إسلام ويب

سلسلة تفسير سورة يوسف [2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل في ثنايا هذه القصة ليرى أنها بنيت على قول الله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) كما يقول بعض أهل العلم، فإرسال يعقوب له مع إخوته، وإلقاء إخوته له في الجب بدل أن يقتلوه، وشراء العزيز له، وإكرامه، كل هذا دليل على أن الله غالب على أمره، ولكن مع الغلبة حكمة في إنجائه له من ابتلاء الجب والبيع والشراء، وأخيراً -وليس آخراً- ابتلاء امرأة العزيز أمام العزيز نفسه.

    1.   

    من أحكام الرؤى والأحلام

    المقدمة:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فهذا بحث مختصر يتعلق بالرؤى وبعض أحكامها؛ إذ قد كثرت في هذه السورة الكريمة، فمنها رؤيا يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، ومنها رؤيا الملك، ومنها رؤيا صاحبي السجن، فلزاماً إذاً أن نورد بعض ما يتعلق بالرؤى من أحكام.

    أقسام الرؤى وآداب كل قسم

    الرؤى على ثلاثة أقسام، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ ورد عنه عليه الصلاة والسلام ما حاصله: أن الرؤيا: إما حديث للنفس، وإما رؤيا من الله، وإما حلم من الشيطان. ولكل آداب.

    أما الرؤيا التي هي من الله سبحانه وتعالى فمن آدابها: أن تحدث بها من تحب بعد حمد الله سبحانه وتعالى عليها، فمن ثَم لا تحدث بها من تكره.

    أما الرؤيا التي هي حلم من الشيطان، فالآداب المتعلقة بها خمسة: أولاً: أن تتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ولا تحدث بها أحداً، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، فهذه خمسة آداب تتعلق بالرؤيا التي تكره.

    والرؤيا التي تكره قال في شأنها أبو قتادة رضي الله عنه: (كنت أرى الرؤيا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أثقل علي من الجبل، فلما سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا سريَّ عني)، فحاصل الآداب المتعلقة بالرؤية المكروهة: أنك تتعوذ بالله من شرها، ولا تحدث بها أحداً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وإذا كانت الرؤيا مفزعة فقم وصلِّ ما كتب الله لك أن تصلي.

    أما الرؤيا التي هي حديث للنفس فهي في الغالب أضغاث أحلام ولا يلتفت إليها كثيراً، والله تعالى أعلم.

    الزمن الذي تتحقق فيه الرؤى

    هذا وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث فحواه: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت فقد وقعت)، وهذا الحديث ضعفه فريق من العلماء.

    هذا وقد تتحقق الرؤيا بعد مرور سنوات طوال، فإن يوسف عليه السلام رأى الرؤيا وهو صغير وتحققت بعد سنوات طويلة كما هو معلوم ومشاهد في هذه السورة الكريمة.

    وكذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رؤيا: رأى أنه سيدخل هو وأصحابه مكة محلقين رءوسهم ومقصرين، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج متجهاً إلى مكة صده المشركون عن مكة، فاصطلح معهم صلح الحديبية المشهور، فقام عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله: ألم تكن تحدثنا أنا سنحج هذا العام، وسنأتي البيت ونطوف به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم حدثتك أنك ستحج، فهل أخبرتك أنك ستحج هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك ستحج وتطوف بالبيت) أو كما ورد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فالشاهد: أن الرؤيا قد تتحقق بعد زمن طويل ولا يلزم أن تتحقق عقب رؤيتها، ولهذا شواهد متعددة.

    ما يستأنس به في تأويل الحديث

    يستأنس بالأسماء التي ترى في الرؤى على تأويلها، ويسترشد بها على تأويلها، وكذلك يستأنس أحياناً بالألوان التي ترى في الرؤى، وبالأشخاص الذين يرون في الرؤيا، وبالكلمات التي تقال في الرؤيا، كل هذه مستأنسات يستأنس بها في تأويل الرؤى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأنا في بيت عقبة بن رافع ، وأتي إلينا برطب من رطب ابن طاب، فأولتها أن الرفعة لنا في الدنيا، وأن العاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)، هذا بعض ما يتعلق بالرؤى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء...) الآيات

    قال الله سبحانه وتعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، أي: جاء إخوة يوسف إلى أبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم الشنيعة؛ من إلقاء أخيهم في غيابه الجب، ومن التفريق بين الوالد وولده، ومن عقوق الوالد المشاهد، ومن عدم رحمة الطفل الصغير؛ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون، أي: يتباكون على الصحيح، فلم يكن بكاؤهم ببكاء، وكما قال الشاعر:

    إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى

    فكان بكاؤهم تباكياً وليس بكاء على الحقيقة، جاءوا متصنعين بهذا البكاء ملتمسين العذر عند أبيهم، وملتمسين العفو.

