إسلام ويب

سلسلة تفسير سورة يوسف [7]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وصف يوسف عليه السلام بالكرم يدل على أنه جدير وخليق بهذا الوصف؛ فهو لم يكتفِ بالعفو عن إخوته؛ بل واستقبلهم استقبال المتواضع، وخاطبهم خطاب الإخوة الذين لكل منهم حقه على الآخر، وشكر الله أن جمعهم بعد فرقة، ودعا دعاء الصالحين بحسن الخاتمة له ولهم. وقد ختم الله هذه القصة بأمور تكون بين الدعاة والمدعوين في كل زمان ومكان؛ ففي وقت دعوتهم للحق ينكرونه ويجحدونه؛ بل ويعرضون عن آيات الله المبثوثة في الكون، حالهم كما قال الله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)[يوسف:106].

    1.   

    استقبال يوسف لأبيه وعشيرته

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للإنس والجن أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال الله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف:99].

    خروج يوسف لاستقبال أهله أحسن استقبال

    أخذ بعض العلماء من قوله: (ادْخُلُوا مِصْرَ) أن يوسف عليه السلام لم يجلس في مكانه حتى دخل عليه أبواه، إنما خرج مستقبلاً لهم خارج المدينة لإكرام العشيرة والآباء والإخوة والأهل، فلم يجلس على كرسي العرش حتى يأتي أبوه ويدخل عليه وهو على الكرسي، إنما خرج إلى مصر مستقبلاً أبويه وإخوته وأهل بيته أجمعين.

    فإن قال قائل: قوله: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ قد يفيد غير ذلك.

    فالجواب: أنه قد ينصب ليوسف عليه السلام سرادق ونحوه خارج مصر، ثم يأتي آباؤه وإخوته فيدخل معهم جميعاً إلى مصر، وهذا وجه حسن من أوجه الجمع.

    والشاهد من ذلك: أنه يؤخذ منه إكرام العشيرة، وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ .

    استقبلهم أحسن استقبال، ولم يتنكر لهم كما يتنكر كثير من المخذولين في أزماننا، فثم مخذولون إذا أولاهم الله مناصباً، أو أولاهم الله جاهاً، أو أعطاهم الله مالاً يستنكرون لقبائلهم وعشائرهم؛ بل قد ينكر بعضهم أباه وأمه، فثم طبيب أفنت أمه حياتها في خدمته وفي الإنفاق عليه، وباعت متاعها وذهبها وأثاث بيتها إنفاقاً عليه في دراسته، ثم بعد أن تخرج طبيباً إذا به يستنكر أمه، تأتيه إلى المستشفى التي هو بها كي تتعالج عنده فيقول لها: ما اسمك أيتها السيدة؟! وكأنها امرأة غريبة لا يعرفها؛ لكونها أتت إليه محجبة مرتدية ثياباً طيبة سابغة؛ ساترة لجسمها وبدنها، ولكن كان يريد منها أن تأتيه متبرجة حتى يفتخر بها أمام زملائه!!

    فأي تنكر للعشائر أشد من هذا التنكر؟! وأي خذلان أشد من هذا الخذلان؟! ففرق بين رجل صالح قلده الله منصباً فأتى إليه رجل من بلدته إلى مكتبه فقام بإكرامه وإنزاله منزلته اللائقة به، وبين شخص منكر لأبويه وعشيرته. فيوسف عليه السلام كان من الصالحين، وهو يعلمنا كيف يكون الأدب مع العشائر والإخوان.

    ادْخُلُوا مِصْرَ [يوسف:99]، وهي مصرنا هذه، ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ، هكذا يقول يوسف عليه السلام لأبويه ولإخوته، ولم يكتف بإدخالهم وتكريمهم واستقبالهم الحسن؛ بل قال كما قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100]، أي: أجلسهم معه على سرير الملك، وهو أعلى مكان في القصر، فهكذا ننزل الآباء منازلهم اللائقة بهم، لا نتنكرلهم ولا نهضمهم حقوقهم؛ فللآباء حق ذكره الله تعالى بعد حقه في الكتاب العزيز: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] .. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] .. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151].

