إسلام ويب

تفسير سورة النور [48-64]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك فرق واضح وبون شاسع بين موقف المؤمنين وموقف المنافقين عند تحاكمهم إلى شرع رب العالمين، فموقف أهل الإيمان السمع والطاعة والإذعان، وموقف أهل النفاق الإعراض والنشوز والعصيان، ويتخذون من الأيمان الكاذبة الفاجرة وسيلة لخداع المؤمنين. ولقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين إن قاموا بما أمرهم الله به حق القيام. وقد تناولت هذه الآيات الآداب والأحكام المتعلقة بالاستئذان داخل المحيط الأسري.

    1.   

    إعراض المنافقين عن التحاكم إلى شرع رب العالمين

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يقول الله سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285] ، فهذا دليل على أن أهل الإيمان قالوا: سمعنا وأطعنا، وقد قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285])، لكن المراد بالقائلين هنا في هذه الآية: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا [النور:47]: هم أهل النفاق لما أفاده ختام الآية، فختام الآية بينت أن المراد بالقائلين هم أهل النفاق.

    وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا [النور:47] أطعنا الله وأطعنا الرسول، ثُمَّ يَتَوَلَّى [النور:47] أي: يعرض، فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47] فإن المعرضين ليسوا بمؤمنين.

    وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [النور:48] إذا حلت بهم نازلة، فقيل لهم: هلم نتحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهلم نتحاكم إلى الشرع، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور:48] ، كما تقول للناس الآن: هيا -يا معشر الناس- نتحاكم إلى كتاب الله، ونتحاكم إلى سنة رسول الله، فيأبون عليك ذلك أشد الإباء، ويتحاكمون إلى قوانين كفرية جاءتهم من بلاد اليونان، وجاءتهم من بلاد الفرنجة، ومن بلاد الكفار، فهذا شأن أهل النفاق، بألسنتهم يقولون: آمنا بالله وبالرسول، بألسنتهم يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فإذا قيل لهم: هلم نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فريق منهم معرضون.

    وشأنهم ذكر أيضاً في سورة النساء قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:60-61]، فهذا شأن أهل النفاق، شأنهم الإعراض عن التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور:48]، لماذا لم يثن الضمير المفرد هنا (ليحكم)، ولم يقل (ليحكما)؟

    ذلك لأن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حكم الله سبحانه وتعالى، فهو حكم واحد إذاً، كما قال سبحانه: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62]، ولم يقل: ( أحق أن يرضوهما )؛ فإن رضا رسول الله من رضا الله سبحانه وتعالى، وطاعة رسول الله من طاعة الله عز وجل.

    وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49] يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم طائعين، وهذا شأن كثير من أهل النفاق الآن، فهم في الأصل لا يتحاكمون إلى الكتاب ولا إلى السنة، لكن إن أرادوا تشريعاً جديداً أو شيئاً جديداً ووجدوا لهم متنفساً في الكتاب والسنة طفق علماؤهم يرفعون الآيات ويرفعون الرايات!

    فمثلاً: عندما تصالحوا مع اليهود إذا بالأيادي ترفع: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنفال:61] ، فإذا وجدوا أي شيء من الكتاب والسنة يشهد لأفعالهم تمسكوا به مع بعدهم عن كتاب الله جملة وتفصيلاً.

    قال سبحانه: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أي: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم فيه، مُذْعِنِينَ أي: طائعين خاضعين.

    أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [النور:50] ، ما الحامل لهم على الإعراض عن التحاكم إلى الله ورسوله؟ هل هو مرض في قلوبهم؟ أَفِي الهمزة الاستفهامية هنا المراد منها: التوبيخ.

    أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا [النور:50] أي: هل شكوا.

    أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50] أي: خافوا أن يظلمهم الله أو يظلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذا كان ذلك فالله ورسوله لا يظلمان الناس بََلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:50].

    ومن العلماء من قال: إن (أم) في قوله تعالى: أَمِ ارْتَابُوا بمعنى: بل، فعلى هذا يكون السياق تأويله كالتالي: أفي قلوبهم مرض: شك وكفر ونفاق، بل ارتابوا، بل يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، وتكون بل بمعنى الواو، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا الارتياب هو: الشك ، أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ أي: يظلم، بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:50].

    1.   

    موقف المؤمنين عند التحاكم إلى شرع الله

    إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، سواءً كان لهم الحق أو كان عليهم، شأنهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فعلى ذلك: أي شخص يُدعى إلى الكتاب والسنة ليحكم فيه، فعليه وجوباً -وليس مخيراً في ذلك- أن يذعن لحكم الله ولحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن بعض الإخوة أحياناً يقدم رأيه على نصوص الكتاب وهو لا يشعر، فبالأمس القريب حدثت مشكلة بين الإخوة في المحل، أحدهم طلق زوجته وهي ما زالت في العدة، فجاء وراجعها قبل انتهاء العدة بيوم أو يومين أو ثلاثة، فإذا بإخواننا يغضبون، وكلهم يقفون ويقولون: لا ترجع إليه! لماذا ورب العزة يقول: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]؟ أي: في العدة، إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]؟ فلا قول مع قول الله، وهي ما دامت في العدة فهي ما زالت زوجة لمن طلقها إذا كان الطلاق رجعياً، ولا يحل لها هي بنفسها أن تقول: لا أرجع له، ولكن أحياناً الهوى يعصف بالدليل عند كثير من الناس.