    وكما هو معلوم فإن القرائن تقدّم على الدّعاوى والأقوال، فكل قول ليس مدعماً ببينات وقرائن فهو قول متحفظ عليه، وليس مجرد البكاء بنافٍ للتهم عن المتهمين، فثَم أقوام يبكون عن حقيقة، وثَم آخرون يتباكون، فدائماً القرائن والبينات تقدم على الدعاوى والأحوال المصطنعة المتصنعة.

    عدم جواز العمل بالرؤى

    وهذا يجرنا إلى شيء قد نستفيد منه في ديننا -على سبيل المثال-: وإذا كان مؤدى الرؤيا مخالفاً للشرع، كأن يرى شخص رؤيا أنه أتاه آتٍ بأمره أن لا يصلي غداً، فلا يبني في حال من الأحوال على هذه الرؤيا؛ لأن الله أمرنا بالصلاة، فإذا جاءت رؤى تخالف أمراً من كتاب ربنا فلا يعول عليها، وهي حينئذ حلم من الشيطان.

    وكذلك في هذا الباب: إذا كان ثَم امرأة متبرجة، ورأى شخص رؤيا -وهو من الصالحين- أن تزوج هذه المتبرجة؛ فلا يعمل حينئذ بهذه الرؤيا، لأنا أمرنا بنكاح ذات الدين كما أمرنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالنصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله والبينات والقرائن، تقدم على التظاهرات والدعاوى والأحلام.

    من أحكام السبق في الإسلام

    إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ [يوسف:17]، أي: نتسابق فيما بيننا، وهل التسابق مشروع أم ليس بمشروع -وإن كان هذا ليس له مساس مباشر بالتأويل-؟ فالسباق مشروع، وقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ضمرت من الجيفاء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وهذا يؤخذ منه مراعاة التكافؤ، فلا تسابق بين شخص كبير وشخص صغير، وهكذا.

    فالسباق مشروع، ولا يجوز السباق على وجه الرهان إلا في ثلاثة أحوال، وهي المذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل)، فقوله: (لا سبق إلا في خف)، أي: في الدواب ذوات الخف، كالإبل، (أو حافر): وهي الدواب التي لها حوافر كالخيل والحمير، (أو نصل): وهو الترامي بالسهام، أما ما سوى ذلك فلا يجوز على وجه الرهان.

    وقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فسبقته مرة وسبقها مرة صلى الله عليه وسلم، وهذا مبسوط في مظانه، فـعائشة رضي الله عنها تقول: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات فأمر الجيش بالتقدم، ثم قال: سابقيني يا عائشة ! فسابقت النبي صلى الله عليه وسلم وكنت حينئذ خفيفة لم أحمل اللحم فسبقته، ثم لما تقدمت بي السن خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات فقال: سابقيني يا عائشة ! فسبقني، وقال: هذه بتلك)، فالمسابقة لا شيء فيها، ولكن لا تجوز على وجه الرهان إلا في الثلاثة التي ذكرت آنفاً.

    عمل يعقوب بالقرائن لبيان كذب أبنائه

    قال الله تعالى: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا [يوسف:17]، فيه أيضاً مشروعية توكيل شخص بحفظ المتاع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل).

    قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:17]، من العلماء من قال: لا يستحب لشخص أن يلقن شخصاً أموراً قد يحتج بها عليه، فإن فريقاً من أهل العلم ذكر أن إخوة يوسف لم يكونوا يضمروا بأن الذئب قد أكل أخاهم، ولكنهم ذكروا بقول أبيهم: وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [يوسف:13]، فلا ينبغي أن يلقن شخص، فإن قال قائل: قد صدرت من يعقوب عليه السلام وهو نبي؟ فالجواب عن ذلك: ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

    قالوا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، أي: وما أنت بمصدق لنا، فمؤمن لنا معناه: مصدق لنا، ومنه قوله تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس:83]، فقوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى) أي: فما صدّق لموسى.

    وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ، أي: وما أنت بمصدق لنا، وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]؛ لما استقر في نفسك من حبك الشديد ليوسف، فأي شيء سننقله لك عن يوسف فلن تصدقنا فيه.

    أخذ فريق من أهل العلم من سياقات هذا الحديث: أنه يعمل بالقرائن، فإن العلماء قد ذكروا أن يعقوب نظر إلى قميص يوسف، وإلى الدم الذي على القميص؛ فلم ير القميص مزق تمزيق ذئب، وإنما تمزيق بعض بني آدم، وأن الدم كذلك ليس بدم بشر، إنما هو دم حيوان آخر، وليس بدم يوسف صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخذ من قولهم: وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، هذه الأمور الثلاثة: نوع الدم، طريقة التمزيق، وطريقة الخطاب. فكلها قرائن تدل على كذبهم في دعواهم؛ فمن ثَم أعمل بعض العلماء القرائن.

    وهناك ما يدل على إعمال القرائن: كالولد في قصة سليمان عليه السلام مع المرأتين اللتين ذهب الذئب بابن إحداهما؛ فقد خرجت امرأتان ترعيان زمن داود عليه السلام، ومع هذه ابن لها، ومع تلك ابن لها، فعدا الذئب على ولد من الولدين فقتله وأخذه، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام وكل منهما تدعي أن الولد الباقي لها، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا من عند داود عليه السلام فمرتا بسليمان فاستوقفهما سليمان عليه السلام، وقال: أنا أقضي بينكما في هذا الولد المتبقي، ائتوني بسكين لكي أشقه بينكما نصفين، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله! فعلم من قرينة الرحمة التي بذلت من الصغرى أن الطفل لها، فقضى بالطفل للصغرى صلى الله عليه وسلم.

    فيعمل بالقرائن أحياناً وسيأتي لذلك مزيد إن شاء الله تعالى.

    صبر يعقوب على مصيبته في يوسف

    قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:17-18]، أي: بدم مكذوب ليس هو على الحقيقة.

    قال أبوهم -والأنبياء كما سلف هم أعقل وأزكى الخلق، وهم الذين اصطفاهم الله من خلقه عليهم الصلاة والسلام-: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، أي: حسنت لكم أنفسكم أمراً سيئاً، وزينت لكم أنفسكم أمراً شريراً، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، إلى من أشكو والذي خذلني هم أبنائي، إلى شامت يشمت فيّ؟ فكما قال الشاعر:

    قومي همُ قتلوا أميمة أخـي فإذا رميت يصيبني سهمي

    أأشكو أبنائي إلى شامت أم إلى حاسد.. لا أشكوكم إلا إلى الله.. ولا أشكو أمري إلا إلى الله، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، أي: صبر لا شكوى معه إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ فالصبر الجميل هو الصبر الذي لا تصاحبه شكوى للخلق.

    وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ، فهو الذي يطلب منه العون على ما جئتم به، وعلى ما ادعيتموه.

    خبر النبي في قضية الإفك

    ومثل هذه المقالة قالتها عائشة رضي الله تعالى عنها لما خاض الناس في الإفك بالذي قد خاضوا به، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة بعد مضي شهر وهي في بيت أبيها وعند أمها، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، فقال: (يا عائشة ! إني محدثك بأمر فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب واستغفر الله غفر الله له، ثم ذكرها بحديث الإفك، فقالت عائشة رضي الله عنها لأبيها: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال أبوها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله؟ فقالت لأمها: أجيبي عني رسول الله! فقالت أمها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟).

    وكانت عائشة تبكي بكاءً شديداً مريراً تظن أن سيفلق كبدها منه، فقالت: (والله لقد رميتموني بأمر يعلم الله أني منه بريئة، ولكن إن قلت لكم: إني بريئة لم تصدقوني، وإن قلت: إني ألممت بالذنب صدقتموني، فلا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18] ) ولم تكن تتذكر اسم يعقوب عليه السلام، فقد كانت جارية صغيرة؛ فأنزل الله سبحانه بكرمه وفضله براءتها في قرآن يتلى في المحاريب.

    قال يعقوب أمام هذه الصدمة العنيفة التي ابتلي بها، وقد كان من قبل لا يستطيع أن يفرط في ولده، فمجرد أن يذهب الولد زمناً يسيراً أو ساعات قليلة ثم يرجع يقول: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [يوسف:13]، فأي حزن بعد فقدان طويل.. أي حزن بعد أن يدعي أبناؤه أن الذئب قد أكل أخاهم؟ حينئذ لا يطلب الصبر إلا من الله، ولا يطلب العون إلا من الله.