    (أي الذنب أعظم يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله، ثم أي يا رسول الله؟! قال: عقوق الوالدين)، هكذا يظهر حق الآباء، ويوسف النبي الكريم يعرف هذا تمام المعرفة.

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100]، بإذن الله، فقد كان سجوداً مشروعاً في شريعتهم، وهو سجود تحية، وقد نسخ في شرعنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)، فمنع سجود التحية في شرعنا، ولكن قال تعالى في شأن يوسف عليه السلام: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا .

    تحقق رؤيا يوسف عليه السلام

    قال يوسف مذكراً: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، التي هي: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4].

    فقد تتحقق الرؤيا بعد سنوات طوال، أربعين أو خمسين، أو ستين أو سبعين، أو أقل أو أكثر، ولا يلزم أن ترى رؤيا فتتحقق في الحال، وقد يتأخر تحققها، ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا كما قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذه الرؤيا، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً عام الحديبية هو وأصحابه، وكان فيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة، فصُد النبي عند الحديبية عن المسجد الحرام، ومُنع من دخول مكة، وصالح المشركين صلحاً على أن يرجع من العام القادم، فقام عمر فقال: يا رسول الله! ألم تكن تخبرنا أنا سنعتمر؟! ألم تكن تخبرنا أنّا نأتي البيت ونطوف به؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (بلى أخبرتك، ولكن هل أخبرتك يا عمر أنك ستدخل الحرم هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك ستدخله إن شاء الله)، ثم ذهب عمر إلى أبي بكر أيضاً وقال له: يا أبا بكر ! ألم يخبرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: يا ابن الخطاب ! ولكن هل أخبرك النبي صلى الله عليه وسلم أنك ستدخل الحرم هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك ستدخله إن شاء الله. ودخلوه في العام المقبل.

    فقد يتأخر تحقق الرؤيا سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع، أو أكثر أو أقل.

    وفاء يوسف في عفوه عن إخوته

    وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100]، يعدد يوسف عليه السلام نعم الله عليه، فيقول: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100]، ولم يقل يوسف: وقد أحسن بي إذ أخرجني من غيابة الجب؟! يقول العلماء: إن يوسف عليه السلام وعد إخوته عن قريب بقوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [يوسف:92]، أي: لا تجريح ولا توبيخ ولا تأنيب عليكم بعد اليوم، فلو قال: وقد أحسن بي إذ أخرجني من غيابة الجب، لكان في ذلك تخجيل وتجريح وتثريب لإخوته وقد وعدهم بغير ذلك، فلم يكن له أن يخلف وعده، ولم يكن له أن ينقض غزله صلى الله عليه وسلم، فهو نبي كريم محسن، وليس من شيم الأنبياء العود في الهبات، والعود في المغفرات، عليهم الصلاة والسلام جميعاً.

    شكر يوسف لنعم الله عليه

    وثم نعمة أخرى أيضاً في قوله: إذ أخرجني من السجن ، فهي نعمة كبرى، فقد كان ثَم أوباش بالسجن ومجرمون ولصوص، ومجالس المجرمين واللصوص والأوباش تقسي القلب في كثير من الأحيان، فإحسان من الله أن يخرجه من السجن، فلا ينبغي أن نتمنى الفتن، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر)، أي: فهنيئاً لهذا المبتلى الذي يصبر.

    وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100]، فإحسان من الله إلى يوسف أن يأتي إليه بآبائه من البدو، فسكنى البادية لا تستحب إلا عند الضرورات والملجئات، وقد حسن بعض العلماء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) ، وأحسن من ذلك الآية الكريمة: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا [التوبة:97]، فسكنى البادية في الغالب فيها شر أو قسوة للقلوب شيئاً ما، ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يرتد المهاجر أعرابياً.

    1.   