    قال الله سبحانه: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51] ، وليس سمعنا وأطعنا فقط، بل سمعنا وأطعنا وقلوبهم بذلك راضية، قال الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36] ، وقال سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، فليس فقط أنك ترضى في الظاهر بحكم الكتاب والسنة، لكن أيضاً قلبك يكون مطمئناً راضياً، قال سبحانه: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، فهذا الواجب أمام حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليك أن تسمع وأن تطيع، ويكون قلبك من الداخل راضياً بحكم الله، وراضياً من الداخل بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورب العزة يقسم على هذا، والمسائل التي يقسم فيها الرب قليلة، والقسم فيها دل على أهميتها، فرب العزة يقسم على قيام الساعة لأهمية الساعة: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3] ، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7]، وقال هنا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ليس ذلك فقط، بل ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، هذا هو الإيمان النابع عن رضا من القلب، وعن سمع وطاعة في الظاهر والباطن.

    قال سبحانه: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وإنما تفيد الحصر، أي: ليس لهم قول إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51] والمفلحون: هم الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب، الرجل المفلح: هو الرجل الذي فاز بما يطلب، ونجا مما يرهب، فهو يطلب الجنة ويرهب من النار، فهذا غاية مراد أهل الإيمان.

    وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:52].

    وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ يتقي ما يجلب له العذاب كذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ .

    1.   

    اتخاذ المنافقين الأيمان وسيلة للخداع والتمويه

    وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ [النور:53] أي: أهل النفاق، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ [النور:53] يعني: أنهم بالغوا في الأيمان وأكدوا الأيمان.

    لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ [النور:53] أقسموا واجتهدوا في اليمين لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن معك.

    قُلْ لا تُقْسِمُوا [النور:53] أي: كفانا من أيمانكم، فإنكم كما قال سبحانه: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16] ، وكما قال تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:96].

    قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ [النور:53] في تأويل قوله تعالى: طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ قولان:

    القول الأول: خير لكم من القسم أن تطيعوا الله عز وجل، وتطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة ظاهرة، أي: امتثلوا الأمر إذا طلب منكم فقط، لا نريد منكم إلا أنكم إذا أمرتم بأمر فامتثلوا له.

    والقول الثاني: أي: طاعتكم طاعة معروفة، إنما هي غش وكذب، كما يعدك شخص ميعاداً ويقول لك: سآتيك في وقت كذا وكذا، فتقول له: مواعيدك معروفة، ما معنى مواعيدك معروفة؟ يعني: أنك تعد وتخلف، أو يهددك شخص، فتقول له: تهديدك معروف، يعني: طالما هددت لم تنفذ شيئاً، فكذلك قوله: طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أي: طاعتكم التي تزعمون طاعة معروفة لدينا إنما هي أكاذيب ووعود مخلفة، طاعتكم طاعة معروفة، أي: ليس لكم طاعة، وليس لكم عهد، وليس لكم ميثاق.

    إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [النور:53].

    وهذه الآية أفادت: أن هناك أقواماً يقسمون بالله أيماناً، وهم مع قسمهم كذبة؛ لأن هؤلاء أقسموا بالله جهد أيمانهم، أقسموا وعقدوا الأيمان، والله سبحانه وتعالى قال لهم: قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، وقال في الآية الأخرى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً أي: وقاية يتقون بها، وهناك أقوام يحلفون بالله كذباً، فينبغي أن يعلم المسلم ذلك، ليس كل من يحلف بالله يعتبر صادقاً، فلا تُخدعن كما خدع أبوك آدم لما أقسم له إبليس: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، فأقبل وأكل من الشجرة، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، إذا لدغ أبوك آدم عليه السلام وهو أعقل الخلق فلا ينبغي أن تلدغ، صحيح أن المؤمن يصدق المؤمنين في الظاهر لكن إن كان هناك من القرائن ما يدفع ذلك، فالقرينة مقدمة على اليمين.

    فمثلاً: إذا جاء شخص متهم بجريمة، والشهود شهدوا عليه، فحلف فإنه إذا أقيمت عليه البينة فلا اعتبار باليمين، يعني: إذا جيء بمتهم، والبينات محيطة بأنه مرتكب للجريمة، فحينئذ لا تنفع الأيمان، يقسم مهما يقسم لا اعتبار ليمينه أبداً ما دام الشهود قد قاموا بإثبات الجريمة عليه.

    لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [النور:53].

    1.   

    مهمة الرسول البلاغ

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليستخلفنهم في الأرض...)

    وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55] أي: يجعلهم خلفاء في الأرض، ويجعلهم يملكون الأرض.

    من هم المعنيون بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ ؟

    هل المعنيون بها فئة معينة من المؤمنين أم المعنيون بها عموم من آمن وعمل صالحاً؟

    لأهل العلم قولان:

    أحدهما: أن المعني بها أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد وعدهم الله بذلك، ووفى لهم سبحانه وتعالى، فملكوا ملك كسرى وقيصر، وطردوا الفرس والروم، وأبدلوا دول الكفر بدول الإسلام، ودخل الناس على أيديهم في دين الله أفواجاً.

    القول الثاني: إن المراد عموم المؤمنين، فكل من آمن وعمل صالحاً ليستخلفنه الله في الأرض، إلا أن هذا الأخير يعكر عليه الواقع الذي نعيشه، فإن قال قائل: كيف هذا والمسلمون ضربت عليهم الذلة في هذه الأزمان؟ فالإجابة: إن عموم المسلمين الآن لا يعملون الصالحات، فخرجوا من تحت هذه الآية، إنما كما قال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، فأكثرهم ابتعد عن كتاب ربه وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وابتعد عن العمل الصالح، وإن شئت فانظر أيهما أكثر عمراناً المساجد أو ملاعب الكرة؟! وهل المحاضرات التي تبث في التلفزيونات والإذاعة أكثر أم أكثر ما يبث اللهو والمجون؟

    فالإجابة: أن الأغلب لم يعملوا صالحاً، والحكم للأغلب كما هو مقرر في الشرع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة ..) الحديث.