    حكم بث الشكوى لغير الله تعالى

    لكن قد يرد في المسألة بحث متعلق ببث الشكوى: هل يجوز لنا أن نبث الشكوى لغير الله، أم أن ذلك غير جائز؟

    الظاهر الجواز ما لم يكن فيه تسخط على أقدار الله، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً وهي تقول: وا رأساه! أي تشكو رأسها، فقال: (بل أنا وا رأساه!)، وكذلك ورد أن عائشة دخلت على أبي بكر في مرض أصابه لما قدم إلى المدينة وهو يقول:

    كل امرئ مصبح في أهلـه والموت أدنى من شراك نعله

    وقال بلال في نفس المرض:

    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل

    وأردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل

    وشامة وطفيل: جبلان بمكة.

    الاستعانة بالصبر في الشدائد

    قال يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]: أي فهو الذي يطلب منه العون، به نستعين سبحانه لكنها استعانة بالصبر الجميل، واستعانة بالله وبذكره وبالصلاة له كما أمرنا ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153].

    عند الشدائد يستعان بالصبر وبذكر الله وبالصلاة، قال تعالى في كتابه الكريم: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40]، وقبلها قال: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:39]، فيستعان على الشدائد بالصبر وبذكر الله، وبالصلاة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، وقال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:97-99]، أي: اعبد ربك صابراً على عبادته حتى يأتيك الموت، فمن أعظم الأمور التي يستعان بها على الشدائد الصبر والصلاة والذكر.

    دخلت سارة جدة يوسف عليه السلام على الجبار، قيل له: قد دخل بلادك اليوم امرأة هي أجمل امرأة على وجه الأرض، وليس على وجه الأرض امرأة مثلها، وكان معها إبراهيم عليه السلام خارج البيت لا يملك حولاً ولا قوة إلا بالله سبحانه، فقام خارج البيت يصلي ويدعو، وزوجته سارة تدعو داخل البيت: اللهم كف يد الكافر، فمد الكافر يده ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، اللهم كف يد الكافر، فشلت يده، ومنعت من الوصول إليها، فقال: ادعي الله لي ولا أقربك بسوء، فدعت الله له، فمد يده ثانية ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، ثلاث مرات ولم يستطع الوصول إليها، فقال: أخرجوها من هنا، والله لقد جئتموني بساحر ولم تأتوني بإنسان.

    وأخدمها هاجر أم إسماعيل -فيما بعد- فكان من نسلها إسماعيل عليه السلام، الذي من نسله نبينا محمد سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، ببركة الصلاة والذكر وتقوى الله سبحانه.

    1.   

    قصة بيع يوسف بعد استخراجه من الجب

    قال يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، وأسدل الستار على يعقوب هنا.

    ثم قال تعالى في بيان يوسف والحال التي جرت بيوسف عليه السلام وهو في البئر المظلم الموحش: فالبئر عميق، وبه ماء، والآبار من العمق باردة، وهو طفل صغير صلى الله عليه وسلم، لكن إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعز عبداً فلا مذل له، كما قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت)، فأراد الله سبحانه ليوسف رفعة في الدنيا ورفعة في الآخرة، ولم يكن الله ليضيع أولياءه ولا الصالحين من عباده.

    خروج يوسف من ابتلاء البئر

    قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ [يوسف:19]، أي: الذي يبحث لهم عن الماء، ويرد به على أصحابه، والسيارة: القافلة التي تسير.

    فَأَدْلَى دَلْوَهُ [يوسف:19]، أي: في البئر، فتعلق يوسف عليه السلام بالدلو، فاستخرج الرجل يوسف عليه السلام، فإذا به يرى غلاماً ليس على وجه الأرض له مثيل ولا شبيه، غلام قد أوتي شطر الحسن صلى الله عليه وسلم، غلام بهي نجيب جميل يسر الناظرين، كأنه ملك كريم عليه الصلاة والسلام، فقال الوارد: يَا بُشْرَى [يوسف:19]، أي: يا بشرى هذا وقتك وهذا يومك، فإن أنا أجد ولداً جميلاً وسيماً على هذا القدر من الجمال الخارق، وعلى هذا القدر الطيب وسماحة الوجه.. يا بشرى تعالي فهذا مقامك.

