: هي مدائن قوم لوط، والمؤتفكة هنا كبرى مدائن قوم لوط، وهي التي ذكِرت في قوله تعالى: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ [الحاقة:9]، أي: والمؤتفكات أيضاً جاءوا بالخاطئة.

    والمراد بقوله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53]، أنّ هذه المؤتفكات -مدائن قوم لوط- أهواها الله سبحانه، قال جمهور المفسرين: اقتُلِعت أرضهم وارتفعت إلى السماء، وجعل الله سبحانه وتعالى عاليها سافلها حتى سُمِع للصبيان صياح، وللكلاب نباح، وقُلبت رأساً على عقب، وأتبعت كما قال سبحانه بحجارة من سجيل منضود.

    وقوله: فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم:54]، أي: حل بها ما حل، ونزل بها من العذاب والبلاء والكرب ما نزل، فغشاها وأصابها ما أصابها، ولحق بها ما لحق بها، و(ما) هنا لتعظيم الذي لحق بها، وبيان عظم الدمار الذي لحق بها، وعظم العذاب الذي حل بها.

    1.   

    اقتراب موعد الساعة

    قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:55]: والمراء من الجدل، أي: فعلام يجادلك هؤلاء؟ والآلاء: النّعم.

    هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ [النجم:56-57]، أي: اقتربت الساعة.

    قوله: لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:58]، أي: مانعة تمنعها.

    1.   

    حكم البكاء والتباكي عند تلاوة القرآن

    وقوله تعالى أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم:59-60]، في معرض الذم لمن يضحك وهو يتلو كتاب الله، ولمن لا يبكي وهو يتلو كتاب الله سبحانه، ففيها الحث ضمناً على التباكي عند قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى، وقد دلت على ذلك آيات، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    فيشرع التباكي عند تلاوة القرآن لهذه الآيات الكريمة، ولقوله أيضاً: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:83]، وقد قال القائل: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل)، زاد أحد الرواة في هذا الحديث (من البكاء)، فيشرع التباكي عند تلاوة القرآن.

    قوله: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61]، سامدون فيه أقوال، أحدها: لاهون، والآخر: تغنون، يعني يستبدلون الغناء بتلاوة القرآن.

    1.   

    حكم سجود التلاوة وكيفيته

    قال تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62]، هذه الآية الأخيرة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه فسجد وسجدوا ومن كان معهم من المشركين، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية بالمدينة كما في حديث زيد بن ثابت ، فلم يسجد فيها صلى الله عليه وسلم.

    هذه الآية قرأها النبي بمكة كما في حديث ابن مسعود وسجد صلوات الله وسلامه عليه فيها، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن ثابت في البخاري أيضاً ولم يسجد فيها.

    فمن العلماء من قال: إن السجود كان مشروعاً فيها بمكة ونسخ في المدينة، ومنهم من أبى النسخ وقال: بل تركه صلى الله عليه وسلم لبيان جواز عدم السجود فيها، وأما الأمر فهو على الاستحباب لا على الإيجاب.

    وهذا هو الأصح على ما يظهر من تصرف أمير المؤمنين عمر ، إذ قد قرأ أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه سورة النحل، فجاء إلى السجدة التي فيها وكان يخطب على المنبر فنزل عن المنبر وسجد وسجد المسلمون معه، ثم لما كانت الجمعة المقبلة قرأها أمير المؤمنين عمر فتهيأ الناس للسجود فقال: يا أيها الناس! إنا نمر بالآية فيها السجدة، فمن سجد فهو حسن ومن لم يسجد فلا شيء عليه، وترك أمير المؤمنين عمر السجود في آية النحل التي سجد فيها في الجمعة السابقة.

    فالذي يترجح: أن سجود التلاوة سنة مستحبة وليس بواجب، واستنبط العلماء من سجود النبي صلى الله عليه وسلم وعموم أصحابه وسجود المشركين معه استبعاد أن يكونوا كلهم على وضوء آنذاك، وأن سجود التلاوة لا يلزم له وضوء، إذ يصعب ويشق أن يقال إن الجميع كانوا على وضوء.

    وهل يهوي الشخص إلى سجود التلاوة مكبراً أو يسجد بدون تكبير؟ الأمر في ذلك واسع.

    أما بالنسبة لهذا السجود في الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ورد عنه حديث فيه ضعف من حديث عبد الله بن عمر العمري عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر عند الهوي لسجود التلاوة، واستؤنس لهذا التكبير بعموم الصفات المروية لصلاة رسول الله أنه كان يكبر عند كل خفض ورفع، فأُخِذ من هذا العموم مع خصوص حديث عبد الله بن عمر العمري إثبات مشروعية التكبير عند الهوي لسجود التلاوة، أما خارج الصلاة فالأمر فيها واسع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وقد ثبت أن النبي سجد في هذه السجدة كما قدمنا، وترك السجود فيها أيضاً، وثبت أنه سجد في سجدة (ص)، وثبت أنه سجد في الانشقاق، وكذلك في العلق، وما وراء ذلك من السجدات فموقوفات على أصحاب رسول الله.

    وانعقد الإجماع على بعضها كالإجماع المنقول في سجدة فصلت (حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

    ونقل بعض العلماء الإجماع على السجود في سجدة (ألم * تنزيل..) خارج الصلاة، وفي داخل الصلاة اختلفوا هل يُسجد فيها أو لا يُسجد؟ على قولين لأهل العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.