    فلهذا يقال: إن وعد الله لا يتخلف، ولكن إذا كانت الكثرة لأهل الإيمان والعمل الصالح كما كان الحال في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل سيستخلفهم، ووعده لا يتخلف سبحانه.

    فهذان هما التأويلان في الآية الكريمة، أحدهما: أن المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا إشكال في تأويل الآية، فقد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ما وعدهم.

    والثاني: أن المراد عموم المؤمنين، وقد يرد إشكال وهو: انفصام الواقع عن الآية، ولماذا لم يستخلف المؤمنون الآن؟ فالإجابة: أن أكثر المسلمين الآن حادوا عن طريق الله، وحادوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف شرط العمل الصالح عن شرط الإيمان، والله تعالى أعلم.

    لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [النور:55] أي: يجعلهم خلفاء في الأرض.

    المعنيون بقوله تعالى: (كما استخلف الذين من قبلهم)

    ومن المعنيون بقوله تعالى: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55]؟

    قال جمهور المفسرين: إن المراد بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه وتعالى قال في شأنهم: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ [القصص:5]، وهم الإسرائيلون الذين كانوا يذبحون، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:5-6] فأحد القولين: أن الذين استخلفوا من قبل أمة محمد هم بنو إسرائيل وكما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137].

    ومن المفسرين من قال -وله وجه-: إن الذين استخلفوا من قبلهم أعم من كونهم بني إسرائيل، فبنو إسرائيل صحيح أنهم استخلفوا، لكن قصر الآية عليهم غير جيد، فإن هناك من استخلف وليس من بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، صحيح أن يوسف من أبناء إسرائيل، لكنه ليس المعني في تفسير الجمهور القائلين بأنهم الذين كانوا في زمن فرعون، ويوسف قد مكن أيضاً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:56]، لكن الأشهر هو قول الجمهور كما سمعتم.

    وعد الله بارتفاع راية الإسلام

    لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55] أي: سيمكن الله عز وجل لهذا الدين، والدين هو: الإسلام كما في قوله تعالى -على منهج الذين يفسرون القرآن بالقرآن وهو منهج جيد-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ أي: أن راية الإسلام ستعلو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من بيت وبر ولا مدر إلا وسيدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله سبحانه: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33]، وهذا قد كان في زمن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيكون أيضاً بين يدي الساعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي وردت في أشراط الساعة وما يتعلق منها بالمهدي، ونزول عيسى صلى الله عليه وسلم.

    وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55]، فهل كان الصحابة يخافون؟ الإجابة: نعم، كان الصحابة في بداية الأمر يخافون أن يتخطفهم الناس: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال:26].

    قال سبحانه: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] من كفر بعد هذا التمكين فأولئك هم الفاسقون.

    العلاقة بين الصلاة والزكاة والتمكين في الأرض

    وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56] من يربط بين الآية والتي قبلها يقول: إن من أسباب التمكين في الأرض: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

    ومنهم من يقول شيئاً آخر حاصله: أنك إذا مكنت عليك أن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة كما قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]، فكل من مُكن في الأرض أي نوع من التمكين عليه أن يقيم الصلاة في المكان الذي هو فيه، ويؤتي الزكاة كذلك ويحث عليها.

    الطبيب في المستشفى عليه أن يحث الذين تحت يده، المدير في المدرسة عليه أن يحث الذين تحت يده، كل مسئول عليه أن يحث رعيته على إقامة الصلاة وعلى إيتاء الزكاة قدر استطاعته.

    قدرة الله على الكافرين

    لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [النور:57] معجزين أي: فائتين أو هاربين، أي: أنهم لن يفوتوا الله عز وجل، لا تظن أبداً -يا محمد- أن الذين كفروا فائتون، إنما اعلم تمام العلم أن الله قادر عليهم وعلى الانتقام منهم، وعلى الانتصار منهم.

    لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [النور:57].

    1.   

    الآداب والأحكام المتعلقة بالاستئذان داخل البيوت

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النور:58]وهذا حكم الاستئذان داخل البيوت، وقد تقدم حكم الاستئذان من خارج البيوت.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا من آمنتم بالله، ورضيتم به رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وهم: العبيد والإماء.

    وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور:58]، الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، وبلوغ الحلم معروف إما أن يكون بالاحتلام، وإما بالإنبات، وفريق يرى أنه ببلوغ خمس عشرة سنة، فالذين أقل من هذه السن، وهم مميزون، فالآية في حقهم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور:58] أي: الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم الذين يميزون، أما الأطفال الرضع فالآية لا تتعلق بهم؛ لأنهم لا يعرفون معنى الاستئذان.

    ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ [النور:58]، أي: عليكم -يا أهل الإيمان- أن تعلموا أولادكم المميزين الاستئذان ثلاث مرات، إذا جاء الطفل يدخل على أمه وعلى أبيه في هذه الثلاثة الأوقات عليه أن يستأذن، ولا يكون الأمر فوضى، فإن الولد قد يهجم على الغرفة فيجد أمه وأباه في موضع يكرها أن يُريا فيه، فيخرج ما رأى.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ [النور:58] في هذه الأوقات على الأم والأب أن يعلما ولدهما الاستئذان.

    وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ استدل بها بعض العلماء أن الشخص إذا كان في خلوة يجوز له أن تنكشف عورته شيئاً ما إذا كان لا يراه أحد، ومن العلماء من قال: الأفضل أن يستتر في الخلوة أيضاً؛ لأن الملائكة تراه، بل لأن الله سبحانه وتعالى يراه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الله أحق أن يستحيا منه).

    وقوله تعالى: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ [النور:58] لأن هذه الأوقات الثلاثة مظنة انكشاف العورات، الرجل يدخل ينام ويخلع ثيابه، فقبيح بالأب أن يرى ولدُه عورته، وقبيح بالأم أن يرى ولدها عورتها، فهذا قبيح وإنما يفعله من لا خلاق له.

    ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور:58]، في غير هذه الأوقات الثلاثة لا تشقوا على الأطفال أن يستأذنوا في كل وقت، إنما الأطفال يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة، أما الكبار فيستأذنون في كل وقت.

    في غير هذه الأوقات الثلاثة الأمر متجه إليك أن تستر عورتك، في غير الأوقات الثلاثة عليك -يا رجل- وعليك يا -امرأة- أن تستترا، لكن في الأوقات الثلاثة على الولد أن يستأذن على أبويه، وهذا منحى شرعي ينحى في عدة مسائل، فالرسول صلى الله عليه وسلم حكم أن ما أتلفته الماشية بالنهار فلا جزاء على صاحب الماشية، يعني: في النهار أنت تحرس بستانك وتحرس حقلك، فإذا جاءت الماشية واعتدت عليها يمكنك أن تطردها أنت، لكن إذا اعتدت الماشية ليلاً فأتلفت أرضاً فيعزم صاحب الماشية؛ لأنه كان ينبغي عليه أن يربطها، ولذلك يحكم في الديات الآن في بلاد السعودية: لو أن جملاً كان يمشي في الطريق وجاءت سيارة بسرعة فصدمت الجمل، ينظر في تحديد الأحكام: هل كان هذا ليلاً أو نهاراً؟ إن كان هذا نهاراً فيغرم صاحب السيارة أرشاً إن كان الجمل مجروحاً، ويغرم قيمة الجمل إذا قتل الجمل، وإن كان هذا ليلاً فيغرم صاحب الجمل الإتلافات التي في السيارة، وإن مات من في السيارة يتحمل صاحب الجمل دية الذين ماتوا؛ لأنه أرسل ماشيته ليلاً فأضرت بالعباد.

    فهذا المنحى الشرعي: ففي هذه الأوقات الثلاثة التي هي من حقك أنت لا يعتدى عليك، فمن حق الرجل أن يسكن مع امرأته في هذه الأوقات الثلاثة، إذا جاء الولد يدخل فعليك أن تعلمه الاستئذان، أنت لست كل وقت مع زوجتك، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة لا تحرج على الولد إذا كان طفلاً أن يستأذن، فإن ذلك يشق عليه.

    قال الله سبحانه: ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور:58]، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة: ليس عليكم ولا عليهم جناح، والمراد بالجناح: الإثم، أي: ليس عليكم ولا عليهم إثم بعدهن.

    طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ [النور:58] أي: من شأن الأطفال أن يطوفوا على أبويهم، هذا يدخل عليه وهذا يخرج، فكونهم طوافين عليكم يشق على الطواف أن يطرق دوماً، فخفف عن الأطفال لهذا الغرض، قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الهرة: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).

    طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58].

    وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59]أي: في كل وقت.

    كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:59] من أهل العلم كـعبد الله بن عباس رضي الله عنهما من يقول: إن هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها، وهي آية محكمة في كتاب الله عز وجل لم تنسخ، كذا قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، هي وآية إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ترك الناس العمل بها وقالوا: إن أكرمكم أغناكم وأوجهكم.

    وكذلك قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء:8] ترك الناس العمل بها، إذا جئت والناس يتقاسمون الميراث، لا أحد من الذين يتقاسمون الميراث يقول: يا جماعة! أنتم تتقاسمون عشر قطع من الإرث، هيا نتصدق منها على الفقراء، ما أظن هذا يحدث الآن، هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها مع أنها محكمة لم تنسخ على الصحيح، أما تعليل البعض بأن الأبواب قديماً كانت من الستور، وكان الأطفال يهجمون فيدخلون على أمهاتم وآبائهم مباشرة، أما الآن فأصبحت الأبواب لها أقفال ونحو ذلك فلا يحتاج إلى إذن، فهذا ليس بجيد أيضاً، فقد يغلق الوالد الباب وينسى أن يقفله بمفتاح، فإذا جاء الولد وفتحة رأى ما يكره، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وهذه الآية أصل في حفظ تصورات الأطفال، وإبقائها نظيفة، وهذه الآية تبين محاسن ديننا، فمن محاسن الدين: أن يبقى فكر الولد نظيفاً جميلاً يفكر فيما يرضي الله، ولا يفكر في العبث والفجور والمجون، وهذه الآية فيها إرشاد إلى أنه ينبغي أن نمنع أبناءنا من النظر إلى شاشات التلفاز وما فيها من فضائح، فمنع الله الطفل من الدخول على أمه وأبيه حتى لا يرى مناظر مكروهة، فمن ثم كل مكروه يأخذ نفس الحكم، إذا كان الطفل سيرى في شاشات التلفاز رجلاً فوق امرأة، أو الطفلة سترى في التلفاز رجلاً يقبل امرأة فنفس الحكم، فيجب أن يمنع الابن والبنت من رؤية التلفزيون، والله أعلم.

    1.   

    أحكام القواعد من النساء

    يقول الله سبحانه: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:60].

    قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فيه مقدر: حكمهن أنه ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.

    وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ لأهل العلم أقوال في تحديد القواعد من النساء:

    فمنهم من قال: إن القواعد من النساء هن النساء اللواتي يئسن من المحيض.

    ومنهم من قال: قد تكون المرأة يئست من المحيض ومع ذلك فهي تشتهى وبها قوة، فلا تكن من القواعد.

    ومنهم من قال: إن القواعد من النساء هن النساء اللواتي لا يستشرفن للنكاح ولا يرجونه، أي: هي المرأة التي لا تريد النكاح ولا ترغب فيه، يعني: انقطعت حاجتها في الرجال.

    ومنهم من قال: هن النسوة اللاتي كبرن حتى صرن لا يُشتهين، فهذه بعض أقوال العلماء في تحديد القواعد من النساء.