    وفي ضد ذلك قول الكافر: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56]، أي: يا حسرة تعالي وحلي وانزلي على نفس فرطت في جنب الله، وهنا في المقابل: يا بشرى هذا وقتك فتعالي وحلي وانزلي.

    بخس السيارة ليوسف وبيعه

    وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً [يوسف:19]، أسروه: من الإسرار، والإسرار الكتمان، فمن الذين أسروه بضاعة؟

    من أهل العلم من يقول: إن الذين أسروه بضاعة هم الوارد ومن معه، أي: أسروه عن سائر القافلة، وأخفوا عن سائر القافلة أنهم وجدوه في البئر، أي: كتموا أمره على أنه بضاعة وأنهم اشتروها وسيبيعونها، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، وهذا القول هو الأقرب إلى سياق الآيات الكريمات، والأقرب إلى ظواهرها.

    فالذين أسروه بضاعة على هذا القول هم: الوارد ومن معه، أو الوارد ورفقته الخاصة دون سائر السيارة، فكأنهم أظهروا أنهم اشتروه وسيبيعونه، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، فمعنى الإسرار الكتمان.

    وثَم قول آخر: أن الذين أسروه وكتموا أمره هم إخوته، وكيف ذلك؟

    أورد بعض المفسرين -وليس ثَم دليل يشهد لذلك- أن أخا يوسف الكبير كان يتفقد أحواله يوماً بعد يوم؛ فيذهب إلى البئر فينظر إلى ماذا آل أمر أخيه يوسف، فلما وجد الوارد قد استخرجه أتى إليه سريعاً، وقال: هذا عبد لنا قد أبق، وأخفى أنه أخ له، وأخفى يوسف كذلك أنه أخوهم حتى لا يأخذوه ويقتلوه، فرضي بالبيع، ورضي أخوه بأن يبيعه.

    قال تعالى: وَشَرَوْهُ [يوسف:20]، أي: باعوه، فـ(شرى) بمعنى باع.

    وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف:20]، أي: الذين وجدوه باعوه، أو أن إخوته باعوه، على تأويلين للعلماء، والمعدودة معناها هنا: القليلة التي تعد، ومنه قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، أي: قليلات يأتي عليها العد.

    وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف:20]، وعلى هذا جوز بعض أهل العلم بيع السلعة النفيسة ذات القيمة الكبيرة بثمن قليل ما دام الرضا من البائع موجوداً ولا يوجد إكراه.

    وفي مقابل ذلك: الغبن الفاحش، هل هو جائز أو غير جائز؟ الظاهر أن الغبن الفاحش ترد به السلعة؛ لأنه نوع من أنواع الغش، بمعنى إذا كان مثلاً كيلو العنب يباع بجنيه أو بجنيهين فأرسلت ولداً لك يشتريه، فباع له البائع كيلو العنب بمائة جنيه، فلك أن ترد على هذا البائع السلعة وأن تسترد مالك؛ لأن هذا نوع من الغبن الفاحش، والذي به السلعة كما قال الفقهاء، لكن هذه تختلف عن صورتنا في هذا المقام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر...) الآيات

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ [يوسف:21]، ومصر هنا المقصود بها هذه البلدة، وليست بلدة من البلدان كالواردة في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا [البقرة:61]، فإن المقصود بها: أي مصر من الأمصار وأي بلدة من البلدان، لكن هنا: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ [يوسف:21]، المقصود بها: مصر المنسوبة إلى فرعون.

    إكرام العزيز ليوسف

    شاء الله أن يشتريه عزيز مصر: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ [يوسف:21]، أي: أكرمي مقامه، وأحسني إليه، عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [يوسف:21].

    ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بسند يحتاج إلى بحث أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: (عزيز مصر إذ قال لامرأته في شأن يوسف عليه السلام: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [يوسف:21]، وابنة الشيخ الكبير التي قالت لأبيها في شأن موسى عليه السلام: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، وأبو بكر لما استخلف عمر رضي الله عنهم أجمعين).

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ، قال العلماء: كان هذا الرجل عقيماً لا ينجب، وكان هذا التبني موجوداً إلى أن نسخ في شريعتنا على لسان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في قول الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5].