    خطاب يوسف الأخير مع أهله

    قال يوسف عليه السلام: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100]، رد الفضل إلى الله، فلم يقل: من بعد أن ظلمني إخوتي، بل جعل نفسه مع إخوته في مرتبة واحدة، حتى لا يجرحهم، وحمل الجريمة كلها للشيطان، فهو لها أهل وبها جدير ولها حقيق أن يتحملها، فهو الذي ينزغ بين العباد، ومن ثم قال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53].

    إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100]، فهو رحيم بعباده، رءوف بهم، لطيف بهم، يعلم ما دق وما عظم عنهم، هكذا ربنا سبحانه حكيم في قضائه، حكيم في قدره، حكيم في شرعه، حكيم في تدبيره، يبتلي العباد حتى يرفعهم درجات، ويظهر المحسن من المسيء، يبتلى العباد لإكرامهم وتنقيتهم ورفعتهم، والحياة الدنيا كلها بما فيها من ابتلاءات في الآخرة قليلة، قال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك).

    دعاء يوسف والأنبياء بحسن الخاتمة

    ثم إن نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام لما رأى الشمل قد اجتمع، ورأى الملك قد اجتمع له، وأقر الله عينه بأبويه وبإخوته وبأهل بيته جميعاً؛ استشعر الآخرة والموت، ففي الغالب أن النعم إذا اكتملت يوشك الشخص أن يفارقها، فلما قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، ما لبث النبي صلى الله عليه وسلم أن مات بعدها بثلاثة وستين يوماً، ولما نزل عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، استشعر الموت، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه السورة الكريمة نعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أجله. أي: أخبرته أنك يا محمد قد اقترب أجلك فاستغفر الله فالأجل قد اقترب، ونوح لما أغرق الله قومه وأقر الله عينه بالانتصار من الظالم قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [نوح:28].

    فلما اجتمع ليوسف عليه السلام الأمر وأقر الله عينه بوالديه وبإخوته وبأهل بيته أجمعين، وبالملك وبالعلم وبالنبوة، سأل الله سؤالاً دائماً يسأله أهل الصلاح من ربنا.. سأل الله حسن الختام، والوفاة على الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام مقولة الصالحين: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [يوسف:101]، اعتراف من يوسف لربه بفضل الله عليه، ليس تكبراً ولا تجبراً؛ بل يرد الأمر إلى نصابه والحق إلى الله سبحانه، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يوسف:101] أي: يا فاطر السماوات والأرض، يا خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [يوسف:101]، تولني يا رب بحفظك وبكرمك وبرعياتك وبفضلك، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [يوسف:101]، كما أنعمت عليَّ في الدنيا أنعم علي في الآخرة.. كما توليتني في الدنيا فتولني في الآخرة.. كما رحمتني في الدنيا ارحمني في الآخرة، تَوَفَّنِي مُسْلِمًا [يوسف:101]، أي: توفني على الإسلام إذا توفيتني يا رب، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، أي: لا تدخلني في عداد المجرمين يا رب، بل أدخلني في عداد الصالحين.

    وقد قالها سليمان عليه الصلاة والسلام لما تكلمت النملة له ففهم كلامها بإذن الله: وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، وكما قالها المذكور الصالح في سورة الأحقاف، الذي بلغ أشده وبلغ أربعين سنة فقال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]، هكذا فليختم أهل الصلاح حياتهم بالاستغفار كما ختمها رسولنا وهو في مرض موته إذ كان يقول: (اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى)، فليتبرأ الشخص من أصدقاء السوء، وليطلب من الله أن يحشر في عداد الصالحين والطيبين، ليطلب من الله أن يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.. هكذا طلب يوسف حسن الختام من ربه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [يوسف:101]، ليس مني يا رب بل منك الفضل كله.