    قال سبحانه: اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا أي: لا يرغبن في النكاح، ولا يشتهين النكاح، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أي: ليس عليهن إثم، فالجناح هو الإثم.

    فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ والمراد هنا قطعاً: بعض ثيابهن، فليس معنى ( أن يضعن ثيابهن) كل الثياب، إنما المراد: أن ينزعن بعض ثيابهن، أو ثيابهن الخارجية التي هي بمثابة الجلباب، فالمرأة في الغالب ترتدي درعاً أي: قميصاً، وليس المراد به: قميص النوم، إنما ترتدي ثوباً وفوق الثوب ترتدي جلباباً، فيجوز لها أن تخلع الجلباب وتبقى بالثوب -ثوب البيت- ومعه الخمار من غير تبرج.

    فمن أهل العلم من قال: إن الثوب الموضوع هو الجلباب الخارجي، فمثلاً: نساؤنا يلبسن ثوباً أسود، وتحته ثوب آخر، فلا جناح عليهن إذا كن من القواعد أن يضعن ثيابهن الخارجية، ومع ذلك يحتطن، ولا يكن متبرجات بزينة، والتعفف أفضل كما لا يخفى، فإن جرير بن حازم أخرج عنه البيهقي بسند صحيح: أنه دخل على حفصة بنت سيرين وكانت من القواعد آنذاك، فرآها وهي مرتدية للنقاب والجلباب فقال لها: يا أماه يرحمك الله! ألم يقل الله سبحانه: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]؟ فقالت له هذه المرأة الرشيدة: أكمل الآية، فأكملها: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60] قالت: فهو إثبات النقاب.

    فالاستعفاف مع ذلك خير، فكما قال فريق من العلماء: إن لكل ساقطة لاقطة، فقد تكون المرأة لا تشتهى في نظرك ولا تشتهيها نفسك، ولكن ثم أنفس أخر تشتهيها وترغب فيها، فلذلك قال سبحانه: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ أي: يستعففن ولا يضعن شيئاً من جلابيبهن.

    قال سبحانه: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ [النور:60] التبرج: يطلق على التكشف، ويطلق على الظهور والبروز، قال سبحانه: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، فأطلق عليها بروجاً لارتفاعها، قال سبحانه: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [الحجر:16] فمن معاني التبرج: التكشف وإظهار ما خفي، فهذا من معاني التبرج.

    فالمرأة القاعد وإن جاز لها أن تضع جلبابها إلا أنها مع وضعها الجلباب لا تتبرج، فلا تظهر حليها مثلاً للأجانب، كالعقد الذي يكون في صدرها، والقرط الذي يكون في أذنها.

    غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:60] سميع للأقوال، عليم بما في النيات وما في الضمائر وما في السرائر، فهو يعلم هل وضعها لثيابها لأنه يشق عليها أو تبرج منها؟ العليم بذلك هو الله سبحانه وتعالى، الله سميع لقولها إذا تكلمت، هل تريد بكلامها خضوعاً في القول، وجذباً للرجال إليها، ولفت أنظار الرجال إليها؟ عليم بنياتها وبضميرها وما تكنه نفسها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

    1.   

    نوع الحرج المرفوع عن الأعمى والمريض والأعرج

    وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61] ما هو الحرج؟ أسلفنا أن الحرج الإثم، فالحرج والجناح بمعنى واحد، ومن معانيه الإثم، قال سبحانه: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ .. [النور:61] الآية. فأفادت الآية أن الحرج المرفوع هو الحرج في الأكل، أما آية الفتح فالحرج المرفوع فيها هو الحرج في التخلف عن الجهاد، وهذه الآية الكريمة سبب نزولها هو ما أخرجه البزار في الزوائد: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخرجون للغزو، ويتخلف المرضى وذوي العاهات، فيعطي الغزاة مفاتيح بيوتهم لهؤلاء الزمنى والمرضى الذين بقوا، ويرخصون لهم في الأكل من البيوت، فيتحرج هؤلاء الزمنى والمرضى من الأكل من البيوت، ويقولون: لعلهم أعطونا مفاتيح بيوتهم وأذنوا لنا في الأكل من البيوت عن غير طيب نفس، فيتحرجون من الأكل، فأنزل الله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ.. [النور:61] الآيات.

    فقال بعض العلماء: إن الحرج الموضوع هو الحرج في الأكل، ومنهم من قال: إن الأعمى كان يذهب إلى بيت السليم المعافى، فيأخذه المعافى ويذهب به إلى بيت أقارب له ليأكل عندهم، فيقول الأعمى: إنما يأخذنا إلى بيت غيره, ويستنكف من الأكل في هذا البيت.

    وقال آخرون: إن المبصرين والأصحاء كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان، وتحرجهم كان على قسمين:

    فقسم منهم يتحرج من الأكل مع العميان تقذراً، فإذا مد الأعمى يده إلى لقمة قد لا يضبط يده ويضعها في وسط الطعام، أو تتلوث يده بالطعام فيتقذر الصحيح ويمتعض من الأكل معه.

    وقسم كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان ليس للسبب المذكور، إنما يقولون في أنفسهم: قد نأكل مع العميان فتمتد أيدينا إلى طعام أفضل من الطعام الذي يأكله الأعمى لأنه لا يرى، فيمتنعون عن الأكل معهم تورعاً.

    فهناك طائفة تمتنع تورعاً، وطائفة تمتنع تقذراً، فهذا قول في الآية أن الحرج المرفوع في الطعام.

    ومن العلماء من قال: إن الحرج المرفوع عن الأعمى في الشيء الذي يفعله المبصر ولا يستطيعه الأعمى، إذا كان هناك أي شيء يُفعل بناءً على الرؤية بالنظر وتركه الأعمى، فالأعمى معذور فيه ولا يؤاخذ، وإذا كان هناك أي شيء يفعله صحيح الرجلين فالحرج مرفوع عن الأعرج في كل شيء يفعله صحيح الرجلين.