    إحسان الله ليوسف بإيتائه العلم والحكمة

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:21-22]:

    وبلوغ الأشد من العلماء من قال فيه: يكون ببلوغ الحلم، ومنهم من قال: ببلوغ الثلاثين، ومنهم من استدل بقوله تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15]، فقالوا: إن بلوغ الأشد هو أربعون سنة، كما قال تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12]، ومنهم من قال: الحكم هنا من الحكمة، والعقل وضع الأمور في أنصبتها اللائقة بها.

    آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، فيذكر الله سبحانه وتعالى الناس بالإحسان ويحثهم عليه، إذ المحسن يكرمه الله؛ فيبين الله سبحانه وتعالى في القصص القرآني الكريم أحوال أهل الصلاح ويعمم الحكم، فمن سار على مسيرتهم جوزي خير الجزاء، كما يذكر الله سبحانه أيضاً أهل الشر، ويتوعد من سار سيرهم كما قال تعالى في شأن الحجارة التي أرسلت على قوم لوط: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].

    ويذكر الله سبحانه إنجاءه لعباده ويقول: كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر:35]، أي: من شكر جازاه الله بأنواع من الجزاء مثل هذا الذي صنعناه.

    فالله سبحانه ذكرنا بإكرامه لنبيه يوسف عليه السلام ثم قال: إن هذا العطاء منا ليس خاصاً بيوسف عليه السلام بسبب النبوة، بل الإنجاء والإكرام عام، فلما أبان الله الإكرام الذي أكرم به نبيه يوسف قال: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، فهذا لابد أن ينتبه له.

    فالقصص القرآني نأخذ منه العبر، ونتأسى بمن كان قبلنا من أهل الفضل والصلاح، فالله سبحانه ذكر قصة أيوب عليه السلام فقال: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]، أي: يتذكرها العباد فيسيروا سيرهم.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، المحسنون هم الذين يعبدون الله ويراقبونه مع عدم رؤيتهم له، ويعبدون الله كأنهم يرونه، ويخشون ربهم بالغيب.. المحسنون كاظمون للغيظ وعافون عن الناس. فتلك من شيمهم.. المحسنون يقابلون الإساءات بالإحسان، والسيئات بالعفو والغفران.. هؤلاء هم المحسنون!

    1.   

    مراودة امرأة العزيز يوسف عن نفسه

    بين الله سبحانه ابتلاءً يتعرض له المسلمون خصوصاً والناس عموماً في دنياهم.. ابتلاء من الابتلاءات التي تكثر في الناس، والتي خشي علينا منها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ألا وهو الابتلاء والفتنة بالنساء، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء)، وقال عليه الصلاة والسلام : (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

    خطر النساء على الرجال

    يبين ربنا سبحانه فتنة تعرض لها يوسف عليه الصلاة والسلام، وحذرنا منها نبينا عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن لابد أن يبتلى في الدنيا، فقد يبتلى بضراء في بلد، وقد يبتلى بالسراء، أو بإغواء الغواة، أو بفتنة الفاتنين والمضلين، أو بمال، أو بمرض، أو بولد سيئ، أو بامرأة سليطة اللسان.

    أو تبتلى امرأة بزوج شرير مفسد.

    فالابتلاءات تتنوع، ويوسف عليه السلام ما لبث أن خرج من فتنة البئر ومن فتنة حسد إخوته له، ودخل قصر العزيز ينعم فيه بنعيم الدنيا من مطعم ومشرب وملاذ، لكن جاءته فتنة شديدة لا يصبر عليها إلا الصابرون، ولا يتقيها إلا المخلصون المحسنون.. إنها فتنة النساء.

    فتنة عظمى ابتلي بها يوسف صلى الله عليه وسلم، فقد أحبته امرأة العزيز حباً شديداً فوق كل حب، إذ أوتي شطر الحسن، وبشهادة النسوة: مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31]، هكذا وصفه النسوة، ووصف نبينا أدق: (أوتي يوسف شطر الحسن صلى الله عليه وسلم).

    فابتلي يوسف من وراء هذا الجمال بابتلاء: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:23]، والمراودة هي المطالبة برفق ولين، وأحياناً تكون أشد وقعاً وتأثيراً من المطالبة بالعنف والشدة، أما العنيف فإنه يقذف الكراهية في قلب من يطلب منه الشيء؛ فالمراودة هي المطالبة بالرفق واللين.

    وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:23]، ولم يذكر اسمها صيانة لعرضها، وفي التعبير بقوله تعالى: (الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) بيان أنه كان يفترض فيها أنه عبد عندها وعند زوجها وأن عليها أن تراقب الله فيه.