    حكم تمني الموت

    وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    هل تمنى يوسف عليه السلام الموت أم أنه سأل الوفاة على الإسلام؟

    قال رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إن كان محسناً فلعله أن يزداد، وإن كان مسيئاً فلعله أن يستعتب)، وكوي خباب بن الأرت سبع كيات في بطنه فقال: (لولا أن الرسول نهانا أن ندعو بالموت على أنفسنا لدعوت به)، ولكن إذا خشي الشخص على نفسه الفتنة في الدين فله أن يتمنى الموت حينئذٍ، فقد قالت مريم عليها السلام: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)، وقال عليه الصلاة والسلام: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي)، وقال سحرة فرعون: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف:126]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر).

    قال يوسف عليه السلام: وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ، أي: تأويل الرؤى، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .

    وحي الله لأنبيائه بأمور من الغيب

    ذَلِكَ [يوسف:102]، أي: هذه الأخبار يا محمد التي قصصناها عليك، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [يوسف:102]، أمور غابت عنك لا تعلمها أنت ولا قومك، ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف:102]، أي: لم تكن حاضراً معهم يا محمد وهم يتفقون على إلقاء يوسف في غيابة الجب، وما كنت حاضراً معهم يا محمد إذ يخططون لقتل يوسف أو طرحه أرضاً، ولكنها أمور أوحيناها إليك.

    وهكذا يوحي الله إلى أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم بأمور من أمور الغيب لم يشاهدوها ولم يحضروها، وقد قال الله لنبيه في موطن آخر: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44]، وقال في موطن ثالث: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص:45]، وقال تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:46]، فهي أمور يوحيها الله إلى أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم؛ لتأييدهم في دعوتهم وتقويتهم فيما يدعون إليه.

    قال تعالى: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ) أي: حاضراً متواجداً إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون، ولكن هل بعد هذا القصص الكريم آمن القوم؟ كلا! فما آمن إلا القليل.

    1.   

    وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

    قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وإن قصصت عليهم ما قصصت يا محمد، وإن أتيتهم بكل آية، فأكثرهم لا يؤمنون، وهذه سنة الله في الخلق، فالقلوب لا يملكها إلا الله، فهو الذي يهدي وهو الذي يصرف عن الهداية سبحانه وتعالى.

    وقد قال الله جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97]، وقال سبحانه: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:14-15]، فهكذا الآيات والقصص والمعجزات والدلائل والبراهين.. كل ذلك لا يجدي مع من ختم الله على قلبه، فالمختوم على قلبه إذا جئته بكل آية لم تجدِ هذه الآيات معه.

    وإننا لنتعجب حقاً كيف يقص هذا القصص الكريم على قوم ولا يؤمنون بعد هذا القصص، لا يؤمنون بعد هذه المواعظ التي ترق منها القلوب وتذرف منها العيون! لكنه أمر قد قضاه الله سبحانه وتعالى وقدره: فريق في الجنة وفريق في السعير، فالآيات لا تجدي ولا تنفع مع من ختم الله على قلبه.

    حرص الأنبياء على هداية الكفار

    قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، أي: ولو حرصت على إيمانهم، ولو حرصت على هدايتهم، فما أكثرهم بمؤمنين، قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، فرسولنا حقاً لا يهدي من أحب، وليس لبشر أن يهدي من أحب، إنما الهادي هو الله سبحانه، ومن ثم ندرك لِم لَم تجد دعوة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وهو يقول له: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:43-45]، فلم تجدِ هذه النداءات، ولم تجدِ هذه الاستجداءات، فيقول أبوه: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم:46].

    وكذلك لم يجد دعاء نوح عليه السلام لولده إذ يقول: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42] ، ويقول الغشوم: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ، انظر إلى هذا الجهل والغباء، يقول: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43]، فيقول أبوه: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43].

    فليس لأحد سلطان على قلب أحد، إنما الهادي هو الله، فنوح عليه الصلاة والسلام لم يملك أمراً على قلب امرأته؛ بل خانته امرأته كما قال تعالى ضارباً مثلاً للذين كفروا بها: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10]، فليس لأحد سلطان على قلب أحد؛ بل الله يحول بين المرء وقلبه.