    فمثلاً: صحيح الرجلين يصلي وهو قائم، الأعرج لا يستطيع ذلك فيصلي وهو جالس.

    صحيح الرجلين يجاهد، الأعرج رجله تعوقه عن الجهاد فيرتفع عنه الحرج في الجهاد، فهذا قول أيضاً في الباب.

    وكذلك المريض في كل شيء يعوقه المرض ويخلفه عنه؛ لا يؤاخذ فيه.

    إذاً: حاصل الأقوال في الحرج المرفوع عن الأعمى والأعرج والمريض: أنه في الطعام، وأُذن لهم أن يأكلوا مع الناس، وأُذن للناس أن يأكلوا معهم، ورفع الحرج أيضاً في كل ما يتخلفون عنه بسبب العلة التي بهم.

    لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61]فعلى ذلك لا يؤاخذ العميان كما يؤاخذ أصحاب البصر.

    لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ [النور:61]وهذه الآية من آيات رفع الحرج الواردة في كتاب الله.

    1.   

    جواز الأكل في بيوت المذكورين في الآية بحسب العرف

    قال تعالى: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61]، الآية أفادت أنه يجوز لك أن تدخل هذه البيوت، وأن تأكل منها ولو لم تستأذن، لكن هل الأمر على إطلاقه أو فيه تفصيل؟ لا شك أن في الأمر تفصيل، ففرق العلماء بين الطعام الذي يقع به الحرج والطعام الذي لا يقع به الحرج، فقد يقول مثلاً: تمري موضوع في البيت في مكان عام في البيت، فلا بأس أن تأكل من هذا التمر الموضوع في البيت بدون استئذان، لكن قد تكون الأم -مثلاً- أو الأخت أو الصديق اشترى مثلاً كيلو سمن بلدي غالي الثمن، أو كيلو عسل يستعمله للعلاج ويحفظه في صندوق بعيد عن الأيدي؛ فلا تأت وتكشف الصندوق وتلتهم الكيلو العسل أو الكيلو السمن! هنا فرق قال كثير من العلماء في مثل هذه الحالة الأخيرة: يُحتاج إلى إذن.

    ومنهم من قال: إن المسألة مسألة عرفية، يعني الحكم فيها مردود إلى الأعراف السائدة.

    فمثلاً: في بلادنا إذا دخل أخوك عندك وأكل خبزاً أو أرزاً أو بطاطساً، فهي أشياء لا تؤثر في العادة في نفسية الذي أُكل عنده، أما إذا اشترى شخص مثلاً كيلو لحم -وهو يشتري في الشهر كيلو لحم- وحفظه في موطن ما، وجاء أخوه في غيابه والتهمه، لا شك أن الحكم في هذه الحالة يختلف، فقال بعض العلماء بهذا التفصيل الذي سمعتموه لعمومات أخر دلت مع الآية، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي صححه بعض أهل العلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه)، ووضعوا للآية ضوابط.

    ومنهم من قال: ترجع المسألة إلى نفسية صاحب البيت، وإلى الصداقة الموجودة بين الداخل وبينه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    لكن على التقعيد يجوز لك أن تأكل ما تعارف عليه الناس من بيوت المذكورين، والله أعلم.

    وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ [النور:61]، الزوجة تأكل من بيت الزوج بغير إذنه؛ لأن البيت أصلاً منسوب إليها، وكما قال راوي الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق مع صفية بنت حيي ليقلبها إلى بيتها، وكان بيتها قريباً من دار أسامة بن زيد كما قال الله سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ [الطلاق:1]، فنسب البيوت إليهن، وعليه: فالمرأة تأكل من بيت الزوج مطلقاً بغير إذن.

    قال سبحانه: أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [النور:61]يعني لو أن شخصاً أمه متزوجة برجل آخر يجوز له أن يدخل عندها ويأكل.

    أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61]، وهذا بالنسبة للقهرمان الذي هو بمعنى الخادم، في بيوت الأثرياء يضعون غرفة للطعام فيها مثلاً: الأرز والسمن وكل متعلقات البيت بكميات، ويجعلون عليها خادماً، وإذا احتاجوا شيئاً أو أمره صاحب البيت أن يعطي فلاناً شيئاً من هذا الخبز أعطاه، فالقائم على هذا الذي بيده مفاتيح هذه الأمكنة يجوز له أن يأكل منها، وهذا يتفق مع عمومات الشرع كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ولي الخادم طعام أحدكم فليناوله منه اللقمة وليناوله منه اللقمتين)، فكما أن الخادم يقوم على حفظ طعام البيت فيجوز له أن يأكل منه.

    أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا [النور:61] أي: مجتمعين أَوْ أَشْتَاتًا [النور:61] أي: متفرقين.

    إذاً: يجوز لك أن تأكل مع جماعة، ويجوز لك أن تأكل بمفردك، إلا أن التجمع على الطعام أولى (اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه)، فالتجمع على الطعام أولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم)

    وقوله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] ما المراد بالبيوت هنا؟

    من العلماء من قال: إن المقصود عموم البيوت، فوُجه إليه القول: هل يسن إذا دخلنا بيتاً مسكوناً فيه أناس أن نقول: السلام علينا فنسلم على أنفسنا؟ فقال قائل هذا القول: إن المعنى سلموا على إخوانكم، فإن المؤمنين كالجسد الواحد كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد،) وكما قال تعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] أي: يقتل بعضكم بعضاً، وليس المراد الانتحار، وكما قال تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً، وقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ [النور:12] أي: بإخوانهم، فقال قائل هذا القول: إذا دخلت بيتاً أي بيت كان فسلم على من فيه، فالمعني بالنفس: المؤمنون الذين هم داخل البيت.