    وقد نال يوسف حظاً كريماً من قول نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)، وقد نال يوسف عليه السلام قسطاً عظيماً من هذا الحديث النبوي الكريم.

    امتناع يوسف من امرأة العزيز

    قال تعالى: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:23]، أي: طلبت منه فعل الفاحشة معها، وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23]، أي تهيأت لك وتزينت، فهلم وتعال.

    قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف:23]، أي: أعوذ بالله من هذا الصنيع، إِنَّهُ رَبِّي [يوسف:23]، أي: زوجك سيدي قد اشتراني وأنا عنده عبد مملوك، فهذا تأويل، والتأويل الآخر: أن المراد بالرب هو الله سبحانه، وكلا التفسيرين له وجه من التأويل، وكلا التفسيرين صحيح.

    فعلى القول الأول: إِنَّهُ رَبِّي أي: سيدي قد أحسن إلي واشتراني بخالص ماله، فلم يكن لي أن أقابل الإحسان بالإساءة، ولا المعروف بالجحود والنكران، فهذا شأن كافري العشير؛ إذ هم الذين يقابلون الإحسان بإساءة، والإنعام بجحود ونكران وكفران، أما أنا فلا: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ أي: أكرم مقامي.

    وعلى التأويل الآخر: إنه الله كريم سبحانه وتعالى، أنقذني من غيابة الجب، وأنقذني من حسد الحاسدين، وأكرمني بالمقام عندكم، فلا أكفر نعمة ربي عليّ.

    فكلا التفسيرين له وجه، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23]، فالظالم هو الذي يكفر نعم الله، وكذلك يكفر نعم الخلق.

    معنى قوله: (ولقد همت به...)

    وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]، ما هو الهم الذي صدر منها؟ وما هو الهم الذي صدر منه؟

    الهم: القصد والإرادة، وقد يُصَاحب الهم بالفعل أحياناً، هم بالشخص ضربه أحياناً، فالهم كان منها ببذل جهدها وإبداء رغبتها، بل وبالسعي جاهدة وراء يوسف لنيل الفاحشة منه، بينما الهم منه كان حديث نفس على الظاهر من تأويل الآيات اللغوي، وحديث النفس معفو عنه ما لم يبرز، بل قد يبدل الهم بالسيئة إلى حسنات تكتب للشخص؛ وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (إن الله عز وجل يقول لملائكته: إذا هم العبد بالحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له عشراً، وإذا هم عبدي بسيئة فارقبوه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإن لم يعملها فلا تكتبوها شيئاً) وفي رواية: (فاكتبوها له حسنة)، وفي رواية أخرى: (فإنما تركها من جرائي).

    فإذا ترك العبد السيئة خوفاً من الله كتبت له حسنات، ودل على ذلك أيضاً حديث ابن العم الذي جلس بين رجلي ابنة عمه، فقالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، ثم توسل بهذا الصنيع إلى ربه لما انطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار، ففرج الله عنهم.

    فالعبد إذا هم بسيئة وتركها لله كتبت له حسنات، كذلك يوسف حدثته نفسه كبشر بما شاء الله أن تحدثه؛ لكنه خشي الله وترك هذا خوفاً من الله؛ فبدلت هذه الأنواع من الهم إلى حسنات، هذا الظاهر والواضح، وهذا الذي لا يليق غيره بمقام النبوة الكريم؛ فالأقوال المفتراة على نبي الله يوسف، والإسرائيليات المبثوثة والمدسوسة على نبي الله يوسف لا تليق بنبي كريم، وإنما حدثته نفسه، ثم حول هذا التحديث إلى طاعة لله، ووجل من الله سبحانه، فحينئذ ترتفع درجاته عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24]، وما هو برهان ربه؟

    لم يرد شيء صريح عن رسول الله في هذا البرهان، وللعلماء فيه أقوال متعددة، لا ينبني شيء منها على كبير دليل، ومؤداها أنه تذكر الله فذكر ورجع عليه الصلاة والسلام.

    صرف الله السوء والفحشاء عن يوسف

    كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]، فالذي يصرف السوء هو الله.

    والذي يصرف الفحشاء هو الله، والسوء كل ما يسيئ، والفحشاء كل ما يستفحش ويستقبح ويستنكر من عظيم الذنوب، والسوء والفحشاء هو الزنا ومقدمات الزنا.