    فإذا علمت هذا فليطمئن قلبك إذا ابتليت بولد غير مؤمن أوبفتاة ليست بمؤمنة، فإن أمر القلوب مرده إلى الله، قال الله سبحانه وتعالى في ذرية إبراهيم وإسحاق: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات:113]، أي: بعض ذريتهما، فصنف محسن وصنف ظالم لنفسه مبين؛ فالهادي هو الله.

    وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، فالأكثرية كافرة، والأكثرية بعيدة عن طريق الله، أكثرية الخلق على هذا النحو، وعلى هذه الشاكلة، وكما قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] ، فلا يستوحشن مستقيم طريق الاستقامة، ولا يستقل السالكين فيه، فهم قلة على مدار العصور والدهور، وقد تقدم حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (عرضت علي الأمم؛ فرأيت النبي يمر ومعه الرهط، والنبي يمر ومعه الرجل، والنبي يمر ومعه الرجلان، والنبي يمر وليس معه أحد).

    1.   

    عفة الأنبياء والدعاة عما بأيدي الناس

    قال تعالى: وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [يوسف:104]، أي: إنك يا محمد لا تطلب أجراً من قومك على هذا الكتاب الذي تتلوه عليهم.. لا تطلب أجراً من قومك على هذا القصص الذي تقصه عليهم.. لا تطلب أجراً من قومك يا محمد على بيان طريق الاستقامة. وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله لا يسألون الناس أجراً على دعوتهم إلى الله، بل ينبغي عليهم أن يتعففوا عما في أيدي الناس حتى يقبل الناس دعوتهم، قال تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون:72]، وقال نوح عليه الصلاة والسلام: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29]، فهكذا ينبغي أن يتعفف الدعاة إلى الله عما بأيدي الناس من أموال ومتاع زائل وفان.

    قال تعالى: وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف:104]، أي: وعظ وتذكير للعالمين.

    حكم أخذ الأجر على تعليم القرآن

    وقبل البدء في تفسير قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف:104] ، نتجه إلى بيان حكم أخذ الأجر على تعليم القرآن، وعلى التفرغ لذلك:

    فيرى جمهور العلماء: أن أخذ الأجر على تعليم القرآن جائز ولا بأس به، ومن أدلتهم على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وقد جاء ذلك في سياق قصة وهي: أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بقرية من القرى فسألوا أهلها القِرى، وهو الإكرام الذي ينبغي للضيف، فأبوا أن يقدموه لهم، فما لبث سيد هذه القرية وكبيرها أن لدغته حية أو عقرب، فجاء إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه، وقال أصحابه لصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن سيد هذا الحي لديغ، وفي رواية: سليم، - والعرب تقول: سليم على المريض واللديغ تفاؤلاً بالشفاء- فهل منكم من راق؟

    قالوا: نعم، ولكنا سألناكم القرى فلم تقدموه لنا، فلن نرقيكم إلا أن تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم إن هم قاموا برقية هذا الشخص وشفي بإذن الله، فرقاه بعض الصحابة، وكانت لا تُعرف عنه رقية، ولا يعهد عنه أنه يرقي، فقام وقرأ عليه فاتحة الكتاب، وجمع بصاقه ورقاه، فبرأ بإذن الله، فأخذوا قطيع الغنم؛ فخرج بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قطيع الغنم هذا، وقالوا: كيف نأخذ أجراً على كتاب الله؟! فتصبروا حتى رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن حكم ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم، إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، فهذا عمدة الجمهور القائلين بجواز أخذ الأجر على تعليم القرآن. وهذا -كما سمعتم- رأي جمهور العلماء.

    وقد منع من ذلك فريق من العلماء، واحتجوا بعمومات كقوله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [الأنعام:90]، ولكن أجيب على هذا: بأن باب الدعوة إلى الله ليس كباب تعليم القرآن، فالذي يدعو إلى الله ويشترط على الناس إذا اهتدوا أن يعطوه مالاً فهذا مرتكب لجرم، ومرتكب لمحرم، أما الذي يتفرغ لتعليم المسلمين الذين هداهم الله بتعليمهم كتاب الله ويأخذ أجراً مقابل تفرغه فهذا جائز.