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالبيوت المسكونة ما تقدم في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] وهذه الآية التي بين أيدينا في البيوت غير المسكونة، يعني: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد، فقال هذا الفريق من العلماء: قل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: سلم على نفسك، على ظاهر الآية.

    ومنهم من قال: إن هذه البيوت هي المساجد، أما كون المساجد يطلق عليه بيوت، فهذا في كتاب الله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36] قالوا: فإذا دخلت المسجد فسلم عند دخولك المسجد على من في المسجد، وقال آخرون أيضاً: إن المراد بالبيوت: بيوت الداخلين، إذا دخل الشخص بيته يسلم على أهله التي هي بمنزلة نفسه، وقال ابن العربي رحمه الله: إن الله سبحانه وتعالى أطلق البيوت ولم يقيدها، فعم ولم يخص فقال سبحانه: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا [النور:61] فأي بيوت يدخلها الشخص يسلم على من فيها، سواء كان فيها أشخاص أو لم يكن فيها أشخاص، وهذا القول بالعموم في هذا الموطن قول قوي؛ إذ ليس هناك ما يمنع التعميم، والله أعلم.

    من ثمار السلام

    وقوله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً [النور:61] أي: أن الأمر بهذه التحية إنما هو أمر من الله سبحانه وتعالى.

    فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً [النور:61] وقد تقدم أن البركة: ثبوت الخير في الشيء، وتطلق البركة على النمو والازدياد، فمعنى بارك الله فيك أي: نمى الله الخير فيك، وزاد الله الخير فيك، وثبت الله الخير فيك.

    فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61]، تطيب بها أنفس من دخلت عليهم، فإذا دخلت على قوم فسلمت عليهم، أو إذا مررت بقوم فسلمت عليهم، طابت نفوسهم تجاهك، وارتاحت نفوسهم لحديثك، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، فإفشاء السلام سبب في إيجاد المحبة بين المسلمين والمسلمات، فكم من ضغينة دفنت بسبب قول: السلام عليكم، وكم من بلية تُجنبت بسبب قول: السلام عليكم، وكم من فتنة قامت واشتعلت بسبب ترك السلام!

    قال سبحانه: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور:61].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (على أمر جامع)

    ثم قال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [النور:62] أي: إنما المؤمنون الذين كمل إيمانهم.

    الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور:62] وهذا الأصل، ثم شيء آخر وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ [النور:62] أي: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ [النور:62]ما المراد بالأمر الجامع؟ الأمر الجامع هو الأمر الذي يجتمع الناس عليه، فعلى ذلك الأمر الجامع: هو الأمر ذو الأهمية الذي يجمع الناس.

    فمن ذلك مثلاً: صلاة الجمعة أمر جامع، الدعوة للجهاد والخروج إليه أمر جامع، الاجتماع لحفر الخندق أمر جامع، فهناك أمور جامعة كان يجتمع عليها الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأمر الجامع مثلاً أن يقال: هيا -يا إخوان- نحفر قواعد المسجد، فتأتي أفواج أهل الصلاح، ويستحي قوم فيدخلون في وسطهم فيبدأ العمل، فتجد قوماً يتسللون لواذاً، يهرب الواحد بعد الآخر، يتسلل ويهرب، هذا من ناحية، وهذا من ناحية أخرى، وهذا يستتر وراء هذا ويهربان، وكذلك كان الحال كما قال بعض العلماء في الجمعة على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كان بعض الجالسين من أهل النفاق، هو أصلاً متبرم من الجمعة ومتبرم من الصلوات، فيتسلل هرباً، ويأتي آخر ويهرب بعده، ويأتي آخر ويستظل بهذا حتى يهربا معاً، كذلك في حفر الخندق، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفر الخندق مع أصحابه، فيأتي قوم يريدون الكيد للإسلام يتسللون لواذاً، هذا يهرب بعد هذا، وهذا يهرب بعد هذا، وهذا يظهر في الأعمال الجامعة دائماً، تجد قوماً من ضعاف الإيمان هذا ديدنهم وهذا شأنهم، ليس لهم في الخير نصيب، مثلاً يقال: هيا -يا إخوان- نكنس المسجد، تجد فئة مؤمنة تقوم وتجتهد وتتفانى في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفئة بليدة محرومة عندها غضاضة، تهرب واحدة تلو الأخرى، فالأمر الجامع هو الأمر الذي يجتمع المسلمون عليه، ففي هذا الأمر الجامع قوم مقبلون على الخير، وقوم أهل كبر وأهل غطرسة محرومون من الخير يهربون واحداً تلو الآخر، وهذا في أعمال البر بصفة عامة، فالله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [النور:62] أي: كاملو الإيمان الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور:62]، يعني يقولون: ائذن لي -يا رسول الله- معي كذا وكذا، أما خلسة وهروباً فهذا فعل أهل النفاق، لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، وهذا أيضاً من الأدلة الدالة على رفع الحرج، فمع أن الأمر أمر جامع جاز للإمام أن يأذن لذوي الأعذار، قد يكون الشخص مشغولاً فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ [النور:62] أي: للانصراف لمشاغلهم أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور:62]، فإذا كان المستأذن مؤمناً بالله واليوم والآخر، فما بالك بغير المستأذن الذي يمكث يعمل فهو من باب أولى أشد إيماناً.

    فهنا ثلاثة أصناف: قوم بقوا في العمل مع النبي صلى الله عليه وسلم وبقوا معه في الأمر الجامع.

    وقوم تسللوا لواذاً.

    وقوم استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم لأعذارهم.

    إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النور:62]، ليسوا كلهم يؤذن لهم، إنما يؤذن لمن تراه أنت، وهذا موكول إلى اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي تراه محتاجاً إلى الإذن ائذن له، فهذه الآية خيرت الرسول صلى الله عليه وسلم ورفعت الحرج عن الرسول أيضاً؛ لأن الرسول قد يأذن لشخص من غير أصحاب الأعذار تستر بعذر، فالله لم يقل له فأذن لأصحاب الأعذار منهم، فإن الرسول لا يعلمهم، إنما فيها أيضاً رفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أباح الله له أن يأذن لمن شاء منهم.

    فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ [النور:62]، فيه دليل على أن هذا الاستئذان في نفسه فيه خلل لترك العمل الجامع، فلذلك جبر هذا الخلل؟ باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فهنا عمل خير، والناس مجتمعون عليه، فلما جاءه قوم يستأذنونه أذن لهم، فالاستئذان في نفسه قصور منهم، فيجبر هذا القصور بأن يستغفر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:62].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)

    وقال الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63] الدعاء هنا المراد به: نداء النبي صلى الله عليه وسلم لكم، يعني: إذا دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر فلا تظنوا أن دعوته لكم لهذا الأمر كدعوة غيره، يعني: إذا دعاك زيد من الناس فليست دعوة زيد لك -تعال يا فلان- كدعوة رسول الله، إنما الواجب مع رسول الله أن تسمع له وأن تطيع، ففرق بين معصيتك ومخالفتك لرسول الله وبين إجابتك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا سعيد بن المعلى يصلي فدعاه، فلم يخرج أبو سعيد من صلاته، فقال له النبي بعد أن انصرف من الصلاة: (ما منعك أن تجيب؟! قال: إني كنت في صلاة يا رسول الله! قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24])؟ فهذا رشح أن المراد بالدعاء في الآية: المناداة، أو الدعوة التي هي: تعال يا فلان!

    وقيل: إن المراد بالدعاء: دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام على الناس أو للناس، فإذا دعا الرسول على قوم أو دعا الرسول لقوم فليست دعوته كدعوة غيره عليه الصلاة والسلام، إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم انتقم من فلان، أو اللهم اغفر لفلان، فدعاؤه عليه الصلاة والسلام أو دعوته بهذا الصدد ليست كدعوة غيره عليه الصلاة والسلام.

    ومن العلماء قال في هذا الباب: دعوة أهل الصلاح ليست كدعوة غيرهم، فمثلاً: أنت تؤذي عبداً من عباد الله الصالحين، فدعوته عليك ليست كدعوة غيره، فهو صالح مظلوم، ويستدل لهذا المعنى بقوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    ففي الآية تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، والحث على توقيره عليه الصلاة والسلام، وعلى تعظيمه صلى الله عليه وسلم، ولهذا شاهد آخر من التنزيل، وهو قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح:9]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3]، فليس قول الرسول عليه الصلاة والسلام كقول غيره، ليست مناداته صلى الله عليه وسلم للناس: تعالوا أيها الناس! كدعوة غيره، وليست دعوته صلى الله عليه وسلم على الناس: اللهم افعل بهم وافعل! كدعوة غيره لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ..)

    وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ [النور:63]، قد هنا للتحقيق أي: قد علم الله، كما قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب:18]، ليست على الشك، إنما هي للتحقيق قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [النور:63]والتسلل: هو الهروب بخفية، تسلل فلان إلى مكان كذا وكذا، تسلل من بين الأشجار، فالتسلل هو الهروب خفية، ولاذ فلان بفلان يعني تستر به:

    يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره

    لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره

    فألوذ به من معانيها: أستتر به قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [النور:63] فاللواذ: هو التستر في الهرب، يعني شخص يريد أن يهرب فيمشي خلف شخص حتى يستتر به ويهرب.

    مثلاً: شخص أراد أن يخرج يوم الجمعة ولكنه خائف أن يخرج مباشرة، فينظر إلى اثنين أو ثلاثة خارجين، ويجعل نفسه في وسطهم ويخرج هرباً!

    1.   

    عاقبة مخالفة أمر النبي عليه الصلاة والسلام

    قال الله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور:63] كلمة عن هنا: هل هي زائدة أو لها معنى؟ من أهل العلم من قال: عن زائدة، والمعنى: فليحذر الذين يخالفون أمره، قالوا: ولغة العرب منها أحرف زائدة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.

    ومن العلماء من قال: عن هنا بمعنى بعد، فليحذر الذين يخالفون بعد أمره، كما قال تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، على أحد الأقوال في تأويلها: أي: بعد أمر الله له بالطاعة فسق.

    ومنهم من قال: هنا محذوف مقدر، فالمعنى: فليحذر الذين يخالفون معرضين عن أمره، قال: فعن تضمنت الإعراض، ولكن حذف الإعراض، فليحذر الذين يخالفون معرضين عن أمره عليه الصلاة والسلام، هذه ثلاثة أقوال في الآية.

    فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور:63] الفتنة: الكفر، وقد تطلق الفتنة على أشياء أخر، تطلق الفتنة على: التعذيب بالنار، وتطلق الفتنة على الشرك فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:161-163].

    لئن فتنتني لهي بالأمس قد فتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم

    وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم

    فقوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ، أي: صرف عن الدين، أو كفر وشك ونفاق في قلوبهم، وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أن المراد بالفتنة هنا: الشرك، وفكر قليلاً كيف أن مخالفة أمر الرسول تجلب لهم الشرك؟! ففسرها على ما ورد عنه: أن المخالفة في الأمر الصغير تجلب مخالفة في الأكبر حتى يصل الأمر والعياذ بالله إلى الشرك.

    فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ، شك وريب وشرك في قلوبهم، وصرف لقلوبهم عن الحق إلى الباطل.

    أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] وجع للأبدان مؤلم موجع، أو عذاب أليم في الآخرة.

    أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور:64] تضمنت التهديد.

    وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا [النور:64] كما قال تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]، وكما تعالى: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:49].

    فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:64].

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.