    السوء: المقدمات على رأي بعض العلماء، والفحشاء هي الفاحشة الكبرى، فطهره الله سبحانه وتعالى منها، ولم يقترف شيئاً من السيئات ولا من الفواحش، فهو نبي كريم بوصف نبينا محمد له: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم).

    قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]؛ فالذي يصرف السوء هو الله، فلنلتمس منه صرف السوء عنا، وعن ذرياتنا ونسائنا وإخواننا وأخواتنا، والمسلمين والمسلمات.

    إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، أي: لسابقة خير صدرت منه عليه السلام، وهو اجتهاده في مرضاة ربه.

    وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:25]، وهذا من خير ما يدل على نزاهة يوسف وبراءته؛ إذ هو يجري وهي تتابعه، فهل أدل على براءته من أن يجري هارباً وهي تلاحقه كي يفعل معها الفاحشة؟

    إنه نبي كريم، منزه مبرأ من الخطأ!

    (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ): جرى صوب الباب كي يفتح ويهرب عليه الصلاة والسلام، فأدركته وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ [يوسف:25]، أي: قطعت قميصه من الخلف، وشاء الله وقدر: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25]، أي: وجداه، حيث فتح الزوج الباب لأمر قدره الله وشاءه، وإذا بيوسف وامرأة العزيز بعد يوسف تطارده وتجري بعده.

    فلما دخل زوجها إذا بها تلصق التهم بغيرها، تلصق التهمة بالبريء الكريم! فتقول مباشرة لزوجها ملصقة التهمة بيوسف عليه السلام: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25]، وهكذا معشر المسلمين تسجن العفة والطهارة معها، ويسجن البريء، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ فتطالب بسجن يوسف أو بتعذيبه، ولم العذاب الأليم ولم يصنع يوسف عليه الصلاة والسلام شيئاً؟ ولكنه ابتلاء تلو ابتلاء، فليصبر الصابرون وليحتسب المحتسبون.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة في مرض موته: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة لـحفصة: يا حفصة ! قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع الناس قراءته من البكاء! فمر عمر فليصل بالناس، فأعاد وأعادت عائشة وحفصة ، وأعاد وأعادت عائشة وحفصة ، فقال عليه الصلاة والسلام مشتداً: مروا أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف).

    ويعني بذلك عليه الصلاة والسلام: أنهن يردن أمراً ويظهرن أمراً آخر، فـعائشة تقول عن نفسها: (والله ما حملني على قولي: إن أبا بكر رجل أسيف إلا أني خشيت أن يأتي أبي بعد رسول الله يأمُّ الناس فينظر الناس من الذي جاء بعد رسول الله فيجدونه أبا بكر فيتشاءمون بـأبي بكر ، فأردت أن أبعد عن أبي هذا التشاؤم وليلصق هذا التشاؤم بغير أبي، فقلت لـحفصة : قولي له مر عمر فليصل بالناس)، ليس رفضاً للإمامة ولكن رفضاً لتشاؤم الناس بـأبي بكر بعد رسول الله.

    فكان هذا نوعاً من الدهاء، ونوعاً من الكيد الذي يصدر من النساء، فليعلم كل سائسٍ للنساء أن كثيراً من النساء من ذوات الحيل يردن أمراً ويظهرن أمراً آخر، كما قالت حفصة لـعائشة وكانتا في سفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يركب مع عائشة على جملها، فعماد القسم في السفر النزول، كما أن عماد القسم في الحضر الليل، فكان الرسول يسير مع عائشة على الجمل في السفر، فأرادت حفصة يوماً أن تركب هي مع الرسول، فقالت لـعائشة مظهرة أمراً آخر: يا عائشة ! ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر، أي تنظرين في اتجاهي وأنا أنظر في اتجاهك؟ ولم تقل: إني أريد الرسول، قالت: بلى، فركبت عائشة مكان حفصة وحفصة مكان عائشة، فأتى الرسول إلى بعير عائشة فركب معها فإذا هي حفصة، فسار معها طول الطريق واستحيا أن ينزل، وعائشة تنتظر الرسول يأتيها فلا يأتيها، فحزنت حزناً شديداً، ونزلت تضع رجليها بين الإذخر، أي: بين الحشيش الذي في الأرض وتقول: يا رب سلط علي عقرباً تلدغني، نبيك وما أستطيع أن أقول له شيئاً، فانظر كيف احتالت حفصة هي الأخرى على عائشة رضي الله عنهن أجمعين.

    والله تعالى أعلم.