    واستدل بعض أهل العلم الذين منعوا من ذلك بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وغيره من الصحابة أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! علمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوساً، فقلت: أجاهد بها في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحببت أن تتقلد قوساً من نار فاقبلها)، لكن في هذا الحديث ضعف.

    وكذلك استدل بعض من منع من أخذ الأجر على تعليم القرآن بحديث: (اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه)، لكنه وإن حسن إسناده عند فريق من العلماء إلا أنه قد حمل بعض العلماء قوله: (ولا تأكلوا به) على أنه تبديل الحلال بالحرام والحرام بالحلال من أجل متاع زائل وعرض فانٍ، كما كان يفعل اليهود، فقد كانوا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ونحو ذلك: (اقرءوا القرآن فإنه سيأتي قوم يتعجلونه ولا يتأجلونه).

    فالحاصل من هذا البحث السريع الموجز: أن أخذ الأجر على تعليم القرآن هو رأي جمهور العلماء، وعمدة الجمهور في ذلك ما قد سمعتموه: (إن حق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، وهو ثابت عند البخاري ، والله تعالى أعلم.

    تفسير قوله: (إن هو إلا ذكر للعالمين)

    أما قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف:104]، فليس هذا الذكر خاصاً بصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ بل للناس كافة، وليس للإنس فحسب؛ بل للإنس والجن كذلك، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وقال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، فالقرآن نذير لصحابة رسول الله ولمن بلغه بعد ذلك فمن أتى بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالقرآن تذكرة وموعظة للإنس والجن، سواء الذين كانوا في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقرآن عام، قال الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف:158].

    قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ، و(العالمين) تأتي على معانٍ شأنها شأن كثير من اصطلاحات الكتاب العزيز حين تتعدد معانيها، فأحياناً تطلق (العالمين) على الرجال، أو تطلق على البشر: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:165]، وأحياناً تطلق (العالمين) على الإنس والجن: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وأحياناً تطلق (العالمين) على كل ما بين السماء والأرض، بل والسماء والأرض كذلك، قال فرعون لموسى: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:23-24].

    1.   

    إعراض الكفار عن آيات الله في الكون

    قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]، فليست فقط القصص هي التي أعرضوا عنها، وإنما عموم الآيات في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، لا يتفكرون فيها ولا يتدبرون.

    وقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ) معناها: وكم، فالمعنى: كم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون! فكم من آية في السماوات تدل على قدرة الله وعلى وحدانية الله سبحانه وتعالى، فثم رعد وبرق ونجوم وشمس وقمر ورياح.. كل ذلك في السماوات، ثم شمس وقمر دائبان، هذا يتبع هذا، ثم ليل ونهار هذا يطول وهذا يقصر، هذا يتداخل مع هذا، وهذا يتداخل مع هذا، ثَم شمس لها منظر عند غروبها، ومنظر عند شروقها، وهناك الأفق المبين كذلك.. آيات تدعوا إلى التدبر، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، ثَم نجوم زينت بها السماء الدنيا، كما قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك:5].

    ثَم سماء رغم اتساعها ليس فيها ثقب واحد، ليس فيها فرجة واحدة، وليس فيها تفطّر، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:3-4]، سماء مرفوعة بغير عمد ترونها، يمسكها الله سبحانه وتعالى.. آيات تدعو إلى تدبر وتفكر.. ليلة باردة، وليلة حارة، وليلة ذات ريح شديد، وليلة أخرى ذات برد شديد، وريح باردة طيبة.. أمور يدبرها الله ويصرفها عز وجل.

    سحب يتراكم بعضها فوق بعض.. غيث ينزل منهمراً أحياناً، وطل ينزل كذلك -وهو الندى- وطوفان يأتي من السماء جارفاً بإذن الله، وسحاب مسخر يسوقه الله إلى حيث يشاء ويريد.. فسحاب مسخر، شمس مسخرة، قمر مسخر، نجوم كذلك مسخرات، رياح مسخرات، قر وحر، للآيات تصريف يصرفه الله سبحانه وتعالى.

    وكذلك في الأرض آيات تدعو إلى التفكر.. جبال رواسٍ، معادن كامنة في بطن الأرض، ذهب يستخرج، حديد فيه بأس شديد، فضة يتزين بها، بحار وأشجار كذلك.. أرض فيها من كل زوج بهيج، يخرج منها الحلو والحامض، الأحمر والأصفر والأخضر وسائر الألوان، صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، هذا لذيذ الطعم وهذا دون ذلك، وهذا فوق ذلك، وكل ذلك بقدرة الله، صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، هذا له طلع نضيد، وهذا نجم وهذا شجر، هذه نباتات لها ساق، ونباتات ليس لها ساق، هذه نباتات زواحف، وهذه نخل باسقات شاهقات لها طلع نضيد، رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج.

    كذلك الحيوانات.. أسود ضارية مفترسة شرسة، ونسور ذات بأس شديد وبطش حديد، وعصافير تطير ضعيفة مستضعفة، وذباب أقل من ذلك وأحقر.. نمل ونحل، دواب هي فاسقات كحية وعقرب وفأرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكغارب وكحدية، فهذه فواسق خمس تقتل في الحل والحرم.

    وكذلك حيوانات مكرمة نهى نبينا محمد عن قتلها: النمل، والنحل، والهدهد، والصرد، فهذا طاووس شكله جميل، وذاك حمار صوته أنكر الأصوات.. هذا فيل ضخم الجسم إلا أنه بليد في الذهن.. هذا ثعلب ماكر، وهذا ديك يؤذن بالسحر، وينادي بالأسحار، وثَم قوم نيام.. وهذا ثعبان يزحف ويزعج، وهذه حية تفتك وتقتل، وفي باب مقابل حيوان أليف مألوف: شاة تحلب، وبقرة تسخر، وناقة تركب، كل ذلك يدبره الله سبحانه وتعالى، وكل هذا فيه دلالات وعبر وعظات.

    هذا سمك في البحار، وهذه حيتان، وهذه تماسيح، وكذلك سمك آخر ضعيف يُفترس، أسماك بأنواعها وزواحف بأنواعها وضروبها وأشكالها وألوانها، والكل سيموت والكل سيفنى، والكل بينه قصاص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، فالشاة ذات القرن التي نطحت الشاة التي ليس لها قرن يقتص منها يوم القيامة.

    إنها أمور تدعو إلى التفكر والتدبر، انظر.. ذباب كثير، وبيضه وفير بالملايين، ثم إن عمره قصير، فيموت حيناً بعد حين بالملايين، لكن ثَم نسور بأسها شديد وعمرها مديد، ولكن بيضها يسير، فتخيل لو أن بيض هذه النسور كان كثيراً كالذباب ماذا كان يحدث للأرض ومن على وجه الأرض؟ لافترست النسور من على وجه الأرض، ولحل في الأرض الفساد، وكذلك الأسود والنمور، هذا حيوان مفترس لكنه قد يؤلف، وهذا حيوان مفترس آخر لكنه لا يؤلف، كل ذلك بتدبير وتقدير الله سبحانه.

    عيون تتفجر من أحجار فيخرج منها الماء، أحجار تشقق فيخرج منها الماء، وورق التوت يخرج منه الدود فيخرج حريراً، وتقف عليه النحلة فتخرج عسلاً، وتأكل منه البقرة فتخرج لبناً وبعراً، يدبر ذلك كله ربنا سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]. هذه قبور قد حوت أجداثاً لقوم ظالمين كانوا يساكنوننا ويجالسوننا ويعاشروننا، قال الله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات:137-138]، وقال تعالى: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76]، أي: بطريق واضح يراه الناس المسافر والسائر.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]، ولكن كما قال ربنا سبحانه: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، فيجمعون مع الإيمان بالله شركاً.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.